مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

تيمة الصمت في ديوان ” حطب بكامل غاباته المرتعشة ” للشاعرعبد الغني فوزي

تيمة الصمت في ديوان ” حطب بكامل غاباته المرتعشة ” للشاعرعبد الغني فوزي
 
مصطفى لغتيري
خاص بالموقع
يعد الشاعر المغربي عبد الغني فوزي من أبرز المثقفين المغاربة الذين يصرون على مواكبة الفعل الثقافي في المغرب، من خلال مقالات ثقافية تلامس في عمقها الجانب السياسي دون أن تتورط فيه بشكل مباشر ، فلقد عودنا فوزي على نشر مقالاته في أعمدة تحتضنها جرائد وطنية وعربية ، يحاول من خلالها بلورة تصور محدد للثقافة ينتصر للهامش الذي ينتمي إليه، نكاية في المركزية الثقافية التي تقتل الإبداع و تنحدر به إلى مهاوي الرسميات و البروتوكلات الفارغة ، و قد تأتى لفوزي جمع بعض هذه المقالات في كتاب “الهوية المفتقدة” الصادر عام 2002.
   ولا يكتفي فوزي بهذا الحفر العميق في الجغرافيا المكشوفة و السرية للفعل الثقافي ، بل يتعداه إلى مساهماته الوازنة في العطاء الشعري ، من خلال دواوين عانقت النور ، و تعرف عليها القارئ ، من قبيل ديوان “هواء الاستدارة” الصادر عام 1995 ، و ديوان “آت شظايا من رسائلهم” الصادر عام 2008 ، و قد اكتملت هذه الثلاثية الشعرية بديوان صادر عن وزارة الثقافة عام 2011 اختار الشاعر أن يسمه بعنوان طويل “حطب بكامل غاباته المرتعشة ” ، و يقع الديوان في مائة صفحة من الحجم الكبير ، ضاما بين دفتيه تسعا و عشرين قصيدة ، من بينها : السفلي الجريح ـ عميقا في رماد ـ كنار في قصيدة ـ  من خلف العتمة ـ شجر العزلة..
   و ما إن تصفحت هذا الديوان الجميل حتى استوقفتني لفظة “الصمت” ، التي تكررت بشكل لافت على امتداد صفحات الديوان ، حتى أنه يمكن القول أن لا قصيدة انفلتت من الحضور المباشر الصريح أو غير المباشر لهذه اللفظة ، مما دعاني للتأمل في  مقول الديوان و مسكوته ، موجها بهذا الحضور الدال و العميق ، و بعد قراءات متعددة للديوان تأكدت أن الصمت هنا ليس مجرد لفظة تتكرر ، و إنما تشكل ثيمة عميقة ، تؤثث جميل القول عند  عبدالغني فوزي ، يقول الشاعر في قصيدة “صراط ” في الصفحة 73:
 كأن الكلام
و الصمت الصمت
 سيد العروش الخاوية .
هذا الصمت الحاضر بقوة في القصائد يتخلل الوجود الأنطولوجي و النفسي للشاعر ، فلا يملك سوى أن يعبر عنه بطرق مختلفة ، يقول فوزي في الصفحة 53:
صمتا تشطرك الكأ 
صمتا تعض على الشفة
 صمتا تلوذ بحجرك السفلي.
   و كأن الصمت هنا هوية تدثر بلحافها الزئبقي الكائن الشعري ، السادر في وحدته ، و في هامشيته و في سفليته ، يقول الشاعر :
 أنا ذاك الصمت الموزع  
في الدبيب الراشح
أحرس بياضي .
   إنه ليس أي نوع من الصمت ، إنه صمت دال و معبر ، محفز ، مستفز ، يتفوق في كثير من الأحيان عن الكلام نفسه ، يقول الشاعر في الصفحة 54 :
للصمت 
 ذاك الحديث
 و آخر سينضج على الجدار
 و خلف الطعنة. 
و في الصفحة 49 يتغنى به الشاعر قائلا :
 الصمت جسد / أفقه في اليد..
 و  يقول في مكان آخر :
 الصمت الدامع ، الدامغ / في الأغوار الرحيمة
   إذا كان الشعر يتأسس في أغلبه على المتوازيات و المتناقضات ، فإن الصمت في الديوان كان ملزما باستحضار نقيضه أقصد الكلام ، المعبر عنه في الديوان بالصوت في نوع من التجانس الصوتي التي تجعله رديفا للصمت و مناقضا له في نفس الآن ، يقول الشاعر في الصفحة 63: 
كظل حجري / أصون صوتي في زغب الأحواض م و تراني أنمو أنمو كقطرات صموتة .و في لحظات معينة يندمج النقيضان و يولدان حالة شعرية شفيفة و فاتنة ، تحتفي بالمفارقة و تؤجج في القلب و الذهن فتنة الشعر و غوايته ، يقول الشاعر في الصفحة 44 :
 مثلك أيها الصمت المحتمي بصوته / أصاحب الجراح / تحت الجفن المغمض من الهول / في انتظار أن يسري الصمت / و لو على لسان العزاء.
    تبقى في الأخير هذه الثنائية العميقة : الصمت و الصوت ملمحا معبرا من ملامح ديوان الشاعر عبدالغني فوزي ” حطب بكامل غاباته المرتعشة ” و إن كانت ثيمة الصمت متسيدة عما سواها ، و تعتبر مفتاحا قويا لقراءة الديوان و الغوص العميق في مدلولاته القريبة و البعيد
قاص وروائي مغربي*
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: