مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

التباس مفهوم الأدب الرقمي وغموضه

التباس مفهوم الأدب الرقمي وغموضه
 

اسماعيل لعرايسي
خاص بالموقع
مشكل المفاهيم تعرفه معظم المعارف والعلوم وهذا طبيعي في ظل الاختلاف الثقافي من جهة، وفي ظل دينامكية اللغة وتعدد النظريات والتصورات٬ وهجرة النظريات والمفاهيم بين اللغات… ونحن بصدد الأدب الرقمي نجد هذا المشكل في حدوده القصوى يكاد يكون عائق فعلي في الوسط الثقافي العربي لفهم طبيعة الأدب الجديد، وفهم فروعه والمفاهيم المعبرة عنه… ونحن نسلم أن عملية الإنتاج تسبق عملية التنظيرتتوحد المفاهيم، أو ــ مع كثيرمن التعميم وشيء من التسامح ـ تتقلص وتختفي التأويلات وتتراجع تعددية المفاهيم في وصف الأشكال الأدبية، وبما أن الأدب الرقمي تجربة عربية جديدة، فالأرجح أنها مسألة وقت فقط، حتى تتكشف الأوجه المنظمة لهذه العملية الإبداعية٬ مع الاجتهادات التي يعرفها النقد العربي في هذا الصدد٬ وعموما يمكن أن نجمل أهم أسباب مشكل التباس مفهوم الأدب الرقمي في :
ü     قلة وضعف وتعدد الترجمة العربية للكتب النقدية الأمريكية  والأوربية الأسبق الى دراسة الأدب الرقمي.
ü     نضج التجربة الرقمية عربيا وعالميا.
ü     رفض بعض النقاد والأدباء ومواجهتهم للأدب الرقمي.[1]
ü     جهل الكثير من المثقفين لهذا الأدب الجديد وعدم وعيهم بخصوصياته.
ü     لخلط الحاصل بين مفهوم الأدب الرقمي وهو الأعم ولأشمل، وبين أدب المدونات والنشر الالكتروني وبين الأدب التفاعلي (المترابط).
يمكن إرجاع التعددية والاختلاف الذي يكتسي مفاهيم المرتبطة الأدب الرقمي، أولا الى نضج التجربة الرقمية الأدبية سواء على المستوى العربي أو على المستوى العالمي، بحيث لم تتحدد ولم تتحد بعدُ المفاهيم التي يمكن أن تطلق في بادئ الأمر على الأشكال الأدبية الرقمية٬ ثم بعدها على المفاهيم التي تدور في فلكها٬ وهذا رهين بالضرورة بوضع حدود صارمة بينها، عبر تصنيف هذه الأشكال باعتبار بنيتها وموضوعها، وظيفتها، والحامل الرقمي الذي تتحقق عبره.   
طبيعة الحامل الرقمي  مثلا حسب التصنيف المعلومياتي المعروف  للصفحات الإلكترونية٬ يساهم بدوره في تحديد هذه المفاهيم بشكل كبير٬ فكما اشتق قبل هذا اسم الصحفي والصحافة من وسيط الصحيفة٬ والكاتب والكتابة من الوسيط الكتاب٬ والمذيع من وسيط المذياع… تحدد كذلك  بعض مفاهيم الأدب الرقمي بالحامل الرقمي كأدب المدونات ونلحقه بعملية التدوين٬ والمدون٬ حيث تدور هذه المفاهيم في فلك حامل واحد هو الحامل الرقمي  المدونة٬ الذي يختلف اختلافا واضحا عن الحوامل الرقمية الأخرى٬ ومعه تختلف طبيعة النصوص الأدبية التي يحملها وتتباين٬ كأدب المواقع الالكترونية الرسمية٬ المؤسساتية٬ وكذا النصوص الأدبية في المنتديات الثقافية والأدبية.. وللحامل SUPPORT الرقمي دور في تشكيل خصوصية هذه الأشكال الأدبية الرقمية.
وتحدد مفاهيم أخرى باعتبار التقنية المنجزة، أو باعتبار طبيعة العلاقة التي تربط النص الأدبي الرقمي بنصوص ووسائط متعددة أخرى٬ والإمكانات التواصلية التي يتيحها من خلال توظيف تقنيات متعددة٬ أو  قد يتحدد المفهوم تحديدا فضفاض فتجمع سائر الأشكال الأدبية المتحققة من خلال هذا الوسيط في كفة واحدة عندما يطلق عليها كل على حدا “أدب رقمي”٬ وتظهر هذه المشكلة في تعددية المفاهيم بما يحيط بهذه الإبداعات الأدبية الرقمية من غموض٬ تقول زهور كرام في هذا الصدد ” مفاهيم الأدب الرقمي لا تزال ملتبسة بعض الشيء و ليس فقط في التجربة العربية٬ وذلك لكونها حديثة العهد وتحتاج الى تأملات نقدية تدعم وضوحها الذي لا يعني بالضرورة ضبط المفاهيم بشكل قاطع٬ ولكن على الأقل خلق مجال نقدي موضوعي لبلورة مختلف المفاهيم المؤطرة للأدب الرقمي.
وترى الكاتبة أنه  “يمكن التعامل مع مفهوم الأدب الرقمي باعتباره٬ مفهوما عاما تنضوي تحته كل التعبيرات الأدبية التي يتم إنتاجها رقميا، وبهذا تصبح  باقي المفاهيم التي تحيط بالرقمي مفاهيم تحدد الحالة النصية الرقمية٬ مثل الترابطي باعتباره مفهوما يعيّن الحالة النوعية لهذا الأدب٬ والتفاعلي باعتباره إجراء رقميا عبره تتحقق رقمية النص. لكنها تأويلات لدلالات مفاهيم قابلة للتحول وفق مستجدات تجربة النصوص المنجزة رقميا.
ويبدو أن هذه المفاهيم أيضا تعطينا فكرة عن رؤية مستعمليها لكل حالة أدبية رقمية ونقف على هذه التعدد في المفاهيم للنص الواحد، حين نكون بصدد أرقى الأشكال الرقمية الأدبية، التي تحقق تمازجا واسعا بين النصوص الأدبية الأخرى٬ الى جانب الفنون والمعارف المختلفة٬ مستغلتا تلك الإمكانات الرقمية الكبيرة التي يتيحها وسيط ” الحاسوب ” أضف الجوانب التفاعلية التي يحققها على مستويات داخلية نصية، وأخرى خارجية من خلال الكاتب والمتلقي المفترض.
نجد من أطلق ٬ على هذا الشكل الأدبي الرقمي مفهوم “النص التشعبي” قد ركز على الجانب الخارجي الذي يتخذه هذا الشكل الأدبي الرقمي، المتمثل في سلسلة من الانتقالات الخطية وشبه الخطية والمعقدة٬ من خلال جسد نص الإنطلاق أو نقطة الانطلاق٬ بينما نجد من قال ب “النص المترابط” ركز على الجانب التقني الموظف في النص،  الذي يتيح التنقل من النص الى نص آخر،  أو من النص إلى شكل تعبيري آخر” خطابي ــ فني”٬ عبر تنشيط الرابط ” le lien hypertexte “٬ في حين نجد الفئة التي تركز على الجانب التفاعلي لهذا الشكل الإبداعي الرقمي٬ تفاعل في مستويات واسعة٬ وأطراف متعددة نصية وإنسانية٬ فقالوا بــ ” النص التفاعلي “٬ بينما نجد فئة أخرى تقول ب”النص الوسائطي” لاشتغاله وتركيزه على الوسائط المتعددة ” multimédia ” التي يتحها الوسيط الرقمي الحاسوب من صورة وصوت… ولعل الفئة الأغلب تكتفي بإطلاق النص الرقمي عليه٬ وهو مفهوم يبدو فضفاض٬ يعكس المعرفة الضيقة للأشكال الأدبية الرقمية المختلفة المنتشرة في الفضاء الشبكي ٬ وفي الحالات الدنيا ضبابية والتباس الحدود والفواصل بينها.
هكذا يتبين أن إشكالية المفهوم حاضرة في الأدب الرقمي وتشكل أحد عوائق انطلاقه في العالم العربي، ومعالجته لن تتأتي إلا من خلال جهاد الباحثين والنقاد في هذا الميدان الخصبة الذي يحتاج أكثر من غيره إلى الإشتغال من أجل بلورة نظرية متكاملة تعالج هذا المولود الجديد والذي يبدو أيضا أن أيادي عربية كثيرة صخرت أقلامها لكي تمنعه من  أن يخطو خطواته الأولى.
[1] انظر على سبيل المثال ما كتبه عبير حمد٬ و. يحيى جبر تحت عنوان٬  الأدب الرقمي مضمون قديم في ثوب جديد٬ ويقول الناقد د. سعيد الوكيل في مقال له نشر في صحيفة “أخبار الأدب” بعنوان “خرافة اسمها الواقعية الإلكترونية”: “النوايا الطيبة لا تكفي لأن تصنع نوعا أدبيا جديدا! أقول هذا ليكون تعقيبا مبدئيا -لا يخلو من مرارة- على ما دأبت عليه الصحافة العربية (المطبوعة والإلكترونية) في الفترة الأخيرة من مطالعتنا بالتبشير بميلاد أدب عربي جديد وبداية عصر الواقعية الإلكترونية، وبأن بعض أدبائنا اخترع في إبداعه الأدبي تقنية رواية الواقعية الرقمية، بل وصل الأمر إلى حد الإعلان عن الحاجة إلى مدرسة نقدية توائم بين أبجديات النقد التقليدي، وتقنيات الكتابة الرقمية بأدواتها الحديثة، والتي تشكل الكلمة أحد عناصرها فحسب، وهذه كلها لعَمْري أضغاث أحلام”.
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: