مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الشعر ومأزق العالم الافتراضي

الشعر ومأزق العالم الافتراضي : مفردات الإنترنت تغزو دواوين الشعراء فهل ينتهي زمن الديوان الورقي؟
 
محمد خضر
في زمن التكنولوجيا والإنترنت والأجهزة الذكية، الزمن السريع والآلي والمتجدد كل يوم بما يبهر ويدهش، زمن عايشه جيل كامل وتأثر به واستخدمه كنمط حياة معاشة وصار يعول عليه في تواصله وفي انجاز عمله وفي قراءته ومهامه، تبدأ الكثير من المخاوف والأسئلة المقلقة جنباً إلى جنب مع حسنات هذه التجربة الجديدة، أسئلة من نوع: ما هو مسـتقبل القراءة؟ والكتاب الورقي الذي بدأ وجوده ينحسر ويظهر جلياً وواضحاً ما مستقبله؟
سادت في الفترة الأخيرة أطروحات حول هل سيستمر الكتاب الورقي في الصدور وكأن شيئا لم يحدث؟ هل سيقاوم مع هذا الوجود الجديد للأجهزة الجديدة والحديثة التي تهدد كيانه وبالفعل بدأت تلغيه؟ خصوصاً مع جيل نشأ على معرفة المواقع والكتاب الإلكتروني قبل أن يقرأ كتابا!، وجيل عرف الكتاب الورقي منسوخاً إلى الكمبيوتر ولايهمه إن كان ذلك الورق مصقولاً أم عادياً، ومع أنه من المستبعد حالياً على الأقل، أن يلغى الكتاب الورقي وينحسر أكثر إلا أن القلق مشروع وملموس إذ توضح إحصائيات صحفية خلال الأعوام الماضية القريبة انخفاضاً في نسبة القراءة من الكتاب وفي نسبة مشتريات الكتب، ولا يبدو أن ثمة جهات قد فكرت في إنشاء مشروع على أرض الواقع وواسع الانتشار يشجع على القراءة أوتكوين نواد متخصصة في هذا الشأن ينضم إليها الأفراد عبر عضويات دائمة وإنجاز مستمر أو غيرها من الأفكار التي يمكنها أن تعيد الأنفاس للأوراق وتساعد في بيان أهمية الكتاب وكونه وعاء لايمكن أن يستبدل بغيره. من المفارقات المضحكة أن مثل هذه المشاريع قد بدأت فعلاً ولكن على الافتراضي وعبر الإنترنت أيضاً، ذلك الشبح الذي بدأ يزحزح الكتاب عن رفه
الشعر الافتراضي
ماذا عن الشعراء أيضاً، هل سيحولون دواوينهم المطبوعة ورقياً إلى الإلكترون وهم الذين أفادوا كثيراً من معطيات فضاء الإنترنت في نصوصهم وصارت مفردات قصائدهم لا تخلو من هذه المفردات، إما لأنها مفردات مستخدمة حقيقة في حياتهم المعاشة في أروقة الإنترنت وبالتالي هم واقعيون يوظفون هذا المعطى الجديد لدقة التعبير ولإيمانهم بأنه بات فاعلاً في عالم مفروض على الحياة وعلى اللغة كذلك، أو ممن يستخدمونها لأنها كلمات جديدة فقط ويريدون توظيفها دون أن يشعروا بلحظة الحاجة إلى توظيفها.
وبالطبع سنقرأ في دواوين الشعراء مقاطع كثيرة تحتوي على كلمات إنترنتية – إذا جاز التعبير- وبجولة سريعة نجدها كلمات ذات دلالة متصلة بهذا الواقع الجديد أو مستخدمة فقط لأنها كلمات جديدة ليس إلا.
نقرأ في ديوان عيد الخميسي «جملة لا تناسب القياس» نصاً عنوانه: «انطفاء شاشة إلكترونية»، و في ديوان آخر عنوانه يشير إلى حياة إلكترونية كاملة وهو: «استرجاع كلمة مرور» لعبدالعزيز الحميد، وعنوانا آخر هو: «قبر إلكتروني» لحسين المنجور، وفي شعر شريف بقنة وعبدالله العثمان في ديوانه «ذاكرة متأخرة عشر ثواني»، وماجد الثبيتي في نص قصيدة الموجز مثلاً، ولدى الشاعر محمد المهدي نص بعنوان «تعليق على حائط الفيس بوك» والشاعر عبدالله الهمل في بعض نصوصه، وغيرهم كثير.. بل وأخذ الشعراء يكتفون بتبادل قصائدهم عبر رسائل (sms) كما يشير الدكتور عبدالرحمن المحسني في كتابه خطاب الـ (sms).
نعثر لدى الشعراء على مفردات الإنترنت وبرامجه المختلفة ومفرداته الخاصة: ولعل الأشهر في ذلك مفردة (الفيس بوك) و(تويتر) و(الماسنجر) و(الإيميل) و(الدردشة) أو (الإنترنت)، إنه ليس عالماً افتراضياً في الشعر خصوصاً بل هي مفردة جديدة ذات علاقات وفضاءات جديدة، ورغبة من الشاعر أن يكتب ضمن يومياته التي استحالت لدى بعضهم كحياة بديلة، إنها اللغة كذلك التي يطوعها الشاعر من أجل ديمومة الشعري في حياتنا، وليس لمجرد أنها مفردات يريد استخدامها لأنها جديدة فقط، وهذا ما يشكل نفس المخاوف المتعلقة بالكتاب الورقي.
خارج الرقابة
هل سيبقى الشعر كذلك وهو دوما الفن السباق إلى التغيير والتجديد على حاله الورقي، أم أن فضاءات المرئي على (اليوتيوب) أو ملفات الـ (بي دي اف) وغيرها ستغري الشاعر في التحول إلى هناك.. إلى ديوان إلكتروني قد نحمل منه العشرات في جيب صغير عبر الوسائط الإلكترونية والأجهزة الذكية؟ يقول الشاعر عبدالله بيلا: «لا تستطيع قوةٌ مهما كانت الأدوات التي تمتلكها أن تقف أمام طوفان التقدم التكنولوجي والإلكتروني الذي أصبحَ لازماً من لوازم الحياة المعاصرة التي لا يمكن الاستغناء عنها بحال. والمثقف مرتبطٌ كغيره بهذه العوالم الحديثة التي حملت في طياتها إسهامات المبدعين الثقافية والمعرفية، وارتباط التقنية المعرفية بجهاز الحاسوب كأحد أهم وسائط الاتصال بين المثقف وعوالم الإبداع الإلكتروني، وأكثر ما يبحث عنه المثقف في هذا المجال هو الكتاب الإلكتروني الذي أصبحت حاجة المثقف إليه ماسة في ظل عدم توفر الكثير من المؤلفات المهمة الحديثة والتراثية بسبب تفاني أجهزة الرقابة على المؤلفات في منع ومصادرة الكثير من المؤلفات المتعارضة مع أيديولوجيات المؤسسات الدينية والثقافية والسياسية. ومع ارتفاع وتيرة الرقابة والمنع لا بد وأن يبرز الكتاب الإلكتروني كبديلٍ لا غنى عنه إزاء تعذُّر الحصول على النسخ الورقية؛ وهي مسألة إيجابية لأنها أتاحت الممنوع وقرَّبت البعيد وجعلت الثقافة والمعرفة متاحةً للجميع، ولكنّ توجه الكُتَّاب والمبدعين الآن إلى إصدار مؤلفاتهم إلكترونياً وطرحها للبيع عن طريق المواقع الإلكترونية المتخصصة في ذلك، يدلّلُ على اتجاه المثقف والمبدع في الوطن العربي إلى الكتاب الإلكتروني في مجالات الشراء والطباعة والقراءة، وهذا الاتجاه لا بد وأن يحرك كوامن الهواجس والقلق بخصوص مستقبل الكتاب الورقي، مع ملاحظة أنَّ الغرب قد سبقنا إلى التقنية الحديثة بكل صورها ومن ضمنها الكتاب الإلكتروني، ولكنَّ هذا السبق لم يُسقط الكتاب الورقي من عليائه بل ظل متمسكاً بمركزه المرموق الذي لا ينازعه فيه الكتاب الإلكتروني، وربما تكمن المشكلة في أنَّ الحضارات تتجاور في الغرب بينما تتناحر لدينا الحضارات ويُلغي بعضُها الآخر.
ويعتقد عبد الله بيلا أن «الكتاب الورقي لن يفقد مكانته الثابتة بين المثقفين طباعةً وتداولاً وقراءة، مهما طغت التقنية وبرز الكتابُ الإلكتروني إلى الواجهة، ولا يمكن للمثقف الحقيقي أن يستغني تماماً عن الكتاب الورقي، وأن يستبدل الحميمية والألفة التي يشعر بها حين يتحسس الكتاب بين يديه، بالاكتفاء بالكتاب الإلكتروني. وسيظل الرهان على المثقف الواعي المدرك لخطورة الانسياق التام خلف التقنية دون محاولة التوقف عندها ومحاسبتها قدر الإمكان». ولنقرأ رأياً للشاعر فيصل الغامدي يقول: «هناك شعراء وكتاب يخافون من الكتابة في (النت)، يعتبرونها استهلاكاً وهبوطاً، وأنا أراهن على النت. وأقول: إن من سيكتفي بالإعلان عن كتاب لمرة واحدة في العام أو مرتين فله النسيان. الحضور على مستوى التكنولوجيا أصبح حتمياً. الأحداق كلها تصب ضوءها في المجال. حتى الأسماء المستعارة لن تفيد، وستصبح ظلاً مرهقاً لأصحابها. الحاجة فقط لقليل من الشجاعة فليس من المهم (أين نكتب ) بل المهم (ماذا نكتب) فهذا الذي سوف يستقر في النفس، بل ويقول عن الحضور الورقي إنه يسير بموازاة الحضور السايبري، وفي النت لا تلتقي فقط مع نتاج المبدع بل مع ذاته المبدعة.. كما يحدث في (الفيس بوك) و الـ (تويتر ).. وغيرهما. ساعة الكتابة ساعة مقدسة لم أعد أبحث فيها عن قلم بل عن (لوحة مفاتيح). لم أعد اقرأ في ديوان كان على الرف بل عن مئات الدواوين المفتوحة في الفضاء. الكتابة في صفحة في النت أصبحت طقساً مُلهماً تحث على المزيد من الدهشة والخلق. تداهمني جملة أو كلمة فأكتبها في رسائل الهاتف وانتظر. لاحقاً أكتشف أن هذه الجملة كانت إسقاطاً ثقيلاً ورائعاً في قصة أو قصيدة أكتبها الآن وبعد مرور وقت طويل. حديث فيصل الغامدي يشير إلى الإشكالية بين الشاعر اليوم ووجوده الجديد.. صراعه وبحثه الدؤوب من أجل توقد الشعر وبقائه ناصعاً ومواكباً وسيكون هذا واضحاً في تعاطي الشعراء مع فضائهم الجديد
اقرأ المزيد : المقال كامل – الشعر ومأزق العالم الافتراضي – جريدة الاتحادhttp://www.alittihad.ae/details.php?id=13345&y=2013&article=full#ixzz2KNRTfjf9
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: