مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قراءة في “دروز بلغراد” و”شريد المنازل” *

متخيل الحرب بين البناء التراجيدي والتصوير الشاعري : قراءة في “دروز بلغراد” و”شريد المنازل” *
 
د. محمد المسعودي

خاص بالموقع
حققت الرواية اللبنانية خلال العقود الأخيرة إنجازات هامة في السردية العربية على يد ثلة من الروائيين الذين كرسوا جهودهم لتصوير واقع لبنان ومعاناة الإنسان فيه، كما حرصوا على تطوير فن الرواية وتجويد صيغه الفنية ووسائله التعبيرية. ومن بين أهم تجليات الواقع اللبناني وإفرازاته التي حظيت بعناية هؤلاء الكتاب تأتي الحروب الطائفية/الأهلية، وغير الطائفية التي عاشتها لبنان خلال تاريخها الطويل، وهي الحروب التي استحال فهمها على العقول وأدمت القلوب وأثارت الكثير من القيل والقال سياسيا وثقافيا، ومن ثم كان المتخيل السردي/الروائي أداة جوهرية لتفسير مجرياتها والوقوف عند أبعادها التراجيدية سواء في وقائعها أو عبر البحث في جذورها وإرهاصاتها الضاربة في الماضي. ولقد حرص الروائيون في لبنان على الإمساك باللحظات التراجيدية التي مر بها مجتمعهم وهو يعاني ويلات هذه الحروب الطائفية وأشكال الصراع الإيديولوجي العصيب، وأثناء انشغالهم بهموم الإنسان ومعاناته، اهتموا بالكتابة ذاتها فتميزت أعمالهم بمقدرة كبيرة على الإمتاع وإيصال رسالتها الإنسانية فنيا. ومن أبرز الأسماء التي أمتعت القارئ العربي وكشفت له عن أسرار التراجيدية اللبنانية نذكر: إلياس خوري، وحنان الشيخ، وليلى عسيران، وهدى بركات، وحسن داوود، ونجوى بركات، ورشيد الضعيف، وجبور الدويهي، وربيع جابر، وعلوية صبح وغيرهم ممن لا يحضرني الآن. ونظرا إلى أن ما كتب عن هؤلاء في النقد الأدبي والصحافي كثير، ونظرا إلى صعوبة تناول أعمال هؤلاء جميعا ارتأت هذه القراءة الوقوف عند عملين صدرا حديثا ورشحا معا إلى جائزة بوكر في نسختها العربية (وفاز أولهما بالجائزة فعلا)، وهما “دروز بلغراد” لربيع جابر، و”شريد المنازل” لجبور الدويهي. فما تجليات “متخيل الحرب” في الروايتين؟ وما أبعادها التراجيدية؟ وما طرق تصويرها وحدودها في الروايتين؟
تعود رواية “دروز بلغراد” إلى التاريخ لتقف عند جذور الحرب الأهلية وبواعثها الكامنة في رواسب التاريخ القريب. إن الروائي ينبش في أحداث القرن التاسع عشر الميلادي التي عاشها لبنان قصد الكشف عن أوجه الخلل وضروب الصراع التي قادت إلى ما وقع في لبنان خلال سبعينات القرن العشرين، ولا شك أن هذا الحفر الروائي عبر المتخيل السردي وظف توظيفا جماليا في إطار محاولة فهم للواقع وكشف تناقضاته. هكذا يجد المتلقي نفسه أمام حكاية “حنا يعقوب” التراجيدية. حكاية رجل وُجد صدفة في المكان الخطأ لتبدأ إحدى ألاعيب القدر الغريبة إذ يجد نفسه مسوقا إلى المنفى والسجن عوضا عن شخص آخر. وبذلك كان حنا بديلا عن رجل آخر مسلم/درزي هو “سليمان غفار عز الدين” الذي أطلق “إسماعيل باشا” سراحه لقاء فدية كبيرة من الليرات الذهبية. وبذلك، تبدأ لعبة الرواية ولعبة الكتابة المستندة إلى التراجيدية تتشكل في الأفق. وعلى الرغم من أن السارد يصاحب شخصياته المنفية إلى أقاصي الأرض، ويرصد عذاباتها وأفراحها، إلا أن خيط التراجيدية اللبنانية يبدو من خلال لمحات وإشارات عدة تتخلل النص الذي يخضع إلى بنية حداثية في الكتابة السردية، وخاصة إشاراته إلى معركة (عين دارة) وإغارة دروز الجبل على جيرانهم النصارى وتداعيات ذلك وآثاره.
ولعل أول خيوط التراجيدية التي تطالعنا بين ثنايا الرواية فيما يرتبط بشخصيتها المحورية “حنا يعقوب” يتمثل في حلم “هيلانة” (زوجة حنا يعقوب)، وهو الحلم الذي يكتنز مخايل نبوءة أو استشراف لما سيحدث. والنبوءة كانت دوما قدرا تراجيديا لا بد أن يحدث. وقد ظلت الزوجة تتحسر على عدم إخبارها زوجها ذاك اليوم برؤياها المنذرة بشر مستطير، وحمَّلت بعد ذلك نفسها وزر ما وقع.
ومن علامات البناء التراجيدي للأحداث وتجسيد بداية الصراع الطائفي وتبعاته الناتجة عن اختلالات في علاقات الإنسان، استثمار الشائعة باعتبارها وسيلة أخرى من وسائل النذير والإخبار بما سيكون، وقد اتضح هذا البعد في شائعة راجت عن مقتل “حنا يعقوب” أولا على يد أحد الدروز المنفيين وراء البحار (دروز بلغراد، ص. 84_ 85)، ثم إشاعة خبر مقتل عدد كبير من نصارى الجبل، وكان ذلك علامة على بزوغ الفتنة والتوتر والعنف الطائفي، وهي الأحداث التي تلت عنفا سابقا تمثل في معركة (عين دارة) المشار إليها سابقا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تعد الشائعة وسيلة أخرى من وسائل البناء التراجيدي في الرواية لأنها ترتبط بالغامض والمجهول وهي لعبة من ألعاب القدر وهو يتحكم في المصائر الإنسانية.   
وإن الرواية وهي ترصد ملامح تشكل الصراع الطائفي وجذوره الملتبسة وعلاماته المأساوية تذهب إلى تواريخ محددة من تاريخ لبنان والمنطقة التي كانت تحكمها الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر، إذ إن الأحداث التي تحكي عنها الرواية وتبني عوالمها انطلاقا منها تجري ما بين  1860_ 1872، وهو التاريخ الافتراضي/ المتخيل للوقائع التي مر بها لبنان ودروزه الذين نفوا بعيدا عنه. ومن ثم تنتقل تراجيديا الإنسان اللبناني لتأخذ بعدا إنسانيا كونيا عبر تصوير رحلة العذاب التي خاضتها هذه الفئة التي رُحلت عن وطنها، أو عن طريق تصوير صراع الطوائف (صراع الدروز وجيرانهم النصارى)، أو من خلال تصوير صراع القوى الكبرى الفاعلة في مجرى التاريخ حينها وما تخلفه من آثار على الأوطان والناس. وهنا تلتقي حكاية “حنا يعقوب” و”دروز بلغراد” _كما أطلق عليهم_ مع حكايات سجناء آخرين سواء في سجن بلغراد أو في سجن الهرسك من رعايا السلطنة العثمانية الممتدة. وبذلك تصبح التراجيدية الإنسانية ممتدة، بدورها، على رقعة جغرافية واسعة لتصير حالة كونية/ تاريخية، لها ما لها من آثار لاحقة فيما بعد، في الواقع الفعلي وفي المتخيل الروائي لرواية ربيع جابر.
ومن تجليات البعد التراجيدي في تشكيل متخيل الرواية، أيضا، الركون إلى أفعال الصدفة وأثرها في تطور مصائر الشخصيات، فقد كانت رحلة عذاب “حنا يعقوب” بعيدا عن بيروت صدفة، كما أشرنا سابقا، كما لعبت الصدفة دورا هاما في إنقاذه، وإنقاذ الدروز الذين كان سجينا معهم من الموت المحقق ومن المرض ومن قطاع الطرق، وفي كل مرة تظهر من رحم الوجود والقدر شخصيات تؤدي دورا فعالا في حياة هؤلاء التعساء كما هو الحال مع “عامر بيك البوشناقي” صاحب الهرسك الذي أمر بنقلهم من دهاليز وأقبية السجن الموحشة إلى إحدى الزرائب (دروز بلغراد، ص. 125)
ومن أهم ملامح البعد التراجيدي استثمار معطيات الحدس والشعور الباطني الذي ينظر إلى الآتي ويرتبط به. وقد حدس “حنا يعقوب”، في لحظة من أقسى اللحظات التي مر بها أنه سيرجع يوما إلى بيته، وهذا الحدس سيزكيه حلم رآه الشيخ عماد الدين محمود لاحقا، وهو الحلم الذي رأى فيه جميع الحاضرين يحتفلون معه بعودتهم إلى الجبل، وظلت الشخصيات تستفسره طوال طريق عودتها من الهرسك إلى صوفيا وإسطنبول هل رأى كل منها، وخاصة حينما كانت تموت إحدى الشخصيات في بعض الحوادث المريرة أو بسبب الكوليرا التي اجتاحت صوفيا وبلاد أخرى خلال تلك الفترة. ولعل توتر البشارة والنذير بالشر في الرواية من بين أهم الملامح التي تشكل البعد التراجيدي للمتخيل الروائي في هذا النص الفاتن الذي بنى نسقه السردي على أسس تراجيدية.
غير أن الروائي كان يكسر حدة التراجيدية الإنسانية هذه وتداعياتها الوجودية والكونية والتاريخية عبر وسائل فنية سردية أخرى من بينها استثمار طاقة التذكر لدى الشخصيات، وهي إمكانية تنتقل بالأحداث إلى لحظات من الماضي السعيد إذ يصور السارد طبيعة العلاقات التي نسجتها الشخصيات بأقربائها وبموطنها: بيروت والجبل. كما أن توظيف بلاغة اللغة المجازية التي تتصل بمشاهد وصفية تصويرية كانت أداة فنية أخرى لكسر إيقاع التراجيديا البطيء ونبرته الحزينة الآسية. وفي هذه الحالة نرى الشخصيات ترتبط بالحياة وبالطبيعة من حولها لتصبح بالنسبة إليها بلسما وسلوى. يقول السارد في مشهد دال من مشاهد الرواية مصورا إحساس شخصياته بالحياة من حولها وتمتعها برؤية البحر وتذكر الوطن:
“… قضوا سبعة أيام بعيدا من البرج يُبلطون بالحجارة قسما خطرا من طريق وعرة تسمى “طريق دوبرفنيك” مع أن مدينة دوبرفنيك وراء الحدود، بعيدة على الساحل ولا تظهر من هنا. حين بلغوا قمة هضبة ورأوا البحر للمرة الأولى منذ سبع سنوات وقفوا مشدوهين. “البحر!” كانت الكلمة المنطوقة همسا معجزة. “البحر!” صارت الهمسة مفتاحا سحريا يدل الذي لم ينتبه بعد، لا إلى البحر البعيد الذي بان أزرق متموجا بالفضة من بين جبلين، ولكن أيضا إلى العالم اللامرئي القابع في انتظارهم وراء البحر: بلادهم. “لو أن نعمان معنا!” ندم بشير على جملته حين سمعها. بدا أخوه نعمان ميتا لا قاعدا وحده في البرج يحصي أصابعه الخمسة وينتظر زيارة من حمد الأعمى الذي يخرج صباحا في جولاته ولا يرجع حتى الغروب” (دروز بلغراد، ص. 127)
لا يخفى على المتلقي ما يختزنه هذا المشهد الروائي من قدرة على الإيحاء والترميز، كما لا يخفى عليه وقوعه عند تخوم التراجيدية والشاعرية، وما يختزنه من بعد تنبؤي، وخاصة فيما يتعلق بجملة بشير عن أخيه نعمان، وهي الجملة التي توحي بمصير نعمان: الموت وعدم القدرة على العودة إلى الوطن. وقد تميزت لغة هذا المشهد الروائي بتوتر واضح من حيث اعتمادها على بلاغة التكثيف ولغة إشارية رمزية تتصل بالبناء التراجيدي العام للرواية، غير أن شاعرية هذا المشهد أقوى من حيث تركيزه على تصوير أحاسيس الشخصيات الموزعة بين الفرح والأسى، الارتباط باللحظة الآنية والتشوف إلى المستقبل، الغبطة والندم (حالة بشير)، وهي الأحاسيس التي كانت بؤرة هذا المشهد الذي يحتفي بلحظة اندهاش أمام رؤية البحر، بعد ثلاث سنوات قضتها الشخصيات (الدروز) في غيابات السجون.
وفي السياق نفسه -الذي يربط التراجيدية بالشاعرية عن طريق العودة إلى الطبيعة واستثمار طاقة الترميز والإيحاء- يقول السارد في موضع آخر من الرواية :
“حين انفتحت البوابة الكبيرة في طرف الباحة ودخل الباشا على فرس سوداء توقفوا عن التنفس. عامر بيك البوشناقي صاحب الهرسك رئيس الحبس يعرف بالباشا هنا لأن سيادته مطلقة: رجل نحيل لين كثعبان تهادى على فرس تنقاد للرسن الحرير بين أصابعه انقياد جارية. دخل وحده. انغلقت البوابة خلفه واختفت خضرة البرية الملونة بالأصفر. لمحوا العالم الخارجي لحظة ثم عادوا إلى جوف الباحة العالية الأسوار. ضوء الغروب تكاثف إلى درجة السيلان، أحمر كالدم، على مداسات ممزقة وأقدام حافية. أومأ الباشا وهو يدنو فتحرك الجنود وأفسحوا لشغيلة خرجوا من مكان خفي يحملون سلالا ثقيلة. وضعوا السلال أمام الدروز: كانت مملوءة تفاحا.
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”
تكلم عامر بيك البوشناقي من فوق السرج. كان نطقه العربي سليما بديعا كاملا.
“كلوا، تفضلوا، هذا هدية لكم مرسلة من أهلكم في جبل لبنان. أهلكم يعرفون أنكم هنا الآن وفي وقت قريب إن شاء الله نردكم إليهم. أحمل لكم أخبارا طيبة. أخوتكم المنفيون في طرابلس الغرب صدرت الإرادة السنية بالإفراج عنهم وهم الآن بين أولادهم ونسائهم في منازلهم التي رجعوا إليها في بلدكم. لم يرجعوا كلهم لأن عددا منهم قضى في الحبس، هناك الطقس شديد الحرارة، أنتم ربما لا تعرفون الصحراء، صحراء أفريقيا رهيبة، الرمل والعقارب، لكن رحمة الله واسعة والقسم الأكبر من أخوتكم عادوا في صحة جيدة ويدعون لكم، أرسلوا الرسل ويسلمون عليكم، قرُب الفرج وأظن أنكم أنتم أيضا تخرجون في وقت غير بعيد…” (دروز بلغراد، ص. 110_ 111)
            تكتنز هذه الصورة قدرا من التوتر وعبره تستطيع تصوير حالة السجناء (دروز بلغراد) في سجن الهرسك تصويرا سرديا يقع على تخوم الشعر وعوالمه على الرغم من السياق التراجيدي للأحداث، وهذا السياق توحي به صورة بيانية جميلة قوامها التشبيه (الغروب الأحمر في مقارنته بالدم الذي يقع على مداسات ممزقة وأقدام حافية)، وعن طريق مثل هذه الصور الاستعارية التي تستند إلى بنية التداعي، أحيانا، وبنية التضاد، أحيانا أخرى، تنتقل الرواية من بعدها السردي الخالص إلى أفق لغة شاعرية مجازية محلقة تكسر رتابة النفس التراجيدي/ النثري على الرغم من أنها ترتبط بنفس السياق وتؤدي وظائفها السردية كاملة. ومثل هذه الصور نجدها تتخلل عددا كبيرا من صفحات الرواية، وهي متصلة دوما بحضور الطبيعة، الأم الرؤوم الحانية التي تخفف من مأساة الإنسان وقدره التراجيدي.
 
*     *     *     *     *
إذا كانت التراجيدية الإنسانية في رواية “دروز بلغراد” قد ارتبطت بفضاء واسع هو رقعة الإمبراطورية العثمانية، وبزمان هو القرن التاسع عشر، فإن ملامح التراجيدية اللبنانية في تداعياتها الإنسانية ترتبط في رواية “شريد المنازل” لجبور الدويهي ببداية الصراع الطائفي وتجلياته في لبنان إذ تكشف عبر متخيلها عن أهم تمظهراته. وهذه الرواية، وإن كانت تنتصر للإنساني في معناه العام وقيمه المثلى، إلا أنها تكشف استحالة الانفكاك من قدر الطائفية الأعمى وأثره على المجتمع والأفراد، تماما كما رأينا في “دروز بلغراد”. تعود الرواية إلى التاريخ القريب، إلى لبنان المعاصر (فترة الخمسينات وإلى بداية السبعينات) حيث كانت سحب النذر بالموت والدمار تتجمع في الأفق. إننا أمام تراجيدية إنسانية مؤثرة تشكلها الرواية في نفس ملحمي وإيقاع سردي متوتر. إنها حكاية “نظام العلمي” المسلم هذه المرة، وليس المسيحي كما نجد عند ربيع جابر، حكاية إنسان عاش بين حدين، وعايش/ وعاش بين أسرتين بادلتاه المحبة، وعوائل بادلته الكراهية والشفقة، ووسط عاداه من جهة، واحتضنه من جهة أخرى سواء في (عين حورا) أو في طرابلس أو في بيروت.
تبدأ الحكاية عندما تسلل الصغير نظام إلى بستان جارهم في قرية (عين حورا) صدفة، وتعرف على توما وزوجته رخيمة، وذاق حنان المرأة وحنوها، وتفهم توما وحدبه الأبوي. فنسجت الحكاية خيوطها في إهاب لا يخلو من حس إنساني رفيع المستوى، لكن هذا الرباط المقدس الذي جمع الطفل المسلم بالأسرة المسيحية كانت تتناوشه معيقات العالم الخارجي ومثبطاته التي ابتدأت بتعليقات الجيران الجارحة، وإهانات الأطفال المؤذية، وسلوكات بعض أفراد عائلته المخزية (رفض عماته السلام على توما/ شريد المنازل، ص. 29، وسنقف عند هذا المشهد الدال لاحقا). وهكذا أصبح نظام يشعر بأنه لا ينتمي إلى عالم توما وأمه الثانية (رخيمة) على الرغم من أنه أحبهما ووجد في الحياة معهما ما لم يجده بين ظهراني أسرته الحقيقية. وتمضي الرواية في أفق تشكيل تراجيدية بطلها في خطى سردية حثيثة لا تخلو من توتر درامي ومن مخايل صراع ونضال. وهي العلامات التي وسمت حياة نظام وجعلته موزعا بين انتماءين، وبين ديانتين، وبين عوائد مختلفة لأسرتين متناقضتين. وقد كانت الكراهية من نتائج هذا التذبذب بين العالمين، كراهية تأصلت في أفراد أسرة نظام الأصلية (أسرة العلمي) وذاق ويلاتها في حياته وبعد مماته، وخاصة من طرف أخويه. وبهذا الكره والخلاف عاش نظام مبعدا مطرودا منسيا من أسرته الحقة. وفي هذا الوضع ما فيه من تجليات التراجيدية الإنسانية وانعكاسات الأزمات الاجتماعية والسياسية والدينية على حياة الأفراد، وداخل الأسرة الواحدة.
            ولعل تركيز الروائي على ملامح الخلاف الأسري كان إيذانا بترجمة الصراع التراجيدي العام الذي سيعرفه الواقع اللبناني سياسيا، ونجد السارد ينتقل في مشهد دال من الرواية بين التوتر في علاقة عائلة نظام بتوما إلى حدث سياسي كان بداية توتر طائفي ينذر بما سيأتي فيما بعد، يقول السارد:
            “..أرادت صباح أن ترد لهما الصنيع فدعتهما إلى ختان نظام فالتقى توما ورخيمة بأقرباء العائلة من جهة محمود. عند دخولهما الصالون المكتظ، سعيا إلى إلقاء التحية على الجميع بحرارة، لكن عمات نظام إدعين فجأة أنهن لا تضعن أيديهن بأيدي الرجال ما أثار استغراب شقيقهما محمود، فاكتفين بمصافحة سريعة مع رخيمة وحدها مشفوعة بابتسامات مصطنعة. جلسا جنبا إلى جنب في زاوية ضيقة من زوايا الصالون حيث لاحقتهما النظرات والهمسات وهما يبحثان في أرجاء المكان عن نظام الذي خرج بعد قليل وصوته يصدح من إحدى غرف النوم مرتديا عباءة المناسبة متحررا من ثيابه الداخلية وهو يجري بين الحضور فرحا متسليا تتجاذبه الأيدي وتطارده القبلات… بعد انصراف المطَهِّر الذي أوصاه بأن يبقى ممسكا بطرف العباءة ليبعدها عن ذكره كي لا يتألم. لم يفهم توما ورخيمة سبب السعادة  التي كانت تغمر أقاربه بمناسبة هذا الختان فانتابهما شعور غامض بأنهما غرباء وأطالا المكوث في حفل  ما كان يجدر بهما حضوره. ودَّعا الجماعة دون تسليم بالأيدي هذه المرة وخرجا من الباب كهاربين ومحمود العلمي الذي شعر بحرجهما يكرر عليهما اعتذاره من أعلى الدرج.
لم يتراجعا. استدلا على مدرسة نظام، مدرسة الأمريكان في حي الزاهرية وزاراه فيها غير مرة. يتحديان الثلج وسوء الطقس في نزولهما من الجرد حيث يكون الكثير من الطرقات مقفلا، فيسيران في شوارع طرابلس مرتديين الثياب السميكة كي يحملا لنظام السكاكر ونقودا يشتري بها من دكان المدرسة. وقد صادف نزولهما ذات يوم اندلاع تمرد مسلح في المدينة حيث أعلنت حركة أطلقت على نفسها اسم المعذبون في أرضنا الطيبة قيام حكومة لها داخل الأسواق القديمة. وزعت البيانات على المارة وقيل إن من حرر هذه الصياغات الثورية أستاذ فلسفة في الصفوف الثانوية انضم إلى الثوار بعد أن أطلق النار على زوجته التي تصغره بأكثر من عشرين عاما لتأكده من خيانتها له فأرداها وفر إلى معقل المطلوبين. بدأت الفوضى تدب مع سماع إطلاق نار. حث توما ورخيمة الخطى إلى المدرسة حيث البلبلة في أقصاها، فمن قرأ بيانات الثوار التي وزعت ليلا والمليئة بالتهجم على الاستعمار الأمريكي حليف الصهيونية قد يخشى تعرض المدرسة للاعتداء باعتبارها هدفا نموذجيا. وكانت شعارات كتبت على طول سورها الخارجي تهاجم النظام التعليمي وتتوعد الرئيس جونسون بعظائم الأمور. وصلا إلى المدرسة والإدارة لا تعرف كيف تتدبر سلامة التلامذة، فالشوارع غير آمنة لتسيير الحافلات وتسمع بوضوح بعض الانفجارات المتباعدة ومعها كل أنواع الأخبار المجنونة..”(شريد المنازل، ص. 29-30)
أثبتنا هذا المشهد –على الرغم من طوله- لأنه يكشف ملامح التراجيدية الإنسانية كما تبلورها الرواية من خلال إشارات وتلميحات تختزن قدرا هاما من تجسيد عنف الواقع وجبروته في لغة سردية هادئة الإيقاع، ولكنها لا تسلم من مخايل توتر، ومن خلال بلاغة روائية تجمع الخاص بالعام وتنتقل بينهما في سلاسة ويسر، مما يجعلنا ندرك أن هذه التراجيدية متجذرة في الفعل اليومي وفي السلوك الاجتماعي، ولا يكتفي السارد في هذا السياق بتتبع مسار علاقة الزوجين (توما ورخيمة) بالطفل نظام في تجلياتها الإنسانية، وعنف صدقها وإخلاص محبتها على الرغم من موقف بعض أفراد أسرة الطفل وعائلته الذين رفضوا هذه العلاقة، وإنما نجده يقف عند فعل أستاذ الفلسفة في إشارة واضحة إلى اختلال آخر في العلاقات الإنسانية: الزوج وزوجته الخائنة، مما يجعله يوجه حقده وكرهه نحو العالم الخارجي، ونحو الآخر، ولو كان بريئا: أطفال مدرسة الأمريكان.. والغريب، في هذا المشهد، وبعد متابعة سيرورة الأحداث نجد أن “نظام” تم عتقه من خطر محدق ومحتمل من طرف توما وزوجته، بينما كانت أسرته على غير علم بما يجري حينها، ونظرا إلى انقطاع التواصل بينهم بسبب التمرد الذي انتهى بدخول الجيش إلى الأسواق الداخلية. وبهذه الشاكلة يصبح العنف الطائفي له مبرراته الذاتية التي تمتزج بفوبيا جماعية لا أساس لها سوى تصريف أمراض ذاتية وإحساس “الهلع التراجيدي” عن طريق السعي إلى تدمير الآخر، ولو كان بريئا لا ذنب له.
ومن تجليات التراجيدية، أيضا، في هذه الرواية استثمار طاقة الحلم/الرؤيا باعتبارها تجسيدا لنبوءة مشؤومة وإشارة إلى مستقبل غامض محفوف بالمجهول والموت، تماما كما نجد في التراجيديات الأدبية الكبرى، وكما وظفتها رواية “دروز بلغراد” في أكثر من سياق، على اعتبار أن التشوف إلى مستقبل الشخصية التراجيدية عن طريق الرؤيا والنبوءة من كنه التشكيل التراجيدي في الرواية. يقول السارد:
” فتح عينيه كأن صوتا صارخا أيقظه. نهض وخرج من غرفته إلى الشرفة وهو يشهق باكيا فاستفاقت شقيقته الكبرى ميسلون على صراخه ولحقت به حافية خائفة عليه أن يؤذي نفسه وهو يمشي نائما. يتشاجران ولو مرة في اليوم لكن عند حاجته إليها تحضر بلا نداء. وضعت يديها على رأسه وتمتمت آية قرآنية سمعتها من عمتها ولم تحفظها جيدا ثم جلست بجانبه فهدأ قليلا لكنه بقي تحت وطأة المنام. سألها هامسا: لماذا لا تأتي أمي لنجدتي عندما أناديها؟ أين؟ في شارع بورسعيد.. ماذا تفعل في شارع بورسعيد؟ أنا هارب والسماء تمطر والناس في الميناء يسخرون مني وهي لا ترد علي، لا تسمعني..”(شريد المنازل، ص.14)
تكشف هذه الرؤيا التي يتحدث عنها نظام- في هذا المشهد الروائي- إلى أخته ميسلون، وهو ما زال صبيا صغيرا، عن الذي سيقع لاحقا إذ سيجد نفسه وحيدا بعيدا عن أهله لحظة اغتياله في بيروت. ولن يجد من المقربين، حتى بعد موته، سوى الجفاء والرفض، ما عدا أخته ميسلون التي ظلت مرتبطة به، تتسقط أخباره وتتعاطف معه على طول الرواية. وهي التي ستدبر أمر نقله بعد مقتله من بيروت إلى طرابلس، ثم منها إلى عين حورا حيث ستواريه الثرى بعيدا عن أولئك الذين حملوا له الضغينة من أهله وإخوته، ودون أن يعلم أحد أخويه (بلال وخالد) بمكان دفنه. وكأنها بذلك الفعل تعيده إلى التربة التي أحبها واحتضنته صغيرا في دفئها الإنساني المتمثل في العجوزين توما ورخيمة. وتؤكد الرؤيا/ الحلم مدى الهلع الذي يعيشه نظام، والذي ظل يطارده طوال حياته، كما تكشف لامبالاة الآخرين وعدم اهتمامهم، وخاصة الأم التي تشكل كل قيم الحنو والمحبة والحنان، وهي العناصر التي افتقدها نظام فيها فبحث عنها لدى رخيمة: المرأة المسيحية التي عوضته عن أمه، وقد كانت أخته ميسلون تعوضه، بدورها، عن الفراغ الذي يحسه عاطفيا والمتمثل في غياب محبة أفراد أسرته الآخرين. وقد حملت ميسلون بذورا من الاستشراف والتنبؤ بمصير أخيها في حلم من أحلامها ورد في بداية الرواية (شريد المنازل، ص. 26).
وبهذه الرؤى التي تكتنز إشارات دالة وأبعاد رمزية وحدوس بما سيأتي يعمق الروائي البعد التراجيدي لشخصية بطله، ويعمق طابع هذه التراجيدية الإنسانية في ظروف عادية قبل أن تهب رياح الدمار والحرب على حياة الناس ليبين أن التراجيدية جذر في الكون وأصل من أصول الحياة، تماما كما فعل ربيع جابر وهو يتقصى ملامحها في أصقاع الدنيا البعيدة أثناء اقتفائه أثر معاناة بطله حنا يعقوب في منافيه وسجونه العديدة.
 وفي هذا الأفق الجمالي نجد، في “شريد المنازل” وقوف جبور الدويهي عند تراجيدية شخصيات مختلفة حملتها رياح الاختلال الوجودي إلى لبنان، وإلى بيروت بالذات، مثل الروسية أولغا التي أعطت شقتها لنظام كي يستغلها كمالك بعد التحاقها بخطيبها، وأوصته أن يحافظ، فقط، على صورة للقديس جرجس.. ومثل الجارين الأمريكيين المتوجسين دائما، واللذين كانا يسكنان في نفس العمارة التي أقام فيها نظام، وغيرها من الشخصيات التي ارتبطت به ودارت في فلكه: مثل يسرى والفتاة التي أحبها: جنان سالم وغيرهما. وتعد حكاية جنان التي يركز فيها السارد على حبها لنظام، وحالتها النفسية المضطربة وجها آخر من أوجه المأساة اللبنانية في تجليها الطائفي، وفي اختلال علاقات الناس في المجتمع اللبناني.
وكما عمل ربيع جابر على كسر حدة الألم والمعاناة في تداعياتهما المأساوية عبر اللجوء إلى الوصف والتركيز على تصوير مشاهد الطبيعة، والانتقال بلغة النص من إغراقها في التقرير السردي المتتابع المركز على معاناة الشخصيات ومآسيها، إلى لغة شعرية خالصة تكسر نمطية السرد وتمنح للنص آفاق أخرى من التخييل، نجد نص “شريد المنازل” يوظف نفس الخصائص الفنية لتحقيق الغاية ذاتها. يقول السارد مصورا لحظة راقية من لحظات القرب الإنساني بين توما والصبي نظام، وصدق الشعور بالآخر ومحبته:
” أصيبت ميسلون بالسعال الديكي الذي كانت تتعبها نوباته فتنزوي في غرفة النوم تشهق وتبكي بعيدا عن آذان أهلها. وصف لها الأطباء هواء المصايف مع الاحتياط من نقل العدوى إلى شقيقها الصغير الذي انتقل إلى رعاية رخيمة وتوما بطلب من والديه. صار أكثر صلابة فعلمه توما كيف يمسك بمقص الشجر وينقي عيدان الورد الرفيعة ويرفع أغصان الشجرة الكبيرة لكشف الصغيرة منها أمام نور الشمس. ألبسه ثوب الحماية من النحل فسرق من القفير مربعا من العسل بشهده جلس يمتصه عن آخره فدفع ثمن فعلته لسعة في طرف أنفه دامت آثارها لأكثر من أسبوع. علمه أسماء أنواع العنب، مشددا عليه إذ رآه مستعجلا لتذوقها أن لا يقطفها قبل أوانها..”( شريد المنازل، ص.31)
هكذا ينتقل هذا المشهد السردي بين تصوير فعل الشخصيات وحركاتها، والوقوف عند مشاهد من الطبيعة. وهو مشهد يهتم بتقريب طبيعة العلاقة التي جمعت بطل الرواية بالشيخ توما أبو شاهين في بعدها الراقي الذي ينتقل بنا، نحن كقراء، من أفق التراجيدية التي تسم الرواية إلى أفق تخييلي مغاير قوامه التركيز على تصوير شعرية اللحظة، التي تكمن في تعليم الرجل للصبي كيف يتفاعل مع الطبيعة ويتعامل مع عناصرها المحيطة به. كما أن الرواية تعمد إلى كسر رتابة الأحداث في إيقاعها التراجيدي عن طريق توليد السخرية وخلق المفارقة في التعبير اللغوي، أو من خلال المواقف والرؤى التي يجسدها النص الروائي، في عدد من المواقع. (على سبيل المثال يمكن النظر إلى الصفحات: 43-47- 67- 69 من الرواية).
 
*     *     *     *     *
ما يمكن استنتاجه من خلال قراءة العملين أنهما يؤكدان أن الطائفية وتدمير الفرد والمجتمع لا يسلمان من قدرية تراجيدية تلقي بكلكلها على الواقعين السياسي والاجتماعي. ولقد كان المتخيل الروائي صدى لهذا القدر التراجيدي، وفي نفس الآن كان وسيلة لرفضه ومواجهته عبر ترسيخ قيم إنسانية عامة، وعن طريق تحقيق جمال فني بارع طي النصين السرديين. وبذلك يصدق قول “هنري جيمس” عن فن الرواية على هذين العملين، يقول: “الالتزام الوحيد الذي يجب أن ترتبط به الرواية سلفا دون أن تجلب لنفسها تهمة التعسف، هو أن تكون ممتعة. وهذه هي المسؤولية التي تقع على عاتقها..” (مارك شورر وآخرون، أسس النقد الأدبي الحديث، ترجمة هيفاء هاشم، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، دمشق، 1967، ج. 1، ص. 118). ولقد كان الروائيان وفيين لهذه القاعدة الفنية فحققا لروايتيهما شرط المتعة عبر توظيف صيغ فنية/سردية متنوعة ومتعددة وقفنا عند بعضها في هذه القراءة وألمحنا إلى بعضها الآخر، وهو ما يمكن للقارئ أن يقف عنده بنفسه. 
وفي الأخير لا بد أن نؤكد أمرا هاما، وهو أنه نظرا إلى القيمة الفنية العالية للروايتين كان لا بد أن تتوج إحداهما بجائزة البوكر العربية، وهو تتويج تستحقه الرواية اللبنانية التي قدمت الكثير للرواية العربية عبر نصوصها الفاتنة، وهي عديدة، بمعالجاتها الإنسانية العميقة وبإمكاناتها الفنية المتنوعة.
 
هامش:
 
*_ ربيع جابر، دروز بلغراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ودار الآداب، بيروت، 2011.  
**_ جبور الدويهي، شريد المنازل، دار النهار، بيروت، 2010.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: