مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مؤشرات اللاعودة:هل أوشك النظام السوري على السقوط ؟

مؤشرات اللاعودة:هل أوشك النظام السوري على السقوط ؟
 
رنـا أبوعمرة
استشهاد 31 ألفا، و544 مدنيًّا، و1511 جنديا منشقا، و11217 عنصرًا من القوات النظامية، بالإضافة إلى 776 مجهولي الهوية، هي حصيلة الخسائر البشرية للثورة السورية المندلعة منذ منتصف مارس 2011 وفق ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان مؤخرًا، وذلك عندما حاول الشعب السوري أن يلحق بركب الربيع العربي.
غير أن النظام السوري آثر آنذاك تبني الحل الدموي في الدفاع عن وجوده، موجهًا آلته العسكرية ضد المدنيين ليتحول السيناريو في سوريا من ثورة تهدف لإصلاح إلى حرب أهلية عسكرية شاملة بين القوات الموالية للنظام وقوات الجيش الحر، معركتها الميدانية غير محسومة لصالح أحد الطرفين، وتهدد مستقبل سوريا بحرب طائفية تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
وقد حاول المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي وسلفه كوفي أنان بذل الجهود الدبلوماسية للوصول إلى حل للنزاع في سوريا، إلا أن أطروحاتهم ظلت تراوح مكانها منذ فترة طويلة ما بين حالة استقطاب شديدة مسيطرة على مجلس الأمن وما بين مبادرات للتسوية السلمية أو لفرض هدنة في ظل استمرار عمليات الاقتتال غير المحسومة، والتي يتسع مجالها الجغرافي في أنحاء سوريا لتحصد كل يوم المئات من الأرواح وتشرد الآلاف.
وقد شهد الأسبوعان الماضيان تغيرات في المواقف السياسية للقوى الدولية والإقليمية الفاعلة في النزاع، كما شهدا تقدمًا ملحوظًا في المعارك الميدانية لصالح قوات الجيش الحر، الأمر الذي يعكس حالة من الحراك الدولي والإقليمي في اتجاه الوصول إلى تسوية، وثمة عدة مؤشرات دالة على حالة الحراك السياسي والميداني التي تتمثل في:
أولًا: مؤشرات الداخل السوري:
فقد استطاع الجيش الحر التقدم والسيطرة على قواعد ومطارات عسكرية جديدة للقوات الموالية لنظام الأسد في حلب، فضلا عن سيطرتهم على مناطق قريبة من دمشق العاصمة وريفها، وقد بدا أن قوات الجيش الحر مؤخرًا تتحكم في حركة العمليات العسكرية، حيث لوحظ أن العمليات القتالية بدأت تبتعد عن الأماكن الحضرية التي يقطنها السكان المدنيون، وبدأت تركز على محاصرة قواعد القوات الموالية للأسد في الأطراف وفي الريف بهدف التشجيع على حدوث انشقاقات، وبالتالي يسهل اختراقها.
وقد تزامن ذلك مع إعلان اللواء عبد العزيز الشلال، قائد الشرطة العسكرية السورية، انشقاقه عن نظام الأسد، منضمًّا إلى قائمة المنشقين التي تتزايد منذ اندلاع النزاع، والتي ترفع الشرعية عن قتال قوات الأسد لتتحول قواته من جيش دولة إلى عصابات مسلحة تحمي الطائفة العلوية فحسب، منحرفًا عن مهمته الأصلية وهي حماية الوطن والسوريين.
وتنبع أهمية هذا الانشقاق من أن الشلال يعتبر من أعلى القيادات العسكرية المنضمة للمعارضة، وقد أشار في بيان انشقاقه إلى أن عملية إعلان الانشقاق أصبحت أمرًا صعبًا بسبب الرقابة الشديدة من قبل نظام الأسد، الأمر الذي يقف حائلًا أمام إبداء قيادات كثيرة رغبتها في الانشقاق والانضمام للمعارضة، ويثير هذا التصريح ما يشاع حول مساندة قيادات كبيرة في قوات الأسد لقوات الجيش الحر سرًّا، وهو الأمر الذي يؤكد على تزايد تضييق الخناق على الأسد من داخل صفوفه العسكرية.
ويزيد من حدة انعزال الأسد استحكام حالة الاستقطاب داخل الصفوف السياسية، حيث تتركز عملية صنع القرار في يد قلة محيطة ببشار الأسد، ومؤثرة عليه بشكل كبير، تتضمن مستشارين من عناصر درزية وسنية وعلوية تدين له بالوصول إلى مناصب رفيعة في الدولة، وتدفعه هذه القلة إلى مواصلة الاقتتال حتى تحقيق النصر الكامل، والذي بإتمامه تبدأ أي محاولة للتسوية، ذلك في مقابل وجود حرس قديم يميل للتفاوض من أجل الوصول إلى عملية التسوية تحول دون الإطاحة بهم في حالة سقوط الأسد، وقد برز نائب الرئيس السوري فاروق الشرع كأحد أوجه معسكر الحرس القديم والذي انتقد مؤخرًا نهج بشار في التعامل مع الأزمة، ويميل هذا المعسكر للتسوية، ويشمل بعض قيادات هيئة الأركان العسكرية، حيث يدرك هذا المعسكر عدم قدرة أي من الطرفين على الحسم العسكري ميدانيًّا، وأنه لا بد وأن ينتهي القتال دون غالب أو مغلوب، وهذا المعسكر مبعد بشكل كبير عن اتخاذ القرارات.
وقد وصلت موجات انتقاد الأسد إلى الطائفة العلوية ذاتها بعد سقوط عدد من القتلى منها، حتى إن اللواء علي حيدر، مؤسس القوات الخاصة السورية، والذي سبق وأن انتقد توريث الحكم في سوريا، هاجم إرسال الشباب للانخراط في القتال دون وجود هدف واضح للاقتتال.
هذه الاختلافات قد لا ترقى إلى مستوى الانشقاقات الصريحة كتلك التي تشهدها الصفوف العسكرية، ولكنها مؤشر قوي على عزلة دائرة صنع القرار السوري عن الواقع، فضلا عن عدم قدرة الأسد على البقاء بشكل مأمون العواقب حتى وإن تم الوصول لتسوية.
ثانيًا: المؤشرات العربية والإقليمية والدولية:
فقد بدا مؤخرًا وكأن معاقل دعم ومساندة نظام الأسد بدأت تراجع مواقفها بشكل ما، في حين شددت القوى المعارضة لنظام الأسد من هجماتها عليه، ويتزامن ذلك مع زيارات الإبراهيمي المكوكية للوصول لتسوية كبديل للجوء إلى مجلس الأمن لاستصدرا قرار ملزم من مجلس الأمن يلزم الأطراف بوقف القتال، ويقضي بإرسال قوات لحفظ السلام لها صلاحيات كبيرة، وينظم عملية انتقال السلطة بغية إنهاء الوضع المتأزم في سوريا، وتفاديًا لأي سقوط مفاجئ للنظام السوري تنتج عنه حرب طائفية تزيد من تفاقم الوضع في المنطقة، بحيث تحاول جميع الأطراف الآن العمل على الوصول إلى تفاهمات حول “سوريا ما بعد الأسد”.
وقد جاءت مواقف روسيا واضحة لتعكس اقتناعها بأن الوضع الميداني لم يعد في صالح الأسد، وجاءت تصريحات وزير خارجية روسيا بشأن ترحيب بلاده بأي جهود تهدف إلى توفير ملاذ آمن للأسد، لكنه أضاف أن بلاده لن تنوي منح اللجوء إلى الأسد في حال تنحيه، ولعل تحذير لافروف من حدوث فوضى دامية في حالة عدم التوصل لحل تفاوضي للأزمة مؤشر جديد على قابلية الموقف الروسي على التراجع من جديد، رغم أن مرجعية روسيا ما زالت ترتكز على أهمية الاستناد على خطة مؤتمر جنيف الدولي الخاص بالأزمة السورية، والتي تترك مجالًا أمام الأسد ليكون جزءًا من أي حل سياسي انتقالي وهو ما ترفضه المعارضة بقوة، وكذلك ترفضه القوى الغربية والولايات المتحدة، فضلا عن مواقف كلٍّ من تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي تجلت في قرارات قمة المنامة الأخيرة المعادية بصراحة لبقاء الأسد والداعية لخروجه
ففي حين أن الولايات المتحدة وهي معقل معارضة نظام الأسد ما زالت تعلن بوضوح أن إسقاط الأسد هو الشرط الأساسي للبدء في المرحلة الانتقالية ورغم التباين الواضح بين الموقفين الروسي والأمريكي؛ فإن التغيير الأخير في اللغة الروسية يوفر أرضية مشتركة جديدة، وهي التباحث بشأن مرحلة ترتيبات ما بعد الأسد، وانتقال السلطة من خلال الائتلاف الوطني والجيش الحر، وذلك رغم اعتراف كل من الصين وروسيا بشكل صريح بعدم قدرتهما على إجبار الأسد على التنحي رغم قلقهما من تفاقم الأوضاع في سوريا، ودعمهما لأي تسوية ترضى بها جميع الأطراف، الأمر الذي يلقي بمسئولية على القوى الداعمة للأسد تتمثل في ضرورة توفير غطاء من الضمانات لنظام الأسد إن قررت التخلي عنه بما يقضي على احتمالات اندلاع عمليات انتقامية ضد الطائفة العلوية في حال سقط النظام وانهار الجيش النظامي.
وفي سياق غير منفصل، جاء طرح السيد الأخضر الإبراهيمي -المبعوث الأممي- الذي يدعو إلى تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة لحين إجراء انتخابات في سوريا، محذرًا من أن الوضع في سوريا يشكل خطرًا كبيرًا ليس فقط على الشعب السوري وإنما على دول الجوار بل على العالم”، وأن “الوقت ليس في صالح أحد”، وجدير بالملاحظة أن الإبراهيمي تحدث عن صلاحيات دولة وليس صلاحيات حكومة تنفيذية فحسب، بما يعني تجريد الأسد من مقومات وجوده، الأمر الذي يمهد للتفاوض على مصير الأسد بعيدًا عن العملية السياسية.
إذن فمصير الأسد هو العامل المسكوت عنه في معادلة تسوية الأزمة والتي يطرحها المبعوث الأممي، ويُعتبر هذا مؤشرًا جديدًا لعدم التمسك بشخص الأسد كمرجعية للسلطة أو كأحد لاعبيها في حال تم الاتفاق مع الائتلاف الوطني على صيغة واضحة لانتقال السلطة، والقضاء على شبح الاقتتال الطائفي مستقبلا، ووفقًا للمؤشرات التي تم عرضها يمكن لنا القول إن نظام الأسد أوشك على السقوط، وأن احتمال بقاء الأسد هو احتمال مستبعد، فكل السيناريوهات الآن تدور في فلك حتمية الرحيل، وإن كان لا يوجد إطار زمني واضح لذلك.
في ضوء ما سبق يبدو أن نظام الأسد لم يبق من داعميه سوى إيران وهو رهان دوليًّا غير رابح، ولا يمكن التعويل عليه، فمع كل يوم يخسر الأسد داعمين دوليين جدد لبقائه، وأصبح التفاوض ليس على حجم المكسب السياسي للأسد أو للطائفة العلوية، ولكن على قدرتهم على البقاء من أساسه، بحيث تحولت معركة الأسد في سوريا إلى معركة وجود، هذا الحراك الذي شهدته الأزمة السورية يعكس تحكم المعارضة في أغلب أوراق اللعبة التفاوضية في الفترة الحالية، وقدرتها المتنامية على الضغط على القوى الكبرى، فحين تنجح المعارضة في التقدم بجناحيها العسكري (الجيش الحر) والسياسي (الائتلاف الوطني) تتحرك الأطراف الفاعلة جميعًا في اتجاه التخلي عن الأسد أو السكوت عن دعمه.
وفي النهاية يبقى التساؤل الأهم وهو مستقبل سوريا بعد سقوط نظام الأسد وترتيبات مرحلة بناء الدولة في ظل حالة الثأر الطائفي، فأي دولة سترثها أطراف العملية السياسية السورية؟ إن ضآلة المكاسب في ظل دولة تعاني من التداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لنزاع مسلح قد تجبر الأطراف المعارضة للأسد على اللجوء إلى التفاوض والحوار وتحييد أصحاب الميول المتطرفة بما يسمح لهذه الأطراف الحصول على دور فاعل في مرحلة بناء الدولة، الأمر الذي من شأنه تعزيز قدرة الأطراف على الاستمرار في لعب دور سياسي فاعل لصالح ما تبقى من الوطن ولصالح مستقبل الشعب السوري.
تعريف الكاتب:
باحثة دكتوراه في العلوم السياسية- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: