مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

غاستون باشلار:مدارج العلم والأدب

غاستون باشلار:مدارج العلم والأدب
 
بقلم/ سعيد بوخليط
خاص بالموقع
تميزت اجتهادات باشلار، بالملامح التالية:
1- قدرة عقلية تركيبية متينة ومتميزة، جعلت من الأفق الباشلاري لحظة إنسانية وفكرية تأسيسية لصيرورة التاريخ الإنساني.
2- عقلانية منفتحة جدا، مرنة، لينة ومنسابة: أعطى ذلك لباشلار إمكانية التأسيس لمفهوم جديد للتجربة الإنسانية من خلال ممكنات: العلم والأدب.
3- عقلانية، صاغت كل ملامح التأسيس. فاستحق بذلك لقب فيلسوف، تدين له المدرسة الفرنسية بخصلة أساسية تتمثل في كونه وعلى امتداد ثلاثين سنة منذ أطروحته لنيل الدكتوراه (1927) إلى آخر مؤلفاته “شعلة قنديل” (1961)، وهي كذلك سنة وفاته. كان يبحث عن صياغة مفهوميه لشيء اسمه الانفصال. وكأنه النبي الذي يسعى إلى تخليص الإنسانية من أزماتها الفكرية. فأجاد للعلم فلسفة بديلة، ومنظومة جديدة تعبر عن الثورات الفكرية بعد ما عرف تاريخيا بأزمة الأسس في الرياضيات، وكذا ظهور نظرية النسبية مع خلخلتها لبديهيات الفيزياء النيوتونية. وعلى مستوى النص الأدبي، فقد أعطى بالنظرية النقدية التي وضع أصولها الكبرى نفسا لانهائيا وطويلا للاشتغالات النقدية والأدبية. ولن نبالغ إذا قلنا، بأن كل النظرية الشعرية الجديدة قد خرجت من لحية باشلار.
4- عقلانية تتوخى المزاوجة والجمع بين المفهوم بكل إحالاته المستندة على الصرامة والضبط النظريين. ثم الصورة البلاغية بكثافتها الشاعرية، والتي ربما تختزل التجربة الإنسانية في مجملها.
5- عقلانية أوجدت للحقول المعرفية أدوات إجرائية للبحث والتفكير. والمفهوم الباشلاري، استثمره فوكو وألتوسير وكانغليم وبارت وجينيت وبوبر….
6- عقلانية باشلار، قمة إنسانية بامتياز. ولا أدل على ذلك، أن الخيط الرابط لكل كتاباته من الفيزياء إلى الكيمياء، مرورا بالخيمياء والشعر والفلسفة. وكذا أبحاثه الميتافيزيقية والأنطولوجية، ثم المادة ومكونات العالم سواء في بعدها الفيزيائي أو الحلُمي. النقطة المشتركة لكل ذلك، تتمثل في لعبة الحلم. مضمون الدرس الباشلاري: أن الذي يسعى إدراك هندسة القنبلة الذرية، عليه كذلك استحضار الخصوبة المجازية والبلاغية لصور شعراء كبار أمثال: بودلير، شيلي، نيتشه، ريلكه، نوڤاليس، رامبو، لوتريامون، فيكتور هيغو….
7- عقلانية استطاعت أن تخترق جل الثقافات الكبيرة من الفرنكفونية إلى الانجلوساكسونية فالجرمانية….
ظلت الاشتغالات الابستمولوجية لفيلسوف كـ باشلار موضوع نقاش وجدال مستمرين، نظرا للتأسيسات المفهومية المتينة التي صاغتها وهي تقارب بنظرة وأُفق جديدين الممارسة العلمية. وبالفعل، شكلت المقاربة الباشلارية مسوغا نظريا ومنهجيا لنحت أدوات مفهومية مكنت صيرورة العلم من خلق انفتاحات جديدة.
هكذا تحولت مدرسة العلم مع باشلار، من ممارسة نظرية دوغماطيقية تقوم على محددات قبلية إلى إمكانية فكرية منفتحة باستمرار. ذلك، أن الثورات الفكرية الكبرى التي عرفتها الممارسة العلمية مع البدايات الأولى للقرن العشرين، اقتضت من الباحثين والفلاسفة افتراض منظومة فكرية مغايرة عن معطيات العلم الكلاسيكي التي تحولت بصيغة ما إلى عائق إبستيمولوجي معرفي أمام الممكنات الجديدة التي أوجدها العقل الإنساني. وبالفعل شكلت كتابات باشلار في هذا السياق معطى أوليا وأساسيا.
لاشك، أن هذا الجانب المؤسس لرافد واحد من المعطيات المعرفية الكثيرة الملتصقة بالمشروع الباشلاري على امتداد ثلاثين سنة، ربط الفيلسوف في عالمنا العربي بوظيفة مؤرخ العلم والباحث في بنياته النظرية والمنهجية، في حين بقي الشق الثاني من اشتغالاته، أي ذلك المتعلق بصياغة نظرية جديدة في الخيال الأدبي مهملا وهامشيا.
تجنب باشلار دائما، إعطاء نفسه صفة الناقد الأدبي. لسبب بسيط هو كونه وكما صرح ذلك مرارا، لا يقصد إلا شيئا واحدا اسمه: متعة ولذة القراءة. لكن من خلال ذلك، شكلت لعبة القراءة هاته ثورة منهجية وفكرية، أوجدت نظرية للأدب والذوق الجمالي مغايرة تماما للمقاربة التقليدية، وفي نفس مستوى فلسفته الجديدة للعلم.
لقد تأسس المشروع الباشلاري على رافدين أساسيين: العلم والقصيدة. ومن أجل فهم حقيقي لتصور باشلار، يجدر في حقيقة الأمر الربط داخل سياق واحد بين صياغة العالم بمقولة المفهوم (العلم)، وكذا تمثل الذات الإنسانية للأشياء والمكونات الكوسمولوجية بنوع من الحلمية الشاعرية. انطلاقا بطبيعة  الحال من الألفة والحميمية وخاصة الدهشة التي تؤسس علاقة هذه الذات بالهنا والهناك.
ولاشك أن نظرية الخيال، تجسد في رأينا البوثقة وكذا اللحظة المفهومية التي بإمكانها إعطاء وحدة لنظرية باشلار سواء في مقاربتها لنصوص الكيميائيين والفيزيائيين، أو حينما تستلهم المناخ الحلُمي لنصوص شعرية كبيرة كتلك التي لـ: شيلي/رامبو/نوڤاليس/بودلير/ادغاربو/نيتشه/ هيغو/بروتون/أراغون/غيوم….
باشلار، هو دائما نفسه. فإذا كانت المادة الفيزيائية تعطي إمكانية الكشف عن الماهيات الممكنة للوجود، فإن المادة اللغوية الإبداعية تموضع الكائن الحالم داخل أفق فكري وجمالي دائمي الانسياب.
باشلار، وهو يؤسس لمبحث جديد للخيال، سعى للبحث في الحقول والنظريات المعرفية التي تقدم له مجالا مفهوميا يعطي لنظريته صياغة متكاملة خاصة وأن المسالة تتعلق بقضيتين أساسيتين:
•مثل باشلار لحظة تأسيسية في مسار الفكر من خلال قطائعه المبدعة. لذا، ومثل كل هذه اللحظات فإن النظرية الجديدة تنشغل كثيرا بما يمكن تسميته بالقدرة على التقاط مبررات الوجود.
•تميز باشلار، بخصلته الموسوعية الكبيرة وقدرة على ولوج فضاءات معرفية متعددة توزعت بين حقول مختلفة. مسألة تأثت له من عقلانيته الحالمة والمنفتحة إضافة إلى شغفه اليومي والدؤوب بالقراءة.
في تتبعنا إذن لمسار النظرية الشعرية الباشلارية يمكننا إجمالا تحديد الروافد والمعطيات التالية، باعتبارها مرجعيات أو سياقات معرفية:
1)التحليل النفسي: 
         في هذا الصدد، وجد باشلار مع اجتهادات علم النفس التحليلي الذي أسسه كارل غوستاف يونغ، مجالا منهجيا خصبا. انطلاقا من مفاهيمه الأساسية : الأنيما anima/الأنيموس animus/ النمط المثالي l’archétype.
وهي الآليات التي تقدم هيكلا مختزلا، للمشروع الباشلاري من خلال التقابلات التالية:
 تمظهر للأنيموس، البعد الذكوري للمفهوم.ç* العلم    
 اندفاع للأنيما، الحس الأنثوي والحالم للقصيدة.ç* الشعر  
 ترتبط بوازع النمط المثالي، كأساس لكل معطيات الصورة، إلا أن الفهم الباشلاري أضفى قيمة دينامية على هذا المكون.ç* الصورة
تكامل الجوانب الذكورية والأنثوية للذات الإنسانية، يؤسس لعبة العالم والتي تتأرجح بين الحلم وحلم اليقظة.
وظف يونغ رائد علم نفس الأعماق، الصيغة الثنائية اللاتينية: الأنيما/الأنيموس. للبحث في المكونات النفسية للذات باعتبارها تمظهر للجوانب الذكورية والأنثوية عند الذات الواحدة. ليأخذ ذلك عند باشلار، ترسيمة نظرية واحدة هي: المفهوم والصورة. بعدها، تقوم كل الاشتقاقات الممكنة: ليل/نهار، حلم يقظة/حلم، واقع/لا واقع، علم/قصيدة، عقل/خيال، حقيقة/لا حقيقة… ثنائيات تتوخى مسألتين أساسيتين:
•صياغة الوجود في قوالب جمالية بالشعر أو العلم.
•القدرة على تحويل الأشياء ومكونات العالم الكوسمولوجية إلى هرمونات للخيال.
2) التجارب الإبداعية:
وخاصة المتون الشعرية التي امتدت من الكتابات الرومانسية الألمانية والإنجليزية في القرن الثامن عشر، إلى آخر صيحات الحداثة التي جسدتها البيانات السوريالية في القرن العشرين. الرؤية المفهومية التي يريدها باشلار تلامس بشكل أساسي البنية الأنطولوجية للإنسان الذي يتوخاه، أي الكائن الحالم بامتياز. وقد وجد باشلار في القصيدة خاصة تلك التي لا تؤمن إلا بنفسها المسوغ الوجودي لتأملاته. في أفق ذلك، ركز باشلار بالخصوص على النموذج الشعري الذي جسده مجموعة من الشعراء الحالمين القادرين على إيجاد المناخ الفكري والأفق التأملي، القادر على صياغة نماذج تماثلية بين البناء النظري للفيزياء المعاصر والأبعاد الحلُمية لقصيدة سوريالية مثلا.
3) القيم الجديدة للعلم: 
أي تلك الثورات التي جاءت بها نظريات كالنسبية والكوانطا وهندسات ريمان ولوباتشفسكي، حيث أثارت عقل باشلار قصد التفكير والبحث في طرائق ومناهج أخرى تعطي الذات الإنسانية إمكانية التقاط المفاهيم والصيغ الجديدة. التشكيك في إطلاقية العقل، وتجاوز ما كان يشكل بداهة في حد ذاته. أدى كذلك بباشلار، بالإضافة إلى تأسيس فلسفة جديدة تستجيب لمتطلبات هذه الأسس العقلية الجديدة، التفكير من جهة أخرى في الأبعاد الماهوية والميتافيزيقية للملكة الإنسانية القادرة بالأساس على تشكيل اللعبة القائمة على المفارقة والتجاوز ونقصد بها الخيال. 
التموقع الجديد الذي أخذته علاقة الذات الإنسانية بالأشياء والمكونات الكوسمولوجية. جعل لأحلام اليقظة الباشلارية موقعا معرفيا ومفهوميا، يعطي لهذه العلاقة صياغة جمالية تتجاوز مسألتين:
* المحددات المادية الخالصة، ليتم خاصة استحضار الروافد الحلُمية والشاعرية في إدراك العالم.
* تقتضي تجربة العالم الاندهاش. مسألة تفترض من الذات خصلة معرفية تقوم أساسا على مقاربة الأشياء وفق منظومة فكرية وسلوكية أساسها تجاوز بداهة التعاريف التي تستند في روافدها على الثقافة الاجتماعية. فالدارس لباشلار. سيندهش لطبيعة المواصفات والخصائص الأنطولوجية التي يمكن أن تخذها عناصر: الماء والنار والهواء والأرض حينما تتجاوز بالرؤية الجمالية الاتفاق الاجتماعي.
4) السياق المعرفي التاريخي الآخر الذي ساهم في صياغة النظرية الباشلارية: 
هو ظهور مجموعة من التجارب الفكرية، أعطت للدراسات الانثروبولوجية والسوسيولوجية منحا وصفيا، تجاوزت معه نظرية الخيال التصور التقليدي القائم على ربط الخيال بكل مظاهر الخطأ والزلل. وهي رؤية حكمت الميتافيزقا الغربية منذ سقراط إلى عهد الأنوار.
لقد تحول الخيال إلى قيمة فكرية وجمالية، بلورت اختراعا عجيبا اسمه: القنبلة الذرية. ونسقا لغويا مبدعا كما هو الشأن مع نصوص الشعراء والأدباء. فالصور الشعرية الجديدة، تفترض في الجهة الأخرى إيجاد الأنساق المفهومية التي بإمكانها التقاط النفس الجمالي.
في تحديد إذن للأصول والروافد، يمكنني بدقة وضع ملامح وتجليات النظرية التي توخيت الإشتغال عليها منذ سنوات وهي بكل بساطة الأبعاد المجازية والجمالية للنظرية الأدبية والنقدية عند باشلار. أي كيفية تفاعل الخيال الإنساني حيال العناصر الكوسمولوجية الأربعة: النار/الماء/الهواء/الأرض.
يؤكد البحث في المعطيات النظرية والمفهومية، لتلك التجربة النقدية التي سادت القرن 19 السابقة عن لحظة باشلار، أن رواد الاتجاه الوضعي سعوا بكتاباتهم الكشف عن المحددات السوسيوثقافية للنص الأدبي في أفق صياغة علمية لمفهوم الأدب. لكن مع البدايات الأولى للقرن العشرين وظهور مفاهيم جديدة كالجنون، اللاوعي والحلم… نظرا لاكتشافات التحليل النفسي، تبين بالملموس قصور المفاهيم السابقة عن إيجاد معادل طبيعي لنصوص أدبية تعبر وتكشف عن الأبعاد الجوانية للذات المبدعة أكثر من المحيط الاقتصادي والاجتماعي. بالتأكيد يفترض إدخال هذا الشرط الأخير في أية مقاربة تأويلية. لكن الوقوف عند حدود ذلك، وجعله أمرا مطلقا يلغي السبل الأخرى اللانهائية التي يفتحها النص.
لقد سعت الدعوات الفكرية التي أتى بها التيار الوضعي ابتداء من “مدام دوستايل” إلى “لانسون” مرورا ب”سانت بوف” “وتين” ثم “برونتيير”، إسقاط مفهوم العلمية على الأدب انطلاقا من تحويل هذا الأخير إلى نموذج شبيه بالعلوم المختبرية الدقيقة.
يأخذ الأدب كأحد النتاجات البشرية أسبابه ودواعيه من الظروف الاجتماعية التي تحيط بالمبدع وكذا محدداته الاقتصادية والثقافية. وإذا كانت “مدام دوستايل”، قد أكدت على أن كل حقبة تاريخية تنتج آدابها ارتباطا بالظروف المناخية والعادات، فإن نموذجا كبيرا لهذا الاتجاه النقدي وهو “سانت بوف” توخى من خلال منهجه البيوغرافي الوقوف عن الملامح الأنطولوجية للمبدع وسيرته الذاتية ثم ملاحقة شخصيته من خلال محيطه الأسروي يقود إلى إدراك ماهية نظريته الإبداعية.
لقد استقى “بوف” أصول وروافد هذا المنهج من علمي النبات والحيوان، سعيا منه لمعرفة الفصائل والطبقات التي ينتمي إليها الأدباء.
مع ازدهار الفلسفة الوضعية للقرن 19، والتي شكلت الخلفية الإبستيمولوجية لنظرية النقد التاريخي، أمكن تأسيس منهجية تعطي الأدب دقة العلم. في إطار هذا  السياق، حاول “هيبوليت تين” بمشروعه النقدي الجمع من جهة بين النقد والتاريخ. انطلاقا من المفاهيم الثلاثة الأساسية: الحقبة، الجنس، والوسط. كما استهدف من جهة ثانية، إعطاء الأدب نفس المسار الذي قطعته العلوم الطبيعية وذلك بالانتقال من المرحلة الاختبارية والتجريبية ثم تبدأ عملية التأسيس النظري. لقد شكل بالتأكيد النموذج الهيغلي أو النجاحات التي عرفتها العلوم خلال القرن 19 شكلا تأويليا أساسيا لمشروع النقد العلمي مع “هيبوليت تين”.
في حين أن ناقدا آخر هو “برونتيير” وظف نظرية التطور الداروينية، وكذا المشروع الكونتي للإجابة على سؤالين رئيسيين:
1)كيف تولدت الأجناس الأدبية؟
2)ماهي العوامل والمعطيات الذاتية وكذا الموضوعية المؤثرة في صيرورتها؟
ما جاء في كتاب “أصل الأنواع” عن عالم الأحياء لصاحبه “داروين”،أعطى ل “برونتيير” الناقد الأدبي، إمكانية منهجية قصد البحث في أصل تطور الأنواع الأدبية من خلال حقل دراسي استند على مجالات أدبية وفنية هي:
 1- المسرح، 2- النقد الأدبي، 3- الشعر الغنائي.
وفقا إذن لهذا التصور، فإن النوع أو الجنس الأدبي يخضع في تطوره لنفس القانون أو الناموس الذي يحكم الكائنات الحية، فهناك النشأة والتطور ثم الانقراض. حيث تمتثل الأنواع الأدبية لنفس المسار الذي يؤسس وجود الأنواع البيولوجية.
هذه النزعة العلموية، ذات التمثل الدوغماطيقي من خلال توظيف مبادئ النظرية الداروينية على حقل الأدب، انتقدت فيما بعد من قبل “غوستاف لانسون”. ذلك، لأن المقاربة التاريخية لموضوع الأدب لا تلغي في أية لحظة من اللحظات الخصوصية المعرفية والمنهجية سواء لهذا الحقل أو لكل المجالات النظرية الأخرى.
سينتقد “غوستاف لانسون” وهو يسعى إلى توظيف التحليل الأدبي من أجل الوقوف عما هو شخصي وفردي في النص الأدبي، تجارب السابقين وحدود منهجهم. لأنهم ببساطة، ينزاحون عن التعامل الحقيقي مع النصوص كما هو الحال مثلا مع مفهوم السيرة عند “سانت بوف” أو قد يسقطون في تعميمات اعتباطية حول العمل الأدبي نظرا لإخضاعهم الأدب لمنطق علم الطبيعيات. ويضيف “لانسون” بأن تأثر “تين” و “برونتيير” بنظام العلوم الطبيعية والعضوية قادهما إلى “مسخ التاريخ الأدبي وتشويهه”. حتى وإن توخى مؤرخ وناقد الأدب العلمية، فإن الأمر لا يقتضي توظيف آلية حقل آخر يختلف موضوعه عن ميدان الأدب. فالمنهجية القادرة حسب “غوستاف لانسون” على إعطاء العمل الأدبي قيمته الحقيقية، تتجلى بلا شك في المنهجية التاريخية.
تعتمد المقاربة التاريخية اللانسونية كذلك في اشتغالاتها على علوم إضافية أخرى كتاريخ اللغة وتاريخ الفلسفة والنحو وتاريخ العادات، لصياغة ممارسة علمية موضوعية مع تأكيده، بالخصوص على ضرورة استحضار الحدس والإحساس لتقييم العمل الجمالي مما يجعل الادعاء الوضعي مسألة نسبية.
إنها بعض التجليات النقدية لحظة التأسيس الوضعي في القرن 19، استجابة للمناخ العلمي الذي ساد الفترة في أفق البحث عن نموذج فكري للنص الأدبي يعطيه قيمة النجاحات التي عرفتها العلوم الأخرى. لكن الوقوف عند البعد السوسيو-تاريخي وحده غير كاف لتخصيب الدلالات اللغوية والأسلوبية وكذا المضمونية للنص مما حدى بالبعض إلى تشكيل القطيعة.
شكلت كتابات الناقدان “مارسيل ريمون” و “ألبير بيغان” في هذا السياق الملامح الأولى لصياغة هذه القطيعة، وإعطاء باشلار فيما بعد الملامح الأولى لمنظومة مفهومية جديدة ستنقل النص الأدبي من معطياته البيوغرافية والاجتماعية  إلى معبر وكاشف عن صاحبه بشكل من الأشكال. 
مع بداية القرن العشرين حدثت مجموعة من التغيرات المفهومية تمس الأدب واللغة والكتابة…، خاصة مع ظهور التيار السوريالي عقب الحرب العالمية الأولى  حينما أزاحت كتابات رواده النقاب عن جوانب خفية أخرى في الذات الإنسانية غير السوسيو-اقتصادي، وتم الكشف عن مجموعة من القيم المعرفية الأخرى كـ: الجنون والحلم واللاعقل والهذيان…، بالتالي أصبحت النصوص الجديدة لا تتحمل الثابت النظري الذي سنه رواد القرن 19.
كما أن ظهور التحليل النفسي، مع الدراسات التي قام بها “سيغموند فرويد” ومفاهيمه عن: العقدة، اللاوعي، الطفولة، التسامي، الكبت، الغريزة، الإشباع، والتعويض…. خلق منحى آخر وأعطى مفهوما جديدا للنص الأدبي. وبالفعل شكلت في هذا السياق الدراسة التي خصصتها ماري بونابارت “marie Bonaparte” للشاعر إدغاربو، منطلقا لهذا التلاقح بين التحليل النفسي والأدب. كما أعطى ذلك لباشلار بداية تشكل ملامح مشروعه، مستفيدا من دراسة بونابارت Bonaparte، وهي تقارب حضور تيمة الماء عند ادغاربو في كتابه “الماء والأحلام”.
لقد قلت، بأن التصور الجديد الذي جاء به كل من “مارسيل ريمون” و”ألبير بيغان” شكل وجسد محطة نوعية أساسية في المسار الجديد نظرا لما يلي:
 أصبح القارئ أو الناقد يعيش من جديد الحياة الداخلية والعميقة للمبدع.      u
 محاولة اختراق واكتشاف التجربة النفسية الأولى باعتبارها أصل ومنبع الوعي.v
 الاهتمام بالأسلوب والصور الفنية.w
 انخراط الناقد الأدبي في التجربة الذاتية للمبدع.x
بهذه التأسيسات المفهومية، تبنى كتاب “مارسيل ريمون”: (من بودلير إلى السوريالية) (1933). وكذا (النفس الرومانسية والحلم) (1937). لمؤلفه “ألبير بيغان”. دعوة أخرى في مقاربة النص الأدبي تختلف عن ما كان سائدا في الساحة النقدية منذ القرن 19. وبدأ السعي إلى اكتشاف مكونات أخرى مثل: الخيال/الصورة/ اللاوعي/اللغة. أي الميكانيزمات التي تشكل البناء الداخلي للنص.
إن مارسيل ريمون مثلا، وهو يسعى إلى اكتشاف نصوص كل من روسو وبودلير أو شعراء الاتجاه السوريالي اهتم خاصة بظاهرة الوعي رافضا كل مقاربة تلامس الرؤية السوسيولوجية أو التاريخية. فوعي الوعي، يمكننا من ولوج الحياة الداخلية للمبدع. لذلك أكد مارسيل ريمون على مبدأ التفاعل أو التشارك موظفا مصطلح “المشاركة” للتعبير عن طبيعة العلاقة التي يمكن أن تتأسس بين الذات القارئة والمعطى الإبداعي. يتحول الفهم إلى لحظة إنتاج ثانية، بسبب حدوث ذلك التداخل الوجداني العميق بين الذات والموضوع. بهذه النزعة الاشراقية والصوفية، تجاوز “مارسيل ريمون” التقليد النقدي الفرنسي من “بوالو” إلى “تيبودي”.
مفهوم القراءة هذا، المتمحور على الباطني والداخلي شكل كذلك الخلفية المعرفية لاشتغالات “ألبير بيغان”. وبالتأكيد، فإن تجربته الدينية والصوفية من خلال مسيحيته، أعطى فهمه للأدب أبعادا تيولوجية تؤكد على مبدأ الانغماس ثانية في الأعماق الداخلية. كما أن عشقه للرومانسية الألمانية وفكر الألمان أعطاه إمكانية فهم المبدع انطلاقا مما يمكن تسميته بالخيال الحلمي [l’imagination onirique] وهو المشروع الذي سيواصله بقوة غاستون باشلار.
في ضوء ذلك، قام التصور النقدي عند ألبير بيغان على مقولتي: الحضور والغياب. أي حضور الأشياء في العالم والمحيط الخارجي، ثم طبيعة الاستئناس الذي تخلقه الذات الإنسانية معها. فاكتشاف العالم، والارتماء في أحضان مكوناته يستلزم تموقعا زمانيا للكائن، وحضورا وجوديا للقصيدة التي تستمد حقيقتها من إحساس بالأشياء. 
لقد صاغت جدلية الغياب والحضور نظرية جديدة في ملامسة النص الشعري بالرهان كذلك على تقنيات جديدة كاللغة والأسلوب ثم علاقة المبدع بالأشياء المحيطة به. أشياء وأخرى ستجد عند باشلار صياغتها المفهومية الكاملة.
أعتقد بأن المشروع الباشلاري، ومن خلال محوريه الكبيرين أي:
 الإبستيمولوجيا التاريخية.u
 ثم
 نظريته في شعرية الأدب. كان يتوق أساسا إلى بحث طبيعة تمثل الخيال الإنساني للعالم. وكذا مظاهر هذه القدرة الكبيرة على إبراز وخلق صور جديدة تعطي للمكونات الكوسمولوجية إيقاعا آخر.v 
الثورة المفهومية التي عرفتها نظرية الخيال مع باشلار من خلال النتائج التالية:
* وضع تعريف وتصور جديد للخيال، بالقطع مع الموروث السابق.
* إعطاء تقسيمات للخيال، تغاير وتتجاوز التقسيم التقليدي.
* التأكيد على استقلالية الخيال حيال الواقع.
* تحويل الخيال إلى علم وتشييده كفيزياء أو كيمياء لحلم اليقظة.
* الانصهار في الإشكال السيكولوجي للخيال.
* النظر إلى الخيال في محدداته المبدعة.
* القيام بتحليل موضوعي للخيال، وهو ما أدى بباشلار إلى صياغة نظريته في “الأمزجة المتخيلة”.
* النظر إلى صور الخيال بوعي جديد يمكننا من وضع اليد على الأبعاد الدينامية للنفسية الجديدة.
لقد تحول الخيال في النظرية الباشلارية من “ملكة تشكيل الصور” إلى أخرى تقوم على “تغيير الصور” التي يقدمها الإدراك. ويمثل هذا التصور أساس البعد الحداثي الذي ألصق بمفهوم الخيال مع الفكر الباشلاري: نتخيل أولا وبعد ذلك نفهم. كما أن الخيال الإنساني، يبحث دائما عن تأسيس للصور الجديدة والأولانية في تشكلها الزماني. ويؤكد باشلار، بأن الخيال يصيغ الصور التي تحررنا من الصور الأولى، وبالطبع تلك التي تتأتى من الإدراك.
بهذا الفهم، تحول الخيال إلى تجربة للجدة والحداثة والانفتاح وكذا الإبداع. ولاشك، أن ما يعطي ذلك أبعاده المعرفية والأنطولوجية القصوى، هو تلك المساحة الحلُمية التي تأخذها علاقة العناصر الكونية الأربعة بالخيال الإنساني. في هذا الإطار، ميز باشلار بين نوعين كبيرين من الخيال: 1- خيال مادي، 2- خيال دينامي.
يتميز الأول، بكونه الخيال المتجه نحو مادة الفضاءات المنحدرة. أي الماء والأرض. وقد درس باشلار نماذج هذا الخيال في أعماله:
-la terre et les rêveries du repos (1948).
-La terre et les rêveries de la volonté (1948).
-L’eau et les rêves (1942).
يتحدد هذا الخيال، بتلك التأملات التي ينتجها الخيال الإنساني اتجاه الأشياء المادية. أو بتعريف باشلار، الخيال:”الذي يعطي الحياة للعلة المادية”. مستندا على تصور “شوبنهاور” وصياغته المشهورة: العالم كإرادة وتمثل. لكن الإرادة هنا، تتوخى التغذي بالجمال.
سيعالج باشلار في ظل الخيال المادي صور المقاومة والاستراحة، متحدثا عن جدلية الصلب والرطب التي تحكم الصور المادية الأرضية. فالأرض، وبخلاف عناصر الماء والهواء والنار تتميز أساسا بخاصية المقاومة. تبقى المادة ثابتة، محافظة على شكلها، لا توحي بأحلام للتغير وكذا الهروب. لذلك، انطلق كتاب باشلار عن الأرض من مبدأ تصادم الذات بالجوهر الصلب، إنها أحلام الضد ومواجهة الإنسان للمادة.
يتميز وجود صور وأحلام المادة بكونه: وجود للراحة ووجود للمقاومة. تحدد داخل الكائن الحالم الدوافع المحددة لإرادة القوة. فالخيال المادي، ثم الشيء الذي يتعرض للفعل، جدلية تعطينا انطباعات خالقة وحلمية.
أما الخيال الدينامي، وهو خيال الحركة. فإنه يتعلق أساسا بالظواهر الهوائية التي تعطينا دروسا عامة في الصعود والارتقاء وكذا التسامي. معطيات أساسية، من الضروري أن توضع حسب باشلار ضمن المبادئ الأساسية لما يسميه بـ: علم النفس التصاعدي. وقد درس النماذج المفهومية لهذا النمط من الخيال في كتابه: l’air et les songes. محيلا بهذا الخصوص على نصوص الفيلسوف والشاعر الألماني نيتشه . 
تشكل إذن دراسة مفهوم الخيال عند باشلار، مقدمة أساسية في ضبط الميكانيزمات التي يشتغل بها وعليها مشروعه الفكري. هذا الخيال الذي ينتج الصور الشعرية والنظرية العلمية، يشكل أطروحة أساسية في فكر باشلار حيث بدراساته لعلاقة الصور الأدبية بالخيال، جدد النقد الباشلاري رؤيتنا للأعمال الجمالية والإبداعية.
لقد حاول باشلار الوقوف عند قدرة هذه الآلية الإنسانية على النفاذ إلى عمق الأشياء وخلق صيغ جديدة تحدد صورا جمالية للكون. لهذا سيتجه تأمله إلى مجموعة من المكونات الفنية لنصوص نثرية وكتابات شعرية. هكذا وجدنا على امتداد مشروع باشلار متنا نصيا كبيرا يبتدئ من القرن 18 إلى اجتهادات القصيدة المعاصرة، وذلك للإجابة على السؤال الرئيسي الذي حكم مشروعه. أي: كيف يشتغل الخيال الإنساني وينتج مجموعة من الصور في علاقة مع العناصر الكوسمولوجية الأربعة؟ مادام أن اطلاع باشلار على نماذج أساسية لمجموعة من النصوص سواء كانت شعرية أم نثرية لمبدعين كبار، مكنه من تبين الخصائص الأنطولوجية والاختلافات المعرفية بين الصور التي ينتجها الخيال الإنساني اتجاه كل عنصر من العناصر الأربعة. مما يفترض فهم ملامح التفكيك والانتقال التي حدثت داخل المسار الفكري لباشلار منذ كتاب “التحليل النفسي للنار” (1938) إلى “شعلة قنديل” (1961). أو بمعنى آخر، الانتقال من اللحظة الموضوعية المُؤسسة على مبادئ العلم والانزياح إلى تصور يعطي للذات مركزية كبيرة في كل عملية تحديد لمعنى النص. حيث ترتبط القراءة بالوعي الفردي والشعور بالإعجاب المندهش التي يبديها المتلقي إزاء كل حضور إبداعي. الأمر الذي سيتأتى بقوة مع المنهج الظاهراتي.
لقد سعى باشلار إلى وضع أصول هذا المنهج من خلال ثلاثة كتب أساسية:
•جمالية المكان:                la poétique de l’espace (1957).
• شاعرية حلم اليقظة: la poétique de la rêverie      (1960).
•شعلة قنديل: la flamme d’une chandelle            (1961).
في أفق التعبير عن فهمه للرؤية الإبداعية التي يتوخاها، تلك التي تلتقط الخصوبة الدلالية لممكنات القصيدة الشعرية والبيت الشعري، انطلاقا من الانفتاح المستمر واللانهائي للوعي الشعري.
وهكذا فإن: 
-النظر إلى الصورة كحقيقة أولانية.
-إدراك الصورة في ذاتها ولذاتها من خلال حضورها في الوعي.
-ملاحقة الانفلاتات الممكنة للصورة، انطلاقا من مقياس الاندهاش
-ربط الصورة بالزمان الحاضر.
-الإيمان بأنه لا حقيقة قبلية عن الصورة.
معطيات من بين أخرى، أعطت المسوغ المنهجي والمعرفي لكي يقطع باشلار مع التصور التقليدي في فهم الصورة. وخاصة مع التحليل النفسي الذي كان يبحث عن الخلفيات الرمزية المتحكمة في إنتاج الصورة.
لقد وضع باشلار الفينومينولوجيا، كإطار منهجي لدراسة الصورة في ذاتها لأنها تتحدد وتتموضع عند منطلق الصورة، أي مقاربتها في مباشريتها وفوريتها. مؤكدا، بأن للخيال حتميته ومعلنا كشعار لذلك “لا اختزالية للصورة” لأنها بدء مطلق. لذلك، فإن المنهج الجديد يعطي إمكانية تخيل الصورة ثانية باعتبارها نافذة نحو اللانهائي. لا تقارب الظاهراتية الباشلارية الصورة على ضوء حتمية ما بل تستقبلها كصدى. إنها ظاهراتية للوعي الحالم، أي وعي يقظ طيع جاهز لعفوية الصورة. صورة تعيد خلخلة أسس وثوابت اللغة.
المنهج الظاهراتي إذن، هو الأكثر تماهيا مع التصور الجديد الذي وضعه باشلار للصورة الشعرية. صحيح، أن الفكر الفرنسي عرف تجربة أولى مع سارتر الذي حاول دراسة الخيال انطلاقا من الفينومينولوجيا الهوسريلية. إلا أن تجربة باشلار، تبقى خاصة وذاتية نظرا لطابع “التذويت” الذي قام به اتجاه ثقل الجهاز المفهومي الظاهراتي موظفا الفكرة المركزية في هذا النسق الفلسفي وأقصد بذلك مسألة قصدية الوعي.
لاشك أن أسس الجمالية الباشلارية ومحدداتها تتأتى من هذا الإدراك الجيد لخصوصية فكره وقدرته على حدس أمور جديدة، غيرت مسار الفكر الإنساني بشكل جذري. ذلك أن الاشتغال على الصورة الشعرية برؤية جديدة، مع إيجاد محدد نظري من خلال العناصر الكونية الأربعة، وإعطاء أبعاد أخرى لقراءة النص الإبداعي بعد أن كانت المسألة محددة في إطار الأبعاد السوسيوثقافية. 
لا يمكن التحدث عن مفهوم باشلار للصورة الشعرية، دون استحضار كيفية تفاعله مع القصيدة واللحظة الشعرية.
اختراق، توخاه باشلار انطلاقا من العلاقة الأنطولوجية بين اللحظة الشعرية واللحظة الميتافيزيقية، واختلاف مسارهما الزماني. حيث تتحدد القصيدة ببعدها الزماني في تعارض مع الزمان الوقائعي. لقد جاء تصور باشلار للحظة الشعرية بموضعتها في زمان عمودي، في سياق مناقشته لمفهوم الديمومة البرجسوني.
تشكل محاورة باشلار لبرجسون Bergson وانتقاده لمفهوم الديمومة التصور الفلسفي الذي حكم تجربته النقدية بخصوص الشعر. دون إغفال صداقته الكبيرة لغاستون روبنل G. Roupnel والذي أثر كثيرا في باشلار بأطروحته عن الزمان المنفصل، المتقطع وغير المستمر. فقد شكل كتابه: Siloé. مرجعية أساسية في تحديد منظور باشلار للزمان، ومن تم الحديث عن اللحظة الشعرية كقيمة زمانية منفلتة بامتياز تكسر الصيرورة الاعتيادية والمألوفة للحظات.
كما أن اهتمام باشلار الكبير بالقصيدة الشعرية في قراءاته اليومية، وعشقه لجمالية الصورة الشعرية الجديدة، القادرة بالخصوص على جعلنا نعيش لحظة الوجود العمودية.
تتحدد القصيدة عند باشلار، باعتبارها تجربة ميتافيزيقية تعمل على خلق رؤية جديدة للكون، وتأسيس زمان جديد يكسر التتابع العادي. بقدر ما تصنع القصيدة اللحظة  الجديدة، وتفتح سبيلا للسعادة، فإنها كذلك تموقع الكائن الجديد واللغة الجديدة، كما تعطي للعبة الاشياء دينامية أخرى.
إذا كان باشلار، قد أحدث ثورة كوبرنيكية على مستوى نظرية الخيال بقلبه للعلاقة التي رسخها التحليل النفسي مدة طويلة بين الخيال من جهة والذاكرة والإدراك من جهة ثانية، فإن دراسته لعلاقة العناصر الأربعة بالخيال تشكل ثورة ثانية في مسار الدرس الباشلاري، حيث كانت المسألة جميلة ومثيرة سواء في طرحها العام أو في الوسائل. 
وظف باشلار جملة كبيرة من النصوص، تنتمي إلى ميادين نظرية مختلفة للاستدلال على تصوره الجديد. لم يعد للعنصر فقط ذلك الوجود المادي باعتباره مكونا كوسمولوجيا للكون، لكنه خصوصا يوحي بدلالات لا نهائية تتعدد وتختلف بتعدد الذوات المتأملة.
تجاوزت النار مستوى الطهي والتدفئة. يتحول الماء إلى إسقاطات سيكولوجية قد تأخذ منحى الموت والكآبة أو الحياة المتدفقة باستمرار. كما أن الهواء يصبح وازعا لأحلام التسامي والصعود، وكذا البطولات الفردية في حين قد نحول الأرض إلى أشكال حلُمية لا متناهية.
وجد باشلار في نصوص بعض الشعراء، المحددات النظرية بالتواتر الكبير لعنصر من العناصر عند هذا الشاعر أو ذاك. هكذا يعبر “هوفمان” عن الارتباط بالنار. أما الماء، فقد تحول مع “إدغاربو” و”سوينبرن” إلى تعبير صادق عن هواجسهما. بينما أعطت إرادة القوة النيتشوية قيمة شعرية وبلاغية، للهواء بتجلياته الحلمية نحو الصعود والارتقاء.
تحول العالم في رؤية باشلار إلى “فاكهة ضخمة” كما عبر عن ذلك في كتابـه:”la poétique de la rêverie”. يكفي إذن، استحضار هذا المفهوم، حتى ندرك القيمة الجمالية لهذه اللعبة الأنطولوجية الجديدة. أي حينما يغدو العالم مجالا للاشتهاء وخلق النزوات اللذيذة.
يمثل باشلار بالتأكيد بلاغة فكر وموقف جديد من الوجود والمعرفة، لحظة مفهومية استثنائية تتوخى بالأساس تحويل الشعور بالواقع إلى إحساس جمالي. مسألة غير ممكنة، دون قدرة خيالية على إدخال الممكن والمحتمل قلب الزمان الحاضر. جوهر المشروع المعرفي الباشلاري، تأسيس وظيفة للاواقع وخلق شاعرية للمادة.
عناصر النار/الماء/الهواء/الأرض، تكشف عن نفسها وفق منظومة مفهومية، تعمل على خلق شاعرية موضوعية للخيال. فافترضت الأشياء مسارا غير الأفق الفكري الذي تموضع عنده الإنسان الصانع l’homo faber أو تحديدات الفيزيائيين وعلماء المادة.
في سبيل ذلك، وظف باشلار مجموعة من النصوص الجمالية. تتوزع بين الكلاسيكية والرومانسية والرمزية ثم السوريالية. بناء على خطاطة منهجية تمكننا من إدراك الخلفية المادية التي تحكم هذا المبدع أو ذاك، وارتكاز رؤيته لأشياء العالم على عنصر دون الآخر. مميزا بذلك بين: الحالم الناري، الجامح الهوائي، المبدع المائي أو ذاك الملتقط للجانب الحلمي في عدوانية وضدية أو حميمية الملاجئ والأشياء الأرضية.
سعى باشلار إلى صياغة جديدة للتجربة الجمالية، وطرح ممكنات أخرى أمام التفكير الإنساني، تقوم أساسا على المزاوجة والجمع بين تأسيس المفهوم بكل مرجعياته التي تتميز بالصرامة والضبط النظريين إلى جانب الصورة الشعرية بكثافتها الشعرية والإيجابية، دفعه إلى وضع نموذج فكري، صاغ قطيعة كبرى مع التقاليد المعرفية السائدة سواء على مستوى الدراسات الإبستيمولوجية، أو تلك المرتبطة بقراءاته الأدبية التي صاغت اللبنات الأولى لما عرف أكاديميا بـ: النقد الجديد.
صحيح أن القارئ للمتن النقدي الباشلاري سيواجه صعوبة منهجية حتى يحدد الملامح المعرفية والنظرية للتأويل النقدي الذي تتوخاه كتابات باشلار. مسألة، تعود في رأيي إلى ما يلي: 
1)أن ما كان يهم باشلار فقط هو متعة القراءة والكتابة.
2)لم يكن هاجس التأسيس، هما أوليا للعمل الباشلاري.
3)استناد باشلار على مجموعة من الروافد المعرفية: العلم، الخيمياء، الشعر، الأسطورة، الفلسفة، التاريخ، الأدب، الأنثروبولوجيا، الرواية…. سعيا لاكتشاف طبيعة وآليات الخيال. الشيء الذي سيعطي لشاعريته تعددية نظرية ومنهجية، تلغي على القارئ لهذا المتن كل مشروعية للاختزال والتقنين.
وكيفما كانت الرؤية والموقف. فإن باشلار، وضع مجموعة من القيم النقدية، تجاوزت النقد الجامعي المستند على منهجية موروثة عن لانسون لأن هذه الأخيرة، لم يعد بإمكانها مسايرة النفس الجديد لنصوص إبداعية تخترق أنسجة الحلم والجنون واللاعقل.
تتمثل القيمة المعرفية لفكر باشلار، في قدرته الفائقة على جعله من الخيال التجربة القادرة على إيجاد المبررات الأخلاقية والفلسفية قصد تحويل الواقع إلى علة للفعل الجمالي. مسألة تتوخى ما يلي:
+ صياغة الوجود في قوالب جمالية بالعلم أو الشعر.
+ القدرة على تحويل الأشياء والمكونات الكوسمولوجية للعالم إلى هرمونات للخيال.
                                                                     
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: