مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

النقد الذي يظهر ويختفي

النقد الذي يظهر ويختفي
 
عبدالرحيم مؤذن
خاص بالموقع
ماذا جرى للنقد- النقد الأدبي طبعا- والنقاد؟ المتتبع لما تمور به الساحة الثقافية المغربية ،سيكتشف غياب النقد- بمواصفاته المعروفة ولو في حدها الأدنى- إن لم يكن غيبوبة طال أمدها ،مقتربة من موت سريري تثير الأسى والحسرة على ما شهدته الممارسة النقدية، خلال العقود المتأخرة من الألفية الثانية- من اجتهادات وتطبيقات وترجمات وإشكالات.
ولاأحتاج إلى التذكير بالإستثناء الذي يخرق القاعدة، قاعدة البيات، بيات كل الفصول!فالإستثناء تجسده اجتهادات نادرة- كما ودلالة- تظهر هنا وهناك، مع ارتباطها الدائم بالبحث قبل أن ترتبط بالنقد، وشتان بين الباحث والناقد ، دون أن يمنع هذا من وجود ذاك، بل إن أحدهما يكمل الآخر، علما أن الناقد يرتبط بنوع من الإحتراف المنهجي القائم على الثابت( الرؤية النظرية) والمتغير( الترميم  المعرفي المتواصل) في سياق تاريخي يستند إلى التحليل والتفسير والتأويل للمنتج الأدبي، أو الفني عامة.
عودة إلى الوضع النقدي الذي قد يحز في نفس العدو، قبل الصديق، سنضطر إلى التذكير بمفهوم النقد الذي يقوم أساسا على تفكيك العمل وتشريحه ، من حيث انتسابه إلى الفن،أو الإبداع الجمالي.فالكثير من الإجتهادات تنسى ، أو تتناسى، طبيعة العمل المنقود، محولة هذا الأخير إلى حقل تطبيقي لمفاهيم محددة قد يستوي فيها الردئ والجيد. فالسرد ، مثلا على اختلاف مستوياته، يوجد فيها السارد والمسرود له بأوضاعه المختلفة، فضلا عن الزمان والمكان..الخ. كل القصص ، سواءكانت   رديئة أو جيدة، توظف المكونات السابقة بنسب متفاوتة.ما المطلوب إذن؟ المطلوب هوإيصال المتعة(متعة النص)بأنواعها، إلى المتلقي دون الإكتفاء بالعملية الإحصائية السابقة التي قد يبصرها الأعمى والمبصر.وهذا يقتضي دربة وممارسة للتعرف على ما أسماه ” ابن قتيبة” ، عند حديثه عن الدينار” الستوق” ، والدينار ا”لبهرج”،أي العملة الزائفة والعملة  الحقيقية. وفي النص أيضا، يوجد الزائف وغير الزائف إلى الحد الذي  تحدث”فيهلوكاتش” عن ” مستنسخ” روائي شبيه بالرواية دون أن يكون رواية( راجع نظرية الرواية ل” لوكاتش“).ولعل هذا ما يفسر ما ينشره الكثيرون الذين اكتفوا ب” تحصيل الحاصل”، نصيا، دون الوصول إلى المرحلة النقدية التي تقتضي، بعد الدرس والتحليل،إبراز مكامن الجمال، فضلا عن مناطق الخلل، رؤية وتقنيات ولغة وموقعا تاريخيا. هل لمسنا في ما يكتب اليوم جرأة القول على أن ما ينشر،من جهة، وما يعلق عليهولاأقول نقده- عليه يدخل في باب الرداءة؟ لاأظن. فالمنشور اليوم، خاصة في مجال ما يسمى بالنقد، يدخل في سياقات عديدة أنتجت “الأنماط “التالية:
1-التعليقات: وهذا يدخل في منتوج الحواس التي قد يشترك فيها الجميع.
2- التقريظات: وهذا يدخل في أدب الموائد، أو “الأشاعبة ” الجدد الذين يعرف معظهم سوء العاقبة.
3- التزكيات: وهذا يدخل في ميدان المقاولات وما دار في فلكها من علاقات الدم والولاء والمصالح المشتركة.
4-التعريفات”: وهذا يدخل في باب الإشهار.
 هذه هي الأنماط الطاغية، والتي قد تنسب، ظلما وعدوانا، إلى المجال النقدي. ما أسباب ذلك؟
1-شحوب الحس النقدي ، مجتمعيا، الذي تؤطره نخبةمدركة لطبيعة الإشكالات والعوائق السائدة.فانتعاش الممارسة النقدية المجتمعية، يسمح بفسح المجال للتعدد والإختلاف والتطور، فضلا عن الإبداع والحلم بأساليب عديدة. ومرجع  هذا الشحوبيعود،أولا، إلى طبيعة هذه النخبة ذات المرجعيات المتناقضة، وهي ، ثانيا،نتيجة لذلك تفتقد ميثاقا للعمل، في حده الأدنى، لمعالجة الوضع الحالي،وهي ، ثالثا، تعيش انفصاما بين مصالحها الذاتية ودورها التنويري، وهي ، رابعا،” نخبة موسمية” ، تلبس لكل حالة لبوسها.
ضعف الحس النقدي، اجتماعيا، أدى ، بالضرورة، إلى ضعفه،أدبيا، من خلال المظاهر التالية:
أ-النفاقالإجتماعي مقابل النفاق النقدي الذي جسدته ممارسات عديدة رفعت من شأن هذا، وحطت من شأن ذاك .
ب- التكرارية والسقوط في الرواسم( الكليشهات) إلى الحد الذي- وهذا ينطبق على الإبداع في الكثير  من نماذجه- أصبحت فيه الكتابة النقدية  مروية بالسند.
ج-استنساخ المقولات من الخارج، عوض التعامل مع الداخل،أي من خلال النص. ويتحول هذا الأخير إلى أنبوبة تجارب تختبر المقولات الخارجية عوض أن تستوحى من  المتنذاته.وهذا يخالف  ما عرفته النظريات النقدية التي قامت ، أساسا، على استنطاق النصوص التي أوحت بالمفاهيم النقدية ، وليس الغكس( لوكاتش، جولدمان/ بارت..الخ)
د- افتقاد هذه “الممارسة النقدية” للجرأة ، أي خلخلة النص، و تعويض ذلك بأسلوب( الماصدق).فالجرأة تقتضيإبداع الطرائق الملائمة لطبيعة النص، دون الر كون إلى المسكوكات السائدة من جهة ثانية.
د- بالرغم من انتماء النص إلى المكتوب، فهو ما زال مشدودا إلى الكاتب. ومن ثم فهو ما زال أسير المسموع والمروي والمتداول ، عوض التعامل مع البنيات النصية في توازيها وتقاطعها مع مختلف الخطابات السائدة.
ه- ممارسة نقدية خاضعة لمركزية محددة مهملة الهامش، منقادة للكم، مغيبة الكيف،ممجدة النموذج، مغيبة للتنويعات، تنظر بعين  واحدة ،عوض عينين، للدال والمدلول.
و- ونتج عن ذلك تغييب أنماط تعبيرية عديدة ارتبطت بتحولات النص والمجتمع في آن واحد( أدب الأطفال من قصص ومسرح وقصص مصورةوشعر/ كتابات الغرافيتي..)
و- تعقيم النص، أي جعله مبتور الصلة بالماضي والحاضر والمستقبل، بالسلالة، آباء وأجدادا وأحفادا، بعيدا عن  الحياة اليومية للنصوص التي، بسب التعقيم المشار إليه ، أصبحت أشبه بصفحة قاموس مجردة تفتقد نسغ الحياة.
إنها كتابة تعاني من ضيق التنفس بعد أن تكلست شعبها الهوائية ، وأصبحت أسيرة الثبات والمحدودية وقصر النظر، عوض  الحركية والإنفتاح واستشراف الآفاق.
فالنص الإبداعي نص ثقافي، يتجدد بفضل هذه الثقافة التي لاتتوقف عن رفده بعناصر التغير والتحول والتجنس.
فلو أخذنا مجال السرد، على سبيل المثال لاالحصر،لوجدنا غياب النقد عن التحولات النصية- الأجناسية-  بدلالاتها المختلفة، مما يقتضي طرح التساؤلات التالية:
ما دلالالة  ازدهار الكتابة الرحلية المعاصرة؟ ما دلالة تحولاتها الأجناسية:  الرحلة والرواية/ الرحلة والشعر/ الرحلة والتحقيق الصحفي/الرحلة والشريط السينيمائي/ الرحلة والتشكيل…؟
ا”لعبرية”وإمكانات النص الر حلي العابر للأجناس واللغات  والدلالات.؟
ما دلالة النص الرحلي في المتن النقدي من خلال مفاهيم محددة: الفضاء/ اللغة الزمن.
دور الرحلة في المقروئية وانتشار القراءة.
مثال آخر:ظاهرة القصة القصيرة جدا: هل هي استمرار للطرفة والنادرة والملحةوالحكمة والمثل أم امتداد للوجبات السريعة( الفاست فود)؟ هل  هي انعكاس للحصار- بكل دلالاته- أم هي أزمة أنطولوجية  متفاقمة؟هل هي تقفير مقصود للبنية النصية، أم أنها ولدت في الشهر السابع عوض التاسع؟هل هي مؤشر على انفجار ديموغرافي وشحّ نصي ، أم هي  انفجار نصي وشحّ ديموغرافي؟
أسئلة عديدة قد تمتد إلى أجناس أخرى ظلت بعيدةعن الممارسة النقدية الحالية لأسباب سبقت الإشارة إلى البعض منها وللحديث بقية.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: