مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع العالم الفرنسي رافائيل سيمو

حوارمع العالم الفرنسي رافائيل سيمون : تكنولوجيا الانترنت تفضّل القارئ المُطّلع على الواعي والمعرفة على الحكمة والمعلومات على التفكر
 
تقديم وترجمة: يقظان التقي
يرى عالم اللغة و”الباحث والبروفسور في جامعة روما” رافائيل سيمون تحولاً وتأثيراً كبيرين للانترنت على عالم المعرفة الذي صار مساراً متوجاً ويحدث للمرة الثالثة على التوالي في التاريخ تحولاً انتروبولوجياً في اثر بالغ على الفكر الانساني وعلى نحو لا تراجع عنه.
الباحث الايطالي الكبير في كتابه “Prisdans la toile ” عن “(منشورات غاليمار”) وفي وجهة نظر متقدمة جداً يحلل ويفكك ايجابيات وأخطار وسلبيات والرهانات للحضارة الرقمية الجديدة.
مجلة “لوبوان” الفرنسية التقت رافائيل سيمون وحاورته حول كتابه الجديد والمجال الاعلامي الجديد الذي يشكل مرحلة قطع مهمة من جهة الناس الذين خرجوا على المرجعيات الكبرى والمركزيات الفكرية ومن جهة أخرى النخب التي تقع يدها على المعرفة نتاج قرون متعددة.
وهنا مقتطفات في الحوار الطويل والشيق:
[ لوبوان: بعد اختراع الكتابة والطباعة وُلد في مجال الميديا عالم الانترنت وتقنيات تكنولوجية ومعرفية أحدثت ثورة معلوماتية وللمرة الثالثة في التاريخ أحدث تحولاً أنتروبولوجياً، هذا قد يخرج العمليات التي حققها الفكر الانساني، الا يمكن الكلام هنا عن تراجع؟.
ـ رافائيل سيمون: في أبحاثي الأخيرة “المينوتور النائم“) (LeMinotore doux) كما في كتابي (“المأخوذ في الشبكة) “dans la toile Pris” قدمت وصفاً متشائماً غير قابل للتراجع.
أعتقد أننا نعمل في إطار نظام شمولي من المعلومات، وسرعة الانتشار، والتخزين والتقيد في حقل المعلومة والمعرفة الغامضة والثنائية. من جهة يمكننا أن نحصل من خلال حركة إصبع على كمّ كبير من المعلومات الهائلة في خلال نصف ساعة أو ساعات أو حتى أسابيع، ما كان ممكناً الحصول عليه خلال عشرين عاماً.
أو نصير ساكنين الى جدار مربّع من دون إجابة أو إضرار.. أو ندخل في اتصال مع أي شخص من العالم من دون تعب ومن دون نفقة تذكر. من جهة أخرى لا أحد يستطيع أن يضمن نوعية تلك المعلومات أو الأخبار أو يتأكد منها من مصادر مستقلة سواء لجهة المضامين أو الحقيقة الواقعية لأنه على الرغم من كل المظاهر، لكل الوسائل الاعلامية والوسائط تتحرك في “فراغ انساني”، غير معقول والتي ليست سوى مادة ثقافية في القدرة على التحليل في استخدامات غير مدعومة أو مسنودة.
أنا أؤكد أن المعرفة فقدت ثلاث دعائم في سياقها الذي أحرزه التراث الغربي: الشكل النظامي أو الفكر المنهجي، السمة الدورية والطبيعة الموسوعية. على الانترنت الفرد هو المرجعية، وعالم الانترنت هو عالم فردي بالنهاية والمعرفة متدرجة وعولمة الرسائل تؤدي الى ثقافة أحادية، وحيدة اللغات تسيطر عليها التكنولوجيا. لذلك ظهور هذه التكنولوجيا الجديدة، يمثل في وقت واحد فرصة ومخاطرة، عامل اضطراب وعدم يقين الى اخفاء الطابع الافتراضي، ليس في حد ذاته، حسناً، ولا سيئاً ولا محايداً: انه عالم يتقدم باعتبار حركة الانسان نفسها في “التحول الى آخر” أو ظهور سمات عدم التجانس. فالانترنت هندسة اجتماعية جديدة، يمكن أن تنتهي الى السيطرة على هذا الكوكب فهي، أولاً، نسق ذاتي التنظيم، وقد تطورت بلا قوة دافعة مركزية، وبلا تخطيط مركزي وبلا سيطرة تراتبية. انها هذه افتراضية، النقيض الكامل للنماذج التقليدية للتنظيم الذي اعتدنا عليه.
عالم مَرَضي؟
[تحدثت عن “قوة الأفراد الشيطانية” للانترنت والوسائط الجديدة. هل نحن في إطار عالم مرضي؟
ـ الواقع ان الاندفاع الذي لا يقاوم للتقنيات الفورية وتطور الواقع الافتراضي والواقع المتزايد والحضور عن بعد يخلق شروط الظهور، وحالة جديدة من الواقع الافتراضي وتقترن هذه الظاهرة بخطر جديد، “شيطنة الجنة المفتعلة الجديدة للذكاء” وهذا الأمر مخاطرة كبيرة بفعل الانسان وغوى افتراضي والأمر يعود الى الاختصاصيين ان يسموه عالماً مرضياً أو لا. هذا تركيز على عالم التصورات أكثر من الوسائل المادية للانتاج، وأكثر مما يصنع الأشياء المادية، وهذا المجتمع يدخل في مجال الثقافة بوسائل صناعية.
هذا يتأكد بشكل خاص في غياب الأمكنة في إطار جنون الوحدة أو العزلة الفردية: في المطارات، المواقف والمحطات في القطارات ووسائل النقل المشتركة وحتى في البرلمانات والجمعيات على اختلافها. في كل تلك الأمكنة مخاطر عادة لمجموعات كبيرة من الناس، وكل واحد وبولع وشغف كبير مأخوذاً بالشبكة ولساعات وساعات. حتى في الأماكن المخصصة للصمت والعتمة، المسارح وحالات السينما وحتى في الكنائس والمقابر، يمكن لأحدهم أن يشغل هاتفه ويضيء شغله بكبسة إصبع أو بلمسة ويجري اتصاله أو يرسل إشارته الشخصية. انقلبت تماماً لصالح بيئة غير محلية وبعيدة عن إلفتنا الاجتماعية. هذا الطابع الفردي يؤثر علينا. وبطبيعة الحال فإن كل كائن بشري وفي كل لحظة من وجوده، فريد، وهذا الطابع من التنوع اللانهائي يسقط بفعل إخفاء الطابع التماثلي مع الآخرين، ما يعني تراجعاً ينطوي على عواقب مفزعة نتيجة ثورة الشبكة.
حاجات جديدة
[لاحظت أن الانترنت كونّت حاجات جديدة، وهذا ليس حال كل التقدم في المجالات الثقافية والتقنية. قبل اختراع الكتابة ثم الطباعة، لم يكن أحد بحاجة الى القراءة ثم تحول الأمر الى ادمان قاس. اليوم الحاجة الى الصور والأحداث يحل مكان الحاجة الى القراءة؟.
ـ اسمح لي أن أشير الى مجموعة من التأكيدات. بكل اختراع الكتابة بالتأكيد لم تكن بحاجة الى القراءة، ولكن كنا بحاجة أن تسمع التواريخ وأن نقصّها وترويها الرجل الحكواتي هو الشكل الأولي من Lhomo Loquens هناك الألسنية هي التي تحكي. والانترنت امتيازها الوحيد أن ترد على حاجة وحيدة هو الجنون الحقيقي: الكلام عبر الهاتف، تبادل الرسائل والثرثرة عبر الانترنت، ارسال الرسائل القصيرة “SMS:، التمترس أمام الانترنت، كتابة تغريدات قصيرة، سماع الموسيقى وأخذ صور. هذا في الأولويات. أما فيما يتعدى الأولويات هذه، هناك سعي للعب دور اخراج المواد التي نحصل عليها ومحاولة تحليلها أو التعليق عليها وهذا فعل شيطانية الانتشار الرقمي من مثل الانتشار الرقمي للأفلام والصور “الفوتوغرافية” (Pedopormo graphie) مع تطوير وصلات بينية جديدة لأوضاع جسدية/ جنسية تسمح بأنواع من التفاعل السيء في داخلها لا سيما أن “الافتراضي” لا يساوي حتى اللا واقع. وتبدو ثقافة جديدة تقوم على الصور… كل هذه الحاجات ممكن أن تكون كافية وبمعزل عن المكان، وتؤثر كما لو أنها حاجيات فيزيولوجية.
[“غالاكسي غوتنبرغ” يوجد المؤلفات الكبرى في الأدب ويخطها ويرسمها، الانترنت توجد وتوقظ الأعمال الكبرى؟.
ـ توجد تحف فنية أدبية بكل الكتابة، اشعار هوميروس كانت مخطوطات قديمة ولفترات تاريخية طويلة جرى تناقلها.. وفي العديد من الثقافات (القوقاز وفي آسيا الوسطى..) التواريخ التي جرى تناقلها شفوياً.
وقسم كبير منها تعني شيئاً. في الواقع الكتابة والطباعة لم تؤديا الى تزايد في الانتاج الأولي، وسهلت بالتأكيد انتشار النصوص من دون أن تغيّر كثيراً في الطبيعة، بالعكس، الانترنت والوسائط التكنولجية الحديثة تؤثر على الأشكال، والتركيبات الجديدة حيث تتعامل مع النصوص المكتوبة والمؤلفات المتعددة الوسائط بمزيج من الكتاب والصور والأصوات وبالتحديد مع إضافة الحركة، هذه ايديولوجيا جديدة. هذا يدفعنا الى القول بأنها لا تتعرف الآن على تحف فنية رقمية لا تنسى. حتى الآن التغيير أصاب الشكل وحجم المؤلفات وأثر وفي سياق النثر والتوزيع، وبدأنا نشهد اغلاق عدد مهم من دور النشر ومراكز التوزيع والمكتبات.
[ماذا عن موقع المؤلف، وبالنهاية هذا التوسع يوحي بالحرية أكثر وكجزء من التفكير الحاصل على كل مستويات عدة.. ولكن غياب الحدود والتناقضات ألا يدفع باتجاه تعريف جديد “التخلف الحضاري”؟.
ـ على عكس ما يتوقعه الطلاب من الانترنت. كثير من أصحاب القرار، من بينهم وزارة التربية، غياب الكاتب لا يعني غياب الحرية أو غياب الديموقراطية، إمكانية التركيز على انتاج ثقافي يمثل الآخر، يزيد في امكانيات الانتاج الأدبي، هذا لا يرفع من شأن الحرية ولكن يرفع من امكانية استخدامها وطرق استعمالها. فالانترنت، يجري اثراؤه بصورة متواصلة من داخله عن طريق الاستخدامات المتزايدة. لكنه يقوم على الافراط في استهلاك منتجات ثقافية موحدة قياسياً. وأي نقاش الكتروني يأخذ طابعاً ديموقراطياً. لكن الأمر يقع بين ما هو رمزي وما هو خيالي، انها قسمة خفيفة، موروثة، مراوغة، تزيد كلما جرى اقتسامها بصورة أوسع، أشبه بطريقة ما، بالقيمة المدمرة المتولدة من الأفكار التي تدور بسرعة، تتجسد من كثرة الاشكال، وتنتمي اليها كلها وليس الى أي منها. هذا ليس مصادفة ويحتاج الى تأطير تشريعات جديدة قانونية وقضائية ربما وتثير مسألة حماية الملكية الفكرية(…). عدد متزايد من التلاميذ الشباب مقتنع بأن الملكية الفكرية غير موجودة.. لهذا المعنى لديك حق، تبدأ مرحلة من البربرية والوحشية والتي تقود الى التخلف الحضاري.
[ركزت على مسألة التغيير في الأفكار ان الانقلاب ليس كبيراً على مستوى المشاعر والعلاقات الانسانية والاجتماعية؟
ـ بالتأكيد، كثيرة هي الأفكار التي تدور حول موضوع الشبكة المعلوماتية، وهي تشجع على الحرية والديموقراطية وتوسع من المساحات المشتركة وتفصل تطور التجمعات الانسانية. كل واحد يستطيع الكلام الآن، ويعبر عن أفكاره، ويعلق كما يشاء ويريد خياراته العديدة، ومن يدخل الشبكة يتمتع بأن يكون كعضو جديد بكل فضاء الاتصال المتاح. والشبكة شبكة مفتوحة كل شخص يود الاتصال بها من دون الحاجة الى طلب تصريح خاص أو الانضمام الى أي مجموعة.. امتداداً من وصفة الطبخ الى المانيفست الثوري وحركات سياسية كثيرة وثورات انطلقت على القواعد تلك. ولكن هذه ميثولوجيات.
الشبكة ليست سوى وسيلة تواصل من “النقمة أو السخط” و”الأمل” عنوان كتاب جميل لمانويل كاستيلز، لجهة الدور الذي سوف يخصص لشبكة الانترنت الخاص وكيف يمكن أن يساعد هذا في “صون المعرفة وتقدمها ونشرها” وتعميق الديموقراطية بصورة جذرية وفي ما وراء التجديد الصناعي للتكنولوجيات الجديدة، حيث ترتسم صورة خيارات مجتمعية عديدة. بالمقابل هذه الثورة تضخم من عدم الاستقرار أو عدم التفكير في الهوية الانسانية. وتفضل هذه التكنولوجيا الكائن المطلع على الكائن الواعي والمعلومات على اعادة التفكر، والمعرفة على الحكمة، وتيسر انتشار أشكال ثقافية وسلوكيات اجتماعية مستحدثة ويمكن أن تؤثر أيضاً في الذكاء. ذكاء ربما كان أكثر تبعية وأقل استقلالية(…) مع تضاعف سلوكيات افتراضية خاطئة (افاتار) وتقنيات البعد الثالث وتصورات نظرية افتراضية. وأخيراً هذه “الليبيدو” (Libido) الطاقة الحيوية للشبكة الرقمية يجسد دغدغة خفيفة وإثارة النرجسية وعلى نطاق واسع
تخلف
[بإمكانك التصريح السيد البروفسور، وتؤكد أن الانترت تلعب دوراً وشكلاً آخر من أشكال الذكاء، ولكن بالعمق تفكر بأن الانترنت تحولنا الى مجموعات متخلفة أليس كذلك؟
ـ ايه، كلا.. أنا لم أصرح بذلك، لأني لا أفكر على هذا النحو! في عصر ولادة سكك الحديد، كان في أوروبا ناس تستقل القطارات الحديدية بالاتصال بين منطقة وأخرى وكان مشهداً يدعو الى جنون البعض الذي ينظرون بدهشة الى وسيلة الاتصال تلك، والريح الذي يعصف بالأدمغة والدخان.. ولمواجهة أي اقتراح جديد يقف فريق معارض والانترنت لا تستر على تلك القاعدة هذا ماذا يقول لنا؟ يقول ان المخاطرة ليس أن تصير أقل ذكاءً، ولكن أن تستخدم بطريقة خاطئة ذلك الذكاء. وكأن تغيّر الى الآن الطريقة التي نتصور بها العالم والطريقة التي تعيش فيها. مقابل تدمير حقائقنا اليقينية وزيادة حيرتنا(…).
أعطي أمثلة حوله: الحماس الأعمى لتعميم فكرة دخول شبكة الانترنت والألواح والأقراص الى المدارس تبدو فكرة سخيفة وبشعة. ثم هناك مشكلة أخرى تتعلق بعدم المساواة وبالقدرة على ضم المبعدين عن الطرق السريعة للمعلومات. وتقع بين عالمين: عالم الفراديس اللعبية الصناعية وعالم آخر من الاقصاء كلياً عن التكنولوجيات الجديدة. هذا يعيق من الانطلاق المذهل للانترنت والمشاركة الواسعة في “حضارة اللامادي” فيما يعمق أشكال عدم المساواة من جديد في ما يتعلق هذه المرة بخدمات المعلومات بين البلدان الغنية الغربية وباقي العالم. وهذا ما يبيّنه توزيع العناوين الإلكترونية بحسب البلدان. وهذا يعدد المساواة القائمة في التنمية ويترك الملايين على حافة الطريق.
وبين تكوين مجتمعات انتقائية وطبقية وناس على الطرق السريعة وأخرى على الطرق الفرعية، ممكن العمل على ردم الهوة بين طبقتين ليس كظاهرة اجتماعية واقتصادية بل كظاهرة القدرة على المعرفة والادراك.
 عن المستقبل اللبنانية

 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: