مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع فاروق شوشة أمين عام مجمع اللغة العربية بالقاهرة

حوارمع فاروق شوشة أمين عام مجمع اللغة العربية بالقاهرة
 
حاورته سعيدة شريف
أريد أن تكون اللغة في المدرسة حماما لغويا
إن الربيع العربي ساهم في صحوة اللغة العربية والحياة
ذكر الشاعر المصري فاروق محمد شوشة أن الزمن الحالي ليس زمن الشعر ولا زمن الرواية، بل هو زمن المسلسلات التلفزيونية، التي تلقى إقبالا كبيرا من طرف المشاهدين العرب، مشيرا إلى أن المشهد الشعري اليوم يماثل مشهد الحياة العربية والإنسان العربي تماما، لأن الإنسان العربي اليوم قلق، ممزق، ومتوجس، يتطلع إلى المستقبل بريبة، ولا يستطيع أن يرى أبعد من مسيرة قدميه.
وأضاف شوشة، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، والأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، في حوار مع “الأخبار” أثناء تكريمه بالرباط بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، أن العربية في خطر في بلادها هي وليس في البلدان الأخرى، وأن مشكلة المجامع اللغوية أن أعضاءها يختارون وهم كبار السن، ما حرم المجامع من الطاقات الشابة، معتبرا أن في شعارات الثورات العربية صحوة للغة العربية والحياة
*ماذا يمثل لك تكريمك من قبل منظمة الإيسيسكو في اليوم العالمي للشعر؟
**التكريم يمثل بالنسبة إلى سعادة حقيقية، أولا فالتوقيت هو اليوم العالمي للغة العربية، فأنا أحس أني أكرم في يوم عيدي، لأن يوم اللغة العربية هو عيد لمن يعمل في مجال اللغة العربية، وكل من يرتبط بها، وأنا في علاقة حميمة مع اللغة منذ كنت طفلا، وأحيانا أقول إنني حينما أتكلم عن اللغة العربية فأنا أتكلم عن نفسي. هناك حالة تماهي بيني وبين اللغة العربية، فأن أكرم في يوم عيدها فهذا شيء عظيم. والأمر الثاني هو أن تأتي هذه الالتفاتة من الإيسيسكو، فهذه لها معناها وهو أن هذه المنظمة تهتم بالقضايا التي تعني الأمة العربية، ومن بين هذه القضايا قضية الثقافة واللغة العربية، فهذا التكريم من هذه المنظمة العريقة، ذات الثلاثين سنة، ومن مديرها، الذي يعد عضوا مراسلا لمجمعنا في بلاده، ويحضر مؤتمراتنا سنويا، فالمعاني كلها اكتملت في قطر عربي أحبه جدا، وهذه زيارتي الثانية له بعد زيارة سابقة لأصيلا.
* ما تقييمك لوضع اللغة العربية اليوم خاصة بعد الثورات العربية؟
** المدخل هو الذي يحدد التقييم، فبعض الناس يتصورون أن نجاح اللغة العربية يقاس بقدر أن يتكلمها كل الناس في السوق، وفي الشارع، والبيت، والعمل، وهذا شيء مستحيل، بل من باب الخرافة، لأنه لم يحدث أن تكلم العرب اللغة العربية في حياتهم اليومية منذ بداية العصر الجاهلي وحتى الآن. إذن ماذا نريد؟ نحن نريد أن المتعلمين عندما يقرأون ويكتبون ويستخدمون هذه اللغة العربية في المواقف، التي تتطلب طبيعتها استعمال اللغة الصحيحة، أن يكون هذا الاستخدام في كل هذه المواقف صحيحا في المستوى الأول، وجميلا في المستوى الثاني، لا يكتفي بأن يكون صحيحا، بل فيه سحر البلاغة العربية وجمالياتها، وبالتالي يصبح هذا هو المعنى الذي نريد، أما أن يتوهم البعض أننا سنصل باللغة العربية إلى أن يتكلمها رجل الشارع، والعامل، فهذا شيء مستحيل. الأمر الثاني هو أننا نريد لهذه اللغة أن تكون لها الأولوية في المدرسة، وفي وسائل الإعلام المختلفة، بدءا بالصحافة والإذاعة والتلفزيون، فالفضائيات، فالأمم المتحدة، لأنه يزعجني أحيانا أن أجد بعض الرسميين العرب من ذوي المقام الرفيع يستخدمون لغة أجنبية في هذه المنظمات الدولية، وكأنهم يريدون أن يقولوا نحن نعرف لغة أجنبية، مع أنهم في عيون الآخرين يصبحون مهانين، لأنهم لا يستخدمون لغتهم. إن تقييمي للوضع مرتبط بنظرتي لهذه اللغة، وماذا أريد منها، هل أريدها محببة للنشء في المدرسة، ردا على كراهية المتعلمين لها وهم صغار، لأن المناهج التعليمية لا تشجع، وطريقة تعليم العربية غير متطورة وعقيمة، واختيار النصوص التي يقبل عليها النشء ليحفظها ويدرسها، لا يعتمد على ذائقة جمالية مشجعة، وبالتالي فالعملية التعليمية بدل أن تشجع النشء على تعلم العربية تنفره منها. أريد أن تكون اللغة في المدرسة حماما لغويا، أي تغسل المتعلم في كل دقيقة، في الحصة المدرسية، والفراغ، وممارسات الهوايات، والنشاط المدرسي، في الحصص الأخرى التي ليست للغة العربية. الأمر الثالث أنا لا أعتبر العاميات عدوا كما يعتقد البعض لسبب بسيط لأنها لغة حياتنا اليومية، فالطفل في سن الرابعة يستطيع أن يتكلم بالعامية ساعات طويلة، لكن في المدرسة إذا قرأ جملتين فهو يتوقف. إذن لتكن العاميات واللهجات الراقية المستوى مدخلا لتعليم العربية، فكتب الأطفال يجب أن تتضمن كلمات باللهجة وهي فصيحة دون أن ندري، لأنها ستقربه من العربية شيئا فشيئا، ولهذا فاللهجة أو العامية في سلم تعليم اللغة ضرورة للبدء بها، وأن يكون الكتاب المدرسي جامعا بينها وبين كلمات شبيهة باللغة العربية الفصحى.
*لكن للأسف هناك جمعيات تلتف للدفاع عن اللغة العربية وتركز على مسألة الصراع بين العربية والعاميات، فهل هذا صحيح؟
** هذا موقف خاطئ حياتيا ولغويا، حياتيا لأننا ضد الحياة، والعاميات لم تنته ولم تنقرض، وهي مرتبطة باحتياجات الإنسان، فهو يحب بالعامية، ويتزوج بالعامية، فكيف نأتي في لحظة ونقول له بأن يقطع علاقته بالعامية. هذا غير منطقي، يجب أن نعطي للإنسان فرصة التعلم وإتقان اللغة العربية، وحينما يأتي المجال الذي يتطلب هذه العربية يحسن استخدامها تماما، ثانيا فمن أين جاءت العامية؟ إنها لم تنزل من السماء، بل هي نتيجة احتكاك بين اللغة العربية الصحيحة حينما دخلت المجتمعات العربية، واللغات التي كانت أصيلة ومستوطنة في هذه البلاد.
*تصر على استعمال العربية الصحيحة بدل الفصحى، فما الفرق بينهما؟
** الفصحى نسمعها بدقة حينما يقرأ القرآن الكريم مجودا، وعلم التجويد هو علم الموسيقى عند العرب القدامى، ولذلك ففي علم التجويد يجري الحديث عن المقام، وعن الانتقال من طبقة صوتية إلى أخرى، وعن النبر والوقف، وهذه كلها مصطلحات موسيقية. في العصر الحديث تطورت علوم التجويد إلى علوم الموسيقى الحديث، الذي يدرس في الأكاديميات ومعاهد الموسيقى، والفصحى لها طريقة في إخراج الصوت وضبط مساحته، ومعرفة النطق السليم لهذا الصوت. فالفصحى بقواعدها في النبر والمساحات الصوتية بين الحرف والحرف، وطريقة نطق الكلمة، صار هذا صعبا بالنسبة لتعليم اللغة العربية الآن، وما يعنينا منه هو الصواب والحصة، والأداء المريح، حتى لا يكون مثقلا للمتعلم، لكن من يدخلون الكتاتيب يتعلمون القرآن وهم صغار، فهؤلاء تمرن أجهزتهم الصوتية على أن يتعلموا النطق القرآني من خلال قواعد التجويد، ولذلك آثرت مصطلح العربية الصحيحة أو المعاصرة بدلا من الفصحى.
*توجد بالعالم العربي ثماني مجامع للغة العربية، وللأسف المغرب لا يتوفر على واحدة منها، فهل ترى أن هذا الأمر صحي لانتعاش اللغة؟
**هناك بدائل للمجامع والأكاديميات، مثل أجهزة تنسيق التعريب، والمغرب لديه أعضاء بارزون في المجامع اللغوية العربية من مثل عبد الهادي التازي، ومحمد بنشريفة، وبالتالي فلم تعد صيغة مجمع هي الصيغة الوحيدة للاهتمام باللغة العربية، فبعض البلدان تفضل صيغة مركز لدراسة اللغة العربية. ومهما كانت التسميات فالمهم هو الجوهر العام، وهو الاهتمام باللغة العربية الصحيحة.
*ما الدور الذي قامت به هذه المجامع لإرساء لغة صحيحة؟
**هذه المجامع، وبدءا بأقدمها، وهو المجمع السوري، وبعده مجمع القاهرة الذي بدأ العمل به سنة 1934. مشكلة المجامع أن أعضاءها يختارون وهم كبار في السن، فالتقدم في العمر يكون أحيانا عبئا على صاحبه، وعلى عقليته، وطاقته، وقدرته على التحمل، هناك من وهبوا قدرات خارقة، ولكن هناك من يضعف عطاءهم في تلك السن المتقدمة. ولهذا فالمجامع العربية حرمت من الطاقات الشبابية، التي يمكن لها أن تقدم بحوثا عميقة ودقيقة ومغامرة، يتطلبها العمل المجمعي. والأمر الثاني أن المجامع بشكل عام تعمل في مجال اللغة التراثية القديمة، فمن السهل عليها أن تعود إلى الوراء وتبحث في كتب معينة، ولكنها لا تفتح عيونها على اللغة التي نمارسها الآن ونكتب بها. اللغة المعاصرة بعيدة عن مجامع اللغة العربية، وهكذا يشعر من يريد أن يتعلم اللغة العربية، لأن المدرسة تبدأ من الماضي، فتدرس التلميذ الصغير السن الشعر الجاهلي، قبل تدريسه الشعر المعاصر، مع العلم أنه من المفروض ترك الشعر الجاهلي إلى النهاية، لأنه يحتاج إلى الكثير من المجهود ليفهمه، فحتى النظرية التربوية تقول ابدأ من المعلوم وانتقل إلى المجهول. المجامع بشكل عام في حدود ما أتيح لها من إمكانيات مادية وعقلية صنعت قدرا كبيرا من التقارب في الفكر اللغوي بين هذه المجامع، وفي التعرف على الأخطار المحدقة باللغة العربية في كل هذه المجامع، نحن في القاهرة وفي قانون المجمع، لدينا التزام بمؤتمر سنوي يدعى إليه المجمعيون العرب لمدة أسبوعين ليعرض عليهم كل ما أنجز خلال عام، فإذا ما أقروه ووافقوا عليه، أصبح واجب الاستخدام في كل العالم العربي. لدينا أكثر من عشرين لجنة في صنوف المعرفة والعلم، وأصدرنا أكثر من ثلاثين معجما حتى الآن، تشمل عمل اللجان منذ إنشاء المجمع إلى الآن، وبعضها لأنه صدر منذ وقت نحدثه. فصيغة المجامع اللغوية العربية، ومن خلال اتحاد المجامع العربية حققت بعض الأشياء ولكنها تظل أقل مما يتطلبه الأمر، لذلك ترى أن البعض يطالب أحيانا بمجمع واحد يضم هذه المجامع كلها، ونقول إن اتحاد المجامع أنشئ لهذا الغرض، ولكنه لا يقوم إلا لبضعة أسابيع أو أيام في السنة، والمفروض أن يكون له من الامتداد الزمني ما هو أكبر من ذلك.
*في ظل التحولات التكنولوجية التي نعيشها اليوم، ما هي التحديات التي تواجه المجامع؟
** من المفروض أن ندخل كل وسائل الإعلام الحديثة وأن نستخدم الوسائط الجديدة: الأيباد، والتويتر، والفيسبوك، وأن نقتحم هذا المجال، وأن ننظر فيما يبعثه المغردون العرب عبر التويتر، فلابد أن يكون لنا رأي في اللغة التي يمارسونها، هل هي صحيحة أم معيبة؟ وهل اختزال الكلمات إلى مجرد حرف صحيح أم لا؟ هذا كله، يتطلب وقفة من طرف المجامع، خاصة أن تلك الوسائط واسعة الانتشار والتأثير بين الشباب. ففي مجمع اللغة العربية لدينا لجنة تسمى بلجنة الحاسبات، خبيرها أستاذ في هذا النوع من الإعلام الجديد أو الإلكتروني، وبدأنا نأخذ مصطلحات هذه الأجهزة وننظر فيها من حيث الصيغة، هل هي لغة عربية، وكيف يمكن أن نصوبها، حيث يقولون “أنا مسجت له” أي أرسلت له رسالة، فهل تحويل مفردات أجنبية إلى كلمات عربية صحيح أم لا؟ للغة العربية في مجال التعريب قوانين وموازين لغوية، وبالتالي علينا أن نمد أيدينا إليهم، وألا نقول إنهم سيفسدون اللغة العربية، وسيخربون الأذواق. فالتطور الحداثي ينبغي أن ندرسه ونتعامل معه بحكمة، وأن نصوبه كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لا أن نقف منه موقف المعارضة أو الحكم بالإعدام، فهذا لن يغير شيئا.
*تعالت في السنوات الأخيرة العديد من الأصوات التي تقول إن اللغة العربية في خطر، فما موقفك من هذا كله؟
** إنها صيحة ذات وجه إيجابي برأيي، لأنها تنبه المجمعيين وغيرهم إلى النهوض واليقظة، فإذا كان يقال الآن إن اللغة العربية في خطر، فإنه قد قيل منذ عامين أو ثلاثة على سبيل الإشاعة الكاذبة إن اليونسكو أدرجت عددا من اللغات في إطار اللغات التي ستنقرض، ومن بينها اللغة العربية. هذه الشائعة استنفرت الناس، الذين تساءلوا عن كيفية انقراض اللغة العربية، فكثر الكثير من القيل والقال. وأنا دائما آخذ من هذه الأشياء وجهها الإيجابي، فإذا أحسسنا أن ما هو هدف لنا في العمل في خطر، فمعنى ذلك أننا متنبهين لهذا الخطر، وأن علينا أن نفكر في صيانة اللغة العربية. إنها صيحة إيجابية، واللغة العربية ستكون في خطر إذا نحن استسلمنا لما نحن فيه. بالعكس اللغة العربية في خطر، هذه مقولة تحمسنا على أن نبذل، ثم فاللغة العربية ليست في خطر لسبب إيجابي وهو أنها تكسب في كل يوم متعلمين جددا، فجامعات أوروبا وأمريكا تدخل اللغة العربية في برامجها التعليمية، وتجعل منها لغة ثانية أو ثالثة في التعلم، والشعوب الأسيوية تقبل الآن على تعلم اللغة العربية بشغف كبير، شعوب في إفريقيا وآسيا تقبل على تعلم العربية، وأشير هنا إلى معهد علمي بنته المملكة العربية السعودية في إندونيسيا لتعلم اللغة العربية، التحق به المئات، والصفوف أمام الأبواب تطلب تعلم اللغة العربية، وبالتالي فاللغة العربية في كل يوم تكسب إنسانا، وتكسب متكلمين بها، ومتعطشين إلى تعلمها، اللغة العربية في خطر في بلادها هي، وليس في بلاد الآخرين. ففي البلدان العربية نحن غائبون، نهتم بالمشاكل السياسية والاجتماعية، والثورات، والتقلبات، والمشاكل اليومية، وهذا لا ينبغي أن يلهينا لحظة واحدة عن هويتنا المتمثلة في اللغة العربية.
*ما هي قراءتك للغة التي رفعت بها شعارات الثورات العربية؟
** قرأت في بعضها نماذج للغة العربية، وكنت سعيدا بعودة الشباب لاستعمال البيت الشعري لأبي القاسم الشابي “إذا الشعب يوما أراد الحياة…”، ففي كل الأقطار العربية جرى ترديد هذا البيت الشعري، وقلت في نفسي هذه عودة إلى جوهر جماليات اللغة العربية المتمثلة في الشعر. وهذا البيت لم يكن أبو القاسم الشامي يحلم بأن يستعمله الشباب بهذا الشكل، وأن يردده الملايين، ولو علم بهذا لاستيقظ من الموت. الشعارات الأخرى التي كانت تطالب بمطالب يومية فيها صياغة عربية بالسجع، وعلى وزن معين، وفيها شعارات شعبية بالعامية، ولكن بشكل عام كانت فيها صحوة للغة، أي صحوة الحياة. فالصحوة السياسية تولدت عنها صحوة لغوية، فجدد الشباب في شعاراتهم وأطلقوا عباراتهم التي انتقلت كالنار في الهشيم من بلد إلى بلد، ومن شارع إلى شارع.  
*ما السر وراء استمرار برنامجك الإذاعي “لغتنا الجميلة” إلى الآن؟
** البرنامج مستمر ولم يتوقف قط، وفي شهر شتنبر الماضي بلغ العام الخامس والأربعين، لأنه بدأ قي اليوم الأول من شهر شتنبر 1967 بعد النكسة بثلاثة أشهر. وكان قبول الإذاعة لأن أقدمه لأن فكرته كانت في ذهني منذ أن التحقت بالإذاعة المصرية عام 1958، وكنت كلما اقترحته على المسؤولين كانوا يقولون لي أن برنامجا عن اللغة العربية سيكون ثقيلا، فأجيبهم بأنه ليس برنامجا تعليميا، بل برنامجا للتذوق أختار فيه نصوصا جميلة، والكلام عنها وقراءتها. ولما حدثت النكسة قال لي مدير الإذاعة وقتها “لقد هزمنا لأننا ابتعدنا عن الأصول، فهذا البرنامج سيعيدنا إلى أصولنا لنعرف كيف كانت ثقافتنا وأدبنا”، فاقترح عليه تقديمه لفترة لا تتجاوز شهرا، إلا أن البرنامج وجد صدى كبيرا، فجرى تمديده ثلاثة أشهر أخرى، أي دورة إذاعية واحدة، فنسي التفكير في مواعيده، فظل مستمرا على مدى 45 عاما. وهذا الاستمرار له عدة معاني هو أن مستمعيه وجدوا فيه صيغة سهلة ومريحة لتذوق الأدب واللغة، لأنني لا أعلم فيه قواعد اللغة العربية، بل أقدم نماذج من الشعر العربي وغيره من الأمور التي تحبب المستمع في اللغة العربية وأدبها. البرنامج لقي إقبالا من مختلف الشرائح الاجتماعي، بل حتى من قبل أميين لا يعرفون الكتابة، ومع ذلك يراسلونني ويعبرون لي عن اهتمامهم بهذا البرنامج، ويسألون عن قضايا تحدث عنها البرنامج. وبعد 45 عاما أكتشف أني لم أقدم إلا قطرات، فكل الذي قدمته طوال هذا العمر هو الصفحات الأولى من كتاب كبير جدا اسمه ديوان الشعر العربي أو تراث المكتبة العربية. ولكي يقدم كل هذا أنا محتاج إلى مئات الأعوام، فهذا هو حجم ما لدينا من تراث، وهذا التراث سواء كان شعرا أم نثرا، هو مخزون الحكمة والتأمل العربي، وجماليات اللغة العربية وإبداعات العقل العربي في كل المجالات.
*من خلال تجربتك الشعرية كيف تقرأ المشهد الشعري اليوم؟
** المشهد الشعري اليوم يماثل مشهد الحياة العربية والإنسان العربي تماما، فالإنسان العربي اليوم قلق، ممزق، ومتوجس، يتطلع إلى المستقبل بريبة، لا يستطيع أن يرى أبعد من مسيرة قدميه، فحتى الذين قاموا بالثورات هم اليوم يعيدون النظر فيما صنعوا، هل سيظل هذا الغبار الذي يملأ الأفق؟ هل ستظل هذه الصراعات التي تفجرت بين الثوار أنفسهم؟ وهل سيظل الخلاف على الكعكة الجميلة التي خلفتها الثورة، وحول من سيلتهم الجزء الأكبر منها؟        الشعر بطبيعته فن القلق، فن الحساسية الإنسانية الأولى، فن عري الأعصاب، لذلك فكل ما كتب في هذا العصر أصبح مثله، أي كلام يعيش يوما أو أسابيع لكنه لا يستمر، إنه إبداع مرحلي يغطي فترة معينة دون أن يكون فيه من الرصيد المحكم ما يقوى على منازلة الأيام القادمة. لكن المشهد الشعري بشكل عام قبل هذه الثورات وبعدها مشهد يحتاج إلى وقفة، فنقول إن حركة الشعر الجديد أو الحر التي تسيدت منذ خمسينيات القرن الماضي هل وصلت إلى طريق مسدود؟ هل استنفذت أغراضها؟ وهل أنجزت حركة قصيدة النثر، التي تمردت على قصيدة الشعر الحر، والتي لها الآن خمسون عاما بدورها، ما تستطيع أن تباهي به وأن تعده رصيدا فنيا يضاف إلى رصيد القصيدة العمودية ثم قصيدة الشعر الحر؟ في رأيي نحن بحاجة إلى وقفة نقدية ضخمة يمارسها النقاد والشعراء، وعينات من القراء الجادين والمتابعين لحركة الشعر العربي ليقولوا هل توقف هذا أم ما زال قادرا على الاستمرار أم أن هناك رهانا على المستقبل؟ وهل المستقبل سيحمل بذور تمرد شعري جديد؟ وهل ستقوم قومة شعرية كبرى بمثل الدور الذي قام به نزار ودرويش ومن قبلهما شعراء آخرين؟ هذا رهان على المستقبل، ولكن قبله يجب أن نضمن أولا أن كل النشء قد تعلم العربية لأن الشعر فن لغوي، ولهذا فتعلم اللغة العربية شرط لتوهج الشعرية العربية
*لكن اليوم نلاحظ نوعا من الالتفاف حول جنس الرواية، لأن هناك من يقول أن الزمن الحالي زمن الرواية وليس زمن الشعر، فما رأيك؟
**الاهتمام بالرواية له ما يبرره، أولا لأن تفاصيل الحياة اليومية تفجرت وازدحمت، والشعر بطبيعته لا يستطيع أن يحمل هذه التفاصيل، لكن الرواية تستطيع أن تجمع كل التفاصيل، فالرواية فن يشمل كل مقتضيات الحياة، أما الشعر ففن انتقاء، حيث نشير بعبارة إلى ما قد يقال في عشرات الصفحات. قراءة الرواية والسرديات أسهل من قراءة الشعر، لأن هذا الأخير فن لغوي يقوم على المجاز، فتعقبه وفهمه يحتاج إلى جهد عقلي، وإلى ذائقة جمالية، وإلى معرفة تامة باللغة. الرواية تتحول إلى فيلم سينمائي، وإلى مسلسل تلفزيوني، ويشاهده عشرات الألوف، فنجيب محفوظ، الذي نشر أكثر من 30 رواية، كثير من الذين يعرفون أدبه رأوه كأفلام سينمائية ولم يقرأوا كتبه. الناشر ينشر الرواية ويعرف أنها وسيلة كسب مستمر لأن منتجا سيشتريها منه ليحولها إلى عمل تلفزيوني أو سينمائي، أما ديوان الشعر فمن سيشتريه؟ وإذا اشتراه فماذا سيصنع به؟ إذن هناك حركة تسويق وإنتاج مستمر مرتبطة بفن الرواية، وأكثر من هذا فالرواية فن التعبير عن الطبقة الوسطى، التي هيض جناحاها في تقدم المجتمعات بنقلة إلى طبقة أرستقراطية تملك كل شيء، وأكثرية مطحونة لا تملك شيئا، فانتهى دور الطبقة الوسطى، التي كانت تنتج المثقفين والأساتذة والمهرة من العاملين في مجالات كثيرة. فنحن نقرأ الروايات وهي في معظمها تتحدث عن هذه الطبقة التي لم تعد موجودة في المجتمع، لعلنا نستشعر دورها ونعيش قصة غيابها المحزنة، كأنها مازالت قائمة، مع أننا لا نراها في الواقع. أعود إلى مسألة الرواية فن العصر، وماذا يضير أن تكون الرواية أو الشعر أو غيره متجاوران، لكن العصر ليس عصر الرواية ولا الشعر، إنه عصر المسلسل التلفزيوني، فحينما نقارن بين قراء أي رواية في جميع طبعاتها وبين من يشاهدون مسلسلا خلال عرضه الأول، سنكتشف ما هو فن العصر الذي يهتم به الناس.
محطات:
1936
ولد فاروق محمد شوشة بقرية الشعراء لمحافظة دمياط سنة 1936
1967
تاريخ انطلاق برنامجه الإذاعي الشهير “لفتنا الجميلة”، المستمر إلى غاية اليوم
1986
حصل على جائزة الدولة التقديرية في الشعر
1991
حصل على جائزة كافافيس العالمية للشعر
1994
عين رئيسا للإذاعة المصرية التي التحق بها منذ سنة 1958
1997
توج بجائزة الدولة التقديرية للآداب
 
 
 
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: