مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصة قصيرة : جدار الأمان

قصة قصيرة : جدار الأمان
 

ربيعة ريحان 
خاص بالموقع
أقترب منها على حذر وأنا أمر من أمامها إلى درب البحر . أخاف منها ومن لونها الليلي وعينيها البيضاوين .
أعبر من أمامها عند قوس الواجهة ، إذ لا مفر من اجتياز تلك العتبات للأبواب العتيقة المشققة التي نادرا ما توصد . أختلس النظر إليها وهي تقفل بعجيزتها عتبة باب البيت المهجور الذي تأتي لترتكن إليه .
صرت ألكز أختي وأنا أراها لأول مرة فانتفضت وهي تبتعد عني وكأنني سأدفعها باتجاهها .
ـ مالك ؟ !!.. لماذا تدفعينني باتجاهها ؟.
تقول لي حرنة ..
ـ انظري إليها  ..
تلتفت أختي نحو سواد المرأة ووجومها ، ثم ترمقني بنظرة مضطربة .
ـ سأقول ذلك لأمي ..
تهددني ثم تسبقني مبتعدة بخطوها المذعور .
أصيح خلفها :
– تعالي ، لاتخافي ..
أدفع بصوتي العالي خوفي العارم من المرأة وتضاريسها المشدودة . لا امرأة في عائلتنا بتلك الكتل اللحمية.
لامتسع جنبها رغم رحابة العتبة . أتصور أنها تشبه  أمنا الغولة كما في الحكايا    المزعجة التي نتوارى هلعا منها في الليل  تحت الأغطية . 
أقول لأمي حين عودتي:
ـ هناك امرأة سوداء أمام البيت المهجور .
لاتجفل أمي ولاتسألني عن تفاصيل إضافية ..
ـ امرأة  مخيفة ، وجهها كالظلام .
أصر على تفاصيلي بينما أمي تصر على صمتها .
ألتفت إلى عمتي المنكبة بالقرب من أمي أمام المجلى ، وأقول لها بلهفة :
– صدرها كبير وظفيرتاها خشنتان .
 تكمل أمي مع عمتي الكلام . تضحكان عاليا وتمضيان دون عناء في سرد الأخبار .
أشعر ألا متسع من الوقت لي  فأشد أمي من ثوبها :
–  المرأة السوداء التي  أمام …
تنظر نحوي بطرف عينها وتقاطعني :
ـ أعرفها .. اتركي ثوبي وابتعدي ..
– تعرفينها .. من هي؟.
لاتجيب . تنشغل عني فأنفلت مستغربة إلى لعبي ومناوشات أختي .
ـ أمي تعرف المرأة السوداء!!..
أقول لأختي ..
– أعرف ..
– تعرفين ماذا ؟.
– أعرف أنها  تعرف !!..
أترصد أختي العائدة توا إلى لعبها . شكلها يقول إن لديها تفاصيل لاأدريها ..
تتفقد ليلى عرائسها وهي تجثو متكومة حولها .
– من قال لك ؟ !!
– سمعت أمي تحكي لعمتي ..
– تحكي ماذا ؟.
تقطٌع أختي الكلام كعادتها ، وهي تواصل حكيها ببطء شديد . تخبيء وجهها في
 صدرها و تلعب . أحثها على المزيد فتمضي بعيدا في الالتفاف على نفسها . يضأل جسمها ويتقوس أكثر . تكلمني مرة وتكلم أطيافها مرات . لا وقت لديها للنزاع ..
أساومها وأقول :
– وأنا أيضا أعرف..
ترمقني بارتياب فأمد لساني نحوها لكنها لاتجاريني في العبث . لا أطيق صمت ليلى  وانكفاءها ، لكن أمي بسبب صداعها النصفي الذي يشجها دوما تجد راحتها في ذلك ، فلا تحتاج أن تصرخ فيها مثلي كي تبتعد .
كل النزق والعفرتة يبقى من اختصاصي ، وحين يعلو الشجار بيننا تأتي أمي لتشدد ضربها لي . لا قواسم مشتركة بيننا .
عمتي فاطمة تحبني لكن بسبب أكداس الشغب التي أثيرها حولي تحب ليلى أكثر.
– أنت يا خديجة .. لم لاتتعقلين كأختك؟.
وأنا أحب أن أتعقل لكن حالة الكمون تلك ، التي تتلبس ليلى لاأطيقها .
تنتشلني أختي من صمتي:
– تلك المرأة السوداء لها ابنة .
ألتفت نحوها ..
– المرأة السوداء ؟ !!..
تتباطأ في الرد وهي تتفرس في وجهي ..
– ايه ..
– ومن هي ؟.
تتأملي برهة:
– أنت !!..
تتراخى يداي وتعنف دقات قلبي . يصير كأنه خارج صدري ..أنظر بعينين خائفتين نحوها . تقاطيعها الجامدة لا توحي بالعبث ، وأنا لاأستطيع مد يدي نحوها ..
يحضر على عجل وجه خالي الساخر وهو ينعتني بالكحلة . أتذكره لمرات  بوجهه الطافح بالغضب حين يتعثر في ساقي أو كتفي ، فينفلت قوله مغلقا أمامي كل باب للمرح :
ـ أتدرين يا عفريتة ؟؟..أنت لست ابنتنا . أنت وجدناك مرمية بالمطار ..
ذلك الخلاء خلف حينا حيث نتنزه في الربيع . أبي لم يكن يعجبه شكل ذاك المزاح. يحضنني بذراعيه الطويلتين متأملا في طمأنينة سمرتي ..أشبههم جميعا في الملامح لكن مع فارق كبير في اللون .
في البدايات كان قلبي يشتعل من الخوف والألم ، وحين كانت تقسو أمي علي بسبب من عفرتتي كنت لوحدي في بكائي المنعزل ، أتصور فعلا أنها ليست أمي وأنني لست ابنتها ..
أترك ليلى التي عادت إلى استغراقها في اللعب ثم أخطو باتجاه المطبخ .
أقف مرتكنة جنب الباب .
تستغرب أمي من سكوني ووقفتي :
– عجبا .. أنت تقفين هناك دون حراك ؟!!..
أصمت قليلا ثم أسألها سارحة :
– هل المرأة السوداء لها ابنة ؟.
تضحك أمي ولا يبدو عليها الارتباك . تتدخل عمتي بيننا وتسأل أمي :
– بالحق ..هل المرأة الكحلة كانت متزوجة ؟.
تميل أمي نحوها لتحادثها بحذر . أمرق نحوهما في خطوتين فألتقط كلاما من وقفتي. ـ .. ……………………………………..
– حيث كان السكارى والمتسكعون يجرونها ليلا خلف ضريح سيدي بو الدهب ..
 تغير عمتي اتجاه السؤال ..
– وهي ، أليس لها أهل؟؟..
ـ لا .. لاأهل لها ..
ـ كانت خادما عند عائلة غنية فطردتها السيدة حين اشتمت في السيد رائحة ميل لها..
– لتلك الكحلة ؟؟!!..
تتحسر عمتي العانس فتغص أمي بالضحك .أسعل على الرغم مني فتتنبه أمي لي وتدفعني بعيدا من كتفي ..
– باسم الله الرحمن الرحيم .. ابتعدي ..
لم أفهم جيدا سبب دفع أمي لي ، لكنني أشد من قامتي وأنا أزعق عاليا أسألها:
ـ وهل فعلا أنني ابنتها ؟؟..
تبرق عينا أمي و ترمشان قليلا . أعاود الزعيق ونظرتي لاتزال عليها ثابتة  ..
يتشوش وجهها ، ربما من الدمع الذي تحير في عيني ومن وجعي ، لكنها تهتز بغتة من الضحك ، ضحكا عاليا ،  فأسمع من خلفي صوتا موشحا بالأمان …
– ابعدوا عنها ، ابعدوا عن ابنتي..اتركوها لحالها ..تعالي ..
ويحضنني من الخلف .. والدي جدار الأمان ..
                                                                                                                                                                                                                           ويحضنني من الخلف .. والدي جدار الأمان ..
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: