مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مواسم الوجع والخطيئة

مواسم الوجع والخطيئة
 
يحيى الحميداوي
خاص بالموقع
مواسم الخروب *المجموعة القصصية للقاص صالح جبار محمد الصادرة عن دار المرتضى _بيروت تتكون من عشرين قصة قصيرة هي مواسم من الوجع والخطيئة تتشكل بصور متعددة تخاطب الذات الإنسانية بصورها الرمزية التي تتخذ من تفاصيل الحياة مادتها الدسمة التي ترتكز عليها ويبني من خلالها القاص عوالمه التي تمتزج بين الذات الحالمة والواقع الذي يرزح تحت تفاصيله الإنسان الذي أتعبته الخطيئة الإنسانية إن محاولة القاص الحثيثة في تقنية المزج بين لغة السرد واللغة الشعرية وهذه المزاوجة التي أعطت إبعاد جمالية أضافت شكل إبداعي للمجموعة في تعبيراتها وصياغة إحداثها فلغة القصة هي لغة تترجم الواقع إما لغة الشعر فهي الذات الحالمة والمشاعر التي تنبع منها الإرهاصات التي يرتكز عليها الشكل الشعري والإشكال التي يستخدمها القاص ويكتبها هي تراكيب شعرية تزاوجت مع الأسلوب الواقعي لتخلق تكوين قصصي جميل بموسيقاها وايحائته الدلالية لتفرض نسق متكامل من الإشارات التي تنسجم مع مدلولات الايحاءاللفظي والرمزي والانزياح والتشبيه نحو عوالم تتقارب باستخدام اللغة الشعرية وتداخلها في شكل سردي لتنتج صور رمزية ذات تأثير مبهر .إن أسلوب التكثيف أعطى للقاص رؤية خلاقة في دعم عوالمه القصصية بشحنات تملأ قصصه بالجمالية وتعطي للكلمة بعدا يمتد مع الغايات التي من الممكن إدراكها بما يريد إن يقوله أو يشبع به نهم القارئ وفضوله ليتابع ضالته وعند التتبع لقصصه المشحونة برهبة الخطيئة الإنسانية واستلاب شخوصها لكل فعل إرادي وافتقارهم لأدوات الخلاص من مجتمع يفرض مبدأ القهر والظلم نستطيع إن نفسر عنوان المجموعة إلى ديمومة الخضرة الذي هو معناه الحقيقي فالخروب هو نبات دائم الخضرة *فيما يشير برمزيته إلى ديمومة القهر واستمراره في عوالم قصصه ففي قصته اللحية الكثة (نزع جلده وحيا ؤه معا أبدل ملابسه ذات الإيحاء الديني بملابس أخرى/ )فهذه الديمومة في التشكيل كيفما شاءت الفرصة لكي يكون هذا الشخص الوصولي المتعكز على الإحداث هي ما توحي إليه عنوان المجموعة ,يستمر في سردينه بأسلوب شعري يلذ للقارئ الخوض في تفاصيله وهو يستشف واقع عاشه الجميع فالكثير من عاش مع الأخر خطيئة الخديعة في إظهار عكس مايضمر في داخله من البحث عن منافع وغايات كأنها تجسيد للمبدأ مكيافيللي من إن الغاية تبرر الوسيلة , فهذه الرمزية التي كونت الصورة التي فكت رموزها أنها من جسد المجتمع نعيش تفاصيلها ونعرف إبعادها .استخدم القاص في قصته وفي معظم ققصه في المجموعة الإكثار من الأفعال (أدرك _نزع _كتب _ترسل –تمضي -تتوهج…….) وهذه الأفعال تعطي نوع من الحركة في جسد القصة ولا تركن إلى الجمود والانزواء مما تدفع القارئ المستمتع ليكون جزء من هذه الحركة والنشاط الإيقاعي المرسوم بعناية وإدراك حسي وخيالي لينتقل ويضخ روح الحوار بين تفاصيل القصة لتكون مفعمة بالحياة وهذا المزج الجميل أعطى مردوده الايجابي في إيصال مايمكن إيصاله من غاية معرفية تستحث المعنى لرسم صورة التوالد المستمر لصورة الرجل ذو اللحية الكثة في كل زمان ومكان بدون توقف مادام هناك شعور أنساني بالرغبة في الحصول على منفعة والتكثيف الصوري مع الحركة المستمرة في نهاية القصة (/ واصلنا السير نحو الجامع الذي لاحت مأذنته من بعيد .)أغدق على المعنى بصور حسية جميلة من خلالها يتضح إن مواصلة المسير غاية لابد منها برغم المعوقات والخطوط الحمر التي ترتسم في مسالك الطريق , لينتقل بنا القاص إلى صور أخرى من صوره التي أشبعها من ذات الإنسان الذي يعيش لحظة الانهيار إما م التناقضات في الحياة التي عبر عنها بالشمس المشرقة والنهر من طرف ومن الطرف الأخر بين الجدران الكونكريتيه التي تعلن الموت في قصته اغماضة يتخذ القاص من الخطيئة والتشظي النفسي مرتكز يعتمد عليه في بنائه القصصي ,( أستحضر صورة زوجته الراقدة في فراشه مع عبد أسود ينهض الدم في عينيه) هذه صورة الخيانة التي تغرق بالسوداوية والانزياح نحو الألم والضياع ولحظة الاشتياق التي تزدحم في ذاكرته لأخيه هي تعبير عن الحاجة لوجود منقذ من دوامة الانهيار (أشتاق لأخيه الكبير)الاستمرارية في التناقض الذي يرسمه من خلال اللحظات الواقعية التي يزخر بها العالم الإنساني الذي نعيشه نستطيع إن نستلهم الصورة التي أراد القاص إن يطبعها بأسلوبه المتأني في استلاب إرادة القارئ ليطرز نهاية القصة بحركة إيحائية بان الرمز في قصته هو التضاد الصوري بين الخير والشر بين الخطيئة والفضيلة بين النور والظلام استخدامه لأسلوب الإثارة والتحفيز من خلال السرد المستمر وتحريك الأفعال لتنتعش الصورة وقناع رمزيته يعطي شكل أخر من إشكال الصراع في الحياة مبني على ظلامية الخطيئة وجنون إرهاصاتها التي تعتصر نزعات الإنسان في الخلاص من الوجع والزيف والتناقض الذي يعيشه فيحاول الغرق في دوامة الانسلال من الواقع المؤلم إلى النوم للخلاص من الصراع بين منابع الخير والضمير الحي وبين الخطيئة التي تحاول إن تهزم وتطمر تلك المنابع (فرك عينيه , خاطب جاريته :
أني بحاجة للنوم , لاتوقظيني غدا ).لينتقل بنا القاص إلى عالم أخر من العوالم التي استشفها من الواقع ليرسم لنا لوحة من الخطيئة الجسدية بزرع الثإليل * في جسد أنهكه التعب والتناقض باحثا عن الشفاء في كل إشكاله حتى وان كان هذا العلاج نهايته للخلاص من الوجع الممتد مع السنين ,وفي قصته (أنية الصفيح ),يجسد الخطيئة بإشكالها التي تجسدت له بصورة حسية بخطيئة الأب المتكررة باجتراره الجنس كعادة يومية لاينفك من ممارستها وكيف توارث هو الخطيئة حينما سحبته خطاه لتلك الجارة وتناقض الأب في تصرفه في ازدواجية إيحائية ممتعة برفضه تصرف ولده على الرغم من إن تصرفه هو بسبب التأثير التماسي في العادات التي اكتسبها من الأب ومحيط العائلة والتأثير البيئي أنها تصوير فيه من التفاصيل الكثير من المزج الغرائبي في المؤثرات القهرية التي اعتاد عليها بصورة تلقائية من خلال وجوده في تلك البيئة المشبعة بالفعل المستمر ,يلوح بإشاراته وايحائته الشيقة التي يعيشها القارئ بكل تفاصيلها ويستنسخ تجربته ليكون هو البطل في كل سكنه وحركة ويستمر في تصوير الخطيئة مستحضرا شواهد وحوادث تاريخية كعنوان لقصته ورمزيتها في (ذات الرايات ) ليجسدها بواقع نعيشه بتفاصيله ,حياة مشتعلة بالرغبة والتناقض بالطيش والمصلحة ينتقل القاص بشخوصه من عالم الخيال إلى عالم واقعي ندرك محتوياته بشعور من يعيش هذه اليوميات بكل لحظاتها القاتلة والجميلة وتمر خطوطها المتعرجة والمستقيمة على الجميع بلا استثناء فلا يتبقى منها غير إشارات موجعة وذكرى تبرق بين لحظة وآخري (في الكراج تفرقوا فيما بقي السائق يستمع لأغانيه الهابطة مع ذات الرايات .. )
وفي قصته المعنونة (رداء الأفاعي ) يحاول إن يستدرج الذاكرة لتنفق عليه من عطائها بروح الحاضر وهو يغرق في تساؤلات تفصيلية عن خطوط يرسمها بتأني وحبكة مدركة لنوازع نفس البطل والقارئ لترتقي هذه الذاكرة لفعل مستمر فيما تصنعه الموروثات التي نحملها في أجزائنا الصورية عن أيام مرت ولم يبق منها غير ذكرى عن الم وخطيئة الخوف والخيانة ,تدور معظم القصص في فلك الخيانة التي يبزغ منها ضوء وإشارة نحو النجاة من تلك الحوادث المخيفة التي أرهبت إبطال القصص وخلقت في نفوسهم فوبيا الخطيئة ففي القصة الموسومة (سلالة الخشب )تظهر فيها إرهاصات القهر والتعامل مع الأخر بدونية وطبقية سلطوية وهذا جزء من إرهاصتنا الكلية المخيفة التي رزحنا تحت وطئتها دهرا فمن غير الممكن الخلاص منها بلا ثمن وثمن الخطيئة هو الخوف المستمر والشعور السلبي بالبحث الدائم عن مفتاح للخلاص ومن خلال البحث في تراكمات النفس يصدح صوت من أعماق النفس المقهورة للمشاركة في الشعور بالآخر لكي يكون الخلاص جمعي وليس الركون إلى اللامبالاة ورفض الأخر والنظر إليه بعين الشفقة دون المساهمة في إنقاذه فكلنا من سلالة واحدة كان رمزية الكرسي الخشبي هي إيحاء إلى خلقنا من طين واحد لافرق بين شخص وآخر .ينتقل القاص في اضائته لواقع ليس مفتعل وإنما هو واقعي ليس بالغريب على الكثير في (صدى العصي ) التي لونت ظهور الكثير بلا سبب أو معنى أنها المعاناة والوجع وخطيئة الوجود في ذلك المكان والزمان المفروض بالقوة إن واقعية الزمان والمكان تفصيل مكمل لملامح المجموعة القصصية ,ننتقل بشوق مع قصص المجموعة كونها تخاطب الذات الإنسانية التي أشبعتها الخطيئة قهرا وامتهان لنرسم في مخيلتنا لحظات الوجع في ساحة العرضات ونحن نعيش الاستلاب والدونية على يد من لايستحق إلا إن يكون خنزير لايستحق إلا الرفض في حياة الإنسان وهو في هذه القصة يستحضر الذاكرة والرمز وتستمر معه لعبة الرموزوتقنية توزيع إيحاءاتها في قصصه التي تأخذ منحى تحذيري لتجارب مستمرة ففي قصصه (المربعات واللوحة والمسمار والذبيحة وإسقاط والعجلة والذاكرة الرخوة )تتوالى رمزيته اللذيذة في معظم المجموعة القصية بتقنية شعرية تتكرر في قصته المسافر التي تلونت بها مجموعته وكانت تتراقص بنسق لذيذ يعطي إمكانيات للقارئ ليسافر في خطوطها المتوازية وهي تحفر أخاديد الرغبة في مخيلته العطشى ,ليشكل الفراغات التي يملئها القارئ النهم وهو يشكل أربع فراغات يمثل الفراغ الأول فراغ لصوت الإغواء وخوف السقوط في زلة الرجل الأول لينتقل إلى فراغ أخر بصوت الرغبة وتشكيلات الأماني والأحلام التي يترقب تحقيقها وبانسيابية جميلة يبزغ الفراغ الرابع وهو فراغ لصوت الانتظار والتوجع والبحث عن الذات ليطوي الفراغات بالفراغ الأخير المدوي بصوته الصاخب وهو يعلن صوت الفناء ويصور شدته ,وذروه المجموعة القصصية التي مثلت عنوان مجموعته مواسم الخروب في هذه القصة الجميلة التي تعطي فعالية في خطاب الذات والانا التي تتجسد بالقرين القابع في ذاكرة حبلى بالوجع يتنفس مرارة الخيبة ويشعر بألم التشظي من كل نوازع الشر وفقدان مقومات الأخلاق والركون إلى السرقة وإضافة أسماء وهمية لتعديل مسمياتها وبروزت ملامحها بشكل يضفي عليها مسحة من البراءة ,لقد تمكن القاص صالح جبار محمد من إيصال أفكاره المركبة في قصصه بشحنة واحدة تشعبت لغايات جمالية فان عناوين قصصه ومحتواها تتراقص الكلمات برشاقة وتقنية عالية مع الترابط بسلسلة لايمكن استلاب إحدى القصص من المجموعة دون إن تترك فراغ ذهني لنقص جزء من كل ,فمسحة الجمال واحدة متكاملة بتكامل المجموعة التي اتخذت من الخطيئة مساحة للعب بالتراكيب والإحداث بصورة جميلة ومهيمنة على القارئ,تمكن القاص من أجادة لعبة العزف على أوتار القلوب ليشد القارئ معه ويسحبه بغواية إلى مناطق التأثير لينتشي بروعة الأسلوب والإمكانية العالية بتمازج اللغة الشعرية باللغة السردية مما يدلل على القدرة الخيالية العالية والإمكانية في التقاط الواقع بصوره المتوالية وشحنها بشحنات ذاتية لإضفاء الجمالية والغاية وهذا مايحسب للقاص في فرض أسلوبه وإرادته على المتلقي ليكون أسير المجموعة حتى النهاية ومشارك فعال في إحداثها التي تتشعب بدون إن تفر الفكرة من ذهن المرسل والمتلقي .
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: