مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

” التلقي لدى حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء وسراج الأدباء”

” التلقي لدى حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء وسراج الأدباء” تأليف: الأستاذ الدكتور محمد بنلحسن 
 
إعداد الباحث د/نور الدين ناس الفقيه*
خاص بالموقع
صدر عن دار عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع بالأردن عام 2011م  كتاب :“التلقي لدى حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء وسراج الأدباء” للدكتور محمد بنلحسن بن التجاني خريج جامعة محمد الأول ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، ،مؤسس موقع الأساتذة الباحثين والمبرزين في اللغة العربية ومديره منذ أبريل 2007 إلى الآن ،والمشرف العام على منتديات أساتذة اللغة العربية  ، والكتاب الصادر مرشح لجائزة الشيخ زايد للكتاب موسم 2012/2013 ،وهو عبارة عن بحث رصين جاء ليغني المشهد النقدي العربي من خلال دراسة مفهوم نقدي غزا أوساط النقاد وأضحى ديدنهم الشاغل ، ونعني به “التلقي” الذي ينسبه الدارسون إلى مدرسة “كونسطانس” الألمانية ورائدها” هانس روبرت ياوس (H.R.JAUSS) ”   
لقد حسم هذا المفهوم في أمر التجاذبات والاضطرابات التي جثمت بكلكلها على مختلف المناهج النظرية السائدة في القرن العشرين،,ووضع “المتلقي” في صلب العمليتين الإبداعية والنقدية ، بعيدا عن سلطوية تلك المناهج التي تفرض نفسها من خارج النص.غير أن الطريف في دراسة الدكتور” محمد بنلحسن” هو دراسة مصطلح “التلقي” وما يمتُ إليه  في “منهاج البلغاء” قبل ظهوره بمئات السنين لدى النقاد المعاصرين، وهو ما أشار إليه الباحث في قوله” والتلقي المقصود ههنا هو الذي أشار إليه حازم في منهاجه وعبر عنه باستعمال مادة “لقي” ومشتقاتها لا كما يتداول في العصر الحديث. ”  لذا بدا للباحث أن” المنـهاج محاولة جادة وجـديدة من حازم لتحـديد ملامح نظـرية في التلقي غير مسبوق إليها.”

تكمن جدة هذا العمل في كونه ملأ فراغا كبيرا في مجال الدراسات النقدية العريبة عموما وفي النقد الأندلسي بشكل خاص. صحيح إن هناك أبحاثا رصينة وأعمالا متميزة أنجزت حول “حازم القرطاجني” و” منهاجه” لكن  أغلبها انصرف إلى دراسة قضايا من قبيل العروض أو المحاكاة والتخييل أو رصد مظاهر الشعرية أو المصطلح النقدي…غير أن دراسة نظرية “التلقي” في المنهاج تكاد تكون في حكم العدم اللهم إذا استثنينا بعض الدراسات التي لا تكاد تتعدى رؤوس الأصابع والتي لها صلة بالموضوع من قريب أو من بعيد، نذكر منها دراسة الدكتور “جابر عصفور” المعنونة” مفهوم الشعر” ، ودراسة الدكتور”محمد المبارك” المعنونة” استقبال النص عند العرب” ، ودراسة الباحث التونسي “شكري المبخوت” المعنونة”جمالية الألفة” …نضيف إليها دراسة الدكتور “علي لغزيوي”_تغمده الله برحمته_ المعنونة” مناهج النقد الأدبي في الأندلس بين النظرية والتطبيق خلال القرنين السابع والثامن للهجرة” . غير أن الأمر الذي لا يمكن أن نختلف حوله هو سبق الأستاذ الدكتور “محمد بنلحسن” في وضع اللبنات الأولى لدراسة نظرية”التلقي” في “منهاج الأدباء”،وتبقى دراسته_موضوع وصفنا_ مرجعا لا غنى عنه للباحثين  في هذا المجال، فإذا تأملنا صنيعه في هذه الدراسة سنجده ينطلق من رؤية نفاذة في مغامرته النقدية مستقريا ومحللا  وفاحصا  الثروة المصطلحية التي يحفل بها “المنهاج” والتي لها علاقة ب”التلقي” ، منطلقا من “المنهاج” نفسه، شارحا مادته بمادته ونصوصه بنصوصه ، معرجا على دراسات أخرى ذات صلة بقضايا المؤَلف ، يمحص آراءها ويجلي مواقفها  بمنهجية علمية محكمة،  وأسلوب نقدي مكين  ، محاولا _جهد الإمكان- تحديد ملامح نظرية”التلقي ” عند حازم وتتبع مصادرها ، والكشف عن أصالة هذا الناقد الفذ.
قسم الباحث عمله إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة ، بعدها لائحة المصادر والمراجع المعتمدة. عرف في المقدمة بموضوع البحث ، وأشار إلى دواعي اختياره، ومنها فراغ الساحة النقدية العربية من أعمال عالجت الظاهرة المشار إليها آنفا، علاوة على جرده للدراسات السابقة التي لها علاقة قرابة بموضوع البحث، مع إشارته إلى مصادر البحث ومراجعه وأهميته ومنهجه وخطته.
عنون الباحث الباب الأول من كتابه ب”ألفاظ التلقي ومصطلحاته في منهاج البلغاء وسراج الأدباء” حيث وقف على مجموعة من المصطلحات التي ترتبط بمفهوم التلقي، مرتبا إياها ترتيبا ألفبائيا، نمثل لها بمصطلحات من قبيل : أثر ، ألف، أنس،بلغ-بلاغة، جمهور،خيل-تخييل ، لذذ-استلذاذ ، لقي –تلقي…
أما الباب الثاني فقد عقده لتتبع”التلقي” من خلال نقد الشعر، وجعله موزعا على أربعة فصول . عالج في أولها هاجس التلقي ودواعي الانحفاز في تصنيف الشعر، ذلك من خلال الكشف عن دواعي “حازم” من تأليفه ، علاوة على معالجة سؤال الكتابة وتقويم الطباع ،وتحديد أسباب النفور من الشعر، وعوامل انحطاطه، مع قراءة في أبعاد دواعي التصنيف. أما الفصل الثاني فقد عقده الباحث لبيان خصوصية العلاقة بين التلقي ومفهوم الشعر-من خلال التخيل والمحاكاة-مع تحديد وظيفتي الشعر-الخلقية والجمالية-.فيما تناول بالدرس والتحليل في الفصل الثالث علاقة اللغة الشعرية بالتلقي، من خلال الوقوف على ماهية اللغة ووظائفها وأنواعها، وتحديد طبيعتها في “المنهاج”، إذ نجد “حازما” يتحدث عن الألفاظ والمعاني، ويقسم المعاني إلى أُول وثوانٍ…أما الفصل الرابع فقد عقده الباحث لمعالجة”التلقي” في علاقته بوظيفة اللغة وسماتها، وذلك بدراسة اللغة دراسة مقارنة بين العلم والشعر والخطابة، ودراستها بين موضوعتي الوضوح والغموض.
عنون الباحث الباب الثالث من كتابه ب”التلقي لدى حازم القرطاجني بين الاتباع والابتداع”، ووزعه على أربعة فصول، رصد في أولها مظاهر التأثير الأرسطي في المنهاج، وهو أثر الفلسفة اليونانية بكل ثقلها التأملي ، حيث رصد الباحث جوانب الاتباع من قبيل نظرية”المحاكاة” التي تعتبر جوهر الشعر لدى” أرسطو” و”حازم” على السواء، ومجالات الابتداع التي اختص بها”حازم” من قبيل فكر “التناسب”.
تعرض الباحث في الفصل الثاني من هذا الباب للمرجعيات النقدية العربية والأندلسية المؤطرة “للمنهاج”،وتناول في سياق كرونولوجي منزلة الشاعر منذ فترة الجاهلية، مرورا بالعصر الإسلامي،ووصولا إلى النقاد الأفذاذ كابن سلام الجمحي وابن قتيبة والجاحظ وابن طباطبا العلوي وقدامة بن جعفر وعبد القاهر الجرجاني؛ وأبان الباحث عن تمكنه البلاغي وعلو كعبه النقدي وهو يستعرض قضايا النقد العربي كمفهوم الشعر وقضية الصدق والكذب وقضية الوضوح والغموض وقضية السرقات الشعرية …مقارنا إياها ب”التلقي” عند “حازم”..وهو-لعمري- مجهود جبار لا يمكن أن يباشره إلا خبير متمرس بقضايا النقد العربي –قديمه وحديثه-، ولا نظن الباحث إلا من طينة تلك النخبة المتمرسة.
عقد الباحث الفصل الثالث من الباب المذكور لدراسة التلقي عند الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا، مقارنا ذلك بما ورد عند “حازم”، حيث خلص إلى اشتراكهم في القول بنظرية”المحاكاة”. أما الفصل الرابع فقد رصد فيه علاقة”المنهاج” بأعمال المدرسة النقدية المغربية في القرن الثامن ولا سيما أعمال”السجلماسي” و”ابن البناء العددي المراكشي”. وقد بدت لمسة الباحث واضحة وهويعالج قضية”التلقي” لدى المحدثين ،مجتهدا في استنباط أوجه التماثل والتمايز بين نظرية”حازم” ونظريتي”ياوس” و”إيزر”، حيث وقف الباحث -برويته المتبصرة ورؤيته النافذة – على مجموعة من المحددات الجمالية من قبيل”التعجيب”و”الإغراب في المحاكاة” و”التخييل” و”أفق الانتظار” و”التفاعل بين النص والمتلقي”و”التخييل والاستجابة” و”تعدد القراءات باختلاف القراء المتلقين”.
اعتمد الباحث في مؤلفه عددا هائلا من الأبحاث والدراسات المتعلقة بجمالية التلقي، خصوصا مؤلفات “ياوس” و”إيزر” في الموضوع ،  علاوة على دراسات عربية مشهورة من قبيل “نظرية المحاكاة في النقد العربي القديم” لعصام قصبجي ،و”نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية” لصفوت الخطيب، و”الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب” لجابر عصفور، ناهيك عن رجوعه الفاحص لأمات المصادر النقدية العربية ككتاب”البيان والتبيين” للجاحظ،و”الشعر والشعراء” لابن قتيبة ،و”عيار الشعر” لابن طباطبا العلوي ، و”دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة” لعبد القاهر الجرجاني”..كما رجع الباحث إلى عدد لا يستهان به من المعاجم اللغوية مثل  “لسان العرب” لابن منظور ، و”مقاييس اللغة” لابن فارس، و”المصباح المنير” للفيومي و” الصحاح” للرازي..إلخ.
إن أهم النتائج التي توصل إليها الباحث الدكتور”محمد بنلحسن” من خلال عمله المتميز هذا أجملها هو نفسه في قوله:
_إن حازما القرطاجني يمتلك رؤية متكاملة حول التلقي وقد استطاع من خلال هدا البعد الهام أن يخرج على الناس بنمط جديد من الدراسة نكاد لا نعثر على مثيل له عند غيره من النقاد.
ومرد هذا التميز عند حازم إلى استعماله في المنهاج مصطلح التلقي, وما يدور في فلكه, وينتمي إلى حقله الدلالي.
_لقد وظف حازم مادة لقي بصيغتها المزيدة تلقى, وقد أبان عن إدراك عميق لأبعاد هذا المصطلح من خلال توليد كم هائل من الألفاظ والمصطلحات الملتفة حول التلقي, وكل هذا يجعلنا نجزم بأن حازما لم يلامس موضوع التلقي ملامسة سطحية, وإن دراسته لهذا المبحث لم تكن مصادفة ولا عابرة.
-لقد هيأ هذا الناقد لدراسته المتمركزة حول التلقي الأدوات والوسائل الضرورية, وحشد لأجلها ثروة من الألفاظ والمصطلحات, فأتى خطابه النقدي سواء من خلال لغته أم معانيه منطلقا من نفس المتلقي ومتوجها نحوها ودالا عليها.
والأهم في رؤية حازم للتلقي, أنه توصل إلى تحقيق الامتداد والتلاقي مع كثير من النظريات الحديثة والجماليات المتداولة والرائجة في بيئتنا.
-لقد بث حازم بآرائه المتقدمة حول التلقي الحياة من جديد في تراثنا وأعاد لـه روحا جديدة تجعله يقف بكبرياء أمام كبريات النظريات الحديثة ليحاورها ويعبر عن امتداده الطبيعي فيها.
-إن إنجاز حازم يمتلك شروط الإبداع الإنساني والكوني باعتباره مزيجا من الأفكار المتعددة والمتنوعة التي شاركت في صياغاتها أذهان وعقول فطاحل الإنسانية بدءا بأرسطو, من هنا أتى فكره النقدي القائم على التلقي شامخا ومتطورا.
-إن ما توصل إليه حازم في موضوع التلقي يبين خطأنا نحن العرب حين أدرنا ظهورنا لتراثنا ورحنا نقتات من موائد غيرنا حتى أصبحنا عالة عليهم, نستهلك ولا ننتج(….).
-إن البحث قد ركز على استخلاص ملامح نظرية حازم القرطاجني في التلقي انطلاقا من التخييل والمحاكاة. ولكن التلقي لدى حازم يمكن رصده داخل فصول وأبواب المنهاج من خلال اللغة الشعرية والأوزان وبناء القصيدة، ناهيك عن الإمكانات الخلاقة التي تحبل بها ألفاظ المنهاج ومصطلحاته في حقل التلقي(…).
 وبعد، فإن كتاب”التلقي لدى حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء وسراج الأدباء” لمؤلفه الأستاذ الدكتور”محمد بنلحسن بن التجاني” هو حقا عمل يعكس مجهودا جبارا ومعتبرا في البحث عن معالم نظرية”التلقي” عند ناقد فذ في قيمة”حازم القرطاجني”، وهو مرجع لا غنى عنه لكل باحث مهتم سواء بما يتعلق بحازم الناقد ، أم بنظرية “التلقي” عند العرب. والدليل على قيمة الكتاب أنه ينافس بقوة الأعمال النقدية المتميزة المرشحة لنيل جائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب(فرع الفنون والدراسات النقدية)، الدورة السابعة(2012/2013م).
المصادر والمراجع:
مصدر الدراسة : كتاب “التلقي لدى حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء وسراج الأدباء” تأليف الدكتور محمد بنلحسن بن التجاني،دار عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع ، الأردن 2011م
“منهاج البلغاء وسراج الأدباء”  لحازم القرطاجني . تحقيق : محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط.3  / 1986
3-استقبال النص عند العرب, للدكتور محمد المبارك, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت, ط 1/ 1999
 
4-جمالية الألفة (النص ومتقبله في التراث النقدي)، لشكري المبخوت, بيت الحكمة قرطاج, المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون, 1993
5-مصادر” منهاج البلغاء وسراج الأدباء” لحازم القرطاجني. مقال للدكتور نور الدين ناس الفقيه، المنعطف الثقافي ، العدد142،24-25 مارس 2007 ، ص 5
6-مفهوم الشعر (دراسة في التراث النقدي) للدكتور جابر عصفور، دار التنوير للطباعة والنشر ط3/1983
7- مناهج النقد الأدبي في الأندلس بين النظرية والتطبيق خلال القرنين السابع والثامن للهجرة، للدكتور علي لغزيوي، أطروحة جامعية لنيل الدكتوراه، كلية الآداب، جامعة محمد الخامس الرباط، 1990.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: