مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

أسئلة الإبداع والفكر في مهرجان الشارقة المسرحي

أسئلة الإبداع والفكر في مهرجان الشارقة المسرحي

مراسة الطاهر الطويل من الشارقة
خاص بالموقع
أتاحت الدورة الثالثة والعشرون من مهرجان الشارقة المسرحي للجمهور المحلي وكذا للضيوف العرب الفرصة للاطلاع على تجارب متنوعة من المسرح الإماراتي، مما يمكن من تكوين تصور شامل عن واقع الفن الرابع بهذا البلد، وأيضا عن الأسئلة الجمالية والفكرية التي تسكنه.
ومما يسترعي الانتباه في عروض هذه التظاهرة الثقافية ـ المنظمة من طرف دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة من 17 إلى 27 مارس الجاري ـ أنها تعكس بوضوح حجم الدعم الموصول الذي يحظى به المسرح من طرف الأجهزة الرسمية بهذا البلد، مما يذلل الصعاب على الفرق المسرحية، ويجعلها تنشغل بميكانزمات الإبداع، أكثر مما يمكن أن تنشغل بالشروط المادية الضرورية وبفضاءات العرض والتداريب. بمعنى آخر، إن ثمة إرادة سياسية للارتقاء بأب الفنون وتشجيع المهووسين به.
على صعيد آخر، يلاحظ أنه على الرغم من حداثة التجربة المسرحية الإماراتية على مستوى الزمن، قياسًا ببلدان عربية أخرى (أو بالأحرى بسبب هذا العامل) يوجد نوع من التلاقح والتكامل والحوار بين الأجيال الفنية، إذ لا مكان لحواجز السن أو الجنس بين ممارسي وممارِسات هذا الفن من مؤلفين ومخرجين وممثلين وتقنيين وغيرهم.
في ما يخص الاشتغال الدرامي، يخرج مشاهد الأعمال المسرحية الإماراتية بملاحظة جوهرية، مفادها أنها يتجاذبها عنصرا التقليد والتجديد. فإذا كانت بعض الأعمال تلجأ إلى طرق كلاسيكية، إنْ على مستوى مكونات النص المكتوب وطريقة تناول “الثيمات” الاجتماعية والنفسية وغيرها، أو على مستوى بنية العرض المسرحي ككل؛ فإن أعمالا أخرى تركز على البحث والتجديد والتطوير الإبداعي، منفتحة على الأفق العربي والعالمي في هذا المجال.
في المستوى الأول المُلمّح إليه آنفاً، ثمة فرق تلجأ إلى محاكاة بسيطة ومرآتية للواقع، سواء من حيث تناول المضمون والخطاب، أو من حيث تأثيث فضاءات العرض سينوغرافياً، إذ يتم ملء الفراغ بعناصر تحاكي ما هو موجود في الواقع، غافلةً أن المسرح كفن إبداعي يقوم على الاختزال والترميز والاقتصاد على مستوى العلامات المسرحية، من منطلق أن الأمر يتعلق في النهاية بعالم التخييل والمجاز، عالم الإبداع.
 
راهن المسرح العربي
 
تضمن برنامج أيام الشارقة المسرحية كذلك ندوة فكرية في موضوع، “دور المسرح العربي في اللحظة الراهنة”، حيث اعتبر عدد من المسرحيين العرب أنه لا يمكن الحديث عن “مسرح عربي” بهذه التسمية، ملحّين على وجود مسارح متعددة في كل قطر من الأقطار العربية. كما طالبوا بعدم إلصاق “خصوصية” ما بالمسرح الموجود في هذه الأقطار، من منطلق أن الممارسة المسرحية العربية ينبغي أن تندرج في السياق العالمي، لا أن تكون منفصلة عنه.
وأسهبت المداخلات والتعقيبات المقدمة خلال جلستيْ الندوة في تشخيص راهن المسرح العربي في ارتباط مع التحولات الجارية بأكثر من بلد عربي، حيث شدد بعض المتحدثين على ضرورة محافظة المسرح على دوره التنويري والتحديثي والدفاع عن قيم الحرية والتعددية الفكرية والتطور الاجتماعي والثقافي.
كما احتل موضوع المتلقي حيزا وافرا من المداخلات، وذلك بحكم الحاجة إلى جمهور قادر على التواصل مع الإبداع المسرحي والتفاعل مع مختلف الأبعاد الجمالية والفكرية والقيمية التي يحملها. وتساءل بعض المتحدثين، في هذا الصدد، عما إذا كان ضروريا الاقتصار على الشكل التقليدي للمسرح كبناية مغلقة، أم من اللازم تنويع فضاءات العرض في الشوارع والأماكن المفتوحة العامة وفي المؤسسات التعليمية وغيرها، وإلى هذا المنحى الثاني مالت أغلب المداخلات، حتى يتأتى الخروج بالمسرح من نخبويته ومحدوديته.
وخلال التطرق إلى بعض التجارب المسرحية التي قدمت خلال الحراك العربي الأخير، شدد عدد من المتحدثين على ضرورة إقامة نوع من المسافة بين الإبداع المسرحي والموضوع المتناول، حتى لا يطغى الطابع الانفعالي والتأثري المباشر مع الموضوع المتناول، خاصة وأن مآلات ذلك الحراك ما زالت لم تتضح بعد، إذ تعيش باستمرار مخاضات مختلفة.
كما ذهبت بعض الآراء إلى ضرورة إقامة الفصل بين الحالة الإبداعية للمسرح والحالة المؤسسية للأنظمة، وكذلك إلى اعتماد رؤية مستقبلة للعروض المسرحية، قادرة على استيعاب هموم الإنسان العربي وتطلعاته بشكل أكبر، وهو ما يستدعي ـ حسب أصحاب هذا الرأي ـ أن يتحول المسرح نفسه إلى مؤسسة قائمة الذات تقوم على الأساليب المدروسة والبحث العلمي الممنهج. فيما رأى آخرون، أنه من المفيد التفكير في صيغ مرحلية لإدراج المسرح ضمن نسق اقتصاد السوق وتشجيع الإقبال عليه وإخراجه من دائرة المحفل الموسمي الرسمي إلى الفضاء العام، دون التخلي الكلّي عن اعتباره مرفقا عاما من واجب الدولة أن تسانده وترعاه وتقوم على شؤونه.
تبقى الإشارة إلى أن جلسات الندوة تضمن مداخلات كل من الأساتذة: محمود الماجري (تونس)، صميم حسب الله (العراق)، فهد العبد المحسن (الكويت)، نجيب الشامسي، عمر غباش (الإمارات العربية المتحدة).    
تكريمات مستحقة
كرمت أيام الشارقة المسرحية في دورتها الثالثة والعشرين الفنان الكويتي عبد الحسين عبد الرضا، الذي تحدث عن بداياته المسرحية منذ الخمسينيات، مشيراً إلى أن احتكاكه بأب الفنون كان مع المسرح المدرسي والحركة الكشفية. وبهذا الخصوص، أشاد بدور الفنان المسرحي المصري زكي طليمات في الارتقاء بالحركة المسرحية الكويتية تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً، وقال عبد الحسين إنه كان ضمن 40 ممثلا كويتيا اختارهم طليمات من بين 400 شاب، حيث قدموا تحت إشرافه مسرحيات “صقر قريش”، “أبودلامة”، “آدم وحواء”…
وأوضح أن هذه المسرحيات التي كانت تقدم باللغة العربية لم تكن تستقطب الجمهور الكويتي، فاتجه بعض الكتاب المحليين ـ كسعد الفرج وصقر الرشود ـ إلى تأليف مسرحيات بالعامية المحلية ساهمت في جلب الجمهور، وخاصة مع ظهور التلفزيون في الكويت.
كما اعتبر أن التجربة المسرحية الكويتية شهدت منعطفا ملحوظا مع المخرج التونسي منصف السويسي الذي أخرج مسرحية مسرحيتين “باب لندن” و”سيف العرب”.
وبسبب ندرة النصوص المسرحية المحلية وغياب المتخصصين في هذا المجال، كانت أغلب التجارب المسرحية الكويتية محاولات فردية، من بينها النصوص التي ألفها عبد الحسين عبد الرضا؛ ما أدى به في وقت من الأوقات ـ كما يقول ـ إلى البحث عن مسرحيات عربية لإضفاء صبغة محلية عليها، تفاديا للسقوط في التكرار والاجترار.
وقدم الفنان محمد المنصور شهادة في حق زميله عبد الحسين، الذي اعتبره عملاقا من عمالقة الفن العربي تربّت على يديه أجيال وتجارب، مشيراً إلى أن المنافسة كانت شديدة بين فرقتيهما المسرحيتين. واعترافا بالفضل والعرفان، تحدث الفنان داود حسين عن تجربته مع أستاذه عبد الحسين عبد الرضا الذي علمه كيف يقف على خشبة المسرح ـ كما قال، مضيفاً أنه قدم بجانبه عدة أعمال مسرحية وتلفزيونية. من جانبه، قال الفنان عبد العزيز المسلم إن عبد الحسين عبد الرضا “علامة كويتية مميزة نفخر بها، وأنا أرى فيه أهلي وعزبتي”، مثنياً على ما يميزه من حس إنساني رفيع ومن جدية ومثابرة في العمل وشمولية في مجالات العمل الفني. وقدم الفنان الإماراتي مرعي الحليان شهادة في حق المحتفى به، كما تطرق إلى العلاقات الفنية التي جمعتهما، معا متوقفاً في هذا الصدد عند تجربة مسلسل “مرمر زماني”.
وفي اللقاء التكريمي الذي أداره الإعلامي والناقد الكويتي عبد الستار ناجي، تحدث الفنان عبد الحسين عبد الرضا عن تجربته مع المسرح الخاص الذي أسسه في الكويت، كما استعاد ذكرياته مع المسلسل الكويتي القديم “درب الزلق”، الذي يحيل على فضاءات الكويت مع بداية اكتشاف النفط من خلال مواقف خفيفة كتبها عبد الأمير التركي وساهم الممثلون أنفسهم في إضافة حوارات لها. وأثنى المحتفى به على جهود الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة في دعم النشاط الثقافي ورعاية الفن والفنانين.
كما كرمت أيام الشارقة المسرحية الفنان الإماراتي مرعي الحليان، حيث قدم شقيقه الفنان غانم السليطي شهادة في حقه، واصفا لحظة التكريم هذه بأنها فرح مختلف ومركب وتختلط فيه المشاعر بين الأخوة والصداقة والمسرح والبيت والماضي والحب والحاضر متوجاً بالقادم . كما اعتبر المحتفى به فنانا مسرحيا، “عشق الكلمة والخشبة والمقولة، مقولات الجرح والألم والسخرية والوطن والأمل والطفل والطلقة التي تسقط على الفكرة لتستبدلها بالأجمل”. وتضمن حفل التكريم شهادات أخرى قدمها نقاد وممثلون مسرحيون عرب وخليجيون.
tahartouil@gmail.com
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف