مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حين ينفرط عقد المدن…

حين ينفرط عقد المدن…
 
عبد الغني فوزي
خاص بالموقع
كلما أتت هجمة متوحشة على إحدى المدن العربية ؛ كنا في الخلف ، نتأمل ونتألم ، أي نطيل النظر في هذا السقوط ولا نملك في لحمة الهيكل إلا الألم على جنبات تاريخ مليء بالهزائم والانكسارات . وغير خاف ، أن هذه الهزائم صيغت شعرا منذ النكبة أي الاحتلال الفعلي لفلسطين إلى الآن . وظلت القضية كسهم يجوب الخرائط المدورة من المحيط إلى الخليج ، قضية تعري على قضايا أخرى ، وتطرح الجدليات في الأفق الغاص بالأسئلة الحارقة حول مصير أمة موزعة الحبال في المفترق .
الشعر الحديث يحفظ لهذه الأمة هزيمتها وسقوطها في ذاك العقد المتشكل من المدن في تداخل غريب ، والذي كلما سقطت إحدى حباته ، انفرط في ذاك الشتات الذي لا يفضي إلا لنفسه في المرايا المنكسرة التي غورت تحت ضربات التصدع التي تقتضي تحسسا للهيئة ، واستنهاضا للهمم ، ووقوفا لمداراة هذا المصير . يقول الشاعر أحمد المجاطي في بعض قصائده :
يحمل في غثائه الأشجار
والكتب الصفراء
والموائد
والصمت والقصائد
ودار لقمان
وأطلالها والمدن الأسوار
    حين يأتي أحد الشعراء على تشخيص وضعية مدينة ما ، فهي ( أي تلك المدينة ) بشكل من الأشكال تطرح كمعادل موضوعي لصيرورة حياة ووجود ، صيرورة حياة متعلقة بواقع الانكسار العربي الراسخ في الوجدان والعقل العربي الذي صعب عليه أن يعقل نفسه . وهنا يفلح الشعر في تحويل هذه المدن المغتصبة إلى رموز إنسانية . يقول الشاعر محمود درويش :
وأنت تسدد فاتورة الماء ، فكر بغيرك
( من يرضعون الغمام )
    يخلق الشعر مع شعراء عميقين ،  لهم حسهم الدقيق بالمراحل المنتسب إليها ، أقول يخلق الشعر ذاك الجدل العميق بين المدن العربية التي تلتقي في الوضعية والملمح ، فتغدو القدس في بغداد ، وهذه الأخيرة في غزة … وهو ما يجعل هذه المدن أداة سابحة في الزمن العربي الرديء والإنساني وبالأخص منه النقط السوداء في التاريخ الإنساني . فتتعرى الإختلالات ، وتطفو تلك الكوارث على السطح . فالعدو لا يدمر العمران فقط ؛ بل الإنسان وجذوره، الإنسان بين ذاكرته ومستقبله . وبالتالي فهي حرب على كافة المستويات ، الهدف من ذلك تدمير كيان ومصير . من هنا تظل بعض الكتابات في العمق عبارة عن صرخات حياة ووجود بالنسبة لأمة تحيى موتها على أكثر من صعيد : نذكر هنا الشاعر عبد الله راجع وسفر النار بين المدن السفلى، أحمد المجاطي و جدلية المدن العربية ، ومحمود درويش وتنقله الغريب على صهوة الحمام بين مدن ومدن لا تنتهي في الجرح ، أمل دنقل ولازمته لا تصالح…
    تبدو الآن ، هذه المدن ضمن الخرائط المدورة ، كأنها تواجه مصيرها ضمن سطح المعارك الذي  لا يفضي لأي عمق ، ماعدا تسيد ترسانة ما. وإن لم تحافظ هذه المدن على هندساتها في الجدران ، فإنها تجري في تلك المياه المقيمة في النصوص طبعا .
 
 
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: