مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

جدل العلاقة بين قصيدة النثر والقصيدة الإلكترونية

جدل العلاقة بين قصيدة النثر والقصيدة الإلكترونية
 
احمد بزون
هل الشعر الجديد ثورة شعرية ثالثة، إذا اعتبرنا شعر التفعيلة هو الثورة الأولى، وقصيدة النثر الثانية؟
يجيب بيان «النص الجديد» (المرفق) بنعم، لكن المسألة ليست بهذه البساطة. إذ يمكن أن نسأل: إذا كانت قصيدة النثر قد شكلت انقلاباً على شعر العمود وشعر التفعيلة، فهل النص الشعري الجديد هو انقلاب على قصيدة النثر؟ على شعريتها؟ على لغتها وموسيقاها وإيقاعها؟ على إيجازها وتوهجها ومجانيــتها؟
أم أنه شكل من أشكال الانقلاب على الحــياة، الانقلاب على الأساليب القديمــة في الحــياة، ومنــها الشـعر.
صحيح أن الشعر يتغير مع الحياة والتقدم الحضاري، إلا أن نوع القصيدة موضوع آخر، أقصد مثلاً أن الحياة تغيرت كثيراً بين العصر الجاهلي والعصر العباسي مثلاً، إلا أن الشعر بقي محافظاً على نوعه العمودي وإن حدث فيه تطور من الداخل. فهل تطور، بهذا المعنى، نوع الشعر عندما انتقل إلى الشاشة والشبكة العنكبوتية؟ هذا هو السؤال الأساس الذي لا بد من أن ينطوي عليه الكلام على الشعر الجديد.
أسارع إلى القول إني لست مقتنعاً بأن النص الجديد يشكل ثورة شعرية ثالثة، كما جاء في البيان، لكن المؤكد أنه يتكيف مع الحياة الجديدة، مثلما تكيف الشعر العمودي في الأندلس مع الحياة الجديدة زمنئذٍ، ليحمل في داخله الكثير من التغيرات المهمة، ويشكل تأسيساً لكسر عمود الشعر في ما بعد. يمكننا اليوم أن نتكلم، ببساطة، على حداثة ثالثة على مستوى الحياة والحضارة الإنسانية، ويمكن أن نطلق عليها تعبير «ثورة ثالثة»، إذا اعتبرنا أن اختراع غوتنبيرغ للمطبعة شكّل الحداثة الأولى في عالم التدوين أو الكتابة والنشر، واعتبرنا أن اختراع الكومبيوتر شكل الحداثة الثانية، ثم شكّل اختراع الإنترنت الحداثة الثالثة، أو الثورة الثالثة. هذه الثورة تمثلت في الشعر بتطور الوسائط التي تحمل لغته لا بتطور نوعي للشعر نفسه. ولا عجب، فقصيدة النثر، رافقت الوسائط الثلاثة، عندما ولدت في أحضان المطبعة منذ 168 سنة، ودخلت منذ حوالى أربعين سنة الوسيط الثاني، أعني الحاسوب الشخصي، وهي تدخل منذ سبعة عشر عاماً، عبر هذا الحاسوب، إلى عالم الإنترنت الجديد… وفي المراحل الثلاث بقيت قصيدة النثر محافظة على كونها نوعاً ثالثاً من الشعر في العالم.
وإذا كانت من تسميات النص الجديد، أو الشعر الجديد، بالإضافة إلى الألكتروني والرقمي والافتراضي، تسمية «الشعر الوسائطي»، فإن ذلك يشمل قصيدة النثر مثلما يشمل سواها من الأنواع. إن نفي وجود نوع جديد من الشعر اليوم لا يعني استحالة وجوده غداً، فقصيدة النثر ليست آخر مطاف الأنواع الشعرية، فلقد مرت كل هذه السنين على أول قصيدة نثر أطلقها الشاعر الأميركي (وولت وِيتمن)، ما يعني أننا نتحدث عن نوع شعري يمكن أن يفشل ذات يوم في مواكبة تطور العصر، فيقوم بدلاً منه شكل جديد، ولا غرابة فالتجديد ديدن قصيدة النثر وهو جزء من تعريفها، وقد قال أدونيس، عرّاب قصيدة النثر العربية: «إن قصيدة النثر حرة في اختيار الأشكال التي تفرضها تجربة الشاعر، وهي من هذه الناحية تركيب جدلي رحب، وحوار لا نهائي بين هدم الأشكال وبنائها». ومع ذلك يمكن أن نطلّق هذا الشكل إذا وجدنا أن الحياة تتطلب ذلك.
سخرية
لا شك في أننا نشهد اليوم ثورة في علاقة الأدب أو الشعر، بالعصر، من خلال ما يجري من ربط فوري، لأي نص يُكتب، بالعالم، أو ربط الشعر بالعولمة. إن الشعر الإلكتروني هو أيضاً مرّ بمراحل ثلاث، بدأت بالورقي، عندما ابتدع أستاذ الفلسفة عادل فاخوري ما أَطلق عليه، في نهاية السبعينيات، تسمية «القصيدة الالكترونية»، في ظل تجارب «حَرْفِيّة» و«بصرية» شبيهة، كانت تلك البداية مزحة أمام التطور الالكتروني المتمثل باختراع الحاسوب. فعندما دخلت قصيدة النثر مرحلة ثانية مع الحاسوب، في سبعينيات القرن العشرين، صارت الكترونية بالمعنى الصحيح. فالالكترونية تعني وجود القصيدة على شاشة الحاسوب، حيث تتشكل علاقة جديدة بين مثلث (الشاعر، النص، القارئ). فالنص الورقي ليس نصاً عابراً، إذ يكتبه الشاعر ويتحول بين جدران المطابع إلى نص مطبوع، يصل إلى القارئ بعد وقت قد يطول أو يقصر. بينما النص الالكتروني يبني علاقة أولى بين الشاعر والحاسوب، إذ يتدخل الأخير في الكتابة، أي تتدخل البرامج، التي يكتب بواسطتها الشاعر، بشكل الحرف وحجمه، وطبيعة الحذف والإضافة، ثم قد يرى الكاتب أهمية في إضافة رسوم أو حركات للنص، إذ قد نقرأ نصاً يتشكل مع الحركة، أو تتوالى حروفه أو جمله أمامنا بأشكال مفتوحة على احتمالات عدة، أو قد يوضع النص على خلفية صور تتحرك، أو تترافق معه، أو تضاف إليه موسيقى، أو سوى ذلك من الفنون الأخرى التي تتداخل في النص وتندمج على الشاشة (أو في قرص)، فتجعله مختلفاً عن النص الورقي، وتعطيه الصفة الرقمية.
في هذه المرحلة، التي سبقت الإنترنت، خصوصاً في بداياتها، كان يمكن أن يبقى شاعر قصيدة النثر بعيداً عن العلاقة بالحاسوب، إذ يصل شعره إلى الشاشة بالطريقة نفسها التي كان يصل بها إلى المطبعة، أي أن وسيطاً يمكن أن يربط الشاعر بالنص الالكتروني. ثم برزت إمكانية أن يتحول الحاسوب نفسه إلى شاعر، وقد جهزت برامج تستطيع أن تقلد الشعراء، فتصنع من شعرهم قصائد جديدة، حتى أن العارفين يقولون إن الحاسوب يمكنه أن ينتج قصائد نثر، بل شعراً موزوناً، ولا يخطئ في النحو والصرف. المهم أننا عندما نقول قصيدة حاسوبية تستوي في التسمية قصيدة الوزن وقصيدة النثر. ومعهما بالطبع قصيدة التفعيلة. واليوم مع اختراع الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، أي في المرحلة الثالثة لقصيدة النثر، ما زالت كل أنواع الشعر تستوي في هذا الحامل كما تتساوى في استخدامها للإنترنت، فلا فضل لنوع على آخر إلا بقدرة صاحبه على الترويج وفتح مواقع جديدة للإعلان عن خياراته.
أردت هذه الجولة التاريخية لأقول إننا في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة التي نعيشها، لا بد من أن ننتبه إلى أن العلاقة بين تطور الحياة وتطور أي فن من الفنون ليست تلازمية بالضرورة، فالظروف التي يعيشها أي فن أكثر تعقيداً وتداخلاً من أن نحسم توصيفه. وإذا كانت قصيدة النثر، في الأساس، عصية على التوصيف، فإن تعبير «الشعر الجديد» أكثر التباساً، خصوصاً عندما يُربط بالإنترنت، إذ رغم كل التقدم الذي أحرزته قصيدة النثر لم تَحْسُمْ سيادتَها على عرش الشعر، أي أن أحداً لم يجرؤ على القول بإلغائها للأنواع الأخرى، فكيف يحسم «البيان» بهذه البساطة قوله إن المستقبل رقميّ، أي للشعر الرقمي. هذا الكلام يذكرنا بالمسار الكاريكاتوري للإنسان، تبعاً لنظرية داروين، أي بتحوله إلى مسخ برأس كبير وأطراف قصيرة تتدلى منه. نعم نستطيع بهذا المعنى القول بسخرية خالصة إن المستقبل للقصيدة الرقمية، أو أنه عندما ينتهي جيل المخضرمين الذي نحن منه فإن الأمر يصبح محسوماً. لا أعزائي، إن المستقبل اليوم خارج هذا الديالكتيك. المستقبل مفتوح على احتمالات لا يستطيع أحد تقديرها، فمن يدري ما الذي يحصل في دنيا الاتصالات في المستقبل. التجارب وحدها التي تقرر، والتطورات قد تسبق خيالنا في عالم يجري بسرعة غريبة.
الحاسوب والكتابة الشعرية
نعم يتدخل الحاسوب في الكتابة الشعرية، ويحدث أكثر من ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن النصوص الشعرية التي تكتب تتخذ الطابع الفوري، فهي في اللحظة التي ينهي فيها الشاعر كتابة قصيدة يبدأ دور القارئ، فالكتابة هنا ليست مجانية بالضرورة كقصيدة النثر، إلا أنها عابرة أو زائلة، إضافة إلى أن النص قد يتيح بحركته تدخل القارئ في ما يمكن اعتباره إعادة الكتابة، إذ يكون النص البصري نفسه مفتوحاً على احتمالات عدة. هذه القراءة تختلف بالطبع عن القراءة الورقية، فالعديد من كتّاب الشعر الالكتروني يكتبون نصوصهم لتُرى كصورة أولاً، قبل أن تقرأ، أي يهتمون بتقديم الصورة البصرية، قبل الاهتمام بالصورة الشعرية داخل النص. من هنا يأتي دور القارئ مختلفاً، بل مزدوجاً، وقد أدرج النقاد فعله تحت مسمى «الكتابة/ القراءة»، وهذا ما جعل البيان يتبنى مقولة «الكارئ» لنبيل علي، مع أن هذا التصنيف ليس دقيقاً، بمعنى أن النصوص الأدبية التي توضع في الحاسوب لا يضعها بالضرورة الكاتب نفسه، بل إن العديد من النصوص الورقية ينقلها مهنيون إلى الشاشة، فلا يمكن أن نلحظ تفاعل الكاتب مع الحاسوب، ولا ننسى أن العديد من الكتب القديمة والحديثة ونصوص المنشورات الورقية تتحول يومياً إلى الكترونية، وأن العديد من النصوص الشعرية التي نراها ويتفاعل معها القراء لم تولد الكترونية، ولا تنطبق عليها بالتالي تسمية نصوص جديدة، لمجرد أنها خُزِّنت في الحاسوب. ثم إن العديد من النصوص التي توضع على مواقع التواصل وزوايا التفاعل لا تكسب أي تعليق من القراء، فيبقى الكاتب إزاءها كاتباً والقارئ قارئاً.
إذاً، دعونا نتفق على أن ليس كل نص إلكتروني نصاً جديداً، إذ علينا أن نميز بين النص الالكتروني (أي المنقول إلى الحاسوب) وذلك النص الذي ينتجه الشاعر في علاقته المباشرة بالحاسوب، أو تفاعله المباشر والفوري مع القارئ، أو خضوعه لشروط مواقع التواصل الاجتماعي، أو تعامله مع التقنيات الجديدة المتاحة.
نعم نحن نعيش اليوم دورة حضارية جديدة، مفتوحة على سائر الاحتمالات، الوصولِ إلى الإنسان الأعلى، إلغاء الكتابة ولا ضرورة القراءة، كما يتوقع بعض الحاذقين في علوم المستقبل، وبالتالي فالوصول إلى نص جديد، كذاك الذي وصّفه «البيان»، قد يكون احتمالاً، لا نتيجة محسومة.
عن السفير اللبنانية
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: