مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

محمد الغريسي ينسف قيمة المرأة ككائن إنساني في رواياته وأفلامه

محمد الغريسي ينسف قيمة المرأة ككائن إنساني في رواياته وأفلامه
 
مصطفى غلمان
خاص بالموقع
مجموعة قصصية جديدة للسينمائي والقاص المغربي محمد الغريسي، جاءت لتضيف شوطا مغايرا لملامح الكتابة التي اصطفاها الكاتب طريقا لقناعاته المائلة أساسا إلى استنساخ تيمة الجنس والمرأة ليكونا قناعا ناسفا لوجوه العلاقات الإيروتيكية الممزوجة بلحظات التيه والانخطاف. علاقات منحرفة تحكمها ظواهر من التجريد والسقوط الأخلاقي وتكريس هيمنة الجسد على المعنى، كما تسعر أوارها نيران القنص والكذب المجاني.
مجموعة قصصية، تجرّأ مؤلفها على تسميتها بـ”أنا عاهرة”، تنسف قيمة المرأة ككائن إنساني، وتجعل الجسد وسيلة للتدافع البهيمي، وليس استنطاق روح النص، بالتفاعل مع الشخوص، التي هي محور الإفلاس والفشل الجنسي.
وليست هذه المرة الأولى التي يعبر فيها الكاتب الغريسي عن هذا التواطؤ في التقاط الطابو مقلوبا. فقد سبق وأن عقد نصوصه في مجموعته البكر “عواطف عابرة” لتكون نسيجا فضائحيا لميولاته في اختراق الجسد، رغبة ورهبة، وانتقاما –ربما- من شعوره بتضخم الأنا لدى الرجل في مواجهة الجنس اللطيف.
وقد قارب هذا التصور في لقطات ساخنة، غير مألوفة، في قصصه التي اختار لها مسوغات تنأى بها عن الإبحار في عوالم تصميمية، تفرز نوعا من الانتقائية في اختيار الموضوع. كما أنها تنظم بتمزيق مكشوف مناطق التعتيم في تمظهرات الشارع والليل،
وكيف يستقبل بفضاءاته أنواع النساء وأحلامهن، بلغة محسومة، تنأى بنا عن صوت الضمير وتأليب القيم على أفكار هي في العمق نتاج ممارسات شاذة، أغرقها الغريسي في بحبوحة رصف “النكاح” خارج العلاقات الشرعية، بالنسج والإغراق في تقتير رؤى مراهقة، تتقاطع وإبداعية السرد، كما هو موسوم في الكثير من الكتابات السابقة، وكما قرأناها في بعض كتابات رؤوف مسعد صاحب “الإيثاكا” المشهور بقوله “أنا ضد الكتابة الأخلاقية، لأن الأخلاق اختراع إنساني براجماتي..” أو في كتابات علاء الأسواني مثلا.. فالغريسي حينما كتب “أنا عاهرة” لم يرمز بالاسم ليقاطع مظهر الانحراف الذي يتأسس عليه مفهوم الدعارة. ولم يحدث جسرا بين الألم والأمل لينزاح في النهاية إلى الرغبة في الكشف والمكاشفة.
بل أتقن دور المحقق في البوح بالأسرار وإتيان الدليل. وكأنه يشغلنا بالكتابة على سطح العلاقة بين ما يكتب وما هو حقيقي واقع. وقد اقترب من هذا المعنى حينما قال في كلمته الأخيرة من الاختتام:”… وللكتابة فضل علي في حمايتي من شرور نفسي؟”.
لا ينشغل النص في مجموعة “أنا عاهرة” لمحمد الغريسي بترصيع أدوات الحكي رمزا أو إشارة، عبر إفراغ شحنات من الإثارة الموضوعية القائمة على الحيادية واستيفاء مدية الكتابة القصصية، إن شكلا أو مضمونا.
بل يناهض كل مواطن الانتماء إلى جنس القص، دون إفصاح بأساليب مغايرة تقطع مع التجريد الغامض، أو تقعير المعنى في السرد دون مبرر.
إنه يشتغل ببوصلة وحيدة توجه صيرورته اللغوية إلى عتمة الاهتبال بالنص الجسد دونا عن غيره من النصوص الفيزيقية الأخرى، حتى لو كانت خارج البلاغة الواضحة.
إن القارئ لهذه الأقصوصات الشهوانية “أنا عاهرة” التي تفصح عن نفسها لأول وهلة، في تمطيط غرائب التجلي الجسدي وقطف حلماته وتقطيع إفرازاته، يميط اللثام عن لاوعي مخيف بمكانة ودور الإنسان الذكوري في تقويض العلاقات الإنسانية مع الأنثى، كائنا جماليا ونطفة تصحيحية في الوجود الأوثق، ونياطا معرفيا للتبانة البشرية المهولة، التي تجعل الإحساس بالغريزة صورة مكتملة للنسل والتناسل، وليس العكس.
إن التصور الحقيقي لمعنى النص في “أنا عاهرة” لا يقف عند حدود الالتباس بين ما يكون وما هو غير كائن أصلا، بل في الموضع الذي تنكشف فيه الإحاطة بالقيم الفكرية والبلاغية الغائبة عن المجموعة.
لقد تنبهت إلى وجود فارق في جوهر رؤيتي للعوالم المحكية شفاهيا وما كتب في هذه الأضمومة. على الأقل، ليبقى الحديث عن النصوص الأخرى مجرد أخيلة منتقاة من الحياة وليس من النص الإبداعي، فنصوص”عاشقة، والدفينة، والواصل هو، وبرج العهارة، وكلام عاهر، ولغة الجنس، والليل ساعة الانفجار، وممنوع الدقان، والمومس، والمنصب السامي، وفي القصر”، كلها تغشي سديميتها في القول باللامعنى، باللاشعور، باللاهدف، باللاقيم، كأن الموثق الذي يجمع المرأة بالرجل لا يعدو أن يكون انفعالا وتفاعلا جسميا، لا يرقى لمستوى الرسالة التي تقوم عليها صفة البشرية، ولا مقام المرأة كأم وكأخت وكزوج …..
إننا بإزاء كتابة سادية تمارس شبقيتها على حساب الصفة الرمزية للوجود والكينونة.
بإمكاننا تجسيد منطوق الذاكرة التي تحيل إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن في إطار تحكمه الإبداعية والمنطق التخيلي الواعي بقيم وأهداف تلك العلاقة. فالكتابة كما ترسخها مناهج الطابو، وخصوصا ما يرتبط بالبورنوغرافيا، أحيانا ما تخرج عن لعبة الوصل والإيصال، دون الحاجة إلى تبليغ المعنى، لا يلزم الفضح أكثر من اللازم. وإنما اللبيب بالإشارة يفهم…أحيانا.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: