مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

للمرة الثانية..د.إبراهيم خليل يتّهم سميح القاسم بالاقتباس من قصائد معاصرة

للمرة الثانية..د.إبراهيم خليل يتّهم سميح القاسم بالاقتباس من قصائد معاصرة
 
عن وكالة أنباء الشعر
خاص بالموقع
بعد اتّهامه مؤخراً للشاعر سميح القاسم بالاستناد والاتّكاء على قصيدة للشاعر صلاح أبولاوي، يعود الناقد د.إبراهيم خليل لتكرار اتّهامه للقاسم بأنه استند استناداً شبه كلّيّ على قصيدة للشاعر موسى حوامدة، حيث كتب مقالاً بعنوان “بين سميح القاسم وموسى حوامدة” تحدث فيه تفصيلياً عن حيثيات هذا الاستناد متناولاً قصيدة “بطاقات معايدة إلى الجهات الست” للشاعر سميح القاسم، وقصيدة النثر “عالياً أصرخ” للشاعر موسى حوامدة، مبرزاً كل ما يذهب إليه في رأيه من خلال المقال الذي ننشره هنا:
بين سميح القاسم وموسى حوامدة
نادراً ما يبرأ شاعر قديم أو حديث من الاشتباه بالأخذ عمن سبقوه أو عاصروه، فالجاهليون والإسلاميون وهم شعراء الجزالة والمتانة كانوا يتعاورون المعنى واحدا تلو الآخر، وقد عبر عن ذلك زهير بن أبي سُلمى عندما قال في واحدة من فرائده:
ما أرانا نقول إلا معادًا ومعاراً من قولنامكرورا
ومن يتأمل هذا البيت يستنتج أن لزهير نظرة ثاقبة في الإبداع، فهو يعترف صراحة، ودونما مواربة، أن الابتكار المحض شبه مستحيل، وأن الشعراءَ لا يفتأون يكررون بعضهم بعضًا، شاءوا ذلك أم أبوه. ويتوافق هذا المعنى مع قول عنترة بن شداد:
هل غادر الشعراء من متردَّم أم هلْ عرفتَ الدار بعد توهُّم
فهو يتساءل إن كان الشعراء الذين سبقوه، وتقدموه، قد تركوا له شيئا جديدًا، فإنْ لم يتركوا، فليقل ما يشاء، وإن اتّهمَ بأنه يردّد ما أنشدوه. ومن يتتبع ما قيل عن الشعر، وتأثر الشعراء بعضهم ببعض، في القرون الغابرة، يكتشف أنَّ مثل ذلك الأخذ، والنظر، والاتباع، والتقليد، والمحاكاة، التي تصل حد الاختلاس في بعض الأحيان، كثير كثرةً لا تصدق. ويؤكد ابن بسام في كتابه ” الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ” وهو كتاب ضخم يقع في مجلدات عدة أنّ المعاني المتداولة لا تحتسب في السرقات، ولا حتى في الاختلاس، أو الأخذ، أو التأثر، فقد مثل على ذلك بقصيدة ابن عبدون التي أولها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور
التي يرى فيها من المعاني ما سبق أن كرره الأعمى التطيلي في قصيدته التي استهلها بالقول:
قفا حدثاني عن فل وفلان لعلي أرى باق *ٍ على الحدثان
ومثل هذا الاشتباه في قصائد سميح القاسم كثيرٌ أيْضًا، إذ يجد المتتبّع لشعره أنموذجًا في قصيدته الموسومة بعنوان ” بطاقات معايدة إلى الجهات الستّ “. فقد اتكأ فيها على قصيدة نثر لموسى حوامدة بعنوان ” عاليًا أصرخ ” تقع في السفر الرابع من ديوانه أسْفار موسى- العهد الأخير، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2002(ص45-46) وينحصرُ الاقتباس في كلمة ” أسْوةً ” وهي، بلا ريب، من الكلمات التي يجري تداولها بكثرة، وتعني: القدوة، أو المثال الذي يحتذى أويقتدى به، وهذا معروف. لكن موسى حوامدة في قصيدته تلك اتخذ من هذه الكلمة سُلّمًا لبُلوغ الذروة الحادة:
لملمي غيومك أيتها السماء
احمليني بعيدًا
اقذفي بي إلى جزيرة روبنسون كروزو
لم أعد أطيقك يا شبيهي
لم أعد أطيقك يا أنا
لم أعد أطيقكَ يا وطني! (ص46)
أمّا ما تبقى من القصيدة، فهو سلسلة من التكرارات التراكمية التي لا تختلف فيها إلا أسْماءُ الذوات: والتْ وايتمان، هيمنغوي، رامبو، المعلمون، المومسات، النائحات في الجنائز، الجزارون، فهو اقتداءً بهؤلاء كلهم، وهم غير كثيرين، يصرُخ عاليًا، مثلما همْ أيضًا، يصرخون.. ويمثل كلٌّ من آرثر رامبو، وهيمنغوي، ووالت وايتمان نماذج متمردة، لا تقبل التصالح مع الواقع السائد بما فيه منْ نُظم. ويبدأ سميح القاسم قصيدته بالكلمة ذاتها، ويُبدي ذكاءً أكثرَ مما هو متوقع فهو يحشد الجمّ الكثير من الذوات التي يقتدي، ويتأسّى بها المتكلمُ في النص، فهو يتنقل بقدْوَته من الملائكة إلى الأباطرة، والقياصرة، والصعاليك، والمشردين الذين لا بيوت لهم، ولا مَأوى. ويقتدي بالمساكين في تارا بورا، وبالجياع في بيونس آيرس، وبالرجال السكارى، وبالمغاربة الهائمين في( مليلة ) المحتلة إسبانيًا منذ مئات السنين.. ويعدّد تلو ذلك كلا من المصلين، والمقيمين، والصديق الذي يشي بهِ مُخبرٌ، وبالرهائن. وهذا الاسترسالُ في ذكره الذوات التي يتأسى بها المتكلم- وهو بلا شك قناع الشاعر ها هنا – جعل من قصيدة موسى حوامدة ” عاليًا أصرخُ ” قصيدَة أخرى، ومن كلمة ” أسوة ” التي اقتبسها سميح من تلك القصيدة حَجَرَ زاوية لبناء جديد يُنسي القارئ الذي قرأ قصيدة حوامدة ما بينهما من خيط مشترك تنمُّ عليه كلمة أسوة.
وقد جعل سميح القاسم قصيدته الطويلة، نسبيًا، إذا قيست بقصيدة حوامدة، ذاتَ توتُّر يدفع بالقارئ دفعًا لمعرفة ما سينتهي إليه هذا المُتكلم، الذي يتأسّى بجل هؤلاء ليقول لنا في نهاية المطاف، وآخر الأمر: ” أسوة بي أنا ” وهو اتجاهٌ بالقصيدة يتناسبُ مع التوتر المتراكم، جاعلا هذه الذرْوَة تجسيدًا، مُعبّرًا، عن انفجار المتكلم نفسه، بين: جريح نازف.. وغاضب جامح.. بين مؤمن كافر.. وميت هارب من قبره.. وهو يصرخ عاليًا:
آخ يا وطني
آخ يا وطني
آخ يا وطني
هذه الخاتمة، شئنا أم أبينا، أنقذتْ قصيدة سميح القاسم من وَصْمة المُحاكاة، والتقليد، الذي يَصلُ إلى مستوى التلاصّ. ويُرجّح أنّ الشاعر القاسم اطّلع على قصيدة موسى حوامدة، وكان ينبغي له أن يشير إلى ذلك الاقتباس، ولو بعلامتيْ تنصيص، بيد أنّ الاقتباس- ها هنا- لا يقتصرُ على كلمة واحدة يملأ بها الشاعر فراغًا، هنا، أو فراغًا هناك. ولكنه اقتبس مع ذلك السياق النفسي، والوجداني، من قصيدة حوامدة أيْضًا. واقتبسَ الأسْلوبَ القائم على التكرار التراكميّ، على الرغم من أنه أسْرف في ذلك إسرافا غلب على القصيدة. بيْدَ أنَّ في قصيدة سميح القاسم مَلْمحَيْن فنيَّيْن يسمان هذه القصيدة بالأصالةِ، والإبتكار، على الرغم من ذلك كلّهِ، وهما: الموسيقى( فاعلن) والتقفية اللافتة للنظر، علاوة على الموقف السياسي الذي ينتهي به النصُّ، فبينما انتهى نص الحوامدة بتجسيد المعاناة حسب:
لم أعدْ أطيقكَ يا وَطني
وهو الذي لم يعد يطيق شيئا حتى نفسه، ينتهي سميح القاسم بقصيدته المتفجِّرَة إلى التمسك بالوطن، على الرغم من الموت، والأكفان، فالمتكلم يهرُبُ من قبره في صورة غرائبيّة صارخًا ” آخّ ياوطني ” تلك الصرخة التي تذكّرنا بعبارة ناظم حكمت: ” أدخلوا الشاعر الجنة. صاح: آه يا وطني ” التي تنمّ على مُنْتهى التمسك، والتشبّث، بالوَطن، وإن كان هذا الوطن هو مَصْدر المعاناة، والألم. فالتوَجُّعُ الذي أبداهُ المتكلم في قصيدة سميح القاسم ينطوي على إشاراتٍ إيجابيّة أكثر من تلك التي تنمّ عليها قصيدة موسى حوامدة. ومثل هذه التجربة – شعريًا- تحتاجُ في رأينا إلى الإيقاع اللفظي، والموسيقي، الذي يساندُ التوتر، ويُضْفي عليه الحِدّة التي هو أجدرُ بها، وأولى، وهذا جليّ في قصيدة سميح القاسم، وغير واضح في قصيدة حوامدة، ففي غياب الوزن يتراجع التوتر، ويخفت الأثر، فتبدو القصيدة مثلَ تقْريرٍ باهت.
وصفوة القول أنَّ ما نجدُهُ في قصيدة ” بطاقات مُعايدة إلى الجهات الست ” يشبه تمامًا ما نجده ففي (سربية) القاسم، التي اتكأ فيها على عبارة أخذها من إحدى قصائد صلاح أبو لاوي، فهو تناصّ لا يخلو من اتكاء صريح، مباشر، على قصيدة أخرى لشاعر آخر، وبهذا يتّضحُ الفارق الكبير بين من تظهر في قصيدته إشاراتٌ من قصيدة أخرى عَرَضًا، وعفوَ الخاطر، مثلما يُقال، وبين آخر يتعمَّدُ النظر في قصيدة أخرى، ليعيد كتابتها في شيءٍ من التغيير الذي لا يُفلحُ في إخفاء الجُرْم المُرْتكب، جُرْم التلاصّ.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: