مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

محمَّد حِلمي الرِّيشة شِعريارُ أَو قَلبُ العَقربِ سِيرةٌ شعريَّةٌ

محمَّد حِلمي الرِّيشة شِعريارُ أَو قَلبُ العَقربِ سِيرةٌ شعريَّةٌ
 
محمد حلمي الريشة
خاص بالموقع
إِهداءٌ
إِلى (شِعرَزاد)
مِن قبلُ، الآنَ، ومِن بعدُ..
(شِعرَيار)
إِشارةٌ لاَ بدَّ مِنها
هذهِ “السِّيرةُ الشِّعريَّةُ” ليستْ سِوى ومضاتٍ ممَّا أَمكنَ للذَّاكرةِ أَن تستحضرَهُ آناءَ إِضاءَتِها/ كتَابتِها، لذَا فهيَ لاَ تُغنِي عنْ قراءَةِ أَعمالي الشِّعريَّةِ، وكتَاباتي الأُخرى، والحواراتِ الَّتي تمَّتْ مَعي، إِضافةً إِلى القراءاتِ، والمقارباتِ، والدِّراساتِ النَّقديَّةِ، الَّتي أُنجزتْ عنْ تجربتِي الشِّعريَّةِ. 
مدخلٌ معذِّبٌ قليلاً/ كثيرًا
كنتُ، فِي كلِّ مرَّةٍ أَعودُ لأَبدأَ هذهِ الكتابةَ/السِّيرةَ الشِّعريَّةَ، فلاَ تَحدثُ؛ إِذْ تتقافزُ الذَّاكرةُ بمكنُوناتِها مضيئةً/مشتعلةً أَنَّني كتبتُ مِنها أَشياءَ عبرَ/فِي قصائدَ/حواراتٍ/شهاداتٍ أَدبيَّةٍ. هذَا مَا يَجعلُني أَتردَّدُ فأَتوقَّفُ، حيثُ أَشعرُ كأَنَّني سأَدخلُ متاهةً مهُولةً، كمَا لَو أَنِّني فِي حالةِ شعرٍ- هذهِ لذَّتهُ الأُولى، لاَ أَعرفُ إِلى أَينَ تُفضِي بهِ وبِي معًا. 
“لَمْ أَكتبْ قصيدةً وأَنا أَعلمُ بمَا ستنتَهي بهِ. كتابةُ القصيدةِ اكتشافٌ.” (رُوبرت فْروست).
أَأَسيرُ بخطواتٍ حذرةٍ/محسوبةٍ، لاعتباراتٍ شائكةٍ شخصيًّا، وثقافيًّا، وتتعلَّقُ، أَحيانًا عديدةً، بآخرينَ، كأَنَّها خطواتٌ فوقَ ذرَّاتٍ مدبَّبةٍ/متحرِّكةٍ لطميٍ حارٍّ؟
تساءَلتُ، وفِيَّ غبطةٌ وغصَّةٌ فِي آنٍ، أَنَّ المبدعينَ- مِن غيرِنا- لدَيهم حرِّيَّةُ الكتابةِ عنْ ذواتِهم، وغيرِهم، وأَشياءَ، وحوادثَ، ووقائِعَ، شكَّلتْ مفاصلَ مُهمَّةٍ لِـ/فِي حيواتِهم، وإِبداعاتِهم، دونَ حساسيةٍ مريضةٍ منهُم. لاَ أَقصدُ/أَدعو، عربيًّا، أَنْ نصلَ إِلى مُستوى كتابةٍ افتعاليَّةٍ/انفعاليَّةٍ/مضلَّةٍ، تَعنِي المساسَ بمَا يمكِنهُ أَنْ يسبِّبَ اشتباكًا سلبيًّا/صِرَاعًا عقيمًا بدونِ جَدوى، إِنَّمَا أَعْنِي؛ روحًا فسيحةً/قدرةَ استقبالِ صدقٍ/نقدٍ موجَبٍ/حقيقةٍ نقيَّةٍ/كشفٍ مهمٍّ عنْ مسائلَ لَها أَثرُها الخاصُّ والعامُّ، فِي المشهدِ الجمعيِّ، بشفافيةٍ ثقافيَّةٍ أَنيقةٍ، لأَنَّ كثيرًا منَّا ليستْ لهُ تلكَ الرُّوحُ، وكذلكَ لأَنَّنا مَا زلنَا أَبطالاً، ولَو مِن ورقٍ، فِي سِيَرِنا الذَّاتيَّةِ وغيرِها.
أَتساءَلُ أَيضًا: لأَنَّهُ صَعبٌ الإِحاطةُ بكلِّيَّتها/بِشواردِها، فهلْ أُركِّزُ علَى/أُبرزُ أَهمَّ محطَّاتِها الَّتي شكَّلتْ فواصلَ حاسِمةً؛ داخليَّةً/خارجيَّةً، فِي التَّجربةِ الشِّعريَّةِ، أَم أَسيرُ خلفَ حبرِ السَّردِ يَمضِي بِما تشعُّهُ الذَّاكرةُ آناءَ الكتابةِ؟ لاَ أُخفي هُنا أَنَّ فكرةَ الصِّياغةِ الرِّوائيَّةِ راودَتْني مِرارًا، لكنِّي خشيتُها جدًّا، وعِفتُ الفكرةَ نهائيًّا؛ ربَّما لشعورِي الخاصِّ بضعفِ القدرةِ علَى إِنجابِها، خصوصًا أَنَّني أَشتغلُ لاَ شعورِيًّا، حتَّى علَى غيرِ الشِّعرِ، باللُّغةِ المكثَّفةِ، وهذهِ مغايرةٌ تمامًا للُّغةِ الرِّوائيَّةِ. لاَحظتُ عددًا منَ الشُّعراءِ العربِ هجَروا الشِّعرَ، وتحوَّلوا إِلى كِتابةِ الرِّوايةِ، أَو كتبُوا روايةً وأَكثرَ، إِضافةً إِلى كتابةِ الشِّعرِ، أَو تقليصهِ كثيرًا أَو قليلاً.
سَأَلني محاوِرٌ: هلْ كتابةُ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ ضروريَّةٌ لمعرفةِ مَساراتِ القصيدةِ واللُّغةِ عندَ الشَّاعرِ؟
لستُ أَعرفُ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّني فكَّرتُ مرارًا بِها، ورغِبتُ بالمحاولةِ، إِلاَّ أَنَّني لَمْ أَجدْ وقتًا، لأَنَّ الموضوعَ ليسَ يسيرًا، وهوَ، بالنِّسبةِ إِليَّ، يشبِهُ حالةَ الكتابةِ الشِّعريَّةِ، وهوَ استعادةٌ مِن بعيدٍ؛ عالٍ، وعميقٍ، وأُفقيٍّ ممدودٍ فِي آنٍ، كأَنَّهُ كلُّ الوقتِ الماضِي، وكأَنَّهُ الأَمسُ، وكأَنَّهُ الآنَ، وكأَنَّهُ غدًا، وكأَنَّهُ لَمْ يكُنْ!
هذهِ إِحالةٌ/حالةٌ تنتابُني حينَ أُحاولُ استعادةَ مِشوارِي الشِّعريِّ، وبالتَّأْكيدِ؛ سأُصابُ بِها لَو شَرَعتُ بكتابتِها، وإِذا كانَ الشَّاعرُ صَلاح عَبد الصَّبور عنونَ كتابَهُ “حيَاتي فِي الشِّعرِ”، فأَنا أَعتقدُ أَنَّ أَنسبَ عنوانٍ لسيرتِي الشِّعريَّةِ هوَ “حيَاتي الشِّعرُ”، لأَنِّي كرَّستُ جُلَّ حيَاتي لهُ حتَّى بلغتُ، أَكثرَ مِن مرَّةٍ، حافَّةَ اللاَّجدوى مِن شدَّةِ اعتِناقي لهُ، وخَوفي عليهِ، فِي هذَا الزَّمنِ العربيِّ المُبتلَى بكلِّ شيءٍ.
إِنَّ كتابةَ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ بصدقٍ، وأَمانةٍ، وبوحٍ مريحٍ/شفيفٍ، وإِيجابيَّاتِ التَّجربةِ وسلبيَّاتِهَا، ودونَ بطولةٍ ثلجيَّةٍ، إِضافةً إِلى حواراتِ ومقالاتِ وكتاباتِ الشَّاعرِ الأُخرى، وقراءَاتٍ/مُقارَباتٍ إِبداعيَّةٍ لآخَرينَ مبدعينَ، وغيرِها، لاَ شكَّ أَنَّها تشكِّلُ عتباتٍ، ونوافذَ، ومعابرَ ولُوجٍ للنُّصوصِ الشِّعريَّةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ كلَّ هذَا لاَ يُغنِي عنْ قراءَةِ النَّصِّ ذاتهِ قراءَةً إِبداعيَّةً مِن قِبَلِ قارئٍ مبدِعٍ، لأَنَّ القارئَ خلاَّقٌ آخرُ.”
مَا شعرتهُ، ولاَ زلتُ؛ أَنَّ هذهِ الكتابةَ/السِّيرةَ الشِّعريَّةَ لنْ تكُونَ تحليقًا بجَناحيِّ الذَّاكرةِ المُنتبِهةِ والمخيَلةِ التَّأْويليَّةِ، كمَا اقترافُ الشِّعرِ، بلْ هيَ استرجاعٌ/تأْريخٌ/إِعادةُ اكتشافِ الدَّهشةِ/الذُّهولِ/الجُنونِ! أُعرِّفها مُحاولةً، غيرَ يائسةٍ تمامًا، لاحتواءِ الأَسفِ/الهباءِ/الجُفاءِ. لنْ تكُونَ سهلةَ الإِحاطةِ بكلِّ شيءٍ، إِذْ أَتمنَّى أَنْ أَقولَ كلَّ شيءٍ، أَو شيئًا مِن كلِّ شَيءٍ.
أَعرِفُ، هُنَا، أَنَّ هذَا التَّمنِّي درجةٌ مِن درجاتِ الاستحالةِ، ولكنْ لاَ بأْسَ منَ المحاولةِ/التَّجريبِ، حتَّى وإِنْ أَودَتْ/أَدَّتْ إِلى محوِها كاملةً كأَنْ لَمْ تكُنْ!
وجدتُني، فِي حزيران /يونيو (1990)، أُحاولُ أَن أُدوِّنَ، شِعرًا، سيرةً ذاتيَّةً مُستقبليَّةً، كمَا لوْ أَنَّها استشرافٌ/قراءَةٌ/تخيُّلٌ، فِي قصيدةِ: “سيرةٌ ذاتيَّةٌ لِـمَا لمْ يأْتِ بعدُ”. الآتي مقطعُها الأَخيرُ:
“عِنْدَمَا أَبْدُو سَمَاوِيًّا
طَرِيقًا لِانْفِجَارِ النَّارِ فِي صَدْرِ النَّشِيدِ
عِنْدَمَا يَنْسَابُ هذَا القَوْلُ مِنْ ظِلِّ النِّهَايَاتِ البَعِيدَةْ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
نَهْرًا مِنَ البِلَّوْرِ يَسْرِي
فِي التِصَاقِ الْفَجْرِ بِالحُلْمِ الجَدِيدِ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
بَحْرًا مِنَ الأَسْرَارِ يُخْفِي حُزْنَهُ فِي
مِعْطَفِ الأَمْوَاجِ.. يَدْعُونِي
لِآفَاقٍ مِنَ البَرِّ الأَكِيدِ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
زَهْرَةَ الأَغْصَانِ تَحْنِي هَامَةَ الرِّيحِ قَلِيلَا
تَرْفَعُ الأَكْوَابَ فِي مَدْحِ الغِنَاءْ
مَدْحًا عَلِيلَا
يَجْرَعُ النِّسْرِينُ.. يَشْدُو عَزْفَهُ عَزْفًا بَدِيلَا
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
حُلْمًا أَرَى فِي الجَفْنِ.. هَلْ يَأْتِيهِ صِدْقٌ
ثُمَّ.. هَلْ يَبْقَى طَوِيلَا؟
عِنْدَمَا أَبْدُو سَمَاوِيًّا؛
تَدْخُلُ الأَيَّامُ فِي عُمْرِي
تَخْرُجُ الأَوْرَاقُ مِنْ سَطْرِي
وَقَدْ أَلْقَى سَبِيلَا.”
  
فِي البَدءِ.. كانتِ القِراءةُ
كنتُ تلميذًا فِي الصفِّ السَّادسِ الابتدائيِّ آنذاكَ، حينَ أَجبرَتنا المدرسةُ، فِي آخرِ يومٍ منَ السَّنةِ الدِّراسيَّةِ، علَى شراءِ مجلَّةٍ لِلفتيةِ كيْ نَقرأَها فِي العطلةِ الصَّيفيَّةِ، إِذ كانَ علَى كلِّ تلميذٍ أَنْ يشتريَها حتَّى لَو كانَ غيرَ راغبٍ بِهذا، وربَّما ليسَ لِهذا الهدفِ المعلَنِ، لكنَّهُ كانَ بالنِّسبةِ إِليَّ فاتحةً لِـمَا سيأْتي منذُ حينِ تلكَ الحادثةِ/المجلَّةِ إِلى الآنَ. هكَذا وجدتُني، فجأَةً، أَنشَدُّ إِلى القراءةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنّنَي شغوفٌ باللَّعِبِ، فلَمْ أَكنْ أَقرأُ، عَلى مَضضٍ، إِلاَّ دُروسي (تُعلِّمُنا المدرسةُ القراءَةَ والكتابةَ والحسابَ) الَّتي سرعانَ مَا أَقرؤُها سَلْقًا، لأَخرُجَ مِن ضيقِ المسافة، بينَ العينينِ الشَّغوفتينِ والدِّراسةِ المعتمةِ، إِلى مدَى اللَّعبِ، حتَّى وإِنْ كانَ مدَاهُ شارعٌ  ينحَنِي مُتواريًا، بعدَ عثراتِ/عشراتِ الأَمتارِ، كفتَاةٍ تحثُّ الخُطى إِلى بيتِها إِذِ الرِّياحُ (غيرُ اللَّواقحِ) تحاولُ المرورَ مِن بينِ ساقَيْها وهيَ تضغطُ علَى فستانِها القصيرِ بيدَيْنِ ماكرتيْنِ. كنَّا نرَى الفَتيات يفعلنَ هكذَا، وهكذَا الشَّارعُ فِي عينيِّ تلميذٍ لعوبٍ، فمَنْ يُحاكي مَن؟
قرأْتُ المجلَّةَ مرَّةً/مرَّاتٍ: مَا الَّذي يَحدثُ لِي؟ لِمَ صرتُ أَبحثُ بشغفٍ عنْ مجلاَّتٍ وكتبٍ أَدبيَّةٍ وغيرِها، وأَهجرُ اللَّعبَ- هوايَتي الوحيدةَ المفضَّلةَ دائمًا- تدريجيًّا؟ أَنا الَّذي كنتُ مولَعًا جدًّا باللَّعبِ، لدرجةِ أَنَّ أُمِّي (رحمَها اللهُ) قالتْ لِي مرارًا: “إِنَّكَ لاَ تريدُ أَنْ تكبُرَ أَبدًا!”.
كيفَ صرتُ أَقضِي ساعاتِ مَا بعدَ الدَّوامِ المدرسيِّ فِي المكتبةِ العامَّةِ قارئًا نَهِمًا حتَّى انتهاءِ دوامِها، بلْ وأَتأَبَّطُ كتابينِ مُستعاريْنِ مِنها لأَستمرَّ ليلاً فِي هذَا الفعلِ المدهشِ/السَّاحرِ/السَّاهرِ إِلى مَا بعدَ بعدَ منتصفِ السَّوادِ؟ هذَا الفعلُ الَّذي وضعَ، مبكِّرًا، إِطارًا يحيطُ قطعتَيْ زجاجٍ قِبالةَ عينيَّ علَى مسافةٍ قريبةٍ جدًّا، وقدْ شعرتُ أَنَّ النَّظَّارةَ كانتْ كأَنَّها نقلةٌ عمريَّةٌ؛ منَ المراهقةِ إِلى الرُّجولةِ، علَى جناحَيْها اللَّذينِ جعلاَ ساقيَّ تَثبُتانِ طويلاً فِي جلوسِي علَى مقعدٍ، مقابلَ سَيرِي الرَّاسخِ/ الحثيثِ/ الصَّبورِ بِعينيَّ فوقَ حليبِ السُّطورِ الشَّهيِّ، علَى الرَّغمِ مِن جفافهِ، بعيدًا/ عميقًا/ برِّيًّا، لدرجةِ أَنَّني كنتُ أَنسى المكانَ/الزَّمانَ/ الطَّعامَ/الشَّرابَ/الوُجودَ/الحياةَ!
إِذا كانتِ القراءةُ أَهمَّ مَا حدثَ فِي حياةِ الرِّوائِي (ماريُو فارجَاس يُوسا)، وقدْ جعلتِ الأَحلامَ حياةً، والحياةَ أَحلامًا، وأَنَّ القراءةَ، كالكتابةِ؛ احتجاجٌ علَى نقصانِ الحياةِ، فمَاذا بوسعِي أَنْ أَقولُ أَنَا عَنها/فِيها؟      
 
ثمَّ.. كانتِ الكتابةُ
فجأَةً امتدَّتْ يدِي تضمُّ أَصابعُها قلمًا، فكانتْ أَوَّلَ كتابةٍ/خاطرةٍ لِي لاَ أَذكرُ مِنها سِوى عنوانِها: “وهكذَا تمضِي الأَيَّامُ”، وأَذكرُ أَنَّني أَرسلتُها إِلى المجلَّةِ ونُشرتْ. ربَّما كانَ نشرُها دافعًا لكتابةِ غيرِها ونشرِها أَيضًا، إِذْ صرتُ أُراسلُها، بلْ وأَكثرَ مِن هذَا؛ صرتُ أَنتظرُ موعدَ صدورِها، إِذْ كنتُ أَذهبُ، مباشرةً، بعدَ الدَّوامِ المدرسيِّ إِلى مكتبةٍ، منذُ اليومِ الأَوَّلِ مِن كلِّ شهرٍ، أَسأَلُ عَنها، إِذْ كانتْ تتأَخَّرُ أَحيانًا بضعةَ أَيَّامٍ. كانَ انتظارِي يشبِهُ انتظارَ محبوبٍ مرهَقٍ/مراهِقٍ لمحبوبتهِ، والَّتي تمارسُ/تضجُّ دلالاً فِي حركاتِ مواعيدِها. أُشبِّهُ انتظارِي بهذهِ الصُّورةِ لأَنَّ معظمَ الفتياتِ كنَّ يفعلنَ هذَا، فأَغلبهنَّ لَمْ يكُنَّ يَعرفنَ منَ الحبِّ سِوى إِظهارَ الدَّلالِ المادِّيِّ/الجمالِ الجسديِّ- شاغلِ المرأَةِ الدَّائمِ- مَا أَمكنهنَّ ذلكَ. أَذكرُ منْ أَفعالِ البعضِ مَنْ كانتْ، بعدَ خروجِهَا منَ المدرسةِ، تسحبُ زِيَّها المدرسيَّ إِلى أَعلَى، وتُخفي الجزءَ المسحوبَ تحتَ الحزامِ لتجعلَ حدَّهُ السُّفليَّ أَعلَى الرُّكبتينِ طبقًا لأَهوائِها/جَراءَتِها، حيثُ شاعَ الـ”مِيني جُوب” آنذاكَ؛ فِي بدايةِ السَّبعينيَّاتِ مِن القرنِ الماضيِّ. 
تَعدُّدُ كِتابةِ الخواطرِ يَعني أَنَّني بدأْتُ بالنَّثرِ، لاَ بالشِّعرِ. لَمْ يكُنِ الشِّعرُ، خلالَ السَّنواتِ الثَّلاثِ فِي كِتابةِ الخاطراتِ، قَدْ جسَّدَ لِي حضورَهُ الشَّفيفَ. فقطْ؛ كانَ ثَمَّ مَنْ يُسمِعُني أَنَّ أُسلوبي فِي كتابةِ الخواطرِ أَقربُ إِلى الشِّعرِ منهُ إِلى النَّثرِ.
لَمْ يكُنْ هذَا الرَّأْيُ شكَّلَ حافزًا لافتعالِ كتابةٍ شعريَّةٍ أَدَّعيها قصيدةً، وأَدَّعيني شاعرًا، لكنَّهُ كانَ حثًّا باذخًا إِلى الاقترابِ أَكثرَ منْ لغةِ الشِّعرِ فِي النَّثرِ، وقدْ كنتُ أَستمعُ إِلى أَغاني جارةِ القمرِ/فيروز، فتشدُّنِي اللُّغةُ/الصُّورُ الشِّعريَّةُ بموازاةٍ وتماهٍ معَ الموسيقَى الحريريَّةِ وصوتِها الملائكيِّ، لذَا كنتُني لاَ أَمرُّ (ببراءةِ مَا قبلَ الشِّعرِ) عابرًا دونَ قراءةِ اللَّحنِ والكلمةِ وعَلاقتِهما معًا، بحثًا عَن تماهٍ تتداخلُ فيهِ الكلماتُ والأَلحانُ الموسيقيَّةُ المنبعثةُ منْ آلاتٍ مصاغةٍ منْ موادَّ قدْ لاَ تَعني شيئًا وحدَها دونَ العدوانِ الإِيجابيِّ علَيْها، مثلَ هذَا المقطعِ الفيروزيِّ:
“وتِكيتْ غصونِ الوردْ عَا كتفِ السِّياجْ/وفَل القمرْ عا ضيعتُه وفلُّوا الدِّراجْ”.
مَا زلتُ أَذكرُني كيفَ رقصتْ صَرختي، فِي داخلِي وخارجِي، رقصةً/صرخةً عارمةً حدَّ أَنَّ الآخرينَ استهجَنوا حركتِي المسرحيَّةَ. ولمَ لاَ؟ غصونُ وردٍ (بنعومتِها الأُنثويَّةِ) تتَّكئُ علَى كتفٍ (لمْ يكنْ بشريًّا)، بلْ علَى (إِبريَّةِ) سياجٍ. ولمْ أَزلْ أُمارسُ هذهِ العادةَ اللَّذيذةَ فِي قراءةِ الموسيقَى/الغناءِ إِلى الآنَ، ومَا لمْ يكُنْ يحمِلُ هذَا المعنَى التَّصويريَّ المليءَ بشاعريَّةِ الحواسِّ ليسَ، باعتقادِي، قابلاً لقابِلَتي/ذائقتِي الخاصَّةِ.
تذهبُ بِي الذَّاكرةُ، الآنَ، إِلى أَنَّ لغةَ أَغانِيها شكَّلتْ تحريضًا عذبًا للُغتي الشِّعريَّةِ لِـمَا كانَ لِي بعدُ منْ شِعرٍ؛ لغةٍ تنبَّهتْ فِيَّ، منذُ التَّمارينِ الأُولى، إِلَى أَنَّ “مِن شجارِنا معَ الآخرِ نخرجُ بالخطابةِ، ومنْ شجارِنا معَ أَنفسِنا نخرجُ بالشِّعرِ.” (وِليم بِتلر يِيتس).
 
رسالةٌ إِلى (م) الأَديبِ
التَّحوُّلُ مِن كتابةِ الخاطرةِ/النَّثرِ إِلى أَوَّلِ كتابةِ مَا أَصفِهُ، مجازًا، شعرًا، كانَ صدفةً مُراهِقةً/حدثًا عفويًّا/غوايةً بريئةً اقترفَتْني بنيَّةٍ مجهولةٍ:
“لَمْ أَكنْ أَعي، دونَ شكٍّ شَهِيٍّ، أَنَّ تِلْكَ اللَّحظةَ كانتْ بابًا إِلى المجهولِ الآتِي؛ إِلى بدءِ الحفرِ بأَصابعَ غضَّةٍ، والسَّيرِ بخطًى أُفقيَّةٍ وعموديَّةٍ، والسِّباحةِ فِي الفضاءِ المضاءِ بنجومٍ مشعَّةٍ بتأَلُّقِ حروفِها. هكذَا كانَ مَا كانَ؛ دونَ إِرادةٍ مسبقةٍ، وفوَرانِ مراهقةٍ، وعنفوانِ ذَاتٍ.”
بالنِّسبةِ إِلى غَيري(*)، كانتِ الكتابةُ الأُولى مفاجأَةً/مفاجئةً؛ ولادةَ شاعرٍ بافتراضِ قصيدةٍ لسببٍ لغويٍّ/صوريٍّ/شكليٍّ فقطْ!
أَشرقتُ سؤالاً: “ولكنْ كيفَ أَصبحَ شاعرًا؟”، ثمَّ ظلَّلتهُ بإِجابةٍ تشكيليَّةٍ/تصويريَّةٍ فِي مطلعِ شهادتِي الأَدبيَّةِ الأُولى: “تخطيطٌ أَوَّليٌّ لِـمَا كانَ بعدُ”:
“فِي شتاءٍ مَا، فِي منزلٍ قربَ جبلٍ عالٍ، وهوَ علَى فراشِ مرضٍ باتَ مرضَ فِراشٍ أَصابهُ، بعدَ إِصابتهِ فِي مفاصلهِ الطَّريَّةِ، كانَ يقرأُ كتابًا، والغيومُ تعاكسُ الشَّمسَ وتلاعبُ حضورَها وغيابَها، مَا عذَّبَ حدقةَ عينهِ الَّتي يطلُّ طرفُها علَى النَّافذةِ المشرعةِ للهواءِ الَّذي يحبُّهُ.. حملَ هذَا المريضُ؛ مريضُ الفراشِ والفراشةِ قلمًا، وعلَى آخرِ صفحةٍ مِن كرَّاسةٍ مدرسيَّةٍ، كانَ أَلقاها جانبًا بعدَ أَن ملَّ حوارَها؛ خطَّ بعضَ الكلماتِ المرتَّبةِ كسلَّمٍ بقدمٍ واحدةٍ، ودرجاتٍ لاَ تتساوَى فِي أَطوالِها. وعندَما هبطَ عليهِ صمتُ الكتابةِ الَّذي لَمْ يكُنْ يعرفُ سببَهُ آنذاكَ، أَلقَى نظرةً عابرةً علَى كلماتِها المرتَّبةِ مثلَ شعرِ التَّفعيلةِ، وببراءةِ القولِ أَعادَ القراءةَ، وسريعًا تذكَّرَ ترتيبًا بِهذا الشَّكلِ تضمُّهُ عدَّةُ مجموعاتٍ شعريَّةٍ فِي مكتبةِ البيتِ.”
لَمْ تكُنِ الأُولى علَى تحميلِها مَا لاَ تحتملُ الأَخيرةَ. لاَ أَعرفُ إِلى الآنَ، كيفَ/لِمَ جرَّبتُ الثَّانيةَ، بعدَ حينٍ قصيرٍ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ الأُولى لَمْ تكُنْ فِيها/لَها منَ الصِّفاتِ الوراثيَّةِ للقصيدَةِ سِوى شكلِها الخارجيِّ؟!
أُثبِّتُ تلكَ الحادثةَ العاطفيَّةَ الأُولى، والَّتي أَشعلتْ نارَ الشِّعرِ فيَّ، شعرًا فِي قصيدةٍ عنونتُها: “كمَا مرَّ الهواءُ علَى رخامِ الذَّاكرةِ” فِي سنةِ (1996)، أَي بعدَ اثنتينِ وعشرينَ سنةٍ مِن وقوعِها! جاءَ فِيها:
“جَلَسَتْ حُرُوفٌ فَوْقَ أَوَّلِ رِحْلَةٍ لِلْقَلْبِ.. شِئْتُ رِسَالَةً
أُولَى لَهَا
شَاءَتْ قَصِيدَةٌ أَنْ تَجِيءَ بِزِيِّهَا الزَّغَبِيِّ فِي الخَطِّ الخَجُولْ
هِيَ قِصَّةٌ أُولَى.. افْتَعَلْتُ فَرَاشَةً
كَيْ تَلْحَقَ الضَّوْءَ الَّذِي يَنْسَابُ مِنْ شَجَرِ الحُقُولْ
فَإِذَا اشْتِعَالِي حَالَةٌ ضِدَّ الرُّؤَى
وَإِذَا اشْتِعَالِي مَنْظَرُ الوَرْدِ الَّذِي
يَنْسَابُ فَوْقَ المَاءِ نَحْوَ السَّائِرَةْ.”
… … …
… … …
هذِي حِكَايَةُ مَا سَيَأْتِي مِنْ فُصُولٍ فِي حَيَاةٍ مَاكِرَةْ
هذِي حِكَايَةُ مَا سَيَأْتِي؛ بَيْنَمَا
مَرَّتْ كَمَا مَرَّ الْهَوَاءُ عَلَى رُخَامِ الذَّاكِرَةْ
كَانَ اشْتِعَالِي دَهْشَةً لِلشِّعْرِ تَأْسِرُنِي، وَظَلَّتْ
دَهْشَتِي لِلآنَ تَصْحَبُنِي إِلَى
مَعْنَى القَصِيدِ بِدُونِ تِلْكَ العَابِرَةْ.”
 
“أَتكتبُ غزلاً يَا ولَد؟!”
“الطَّريفُ المؤلمُ أَنَّ نشرَها، بصفتِها قصيدةً، وغزليَّةً أَيضًا، كانَ سببًا لهجومِ مدرِّسِ التَّربيةِ الدِّينيَّةِ (حسن. ع) عليَّ منذُ لحظةِ دخولِه غرفةَ الفصلِ الدِّراسيِّ: “أَتكتبُ غزلاً يا وَلد؟!”
حينَها عرفتُ عنْ نشرِها فِي الصَّحيفةِ، ومنْ ثمَّ إِخراجي منَ الفصلِ الدِّراسيِّ بضعةَ حصصٍ متتاليةٍ، عقوبةً لِي، إِثرَ جدالٍ قصيرٍ جدًّا، لَمْ أَطلبْ فيهِ، بصفتِه قَدْ تحوَّلَ، فجأَةً، إِلى قاضٍ وجلاَّدٍ فِي آنٍ، أَنْ أَعرفَ تُهمتي أَوَّلاً.”
 
ذراعانِ مفتوحتانِ فِي رصيفٍ ضيِّقٍ
“مسكَ طرفَ الخيطِ الَّذي لاَ نهايةَ لهُ؛ الخيطِ الَّذِي لَمْ يكُنْ يعرفُ، ومَا زالَ، إِلى أَينَ يقودُ؟ خيطِ الحبرِ وحِبرِ الخطِّ الَّذي أَعادَ بهِ كتابةَ المرَّةِ الأُولى، ليدفعَها إِلى فراغٍ فِي صحيفةٍ، كأَنَّ الفراغَ كانَ ينتظرُ أَن تدخلَ إِليهِ كلماتُه كفاتحٍ للبياضِ المعكَّرِ. أَيُّ شيءٍ حكَّ يدَهُ لتفعلَ هذَا؟
: ماذَا أَرى؟
أَهوَ أَنا هذَا الَّذي يَنظرُ إِليَّ بحروفِه السَّوداءِ؟
ومِن شدَّةِ دهشتِه ونشوتِه ظلَّ يطيلُ النَّظرَ إِلى اسمِه الَّذي تآلفتْ حروفُ المطبعةِ لتُظهرَهُ أَوَّلَ مرَّةٍ، ونسيَ مَا يليهِ وهوَ يسيرُ علَى رصيفٍ ضيِّقٍ فاتحًا ذراعيْهِ كجناحيْنِ نبتَا لهُ فجأَةً…”
 
عادَتْني “نارُ” التَّوحيديِّ
تجرَّأْتُ، بعدَ “الأُولى”، علَى عدَّةِ محاولاتٍ شعريَّةٍ، إِذْ بدأَ الشِّعرُ يَستحوذُ، بقوَّةٍ، علَى معظمِ يَومي بِنهارهِ، وليلهِ أَكثرَ، إِلى حدٍّ شعرتُ بهِ أَنَّني بِتُّ كائنًا ليليًّا.
قلَّدتُ “الشُّعراءُ قبلَ نضجِهم يقلِّدونَ وبعدَ نضجِهم يسرِقونَ.” (إِليُوت)، آنَها كتابةَ القصائدِ العموديَّةِ؛ ركَّزتُ علَى القافيةِ بدونِ بحورِ الشِّعرِ، إِذْ لَمْ أَكنْ عرفتُها بعدُ، ثمَّ وجدتُ أَنَّ تعلُّمَها ضرورةٌ، ففعلتُه وَحدي بينَ عشيَّةٍ وضُحاها، وأَتقنْتُ معظمَها/أَشهرَها، وصِرتُ أَكتبُ قصائدَ عموديَّةً، ولكنِّي لَمْ أُفكِّرْ بِنشرِها آنذاكَ، ولاَ أَعلمُ لِمَ لَمْ أَفعلْ! كنتُ كتبتُ مَا يشبِهُ الشِّعرَ الحُرَّ، إِلاَّ أَنَّه دونَ تفعيلةٍ للسَّببِ ذاتِه.
المحاولاتُ تلكَ؛ أَنستني كتابةَ الخاطرةِ، بشكلٍ جذريٍّ، بعدَ أَن آنسني الشِّعرُ؛ صارَ لِي تعويضًا عنْ حالةِ الفقدانِ المراهقِ. “الحرمانُ بالنِّسبةِ إِليَّ مِثلما النَّرجسُ بالنِّسبةِ إِلى وُوردثُورث” (فِيليب لاَركن)! هكذَا شعرتُ فِعلَهُ فِيَّ، فسخَّرتُ أَيَّ/كلَّ شيءٍ مِن أَجلِه، ولأَجلِ عناقِ الأَملِ ضدَّ الفشلِ/الأَلمِ.
أَشهدُ أَنَّه كانَ دواءً للعاطفةِ/القلبِ، لدرجةٍ شعرتُ بِها أَنَّه الأَبقَى/الأَهمُّ/الأَنقَى/الأَكبرُ منَ الميلِ الصَّغيرِ ذاتِه.
ذلِكَ الشُّعورُ لَمْ يَستقر فِيَّ طويلاً؛ إِذ ثَمَّ قلقٌ/عبثٌ/لاَ جَدوى؛ أَثْرَتْ كلُّها بسخاءٍ/بِكرمٍ طائيٍّ، هزائمِي الشَّخصيَّةَ، مَا أَدَّى بِي إِلى إِحراقِ كلِّ مَا  كتبتُه كمًّا ونوعًا فِي تنُّورٍ معدنيٍّ أَشبَهَ بقلبِي.
“تسلَّقَ ذاتَ عصرِ يومٍ ملاذَهُ بعدَ عدَّةِ محاولاتٍ. أَشعلَ النَّارَ فِي كلِّ مَا خطَّهُ منْ عذاباتٍ حَتَّى لحظةِ الحريقِ. هكَذا علَّمهُ أَبو حيَّان التَّوحيدي بعدَ أَنْ قرأَهُ.
صوتٌ: لماذَا؟
صدًى: (…..)
إِذًا؛ إِنَّ كلَّ مَا فِي الأَمرِ أَنَّه أَطاعَ معَلِّمهُ الكبيرَ الَّذي سبَقهُ، فِي زمانٍ مَا بعيدٍ، إِلى ذلكَ الطَّقسِ الَّذي كادَ أَنْ يحرقَ بِهِ، أَيضًا، أَصابعَهُ ويطفئَ بصرَهُ.”
كَمْ قدَّني، قهرًا، شعورِي بالأَسفِ لفِعلتي اللَّهبيَّةِ/الشَّنعاءِ؛ مَا منْ أَهمِّيَّةٍ لتلكَ الأَوْرَاقِ الَّتي تقوَّستْ فوقَ بعضِها فِي حضنِ النَّارِ فأَنا أُتلِفُ تَلاًّ مِنها محاولاً إِقناعَ قلَقِي الشِّعريَّ بسفحٍ/ورقةٍ فقطْ! لعلَّهُ الحنينُ إِلى رائحةِ الكرَّاسةِ الأُولى/أَرديةِ الطُّفولةِ الشِّعريَّةِ، أَو إِلى مَا لاَ يمكِنُ، حتَّى لشاعرٍ، أَنْ يفسِّرهُ.
كتبتُ لهُ بلَسعاتِ نارهِ، علَى ضوءِ الأَلسنةِ النَّاريَّةِ لقرطاسهِ الثَّريِّ المشتعلِ، قصيدةً حاولتُ أَن أُودعَها تنُّورَ جنونهِ: “إِشاراتٌ غيرُ إِلهيَّةٍ إِلى أَبي حيَّانَ التَّوحيديّ”.
أُشعلُ مِنها:
“هَلْ يَبْدُو الوَقْتُ قَصِيرًا فِي حُلُمِ الأَفْكَارْ؟
حِينَ تَمَشَّى فِي الهَمِّ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيّ رَأَيْتُ عَلَى عَيْنَيْهِ شُعَاعًا مِنْ لَهَبٍ أَخَّاذٍ، فَسَأَلْتُ بَوَاطِنَهُ فِي قَعْرِ التَّنُّورِ فَلَمْ أَسْمَعْ إِلَّا خَشْخَشَةَ الأَوْرَاقِ فَهَزَّتْنِي الهَزَّةْ؛ قَهَرَتْ فِيَّ الدَّاخِلَ وَالخَارِجَ وَالقَلَمَ المَسْلُولْ.
 
: هَلْ تَصْدُقُ عَيْنِي؟
كَسَحَابٍ شَاهَدْتُ النَّارَ تُعَانِقُ فَاهَ الفِكْرَةِ
فِي كُلِّ حَنِينْ..
لَمْ يَكُنِ الغَيْمُ الشَّاهِدُ فِي ذَاكَ النَّزْفِ،
وَقَدْ شَمِلَ الأَرْكَانَ بِشِدَّةْ
يَقْدِرُ أَنْ يُلْقِيَ دَلْوًا مِنْ مَاءْ.
 
هَلْ يَبْدُو الوَقْتُ قَصِيرًا يَا شَيْخِي الطَّيِّبِ؟
 
أَسْفَلَ هذِي الجُمْلَةِ تَمْكُثُ أَكْثَرُ أَفْعَالِ اللُّغَةِ المُفْتَرِسَةْ
يَرْبِطُهَا حَبْلٌ سِرِّيٌّ
تَرْسُمُ وَشْمًا فَوْقَ الأَضْلُعِ فِي كُلِّ الأَنْحَاءِ، وَتَأْخُذُنِي
مِنْ حَيْثُ الدِّفْءِ إِلَى حَيْثُ الفَاصِلَةِ الرَّعْنَاءْ..
أَنَا لَا أَخْشَى أَنْ يَذْبُلَ سِتْرِي
أَوْ تَنْفُرَ مِنِّي الأَجْزَاءْ
فَلِمَاذَا يَا شَيْخِي الطَّيِّبَ مَا كُنْتُ أَرَى لَكَ أَوْزَانًا
تَتَّسِعُ كَدَائِرَةٍ فِي المَاءْ؟”
 
خمسٌ تَنقصُ إِصبعًا
الحدثُ الأَقسى، بالنِّسبةِ إِليَّ، هوَ قطعُ أَوتارِ الإِصبعِ السَّبَّابةِ فِي يدِي اليُمنى/الكاتبةِ، فِي حادثةِ مساعدةِ صديقٍ لِي فِي مكانِ عملِ أَحدِ أَقربائهِ، بعدَ أَنْ كنَّا قَفزْنا وغيرُنا منَ الطَّلبةِ منَ الطَّابقِ الثَّانِي للمدرسةِ، ثمَّ فرَرْنا مِنها بعدَ أَن همَّ/بدأَ جيشُ الاحتلالِ الإِسرائيليِّ بدهمِها؛ كانَ ذلكَ خلالَ “انتفاضةِ المدارسِ” سنةَ (1976)، والَّتي كتبَ عَنها الشَّاعرُ الرَّاحلُ عَبد اللَّطيف عَقِل فِي مجموعتِه الشِّعريَّةِ: “الأَطفالُ يطاردونَ الجرادَ”، وقدْ كانَ لِي معلِّمًا/صديقًا/أَخًا كبيرًا فِي المدرسةِ الصَّلاحيَّةِ الثانويَّةِ فِي مدينتِي نابُلس، وكمْ كنَّا نتحاورُ حولَ مادَّةِ الفكرِ والفلسفةِ (كانَ مدرِّسًا لَها)، ونتحاورُ، بالطَّبعِ أَكثرَ، حولَ قَضايا الشِّعرِ؛ هوَ المعلِّمُ/الشَّاعرُ، وأَنا التِّلميذُ فِي الشِّعرِ.
كنَّا مشَّائِينَ؛ هوَ وأَنا وقليلٌ مِن الطلبةِ، فِي أَطرافِ ساحةِ المدرسةِ وحديقتِها الفقيرةِ وقتَ الاستراحةِ بينَ الدُّروسِ، وكمْ كانَ ذاكَ المشيُ/التَّصرُّفُ غيرَ مقبولٍ مِن قِبلِ مديرِ المدرسةِ ويغيظهُ جدًّا، وخصوصًا إِذا جعلَ المعلِّمُ/الشَّاعرُ درسَهُ فِي الهواءِ الطَّلقِ وليسَ بينَ أَربعةِ جدرانٍ شاحباتِ!
أَذكُرهُ، الآنَ، بدمعتَينِ، كيفَ بدأَتْ عينايَ تدمعانِ بأَلمٍ شديدٍ كأَنَّ ماءَ نارٍ تُضجُّ فِيهما، وحَلقي يؤلمُ  كأَنَّ شيئًا خشنًا يَعبُرهُ مُرًّا مِرارًا، جرَّاءَ قُنبلةِ مسيِّلةٍ للدُّموعِ/الضُّلوعِ، لها غيرُ مذاقِها المعهودِ، أَطلقَها جنديٌّ صهيونيٌّ، فصارتْ ترقصُ بينَنا علَى إِيقاعِ غدرٍ، وقدْ رأَيتُه (الشَّاعرُ/المعلِّمُ) قبلَ أَنْ يُغمَى عليَّ وغَيري تمامًا، يهرعُ إِلينا باندفاعٍ مِن غرفةِ الدَّرسِ، بعدَ أَنْ شاهدَنا منَ النَّافذةِ، على الرَّغمِ مِن سوءٍ قدْ يَلحقُ بهِ مِن قِبلِ إِدارةِ الاحتلالِ. كمَا أَذكرُ لهُ، بحنينٍ شيِّقٍ، عملاً جميلاً/عذبًا/شاعريًّا؛ هوَ حضورُه مرارًا إِلى بيتِنا، ليُطلَّ مِن شرفتهِ علَى حديقةِ محبوبتهِ، لعلَّهُ يلمحُها، علَى الرَّغمِ مِن أَشجارِها المتقاربةِ! إضافةً إِلى التَّحاورِ المستمرِّ فِي المحبوبِ الآخرِ/الشِّعرِ.          
حادثةُ قطعِ أَوتارِ الإِصبعِ؛ كانتْ آ نَها طعنةَ إِحباطٍ/انكسارٍ ثانٍ فِي كبدِ رغبةِ الكتابةِ، بعدَ أَنِ استعادتْ حيويَّتها فيَّ، وبعدَ اقترافِي قهرًا إِثمَ الحريقِ! شعرتُ بأَنَّ حادثةَ قَطعِ الأَوتارِ ستؤدِّي إِلى قَطعِ الحبلِ السُّرِّيِّ بينَ الكتابةِ وبينِي، وَلكنَّ هذَا لَمْ ينجحْ هذهِ المرَّةَ؛ كانتْ رغبةُ الكتابةِ/الشِّعرِ فيَّ أَمكثَ أَكثرَ مِن ذاكَ الجرحِ البليغِ. تدرَّبتُ أَنْ أَكتبَ بيدِي اليُسرى ولَمْ يُفلحْ هذَا. عدتُ، بعدَ تخفيفِ دوائرِ الضَّمادةِ الجافَّةِ، إِلى تكرارِ محاولةِ الكتابةِ بأَصابِعِ اليدِ اليُمنى الأَربعِ، وكَمْ كنتُ فرِحًا لتمكُّني أَخيرًا منَ استرجاعِ وسيلةِ الكتابةِ الأُولى، بلْ وأَكثرُ مِن هذَا؛ فقدْ تدرَّبتُ، بِتلكَ الأَصابِعِ المنقوصِ أَهمِّها، علَى إِتقانِ أَنواعٍ مِنَ الخطِّ العربيِّ، بإِلحاحِ المثابرةِ والشَّغفِ.
كمْ كنتُ أَشعرُ بأَنَّ مدادَ الكتابةِ يُضخُّ منَ القلبِ عبرَ شرايينِ اليدِ إِلى القلمِ الَّذي يجعلُها تستلقِي علَى الورقةِ بانطباعِ نشوةٍ!
 
جرادةُ فِعْلِ “الأَنا”
التهمْتُ كثيرًا مِن دواوينِ الشِّعرِ العربِيِّ ومجموعاتهِ؛ ابتداءً مِن جاهليَّتهِ إِلى مَا كنتُ معاصرًا لهُ، مِن مكتبةِ البيتِ، ومكتبةِ المدرسةِ، والمكتبةِ العامَّةِ، وكثيرًا منَ الأَعمالِ الأَدبيَّةِ، والثَّقافيَّةِ، والفكريَّةِ، والنَّفسيَّةِ، والفلسفيَّةِ.
 أَذكرُ أَنَّني كنتُ تعلَّقتُ جدًّا، ولاَ إِرَادِيًّا (نعمْ؛ لأَنَّي شعرتُ بميلٍ قِرائيٍّ/برغبةٍ جَارِفَةٍ إِليها)، بكُتبِ الكتَّابِ الوجوديَّينَ: (كِيركيغارد. جَان بُول سَارتر. كُولن وِلسون. أَلبير كَامي)؛ ربَّما لأَنِّني كنتُ فِي سنِّ المراهقةِ، وفِعلُ “الأَنا” لهُ حضورُه/سطوتُه فِي تلكَ المرحلةِ علَى المتمرِّدِ/الرَّافضِ/الفائرِ… الشَّاعرِ!
 
الشَّغفُ والمثابرةُ
سِيَرُ الشُّعراءِ، والمبدعينَ عمومًا فِي كلِّ الأَنواعِ الإِبداعيَّةِ، أَمدَّتني وشَحنتني بطاقةٍ غيرِ عاديَّةٍ/مذهلةٍ منَ الصَّبرِ/التَّحمُّلِ، وبقدرةٍ علَى الاعتكافِ/العزلةِ/النَّشاطِ/العملِ فِي صومعةٍ صنعتُها لِي، “الشَّاعرُ قِسُّ اللاَّمرئي.” (وَالاس سْتيفَنس)، حيثُ غسلتْ، إِلى حدٍّ مَا، آثارَ الأَسفِ/النَّدمِ/الجريمةِ الكاملةِ.
“لعلَّها الصُّدفةُ المحنَّكةُ تلكَ الَّتي قادَتْني، بعدَ حينٍ مِن “حَبوِي” الشِّعريِّ، إِلى معرفةِ الشِّعرِ بطريقتِها الَّتي تعتنِقُها؛ تلكَ الَّتِي قادَتني إِلى “قلعةِ آكسل” لِـ (إِدموند وِلسون)، عبرَ ممرِّ كتابٍ سِيَريٍّ نقديٍّ (…)، علَى الرَّغمِ منَ الكمِّ الكبيرِ مِن جرعاتِ النُّصوصِ الشِّعريَّةِ/ الأَدبيَّةِ المدرسيَّةِ الَّتي مقتُّ الكثيرَ مِنها، والَّتي كانتِ السَّببَ فِي تحوُّلي مِن كليَّةِ الآدابِ إِلى كليَّةِ الاقتصادِ، حينَ رأَيتُ أَنَّ المدرسةَ كانتْ فِي الجامعةِ أَيضًا (…)، وإِلى أَرففِ مكتبتيِّ البيتِ والبلديَّةِ، وما زلتُ أَذكرُ، بفخرٍ أَخضرَ، نصيحةَ أُستاذي الشَّاعرِ عَلي الخَليلي فِي سنةِ (1976) أَن أَقرأَ كتابَ “الإِشارات الإِلهيَّة” لِأَبي حيَّان التَّوحيدي، وأَذكرُ كيفَ قرأْتُ إِبَّانَ المرحلةِ الثَّانويَّةِ الكتابَ الضَّخمَ “الوجودُ وَالعدمُ” لِـ(جَان بُول سَارتر)، و”العالمُ إِرادةٌ وفكرةٌ” لـِ(آرثر شُوبنهاور)، و”قصَّةُ الحضارةِ” و”قصَّةُ الفلسفةِ” لِـ(وِل ديُورانت)، ومعظمَ كتبِ (كُولن وِلسون) وأَبرزَها “الشِّعرُ وَالصُّوفيَّةُ”، وغيرَها الكثيرَ، خصوصًا دواوينَ الشِّعرِ العربيِّ.”
كنتُ أَقرأُ امرئَ القيسِ إِلى جانبِ (وليم شيكسبير)، وأَبا حيَّان التَّوحيدي إِلى جانبِ (آرثر شُوبنهاور)، وابنَ خُلدون إِلى جانبِ (ويل ديورانت)، وأَبا تمَّام إِلى جانبِ (آرثر رامبو)، وسَلامة موسَى إِلى جانبِ (جَان بُول سَارتر)، وبدرَ شاكر السيَّاب إِلى جانبِ (ت. س. إِليوت)، ونجيبَ سُرور إِلى جانبِ (راينر ماريا ريلكه).. هذهِ أَمثلةٌ ممَّا تبِيحهُ الذَّاكرةُ الآنَ، وطبعًا الشِّعرَ الفلسطينيَّ آنذاكَ.
لاَ أَزالُ أَذكرُ، وأَنَّى لِي أَنْ لاَ أَذكرَ، تأْثيرَ سيرةِ الشَّاعرِ الإِيطاليِّ (فرَانتشِيسكو بِتراركا 1304-1374)، وأَنا ما زلتُ فِي رجفاتِ البداياتِ، وهذَا المهمُّ/الأَهمُّ.
لقدْ أَحبَّ حبًّا مستحيلاً دامَ إِحدى وعشرينَ سنةً، وعاشَ وماتَ فِي منفًى بعيدًا عنْ وطنهِ؛ حبٌّ مستحيلٌ/منفًى/شعرٌ. هذَا الحبُّ هوَ امرأَةٌ لمحَها فِي كنيسةٍ، ذاتَ صباحٍ مِن شهرِ نيسانَ. “نيسانُ أَقسى الشُّهورِ” (إِليُوت) علَى معظمِ الشُّعراءِ. امرأَةٌ تموتُ، بعدَ لمحةِ العينِ تلكَ، بعدَ انقضاءِ إِحدى وعشرينَ سنةً بالتَّمامِ. لَمْ يرَ وجهَها، حَيثُ كانَت تغطِّيهِ ببُرقعٍ، والأَغربُ أَنَّه لَمْ يَرهُ حيًّا طوالَ ما بقيَ لهُ مِن حياتِه! لكنَّهُ رآهُ مرَّةً واحدةً، وهيَ مسجَّاةٌ فِي قبرِها بعدَ دفنِها، إِذْ ماتتْ بالطَّاعونِ فِي (بَارما)، حيثُ وجدُوا، وهمْ ينبشونَ المقابرَ لأَجلِ نقلِ الرُّفاتِ إِلى مكانٍ آخرَ لتوسيعِ الشَّارعِ، السُّوناتا الأَخيرةَ الَّتي كانَ وضعهَا الشَّاعرُ علَى صدرِها جهةَ القلبِ، حيثُ قامَ بنبشِ قبرِها، بعدَ وقتٍ قصيرٍ مِن دفنِها. إِنَّها (لاَورا مينيأَتُورا)؛ تلكَ الَّتي كانَ كتبَ لهَا أَكثرَ مِن (1400) سُوناتا، بدونِ أَنْ تَعرفَ بحبِّ الشَّاعرِ لهَا!
(لاَورا)؛ هيَ مُعادِلُ/مَا سمَّيتُه “القصيدةَ المستحيلةَ” الَّتي يظلُّ يطاردُها الشَّاعرُ، طوالَ شِعرهِ، ولكنْ بدونِ أَنْ يتمكَّنَ منْ جعلِها تَسترخي، ولَو بغيرِ هدأَةٍ، فوقَ بياضهِ اللاَّينتهي!
“إِنَّني لاَ أَعرفُ أَنْ أَكتبَ قصائدَ، ولاَ أَعتبرُ نفْسي شاعرًا، ولاَ أَجدُ شعرًا فِي قصائِدي بالضَّرورةِ، ولستُ أَوَّلَ مَن يقولُ ذلكَ.
الشِّعرُ، سواءٌ أَكانَ حالةً جذليَّةً، أَمِ ابتكارًا، أَمْ موسِيقى، يمكِنُ أَنْ يُوجدَ فِي كلِّ شيءٍ؛ توسُّعٌ مفاجئٌ للعالمِ. يمكِنُ أَن يتحقَّقَ، أَكثرَ كثافةً وقوَّةً، فِي لوحةٍ، أَو صورةٍ، أَو كوخٍ. ومَا يزعجُ فِي القصائدِ هوَ نرجسيَّةُ الشُّعراءِ؛ هذَا البحثُ لديهمْ عنِ الطُّمأْنينةِ (وكلاهُما أُفقانِ مَسدودانِ)، وتحنُّنهمْ أَمامَ عواطفِهم نفسِها، ومَا أَسوأُ مِن هذَا كلِّه؛ الجانبُ المقصودُ فِي العمليَّةِ الشِّعريَّةِ.” (هِنري مِيشو).
أُشيرُ إِلى اندهاشِ/استغرابِ رئيسةِ “جمعيَّةِ فْرانتشيسكو بِتراركا” فِي إِيطاليا، وقدْ كنَّا التقينَا صدفةً، هناكَ، ضمنَ لقاءٍ ثقافيٍّ دَعتْني إِليهِ “جمعيَّةُ الزَّيتونةِ الثَّقافيَّةُ” في (سَان فِيتو دِي كادُوري)، مِن أَنِّي أَعرفُ عنِ الشَّاعرِ (فْرانتشيسكو بِتراركا) منذُ سنةِ (1977)، وأَنِّي كنتُ كتبتُ قصيدةً بعدَ فترةٍ مِن قراءَتِي لسيرةِ حياتهِ، وطريقةِ حبِّهِ العصيَّةِ الوصفِ! لدرجةِ أَنَّني أَطلقتُ اسمَ حبيبتِه (لاَورا) علَى الزَّميلةِ الجامعيَّةِ/المحبوبةِ (فَاتِن)، والاسمَ (فُتُون) كذلكَ، فِي قصائدِي إِليها، لضرورةِ الحرصِ الكبيرِ، والكبيرِ جدًّا، الِّذي نَعرِفُ اجتماعيًّا؛ إِذْ كنتُ أَدرجتُ/قرأْتُ اسْمَ محبوبتهِ هكذَا (لُورَا) فِي سيرتِه آنذاكَ، وتمَّ تصويبُ اسمِها لِي خلالَ اللِّقاءِ، والَّذي قرأْتُ فيهِ قصيدَتي “لاَورا”.. اللُّغزُ المبتسمُ غموضًا”، معَ مصاحبةِ ترجمةٍ لَها باللُّغةِ الإِيطاليَّةِ. أَقطفُ مِنها آخرَها:
“وَتَـمُرُّ سُنُونٌ أُخْرَى..
يُكْتَشَفُ القَبْرُ وَ”لاَوْرَا” قَابِعَةٌ فِيهِ
بِعَظْمٍ وَرَمَادْ
وَالشَّمْعُ الأَخْضَرُ حَوْلَ الرِّقِّ
يَضُمُّ الفَكَّ الذَّهَبِيَّ، وَ”سُونَاتَا” عِشْقٍ
تَتَحَدَّثُ عَنْ رَوْعَةِ “لاَوْرَا”..
سَتَظَلُّ إِلَى الأَبَدِ اللُّغْزَ المُبتَسِمَ غُمُوضًا
بِالفَكِّ الذَّهَبِيِّ الهَامِدِ وَسْطَ رَمَادْ.
(… … …)
“لاَوْرَا” الثَّانِيَةَ أَنَا فِي الظَّمَأِ المُجْدَبِ كَالعُقْمْ
مُدِّي الكَأْسَ إِلَيَّ مَلِيئَةْ
كَيْ أَجْرَعَ كَفَنَكِ وَالعَظْمْ.”
 
هاجسُ الموتِ المبكِّرِ
حينَ أَمدتني سِيَرُ الشُّعراءِ، والمبدعينَ عمومًا فِي مختلفِ الأَنواعِ الإِبداعيَّةِ، وشَحنتني بطاقةٍ غيرِ عاديَّةٍ/مذهلةٍ منَ الصَّبرِ/التَّحمُّلِ، كانتْ صورةُ/حالةُ (بِتراركا)، شبهِ الأُسطوريَّةِ، قدْ أَثقلَتْني كثيرًا جدًّا، بهاجسِ موتِ كثيرٍ منَ الشَّعراءِ فِي عمرٍ مبكِّرٍ أَيضًا؛ امرؤُ القَيس، وطرفةُ بن العَبد، وجُبران خَليل جُبران، وبَدر شَاكر السَّياب، وإِبراهيم طَوقان، إِذْ صِرتُ أَشعرُ ظنًّا، أَنَّني سأَموتُ مثلَهم عندَ بُلوغي مَا قبلَ الأَربعينَ، إِنْ صِرتُ شاعرًا!
لَمْ أَدرِ لماذَا لاَزمنِي ذلكَ الظَّنُّ/الهاجسُ/المرضُ(!) إِلى أَنْ بلغتُ ذاكَ السِّنَّ، علَى الرَّغمِ مِن محاولاَتٍ متكرِّرةٍ/يائِسةٍ لطردِه/تناسيهِ منَ الذَّاكرةِ، لدرجةِ هزِّ الرَّأْسِ حينَ يعبُرها كأَنَّني أَنفضُه عَنها/مِنها. لا شكَّ في غرابةِ ذاكَ الهاجسِ، والَّذي ضحكتُ منهُ/سخِرتُ عليَّ- عليهِ/هزمتُه؛ “هزمتكَ يَا موتُ الفنونُ جميعُها” (محمُود دَرويش)، بَعد أَن كتبتُ، آنذاكَ، للموتِ قصيدةَ شكرٍ؛ “شكرًا لموتٍ لَمْ يجئْ بعدُ”.
بدأْتُها:
“شُكْرًا لِمَوْتٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ.. أُقَبِّلُهَا الحَيَاةْ
مِنْ فَوْقِ سُرَّتِهَا، وَأَكْتَشِفُ المَلَامِحَ فِي تَدَلُّلِهَا الكَثِيرِ
أُكَاشِفُ الوَرْدَ انْتِظَارًا كَانَ يُثْقِلُ هَامِشِي
طَوْرًا، وَطَوْرًا كَانَ يَنْقُلُنِي إِلَى وَسَطِ العِرَاكْ.”
وأَنهيْتُها:
“شُكْرًا لِمَوْتٍ لَا يُرَى
بِالعَيْنِ.. أَبْقَى لِي عُيُونِيَ كَالنَّوَافِذِ كَيْ أُطِلَّ عَلَى الغَدِيرْ
لِلآنَ أُحْصِي مَشْهَدًا مِنْ مَرْمَرِ التَّارِيخِ يَأْسِرُنِي صَدَاهْ
لِلآنَ، بَلْ مَا قَدْ يَلِيهِ.. تَفَتَّحَ المَاضِي لآِتٍ
فِي مَطَالِعِهِ الخَصِيبَةِ، بَلْ أَرَى
أَلَقًا عَلَى القَوْلِ المُجَدَّدِ يَسْتَعِيدُ صَبِيَّةَ الوَطَنِ السَّبِيَّةَ.. إِنَّنِي
آتِي إِلَيْكَ كَحَبَّةِ القَمْحِ الأَسِيرَةِ؛ مَا مَضَى مِنْهَا سِوَى
ذَاكَ الغُبَارُ، وَإِنَّهَا لَـمَّا تَزَلْ
شَوْقًا لِمَاءٍ فِي غُيُومٍ سَابِحَاتٍ فِي فَضَائِكَ أَيُّهَا
الأَلَقُ الكَبِيرْ.”   
 
القصيدتانِ التَّوأَمانِ
منَ الشُّعراءِ الَّذينَ قرأْتُهم، حينَ صِرتُ أَضجُّ بهدوءٍ شعرًا، أَيضًا، فِي فترَتِي تِلْكَ، وَشرَّفوا/خلَّفوا أَثرًا جارحًا/بالغًا/عميقًا فِي النَّفسِ الشَّاعرةِ، الشَّاعرُ والمسرحيُّ المصريُّ نَجيب سُرور.
كانَ أُحضِرَ لِي مِن مصرَ- مِن ضِمنِ مَا أُحضِرَ لِي- عدَّةُ أَعمالٍ شعريَّةٍ ومسرحيَّةٍ لهُ، وغيرِها كذلكَ، وقدْ كانَ حِينها يُعاني مِن أَمراضٍ شديدةٍ، وملاحقةٍ عسَسيَّةٍ، إِلى أَنْ يُقبَعَ فِي السُّجونِ (كانَ قبعَ فِيها عشراتِ المرَّاتِ) بتُهمٍ مفبرَكةٍ/جاهزةٍ (مَن يقرأُ أَعمالَهُ الشِّعريَّةَ، والمسرحيَّةَ، والأَعمالَ الأُخرى، يَعرفُها جيٍّدًا وبسهولةٍ)، وكانُوا يُبلِعونَهُ، غصبًا، كثيرًا مِن حبوبِ الهلوسةِ، عدَا  عنْ وسائلِ التَّعذيبِ الأُخرى، والَّتي تحدَّثَ عنْها، لاحقًا، الصَّديقُ الشَّاعرُ محمَّد عَفيفي مَطر حيثُ تعرَّضَ لمثْلِها، وقدْ كتبتُ لهُ/عَنها/فِيها قصيدةَ: “لنْ يقتلُوا فيكَ الحياةَ”، أُظهِرُ مِنها:
“هَلْ أَنْتَ تَحْمِلُهُم إِلَى هذَا المَسَاءِ، فَيَسْهُرُوا
بَيْنَ الجِدَارِ وَظِلِّهِ؟
اللَّيْلُ يَبْدَأُ،
وَالحِوَارُ يَدُورُ مِنْ قَدَمٍ
إِلَى شَفَةٍ
إِلَى صَدْرٍ
إِلَى ظَهْرٍ
وَمِنْ كُلِّ الجِهَاتْ..
هذَا العَذَابُ إِلَيْكَ طَائِفَةٌ مِنَ الغِرْبَانِ
تَسْقُطُ فَوْقَ رِقَّتِكَ الَّتِي قَتَلَتْ مُرُوءَتَهُمْ،
وَمَا شَبِعَ الجِدَارُ مِنَ الصَّدَى،
بَلْ أَنْتَ قَاتِلُهُمْ وَمِنْ حَيْثُ اسْتَعَدُّوا
فَانْطَلِقْ…
مِنْ حَيْثُ أَزْهَرَ جُرْحُكَ الوَطَنِيُّ
مِنْ نَبْشِ القُسَاةِ، وَأَوْغَلُوا
كَالرُّومِ فِيهْ،
بَلْ أَنْتَ تَحْمِلُهُم إِلَى هذَا المَسَاءِ لِيَهْرُبُوا
مِمَّا يَلِيهْ.”
أَقولُ: وكانُوا يُبلِعونَهُ، غصبًا، كثيرًا مِن حبوبِ الهلوسةِ، عدَا  عنْ وسائلِ التَّعذيبِ الأُخرى، إِبَّانَ اعتقالاتهِ المتكرِّرةِ، إِلى أَن ماتَ “مُنتحرًا”، كَما الزَّعمُ السُّلطويُّ الجاهزُ، فِي المرَّةِ الأَخيرةِ الَّتي أُدخلَ مُستشفى الأَمراضِ العقليَّةِ! كيفَ يمكِنُ تصديقُ “انتحارِهِ”؟
“لاَ تصدِّقْ مَن يجيدُ الفلسفةْ
ليستِ العقدةُ أَنَّا سنموتُ بعدَ أَنْ نحيَا
وَلكِنْ…
أَنْ نعيشْ
قبلَ أَنْ نصبحَ موتَى!”
كأَنَّه تنبَّأَ بمَوتِه المبكِّرِ فِي قصيدتهِ/الوصيَّةِ “لزومُ مَا يَلزمُ”:
“قد آنَ يا كيخوتُ للقلبِ الجريحْ
أَنْ يستريحْ
فاحفرْ هُنا قبرًا ونَمْ
وانقُشْ علَى الصَّخرِ الأَصمْ:
يَا نابشًا قَبري حنانكَ، هَا هُنا قلبٌ ينامْ،
لاَ فرقَ مِن عامٍ ينامُ وأَلف عامْ،
هذِي العظامُ حصادُ أَيَّامي فرفقًا بالعظامْ.
(… … …)
هوَ لَمْ يمتْ بطلاً ولكنْ ماتَ كالفرسانِ بحثًا عَن بطولةْ
لَمْ يلقَ فِي طولِ الطَّريقِ سِوى اللُّصوصْ
حتَّى الَّذينَ يندِّدونَ كمَا الضَّمائرِ باللُّصوصْ
فرسانُ هذَا العصرِ هُم بعضُ اللُّصوصْ.”
كتبتُ لَهُ: “كلماتٌ- إِلى (دُون كِيشوت).. نَجيب سُرور” فِي (10/02/1977). أَرسلتُها لَهُ، ووصلَتهُ، وقدْ شعرتُ بالغبطةِ لوصولِها، خصوصًا لأَنِّي فِي بِداياتي، ولأَنَّه قدْ وعدَني بالرَّدِّ، ولكنَّ غِبطتي وأَدتْها الظُّروفُ/الضُّغوطُ/التَّهلكةُ، والَّتي حملَتهُ فوقَ أَردافِ/أَكتافِ شُبْهةِ الجنونِ، وسارتْ بِه بخُطًى عجُولةٍ “كُتِبتْ علَيْهِ” إِلى المنفَى الأخيرِ فِي (24/10/1978)، ولَمْ يكُنْ لِي سِوى أَنْ أَخطَّ القصيدةَ التَّوأَمَ فِي (19/11/1978)، والَّتي لَمْ/لَنْ تصلَ إِليهِ أَبدًا: “برقيَّةُ عزاءٍ- إِلى (إِخطاب) و(دولسينَ) لموتِ شَاعرِهما نَجيب سُرور قهرًا”. يا لمفارَقةِ الأَسماءِ؛ كانَ نجيبًا، ولكنَّهُ لَمْ يكُنْ مسرورًا.
بعدَ عشرينَ سَنةً علَى جسدِه الغائبِ، ورُوحِه الحاضرةِ، وهوَ فِي الذَّاكرةِ طوالَ مَا انْتبهَتْ، كتبتُ مقالةً: “عشرونَ  دمعةً مضيئةً علَى لُزومِ نَجيب سُرور”. أَعرِفُ أَنَّ أَصابعَ حروفِها لَنْ تقدِرَ علَى نبشِ الحياةِ فِي منفاهُ، لكنِّي أَملْتُ مِنها أَنْ تنبشَ الحياءَ الأَخرسَ فِي الضَّميرِ الأَخيرِ هناكَ/هُنا.
“هلْ أَخبرتْكَ (بهيَّةُ) عنِ الَّذي قتلَ (ياسِين)؟
(… … …)
لاَ عليكَ، ولاَ تُهوِّنْ علَيَّ بدَمعاتِي العشرينَ؛ هذهِ الَّتي تَرْوِي سيرةَ غيابكَ الحاضرِ وحضورِنا الغائبِ، لأَنِّي أُدرِكُ كثيرًا منَ الكلامِ الَّذي يَميلُ علَى ثمرةِ الخطيئةِ، حتَّى خضعتْ جبهتُهُ لجذورِها الملوَّثةِ، واحترفَ الصَّمتُ مهنةً حمراءَ لإِطعامِ فَلذاتِ جشعِه الَّتي أَنَّى لَها أَن تشبعَ بعدَ أَن أَضحتْ معدتُها كغربالٍ فسيحِ الذِّمَّةِ؟!
(… … …)
نَجيب سُرور.. كيفَ أُخبِركَ عنِ الَّذي قَتلَ (فاطِمتي وياسِينها)، ثمَّ سَدَّ فَمي بدمِي؟!”    
 
مُرتقَى الإِبداعِ
نادرًا مَا تَجدُ الموهبةُ، بدرجاتِها، مَن يُقشِّرها، أَو مَن ينفضُ عَنها سكونَ غبارِها، ويتحسَّسُ مخملَ زغبِها، إِنْ تفتَّحتْ.
هيَ تبدأُ نهوضَها بدفعِ وَحدِها، كَما الفراشةُ مِن شرنقتِها، وبعينَينِ تبحثانِ، ببريقِ أَملٍ/أُمنيةٍ/أَمانٍ، عنِ الممرِّ/الاتِّجاهِ الأَوَّلِ، قبلَ الانتباهِ إِلى/معرفةِ/إِدراكِ أَنَّ “الموهبةَ نظامٌ صارمٌ، وصبرٌ طويلٌ.” (جُوستاف فُلوبار). إِنَّهما يعملانِ معًا علَى تأْصيلِها/مواصلتِها/توصيلِها/إِبقائِها قيدَ الإِبداعِ، ويجعلانِ الموهوبَ نسيجَ ذاتهِ، ومِن هُنا مرتقَى الإِبداعِ.
لاَ نَعني بِهذا أَنَّ حاجةَ الموهبةِ إِلى “مَنْ” ضرورةٌ قُصوى، وأَنَّ عدمَ وجودِ “مَنْ” سيجعلُها تنطفئُ/تَذوي/تزولُ كأَنَّها لَمْ تكُنْ.  إِنَّها تستطيعُ ثقبَ ماءِ النُّهوضِ/رحمَ الخروجِ/قطعَ السُّرِّيَّ، ثمَّ التَّدفُّقَ، تلقائيًّا، بِما تختزنُه مِن سببِ حياتِها.
كتبتُ، فِي البداياتِ/التَّمارينَ، قصائدَ بماءِ القلبِ، فقطْ، علَى ورقِ العاطفةِ؛ أَصداءَ وجعٍ، ومعاناةَ وطنٍ، وآلامَ أُناسٍ، ووقائعَ ساخنةً، وحبَّ وأَحلامَ وطموحاتِ مراهقٍ، وأَصداءَ أُخرَ، علَى عكسِ مَا يَعتقدُ الشَّاعرُ (بِيرسي شِيلي): “الشِّعرُ سجلٌّ لأَفضل وأَسعدِ اللَّحظاتِ الَّتِي تشهدُها أَسعدُ وأَفضلُ العقولِ.”، فَلمْ تكُنْ لنَا لحظاتُ سعادةٍ، ولَمْ تكُنْ عقولُنا سعيدةً! كذلكَ لَمْ أَكنْ عرفتُ مقولةَ (رُوبرت لُول): “الشِّعرُ حدثٌ، لاَ سجلَّ حدثٍ”.
لذَا كانتِ المخيلةُ خفيفةَ التَّحليقِ بالقصيدةِ، إِنْ لَمْ تَكنْ خفيَّةً تَلهو معَ وحدِها خلفَ باحاتِ القصيدِ السَّاخنِ، وشِبْهَ عاطلةٍ عَن عملِها الكيميائيِّ الأَساسِ فِيها. كانتْ كتابةَ مشاعرٍ، ولَمْ تَكنْ كتابةَ شِعرٍ. هكذَا تكونُ/تجيءُ بداياتُ الشَّاعرِ: مِن أَلمٍ/خَفقٍ/قلقٍ/توتُّرٍ/يأْسٍ/تـمرُّدٍ/اكتشافِ جزئهِ الآخرِ، وتكونُ كتابةً، بمعجمٍ لُغويٍّ فقيرٍ، مدرسيٍّ أَغلبهُ، تريدُ توصيلَ ذاتِها/وصولَ هدفِها/تحقيقَ غايتِها، بمعنًى قليلِ التَّأْويلِ، وببراءَةِ رؤَى، كمَا لَو أَنَّها مخاطَبةٌ بينَ شخصينِ فقطْ، وبِدونِ إِدراكِ “أَنَّ القصائدَ ليستْ- مِثلما يحسبُ النَّاسُ- مجرَّدَ مشاعرٍ، بَل تجاربُ. فإِنَّكَ وصولاً إِلى قصيدةٍ واحدةٍ، لاَ بدَّ أَنْ تَرى مدنًا كثيرةً، وناسًا كثيرةً، وأَشياءَ كثيرةً، لاَ بدَّ أَنْ تفهمَ الحيواناتِ، ولاَ بدَّ أَن تشعرَ كيفَ تحلِّقُ الطُّيورُ، وتعرفَ أَيَّةَ إِيماءَةٍ تَقومُ بِها الوردةُ لحظةَ تتفتَّحُ فِي الصَّباحِ.” (رَاينر مَاريا رِيلكه).
كنتَ آنَها أُراوحُ فِي دائرةِ مَكاني/وطنِي المحتلِّ، والَّذي لَمْ يزلْ المحتلَّ الوحيدَ بعدُ فِي هذَا العالَمِ! فلاَ رأَيتُ، حينَ تلكَ القصائدِ، مُدنًا/ناسًا/أَشياءَ كثيرةً، ولاَ ثَمَّ وقتٌ لفهمِ الحيواناتِ، والشُّعورِ بكيفيَّةِ تحليقِ الطُّيورِ، ومعرفةِ إِيماءَةِ الوردةِ لحظةَ تفتُّحِها.
مِن أَينَ لِي بكلِّ/أَقلِّ هذهِ الأَشياءِ، وأَنا مذبوحٌ، وطنًا، منَ الحصارِ البليدِ إِلى الأَملِ الجليدِ/البعيدِ؟ 
“يعشقُ وطنَهُ لدرجةِ العشقِ، لدرجةٍ يكادُ يتَّهمهُ فِيها بأَنَّه آسِرهُ فيهِ إِلى النِّهايةِ! لكنَّ السَّفرَ ضرورةٌ للنَّصِّ الَّذي لَمْ يأْتِ بعدُ، علَى الرَّغمِ مِن حجمِ القراءاتِ الَّتي ابتلعَها، ومَا يزالُ يفعلُ، وهوَ إِذْ يكتبُ؛ يبحثُ عَن شيءٍ ضالٍّ، لَمْ يَعرفْ ملامِحه بعدُ.”
لِقَائي الأَوَّلُ، صدفةً، بالشَّاعرِ عَلي الخَليلي، وكانَ عادَ إِلى الوطنِ، فِي مكتبتِه فِي مدينتِنا نَابُلُسَ، شكَّلَ ممرًّا لِي/منحًى خاصًّا بِي. أَعترفُ، بغزارةِ امتنانٍ، أَنَّ اللِّقاءَ الأَوَّلَ ذاكَ، كانَ ضروريًّا لموهبتِي الشِّعريَّةِ الَّتي بدأَتْ تثقبُ سطحَ تُربتَها.
أَشكركَ؛ إِذْ “لَمْ يزلْ ربيعُ عبارتِكَ الشَّقيَّةِ “الكتابةُ فرحٌ”، ورْدِيَّ الشِّعرِ وأَخضرَهُ. أَتذكَّرُها، وأُردِّدها وِرْدًا كلَّما بدأَتْ خُطواتي تسيرُ بِي فِي “القصبةِ” الَّتي كأَنَّها النَّايُ، حيثُ رائحةُ “الفُرنِ” المجنَّحةُ تطيرُ عبقةً فِيها.. حِينها، تشتعلُ الذَّاكرةُ بوطنِ المكتبةِ/”مكتبةِ الوَطن”، والَّتي دخلتُها وقدْ كانَ بدأَ حَبوِي الشِّعريُّ، فأَشعلتَ لِي “الضَّوءَ الأَخضرَ” فِي “فجرِكَ الأَدبيِّ” كيْ تحتضنَني وجيلَنا الثَّمانينيَّ الَّذي أَطلقتَ عليْهِ آنذاكَ “الجيلَ الرَّابعَ”، وأَنا أَراهُ، بعَيْنِ الفَقدِ، الجيلَ الضَّائعَ! إِذْ أَينَ الكثيرُ منَّا نحنُ الآنَ، بلْ وقبلَ الآنَ بكثيرٍ؟”
“أَيُّها الشِّعريُّ/الرِّوائيُّ/القصصيُّ/التُّراثيُّ: كمْ أَنتَ كثيرٌ علَيْنا! إِذْ كثيرةٌ هيَ أَغصانُ شجرتِكَ العاليةِ بثمارِها الدَّانيةِ حدَّ مَا بعدَ الفمِ، ورغمَ هذَا، فإِنَّكَ كنتَ ومَا زلتَ كشجرةِ الصَّندلِ الَّتي تُعطِّرُ الفأْسَ وهوَ يقطعُها، كمَا قالَ الشَّيخُ (الشِّيرازيُّ).”
 
بئرُ الحَيرةِ
حسَمتُ وجهَتي نحوَ الفرعِ الأَدبيِّ حينَ كنتُ فِي السَّنةِ الإِعداديَّةِ الثَّانيةِ منَ المرحلةِ المدرسيَّةِ، لذلكَ لَمْ أَعدْ أُعيرُ موادَّ العلومِ البحتةِ اهتمامًا كثيرًا، إِذْ أَخذتْ درجاتُ التَّعلُّقِ بالأَدبِ؛ قراءَةً وكتابةً، الصُّعودَ بِي.
لَمْ يكُنِ الشِّعرُ قدْ فتحَ، بعدُ، بابَهُ فيَّ منَ الدَّاخلِ.
قلَّةُ الاهتمامِ تلكَ بالموادِّ العلميَّةِ لَمْ تكُنْ سلبيَّةً كلَّها، فَقدْ كانتْ سببًا فِي (فَاتِن)!
سجَّلتُ فِي كلِّيَّةِ الآدابِ/جامعةِ النَّجاحِ- نَابُلُس. كنتُ أَتوقَّعُ دراسةَ الأَدبِ العربيِّ بأُسلوبٍ غيرِ مدرسيٍّ. “وصفَتي لنشرِ الشِّعرِ فِي المدارسِ هيَ منعهُ، واعتبارُ حيازتهِ جريمةً، ومعاملةُ مَن يتعاملُ معهُ معاملةَ المُجْرمينَ.” (كْليف جِيمس). توقَّعتُ أَنَّ يكونَ الأُسلوبُ التَّدريسيُّ مغايرًا فِي الجامعةِ، لكنْ لَمْ يكُنْ توقُّعِي صائبًا؛ لقدْ كانتِ المدرسةُ، أَيضًا، فِي الجامعةِ! فشعرتُ بالصَّدمةِ/الإِحباطِ منذُ المحاضرةِ الأُولى وحتَّى شهرينِ تقريبًا، لذلكَ قرَّرتُ التَّحوُّلَ إِلى كلِّيَّةِ الاقتصادِ والعلومِ الإِداريَّةِ (كانتْ هذهِ رغبةُ والدِي، رحمهُ اللهُ، كيْ أَجدَ عملاً بشكلٍ أَسرعَ، بعدَ التَّخرُّجِ)، إِذْ وجدتُ أَنَّ الاهتمامَ الشِّعريَّ الذَّاتيَّ أَنجعُ للشَّاعرِ الآتي فيَّ، وأَنَّني لستُ بحاجةٍ إِلى تلكَ الدِّراسةِ الأَدبيَّةِ بعدَ قراءَةِ كَمِّ كتبٍ كبيرٍ قبلَ ولوجِ الجامعةِ.
كانَ مَا تحوَّلتُ إِليهِ، ولكنَّ إِهمالَ الموادِّ العلميِّةِ فِي الفترةِ المدرسيَّةِ فاجأَني بمأْزقٍ فِي مادَّةِ الرِّياضيَّاتِ، والَّذي يعرِفُ جيِّدًا  أَنَّني لَمْ أُهملْها فقطْ، بِل لاَ أُحِّبها، كأَنَّه أَرادَ أَنْ يقتصَّ منِّي بِها علَى تـمرُّدي علَيْها، فنغَّصَ عليَّ منذُ أَوَّلِ يومٍ لِهِجرتي إِلى الكلِّيَّةِ الأُخرى؛ كانَ معظمُ طلبةِ القاعةِ منَ التَّخصُّصِ العِلميِّ فِي المدرسةِ، وبضعةُ طلبةٍ وأَنا منَ التَّخصُّصِ الأَدبيِّ، لهذَا فإِنَّنا لَمْ نكُنْ نستطيعُ فهمَ مادَّةٍ هيَ جديدةٌ علَيْنا/قديمةٌ علَيْهم.
إِنَّ مِن أَجملِ مَا يَحدثُ فِي الوجودِ؛ أَنْ تَرى صدفةً تنشلكَ مِن بئرِ حَيرتِكِ بعدَ أَنِ انقطعَ الحبلُ بكَ! تُطلِعكَ مِنها بعدَ أَنْ تدلَّتْ لكَ لتُخرجَكَ (كأَنَّكَ يُوسف النَّبيُّ) إِلى عَبقِ أَريجها، فتملأُ قلبَكَ قبلَ رِئتَيكَ بهِ/بِها فِي آنٍ! هكَذا فعلتْ حينَ عرضتْ عليَّ صُدْفتي الجميلةُ/صَدَفتي المكنونةُ/زَميلتي (فَاتن)، أَنْ تُساعدَني فِي فهمِ تلكَ المادَّةِ.
كنتُ ذكَرتُ فِي مكانٍ مَا مِن هذَا الكتابِ: كانَ شاءَ لنَا القدرُ وحدَهُ، وبدونِ نيَّةٍ منَّا، إِذْ لَمْ نكُنْ تعرَّفنا، مِن قبلُ، إِلى بعضِنا البعضِ، أَنْ يغيِّرَ كِلانا تخصُّصَهُ المختلفَ، كَي يَجمعَنا تخصُّصٌ مشابِهٌ، ويكونُ الِّذي كانَ بينَنا، ولاَ يزالُ.
لَمْ يتوقَّفِ الموضوعُ عندَ كَوْنِها مدرِّسةً لِي وأَنا تلميذُها، بَل جَمعتْنا، فِي حوضِها النَّقيِّ، صداقةٌ مثقَّفةٌ/حواريَّةٌ/شعريَّةٌ، جعلتْ ذاتَها تتَّسعُ أَكثرَ فأَكثرَ، بعدَ أَنْ نالَ الواحدُ منَّا إِعجابَ الآخرِ بهِ؛ فهيَ مثقَّفةٌ/متواضعةٌ/نشيطةٌ/بسيطةٌ/عمليَّةٌ (لَمْ تكُنْ ترغبُ الشِّعرَ، إِلاَّ أَنَّه كانَ لَها أَثرٌ آخرُ عملَتهُ بطريقتِها، سنأْتي إِليهِ)، لتصلَ بِها- الصَّداقةُ/الصِّفاتُ- إِلى حديقةِ القلبِ، ذاتَ مساءٍ، عبرَ هاتفٍ عاديٍّ/المكالمةِ الأُولى بينَنا؛ كانَ صوتُها فيهِ استثنائيًّا/غيرَ أَيِّ صوتٍ سمعتُهُ (لاَ أَستطيعُ أَنْ أَقولَ: كأَنَّه…)، وكأَنِّي لَمْ أَكنْ سمعتُهُ مرارًا، وجهًا لوجهٍ، مِن قبلُ! فَما كانَ إِلاَّ أَنْ همستُ لَها كلمةَ: “أُ حِ بُّ كِ” مفكَّكةً، وبصوتِ هاربٍ! ثمَّ كانَ منِّي، بَعْدَ ساعاتٍ ليلاً، إِلاَّ أَن كانتْ لَها فِي (24/12/1978) قصيدةُ: “نجمةُ البنفسجِ”.
كانتْ، قبلَ ذاكَ الهاتفِ/الصَّوتِ/الحدثِ، كثيرًا مَا تَراني فِي حديقةِ الجامعةِ وحيدًا إِلاَّ مِن كتابٍ، غيرِ منهجيٍّ، ساكنٍ تحتَ عينيَّ أَقرأُ فيهِ.
كنتُ أُحبُّ القراءةَ أَكثرَ فِي تلكَ الحديقةِ فِي ساعاتِ الفراغِ بينَ المحاضراتِ، وقتَ البردِ الخفيفِ الَّذي أُحبُّهُ أَيضًا، ولَمْ أَزلْ، حيثُ لاَ أَثرَ لثرثرةِ الطَّلبةِ فِيها تجرحُ حنانَ الرِّيحِ البَاردِ. أَمَّا هيَ؛ فكنتُ كثيرًا مَا أَراها منهمكةً فِي اجتهادِها المتواصلِ، علَى الرَّغمِ مِن ضجيجِ قاعةِ الكافتيريَا الصَّغيرةِ/المحشوَّةِ بروائحِ قَلْيِ الطَّعامِ/المحشورةِ بالطَّلبةِ طلبًا للدِّفءِ.
فِي اليومِ التَّالي للهاتفِ/يَومٍ يشابهُ طقسَ الأَمسِ؛ كنتُ فِي المكانِ ذاتِه أَهمُّ بقراءةِ روايةِ: “البحثُ عَن وَليد مَسعود” للأَديبِ جَبرا إِبراهيم جَبرا. وجدتُني أَتشبَّثُ بتصديرِهِ الرِّوايةِ بأَبياتٍ مِن: “المرثيَّةُ التَّاسعةُ” لِـ (رَاينر مَاريا رِيلكه)، إِذْ تُعبِّرُ عَن هاجسِ المرَّةِ الواحدةِ، بالتَّأَمُّلِ الشِّعريِّ وكثافتِه:
“آهٍ لِماذا علَيْنا أَنْ نكُونَ بشرًا
وإِذْ نُراوغُ القدرَ نتوقُ إِلى القدرِ؟
لاَ لأَنَّ السَّعادةَ حقًّا قائمةٌ،
ذلكَ النَّبيُّ المُتعجِّلُ بوشيكِ الخسارةِ…
بَل لأَنَّ الكينونةَ هُنا كبيرةٌ، ولأَنَّ كلَّ هذَا الَّذي هوَ هُنا
وهوَ السَّريعُ زوالاً، يبدُو أَنَّ بِه حاجةً إِلينا
ومَا أَغربَ مَا يهمُّنا- نحنُ، أَسرعَ الكلِّ زوالاً…
مرَّةً فقطْ، كلُّ شيءٍ، مرَّةً واحدةً فقطْ
مرَّةً لاَ غيرَ، ونحنُ أَيضًا، مرَّةً واحدةً
مرَّةً لاَ عودَ لَها أَبدًا. ولكنْ
هذهِ الكينونةُ مرَّةً، ولَو وَاحدةً فقطْ
هذهِ الكينونةُ مرَّةً علَى الأَرضِ- هَل يمكِنُ أَنْ تمَّحي؟”
جاءَتني “كأَنَّ مشيتَها [مِن قاعةِ الدَّرسِ] /مَرُّ السَّحابةِ لاَ ريثٌ ولاَ عَجلُ”- الأَعشى، ورأَتْني ساهمَ/سارحَ الطَّرفِ قبلَ أَنْ تَعرِفَ لِي سببًا. طَلبتْ منِّي أَن أَتركَ البرودةَ لنتحدَّثَ معًا فِي في حيِّزِ الدِّفءِ ذاكَ. طاوعتُها دونَ تردُّدٍ، وَلَمْ أُبدِ عُذري بسببِ القَلْيِ فِي الكافتيريَا!
قرأْتُ لهَا سببَ سراحِي؛ المرَّةَ الواحدةَ، ومَا قرأْتُ لَها سببَ أَمسِي/قصيدتِي/صمتِي، كأَنِّي لَمْ أَهمسْ لَها بصوتِ هاربٍ: “أُ حِ بُّ كِ”، وكأَنِّي خشيتُ أَنْ تكُونَ مرَّةً واحدةً.
قرأْتُ علَيْها، مَا قرأْتُ، بدونِ أَنْ أَنظرَ فِي عينَيْها، “ومَا تُبصِرُ العَيْنانِ فِي مَوضعِ الهوَى- ومَا تَسمعُ الأُذنانُ إِلاَّ منَ القَلبِ”- كُثير عَزَّة، اللَّتيْنِ كثيرًا مَا لمحْتُ فيهِما بريقَ هدأَةٍ غامضًا؛ ربَّما خشيتُ لَوْمًا/أَنْ لاَ تقولَ شيئًا/أَنْ تتظاهرَ بأَنَّها لَمْ تَسمعْ “رائحةَ النَّجمةِ وصوتَ البنفسجِ”! وقبلَ أَنْ نغادرَ، خبَّأْتُ/زرعتُ قصيدَتي لَها فِي كرَّاستِها، كَما خبَّأَتْ/زَرعتْ (فيروزُ) وردةَ حبيبِها فِي مخدَّتِها.
 
الكيدُ الجميلُ
هَل يحتاجُ  الشِّعرُ إِلى إِلهامٍ/مُعاناةٍ كيْ يستريحَ، بعدَها، علَى خدِّ القصيدةِ؟ كانَ اعتقادٌ/ظَنٌّ/توهُّمٌ، حينَ الجاهليَّةِ، أَنَّ ثَمَّ شيطانٌ لكلِّ شاعرٍ يُقيمُ فِي (وادِي عَبقر) يُمْلي عليهِ! هذَا يَعني؛ أَنَّ الشَّاعرَ محضُ مُتلَقٍ/ناسخٍ/مبلَّغٍ/مبلِّغٍ، ويَعني بدقَّةٍ أَكثرَ؛ أَنْ لاَ شاعرَ بَشرًا، بَلِ الشَّيطانُ هوَ الشَّاعرُ!
إِذًا؛ مسأَلةُ الإِلهامِ ليستْ قائمةً، أَيضًا، حسبَ هذَا، بافتراضِ أَنَّه ابْتداعٌ مطوَّرٌ لموضوعةِ شيطانِ الشِّعرِ/الشَّيطانِ الشَّاعرِ! إذًا؛ مَا مِن إِلهامٍ/مِن وحيٍ، أَيضًا. بالنَّسبةِ إِليَّ/إِلى طَوالِ عَملي الشِّعريِّ، لَمْ أَرَ شيطانًا/مُلهِمًا/وَحْيًا، بلْ رأَيتُ الشِّعرَ يَخرجُ منْ داخِلي، ساكبًا ذاتَهُ في إِناءِ القَصيدةِ؛ القصيدةُ وعاءُ الشِّعرِ.
قلتُ متسائِلاً ومجيبًا:
“هيَ وحيٌ؟ إِلهامٌ؟
لاَ..
أَنتَ تَشعرُها
أَنا أَرَاها أَكثرَ مِنكَ:
هيَ لسانُ احتراقِكَ خارجًا مِنكَ/
منْ فمِ الرُّوح.”
لَمْ تكُنْ تلكَ المسأَلةُ تَعنِي (المحبُوبة) كمَا عَرفَتْها، ولكِنْ كانَ لهَا أُسلوبُها الخاصُّ الَّذي اخترعَتهُ سريعًا جدًّا، فِي كيفيَّةِ أَنْ تكُونَ إِلهامًا يأْتي إِليَّ/وحْيًا يهبطُ عليَّ؛ المُعاناة! فَبِانْتباهةٍ عاديَّةٍ/خِبرةٍ بسيطةٍ، ونحنُ لَمْ نَزلْ في بداياتِ العَلاقةِ، اكتَشفتْ/رأَتْ أَنِّي أَعودُ بنَصٍّ شعريٍّ، أَغلبَ المرَّاتِ/الحالاتِ، بعدَ أَنْ تَفتعِلَ أَلمًا عاطفيًّا لِي!
لَمْ أَكنْ أَشعرُ بذلكَ “الكَيدِ الجميلِ” طوالَ مدَّةِ الدِّراسةِ الجامعيَّةِ!
كيفَ لَمْ أَستطعِ اكتشافَ لعبتِها الجِديَّةِ/مناوراتِها العاطفيَّةِ إِلاَّ بعدَ أَن كشفَتْها هيَ لِي؟!
 
ماذا قالَ العصفورُ صباحًا للوردةِ؟
مَا زالتِ المحبوبةُ/الزَّوجةُ تصرُّ كثيرًا علَى الاحتفاظِ بدفترِها البُنِّيِّ، والَّذي كانتْ تنسخُ فيهِ قصائدِي فِيها/لَها/عَنها، إِضافةً إِلى قصائدَ أُخرى جمعتُها مؤخَّرًا فِي كرَّاسةٍ عنونتُها: “ماذَا قالَ العصفورُ صباحًا للوردةِ؟” (أَشعرُ برغبةِ أَنْ أَجعلَها ملحَقةً فِي نهايةِ هذَهِ السِّيرةِ، بدونِ أَنْ أَعرفَ سببًا مَا، بعدُ، لهذهِ الرَّغبةِ)، وقدْ أَضحتْ زميلَتي الجامعيَّةَ منذُ الشَّهرِ الثَّاني للسَّنةِ الدِّراسيَّةِ الأُولى؛ شاءَ لنَا القدرُ وحدَهُ، وبدونِ نيَّةٍ منَّا، إِذْ لَمْ نكُنْ تعرَّفنا، منْ قَبلُ، إِلى بعضِنا، أَنْ يغيِّرَ كلانَا تخصُّصَهُ المختلفَ كَي يجمعَنا تخصُّصٌ دراسيٌّ مشابِهٌ، ويكونُ الِّذي كانَ بينَنا، وَلاَ يَزَالُ؛ بجَمالهِ الجارفِ، وأَناقتهِ الأَنيقةِ.
أُشيرُ إِلى أَنَّ بعضًا مِن تلكَ القصائدِ ظهرَتْ فِي مجمُوعتي الشِّعريَّةِ الأُولى: “الخيلُ والأُنثى” (1980).
لَمْ أَجدْ أَدقَّ مِن توصيفِ/نظرةِ/رؤيةِ الشَّاعرِ محمَّد الفَيتُوري إِلى قصائدهِ الأُولى؛ رؤيةٍ تتشابهُ جدًّا عندَ كَثيرٍ مِن شعرائِنا وشعراءِ العالمِ الثَّالثِ/الدُّولِ النَّاميةِ، كمَا قرأْتُ لكثيرٍ مِنهم، وكمَا لَمْ يزلْ يُطلَقُ، كأَنَّهُ رصاصُ الرَّحمةِ، علَيْنا/علَيْهم:
“كلَّما عدتُ إِلى قراءةِ قصائدِي الأُولى أَكتشفُ منْ جديدٍ كَمْ كنتُ ساذجًا وبسيطًا فِي تصوُّراتي الطُّفوليَّةِ؛ تلكَ الَّتي وقفتْ بِي طويلاً تجاهَ حاجزِ اللَّونِ، فلَمْ أَعرِفْ، إِلى الآنَ، أَنَّ ثمَّ حواجزَ أُخرى تحولُ بينَ الإِنسانِ وتاريخِه الشَّخصيِّ، وبينَ الإِنسانِ وكرامتِه الاجتماعيَّةِ، وبينَ الإِنسانِ والإِنسانِ، وتلكَ هيَ حواجزُ الفقرِ والامتلاكِ والاستلابِ، والمعرفةِ والجهلِ، والحرِّيَّةِ والقهرِ، والعبوديَّةِ والانعتاقِ.”
 
الأُولى؛ خيلُها وأُنثاي
كنتُ أَحسُّ/أُلاَحظُ/أَسمعُ أَنَّ مُوسيقى غِبْطتِها بِي شاعرًا، تعلُو خفقاتِها، وكانَ ذلكَ يُضايقني؛ الحبُّ أَهمُّ، بالنِّسبةِ إِليَّ، منَ الشِّعرِ، فالقصائدُ الجاهزةُ طيورُ الشَّاعرِ باسْمهِ فقطْ، ولكنَّها ليستْ لهُ، سواءٌ أَطلقَها فِي فضاءَاتِها، أَمْ أَبقاها فِي عَتمِ أَقفاصِها!
لقدْ شجَّعتني الزَّميلةُ الجامعيَّةُ/المحبوبةُ/ربَّةُ الشِّعرِ، علَى إِصدارِ مجمُوعتي الشِّعريَّةِ الأُولى حينَ أَخبرتُها عنْ توفُّر إِمكانيَّةٍ لنشرِها. كنتُ تردَّدتُ لأَكثرَ من سببٍ: أَنا ما زلتُ فِي البداياتِ، وطالبًا جامعيًّا، ومضمونُ نسبةٍ لاَ بأْسَ بِها منَ القصائدُ عاطفيٌّ، وهذَا لاَ يَتساوقُ وظروفُ الوطنِ المحتلِّ إِذ أَدبُ المقاومةِ لهُ الحضورُ الأَعمُّ فِي المشهدِ الفلسطينيِّ، والعربيِّ أَيضًا، لذَا لَمْ يكُنْ لأَيِّ شاعرٍ أَن ينشرَ قصائدَ عاطفيَّةً مهمَا كانتْ مَرتبتُه الشِّعريَّةُ.
تناقَشْنا فِي كلِّ القَصائدِ، واتَّفقْنا علَى الَّتي يمكِنُ أَنْ تظهرَ؛ قصائدُ سياسيةٌ/وطنيَّةٌ وأُخرى عاطفيَّةٌ. الأَمرُ المدهشُ آنذاكَ، رأْيُها المفاجئُ لِي كمَا لَو أَنَّها ناقدةٌ أَدبيَّةٌ:
سوفَ يَقرؤُونَ قصائدَكَ قراءةً سياسيَّةً، لأَنَّ الافتراضَ المُسبقَ عندَ أَكثريَّةِ قرَّاءِ الشِّعرِ الفلسطينيِّ؛ أَنَّ كلَّ شَاعرٍ فلسطينيٍّ لاَ يكتبُ، أَو إِنْ كتبَ قصائدَ أُخرى، فلاَ ينشرُ إِلاَّ القصائدَ السِّياسيَّةَ/الوطنيَّةَ!
هذَا الرَّأْيُ النَّقديُّ لهَا، كانَ حقيقةً قرائيَّةً واقعيَّةً لدَى كلِّ مَن قرأَ المجموعةَ الشِّعريَّةَ الأُولى، حتَّى أَصدقائِي الشُّعراء والكتَّاب آنذاكَ، وأَذكرُ مِنهم: عَلي الخَليلي، وعَادل الأُسطة، وسَامي الكِيلاني، وداعِس أَبو كِشك.
وهكَذا؛ انتبهتُ، مبكِّرًا جدًّا، إِلى فكرةِ تأْويلِ النصِّ مِن حيثُ تعدُّد قراءَاتهِ.
“الشِّعرُ؛ صانعُ الفَرحةِ، وصانعُ القُرحةِ، أَيضًا. أَتَتهُ “الخيلُ والأُنثى” فِي (1980) بخطِّ يدهِ؛ ساخنةَ اللَّهثِ والعشبِ والتُّرابِ، ودونَ أَن يُريحَها مِن سفرِها المُبلَّلِ بالمطرِ الخشنِ مِن أَسوارِ عكَّا إِلى جِدارَي نَابُلس، ركبَ خيلَهُ وصعدَ بِه إِلى أُنثاهُ.
كانَ يَشعرُ أَنَّ قلبَها قَاب قَوسينِ أَو أَدنى منهُ، ومِن مُتعتِه المُشتَّتةِ، ورجفتِه “كَما انتفضَ العصفورُ بلَّلهُ القطرُ”، عندَما تطلُّ علَيْهِ مِن زجاجِ النَّافذةِ الرَّطبِ.
صوتٌ: أَنتِ هُنا.. فِيها..
صدًى: أَنا هُنا.. فِيكَ..”
لَمْ تكُنْ قراءةٌ سياسيَّةٌ/وطنيَّةٌ للمجموعةِ الأُولى فقطْ، بَل كانَ ثَمَّ تركيزٌ منْ كثيرٍ علَى ظاهرةِ الغموضِ الشِّعريِّ فِيها لدرجةِ الانحرافِ نحوَ إِبهامِها! وهذهِ الظَّاهرةُ توسِّعُ كثيرًا المسافةَ بينَ المتلقِّي/القارئِ والقصيدةِ، علَى اعتبارِ أَنَّ مِن حقِّهما فهمَ المعنَى، مباشَرةً، مِن خلالِ وضوحِ المضمونِ مِن فِعلِ القراءةِ الأُولى!
أَتذكَّرُ الآنَ مقولةً لِـ(ت. س. إِليُوت): “أَكتبُ القصيدةَ فِي أَربعة أَشهر، لِمَ لاَ يخصِّصُ القارئُ أَربعَ ساعاتٍ لقراءَتها؟!”
أَلاَ يَعني هذَا أَن يَفرِضَ الشَّاعرُ علَى “أَناهُ” الشَّاعرةِ أَن تكُونَ بكاملِ وعيهِا أَثناءَ الكتابةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ هذَا مضادٌّ للشِّعريَّةِ، والَّتي تولدُ مِن اللاَّوعيِ أَصلاً، مقابلَ وصولِ المعنَى/المضمونِ؟ وأَلاَ يَعني هذَا أَن يكونَ الشِّعرُ مثلَ الكتاباتِ الأَدبيَّةِ الأُخرى؟
“الغموضُ المدروسُ، المؤسَّسُ، الأَصيلُ، صفةٌ مِن صفاتِ الجمالِ؛ فالجسدُ الَّذي تلفُّه عباءةٌ محيِّرةٌ قلِقةٌ، تُراودها الرِّياحُ مِن حينٍ لآخرَ أَجملُ مِن الجسدِ المستَلْقي عاريًا تحتَ شمسٍ حارقةٍ علَى شاطئٍ عاديٍّ؛ هذَا الشَّاطئُ الَّذي لنْ ينظرَ إِليهِ إِلاَّ الَّذي ينزلُ الشَّاطئَ أَوَّلَ مرَّةٍ، فيَراهُ بشهوةِ عينَيْهِ، إِذْ لاَ يحتاجُ أَكثرَ مِن هذهِ، فهوَ الجسدُ الَّذي مرَّتْ عليهِ عيونٌ مشرئبَّةٌ كثيرةٌ، انتهكتهُ منَ النَّظرةِ الأُولى الَّتي سُرعانَ مَا تفرُّ منهُ إِلى الجبالِ الرَّائعةِ حينَما يُقبِلُ نحوَها شاكرًا.”
 
مفهومُ الشِّعرِ أَمِ الشِّعرُ المفهومُ؟
منذُ عمَلي الأَوَّل، “اشْتكى” كثيرٌ منَ القرَّاءِ بسببِ غموضِ/عدمِ فهمِهم شِعري! وكنتُ أَضطرُّ لشرحِ رُؤيتي الشِّعريةِ، لاَ شِعري لأَنَّ الشَّرحَ يفسِدُ الشِّعرَ، مِن أَجلِ قراءَتهِ بأُسلوبٍ مغايرٍ تمامًا لِما أَلِفوهُ فِي التَّعليمِ المدرسيِّ والجامعيِّ؛ شرحُ القصيدةِ بيتًا بيتًا (معَ أَنَّه تشريحُ القصيدةِ). المناسبةُ. الأَفكارُ. العواطفُ…الخ. هذَا الفعلُ/التَّشريحُ كانَ يُمقِتني كثيرًا؛ لأَنَّه يُعدِمُ بوحشيَّةٍ الجمالَ الكلِّيَّ للقصيدةِ، كمَا تفتِيتُ وردةٍ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّها قدْ تكونُ نظمًا، لاَ شِعرًا.
هذَاِ إِشكالٌ مؤرِّقٌ لكثيرينَ “يتعاطونَ” الشِّعرَ بدونِ شكٍّ. لذَا يقِفُ السُّؤالُ: “مفهومُ الشِّعرِ أَمِ الشِّعرُ المفهومُ؟” أَمامَ الشَّاعرِ مثلَ سورٍ شائكٍ؛ بِمَ يَعتنِي، بالمفهومِ أَم بالفهمِ؟ بشعرهِ أَم بقارئهِ؟ وظلَّ السُّؤالُ/العبارةُ الأَخيرةُ يَعنِي/تَعنِي، بمَنْ يضحِّي؟
بنظرةٍ إِلى الوراءِ، نَرى أَنَّ الشِّعرَ ارتبطَ بدايةً بالنُّطقِ، ثمَّ كانَ الإِنشادُ، ذلكَ أَنَّ الأَمرَ تعلَّقَ بأَكثر مِن جانبٍ؛ الأُميَّةُ والتَّعلُّمُ.. الشَّفاهةُ والكتابةُ، وغيرُهما.
مِن هذَا؛ كانَ لاَ بدَّ أَن يضحِّي الشَّاعرُ بمفهومِ الشِّعرِ لِتصلَ رسالتهُ/قصيدتهُ بساعٍ واحدٍ؛ اللِّسان.
حينَ كتبَ الشَّاعرُ المجدِّدُ أَبو تمَّام شعرًا مغايرًا تمامًا لِما كانَ سائدًا آنذاكَ، وأَنشدَهُ/أَلقاهُ أَمامَ مُستمِعينَ، انبرَى لهُ مَن يقولُ: “لماذَا لاَ تقولُ مَا يُفهم؟” وكانَ جوابُ الشَّاعرِ: “ولماذَا لاَ تَفهم؟”
ثمَّ كانَ أَن “جاءَ رجلٌ إِلى الشَّاعرِ أَبي تمَّام وهوَ يحملُ بينَ يدَيهِ وعاءً، وقالَ لهُ: أَعطني قليلاً مِن ماءِ الملامِ الَّذي جاءَ فِي قولِكَ: لاَ تسقِني ماءَ الملامِ فإِنَّني/صبٌّ قدِ استعذبتُ ماءَ بُكائي. فردَّ عليهِ أَبو تمَّام قائلاً: هلْ قرأْتَ قولَهُ تعالَى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}؟ قالَ: نعمْ. فقالَ أَبو تمَّام: إذًا لاَ أُعطيكَ ماءَ الملامِ حتَّى تأْتِيني بريشةٍ مِن جناحِ الذُّلِّ.”
كانَ يمكِنُ أَن يقولَ اللهُ تعالَى، بدلاً مِن {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}، كلمَتينِ مباشَرتينِ: تَواضعْ لهمَا. إِلاَّ أَنَّ الصُّورةَ الشِّعريَّةَ المبدَعةَ، الَّتي أَنشأَها اللهُ، جاءَتْ أَجملَ، وأَكثرَ نعومةً فِي فعلِ الأَمرِ، فِي وقْعِها علَى النَّفسِ البشريَّةِ، إِذِ الخطابُ موجَّهٌ لمخيلةِ الإِنسانِ، وفِي هذَا تكريمٌ لهُ.
هذهِ “الواقعةُ” كانَ لهَا أَثرُها الجليُّ/المقنِعُ فِي تكوينِ شعريَّتي، منذُ بداياتِها؛ شعريَّتي التَّي جَعلتني أَنفرُ- طبقًا لفَهمي لمفهومِ الشِّعرِ- منْ شرحِ الشِّعرِ بعدَ خروجِ قصيدةٍ لِي مِن فضائِها الدَّاخليِّ/الذَّاتيِّ إِلى فضائِها الخارجيِّ/الذَّاتِ القارئةِ.
كانتْ أَسئلتي دائمًا: لماذَا الفهمُ أَوَّلاً؟ ماذَا بعدَ الفهمِ؟ لماذَا يصرُّ القارئُ أَن يكونَ/يظلَّ متلقِّيًا فقطْ؟ معَ أَنَّنا نعرِفُ “جرائمَ” التَّلقِّي الَّتي ترتكبُ باسمِ التَّعليمِ، والَّذي لاَ يعدُو كونهُ تَلقينًا؛ إِفراغُ محتوًى فِي محتوًى آخر، وبِمعنَى آخر أَكثرَ تحديدًا/تركيزًا/شبَقًا؛ اغتصابُ ذكورةِ نصٍّ لأُنوثةِ تلقٍّ.
كيفَ يفهَمُ الإِبداعُ بشكلٍ آليٍّ؟! لاَ أَفهمُ!
إِنَّ قارئَ الشِّعرِ بأُذنيهِ الَّذي لاَ يزالُ يسأَلُ: لماذَا لاَ تقولُ مَا يُفهَم؟ أَردُّ بكلِّ تفهُّمٍ وبراءَةٍ: حينَ تفهمُ الموسيقَى. إِنَّ كلَّ الفنونِ الإِبداعيَّة تحترمُ الإِنسانَ؛ قارئًا، مُستمِعًا، مُشاهِدًا، محرِّكًا كلَّ حواسِّهِ فِي سَعيِها إِلى رُقيِّ عقلهِ، ورفعةِ ذوقهِ، تحريضًا علَى إِنسانيَّتهِ وتثبيتًا لهَا، وحضًّا علَى القتالِ الأَبيضِ مِن أَجلِ امتلاكِ حرِّيَّتهِ فِي الرَّأْيِ والتَّعبيرِ عنهُ، وقراءةِ الحياةِ ووجودهِ فِيها قراءَةً إِبداعيَّةً/واعيةً، دونَ جبرٍ أَو إِكراهٍ.
يقولُ الشَّاعرُ أُنسي الحاج: “أَكتبُ كيْ أُبرهنَ أَنَّ القارئَ موجودٌ. لمْ أُقابلهُ، إِنَّه أَنا، إِنَّه أَنتم.” وفِي الدِّراساتِ الحديثةِ: “لاَ نصٌّ دونَ قارئٍ.” إِذًا، لاَ توجدُ كتابةٌ متعاليةٌ- كمَا يطرحُ الكثيرُ- علَى القارئِ المطلوبِ. أَنا أَبحثُ عنْ قارئِي؛ قارئِي الَّذي أُريدُ منهُ أَن يعلُوَ عنِ الكلامِ الرَّثِّ/المبتذَلِ/الفقيرِ إِلى الكلامِ/اللُّغةِ الَّتي تدركُ مخيلتهُ، فيصيرُ عِندي شاعرًا بفعلهِ القِرائيِّ. أُريدُ منهُ أَن يُنشئَ نصًّا آخرَ؛ نصَّهُ هوَ، لاَ أَن أَفرضَ عليهِ نصِّي، كأَنَّه لوحُ قانونٍ/نظامٍ/دستورٍ. هذَا مَا أَعتقدهُ حقًّا طبيعيًّا لهُ، ولذَا أَكتبُ نصِّي الخاصِّ بِي، بدونِ أَن أُنازعَهُ علَيْهِ أَبدًا.
لستُ ضدَّ فهمِ الشِّعرِ الإِبداعيِّ، ولكنْ أَن لاَ يكونَ الفهمُ هوَ النَّتيجةُ الوحيدةُ منهُ. هذَا مَا أَرجو أَن يُستخرجَ مِن حديثِي.
أَنا ضدُّ كتابةٍ شعريَّةٍ تقرأُ بالأُذنينِ وحدَهما أَو بالكفَّينِ، إِذْ أَراها أَنَّها كُتبتْ لتلكَ الأَعضاءِ فقط! ومَا أَن تغادرُ هذهِ الأَعضاءُ مكانَ حضورِها، حتَّى يغيبَ رنينُ تصفيقِها معَها. لهذَا لاَ يؤمنُ الشَّاعرُ بُول شَاؤول بأَنَّ يتسلُّقَ منصَّةً كيْ يُلقيَ مِنها شِعرَهُ.
وبِما أَنَّني ضدُّ تلكَ الكتابةِ الشِّعريَّةِ سيِّئةِ (…)، فأَنا معَ كتابةٍ شعريَّةٍ تقرأُ بوعيٍ، وإِدراكٍ، وحواسّ، ومخيلةٍ إِنسانةٍ عاملةٍ/فاعلةٍ.
إِنَّ خسارةَ متلقِّينَ مقابلَ القبضِ علَى الجمالِ بالنَّواجذِ، لهيَ أَقلُّ فداحةً مِن خسارةٍ كبيرةٍ؛ خسارةِ الشِّعرِ والشَّاعرِ معًا.
 
بُطءٌ فتوقُّفٌ
لَمْ أَجدْ كثيرًا منَ القصائدِ الَّتي كتبتُها، عقبَ المجموعَةِ الشِّعريَّةِ الأُولى، خلالَ الفترةِ مِنَ العامِ (1980) إِلى العامِ (1982)، ولَولا دفترُها البُّنِّيُّ، الَّذي أَشرتُ إِليهِ قَبْلاً، وجمعتُه فِي “ماذَا قالَ العصفورُ صباحًا للوردةِ”، لَمَا وجدتُ شيئًا مِن قصائدِي لهَا، ولكنِّي فقدتُ القصائدَ الأُخرى؛ غيرِ العاطفية! خلالَ تغييرِ سَكنِنا العائليِّ، إِذ كانَ علَيْنا الانتقالُ إِلى بيتٍ مستقلٍّ، نؤطِّرُ فيهِ مشاعرَنا المشتَّتةَ/عواطفَنا المتنافرةَ/صدَى إِيقاعِ خفقاتِنا المشرَّدَ، حيثُ كنَّا تزوَّجنا فِي (5/5/1983)، وكانتْ خطبتُنا فِي (24/12/1982). أَذكرُ هذَا هُنا لأُظهرَ المفارَقةَ الزَّمنيَّةَ المدهشةَ؛ فقدْ كانتِ الخطبةُ بعدَ أَربعِ سنواتٍ تامَّاتٍ مِن لفظةِ الحبِّ الأُولى فِي (24/12/1978).
عَدَدْتُ سِنِينَ أَشْوَاقِي
                   أَقولُ: وَجَدْتُهَا أَرْبَعْ
 
وَخَامِسَةٌ سَأُدْرِكُهَا
                   بُعَيْدَ البُعْدِ.. مَا أَصْنَعْ؟!
 
سَأَدْمَعُ لَحْظَةً أُخْرَى
                   لَعَلَّكَ تُوقِفُ الـمَدْمَعْ
 
فَرَغْمَ النَّار فِي كَبِدِي
                   تُقَطِّعنِي، وَلاَ أُصْرَعْ
 
كَنِصْفِ الشَّيءِ أَنْتَ مَعِي
                   سَأَحْرِصُ حِينَمَا نُجْمَعْ
 
هذهِ الأَبياتُ هيَ المقطعُ الأَخيرُ مِن قصيدةِ “كنصفِ الشَّيءِ أَنتَ مَعي”، والَّتي خُطَّتْ فِي (30/8/1981).
 
انقطاعُ “الطَّمثِ” الشِّعريِّ
مَا زلتُ أُحاولُ أَن أَتذكَّرَ سببَ انقطاعِ الشِّعرِ، خلالَ الفترةِ منَ العامِ (1982) إِلى العامِ (1985).
كلُّ مَا أَتذكَّرهُ هوَ أَنَّني بدأْتُ الحياةَ العمليَّةَ موظَّفًا فِي الماليَّةِ بعدَ تخرُّجي منَ الجامعةِ (بكالُوريوس محاسَبة وإِدارة) فِي العامِ (1982).
ربَّما انقطعَ عنِّي الشِّعرِ، أَو انقطعتُ عنهُ، بسببِ بَدءِ الحياةِ العمليَّةِ خصوصًا بعدَ الزَّواجِ، فأَردتُ أَن أَبدأَ البناءَ الأُسريَّ، الَّذي يحتاجُ جهودًا متواصلةً لإِقامتهِ، حيثُ الوضعُ الاقتصاديُّ للفلسطينيِّينَ تحتَ الاحتلالِ الصُّهيونيِّ، والَّذي كانَ أَقلَّ منَ الكفافِ عندَ معظمِ الشَّعبِ الفلسطينيِّ، فمَا بالكُ بموظَّفٍ فِي بداياتهِ!
أَتذكَّرُ، الآنَ، طُرفةً للأَديبِ/السَّاخرِ (بِرنارد شُو)، حيثُ سأَلتهُ زوجتهُ، بعدَ أَن لاَحظتْ أَنَّه لمْ يَعدْ يكتبُ لهَا/عَنها شيئًا بعدَ زواجهِ مِنها: لماذَا توقَّفتَ عنِ الكتابةِ عنِّي/لِي؟ فأَجابَها: وهلْ يُطعِمُ الصَّيَّادُ السَّمكةَ بعدَ أَن يصطادَها؟!
سأَنظرُ إِلى الموضوعِ مِن جهةٍ أُخرى/غيرِ طريفةٍ، فأَتساءَلُ: هلْ كانتْ الوسيلةُ الشِّعريَّةُ مِن أَجلِ غايةٍ عاطفيَّةٍ؟ أَي؛ بتحقُّقِ الثَّانيةِ ينتهِي عملُ/مفعولُ الأُولى؟ لكنِّني فِي تلكَ الفترةِ العاطفيَّةِ كتبتُ، أَيضًا، قصائدَ سياسيَّةً/وطنيَّةً/إِنسانيَّةً، وكنتُ أَنشرُ مِنها، فلماذَا بعدَ الوظيفةِ، فالزَّواجِ، هجَرتُ الشِّعرَ، أَو هجَرني هوَ- لاَ أَستطيعُ أَن أُحدِّدَ- خلالَ الفترةِ منَ العامِ (1982) إِلى العامِ (1985)؟ لمناسبةِ هذَا الكلامِ، فإِنِّي أَعرِفُ كثيرًا منَ الشَّاعراتِ والشُّعراءِ، بمواهبَ عاليَةٍ/متميِّزةٍ، قدْ تخلَّوا، نهائيًّا، عنِ كتابةِ الشِّعرِ لمثْلِ أَسبابي، أَو غيرِها!
أَنا رجعتُ إِليهِ، أَو أَرجعَني إِليهِ، أَو رجعْنا معًا إِلى بعضنِا في الآنِ ذاتهِ، في بداياتِ العامِ (1986)، فهلْ أَشكرُ الشِّعرَ علَى هذَا الرُّجوعِ أَمْ أَكفرُ بهِ؟ سأَتركُ الجوابَ، الآنَ، للصَّفحاتِ الآتيةِ.
 
الانتفاضةُ .. “كلاكيت” أَوَّل مرَّةٍ
عدَّةُ شهورٍ مرَّتْ علَى عودَتي الشِّعريَّةِ، كتبتُ خلالَها عدَّةَ قصائدَ ذاتيَّةٍ، ووطنيَّةٍ، وسياسيَّةٍ- فلسطينيَّةٍ وعربيَّةٍ.
لمْ يكُنْ، فِلسطينيًّا، ثَمَّ مَا يشيرُ إِلى “الهدوءِ الَّذي يسبِقُ العاصفةَ”.
كانَ الخروجُ منَ الشَّتاتِ اللُّبنانيِّ (بيروتَ 1982)، ومَا نتجَ عنهُ منَ انقسامِ الشَّتاتِ انقسامًا اختزاليًّا، أَبرزَ حدثٍ فلسطينيٍّ، تركَ أَثرَهُ العميمَ علَى معظمِ الفلسطينيِّينَ فِي الوطنِ المحتلِّ كلِّهِ منَ الوريدِ إِلى الوريدِ، قبلَ أَنْ نعرِفُ، هنَا، الوجهَ الآخرَ للشَّتاتِ؛ الوجهَ النَّقيضَ الَّذي لمْ يُمارِسْ “آدابَ الشَّتاتِ”، كمَا فِي الأُردنِّ فِي العامِ (1970)!
لاَ أُريدُ التهامَ “حلمةِ ثديِ” السِّياسةِ، الَّتي تنزُّ “حليبَ” أَغلبيَّةِ الفلسطينيِّينَ بحُكمِ حالتِهم، لأَنَّ الرَّضاعةَ كانتْ، ولمْ تَزلْ للأَسفِ، بالحليبِ الجافِّ، وهذَا مَا جعلَهم ينتظرونَ طويلاً تحقيقَ حرِّيتِهم علَى أَرضِهم التَّاريخيَّةِ.
مَا يهمُّني، فِي هذهِ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ، هوَ تلكَ الفُجاءة الَّتي فاجأَتِ الكلَّ علَى اختلافِ مشاربِهم؛ “الانتفاضةُ؛ اللَّونُ الأَحمرُ القاسيُّ.. الشَّجرةُ الَّتي نَبتتْ فجأَةً، ورفعَتْنا إِلى أَغصانِها المحاطةِ بالنَّارِ، حيثُ علَّقَ أَوَّلُ طفلٍ أَوَّلُ علمٍ علَى رأْسِها المدبَّبِ، ثمَّ هبطَ إِلى جذرِها ونامَ. ثمَّ.. لمْ يكُنْ منَ الممكنِ أَن تحشرَها فِي قفصٍ أَدبيٍّ لتُعلنَ انتماءَكَ لهَا علَى ورقةٍ.”    
لَمْ أَنفعِلْ شعريًّا كمَا انفعلَ كثيرٌ منَ الشُّعراءِ الفلسطينيِّينَ وغيرِهم.
أَعرفُ أَنَّ الشِّعرَ هوَ المُهتدَى الأَوَّلُ التَّعبيريُّ قبلَ غيرهِ منَ الفنونِ، لكنَّهُ غالبًا مَا يكُونُ انْفعاليًّا/مرآةً عاكسةً/تسجيلَ حدثٍ؛ أَي كتابةَ شعورٍ محضٍ، لاَ كتابةَ شعرٍ ، أَو يكونُ شعريًّا، ولكنْ بلاَ شاعريَّةٍ.
ذلكَ “الشِّعرُ” حاولتُ تجنُّبهُ كثيرًا منذُ وعيِي الشِّعريِّ، علَى الرَّغمِ منْ أَنَّ لهُ سطوةً علَى الشُّعراءِ العربِ خصوصًا، قديمِهم وحديثِهم، بحكُمِ أَنَّه “ديوانُ العربِ”، ومَا لهذَا “الدِّيوانِ العربيِّ” منْ دلالاتٍ مختلفةٍ وكثيرةٍ نعرِفُها، حدَّ أَنَّه كانَ كثيرٌ منهُ، وإِلى الآنَ، أَقربَ إِلى النَّظمِ منهُ إِلى الشِّعرِ؛ نثرٌ منظومٌ، مقابلَ ما يسمَّى، “منْ (بودليرَ) إِلى الآنَ”، شعرًا منثورًا/القصيدةَ بالنَّثرِ.
قلْتُ: حاولتُ تجنُّبهُ لفراغِ شعرهِ منَ الشَّاعريَّةِ، كمَا لوْ أَنَّ قصيدتَهُ اشتعالُ ثقابٍ مرَّةً واحدةً أَو شمعةٍ، علَى أَبعدِ حضورٍ ونورٍ.
لكنْ؛ فِي الحدثِ العظيمِ، وغيرِ المتكرِّرِ إِلاَّ فِي أَزمان متفاوتةٍ جدًّا، تظلُّ قصيدتُه (أَي الحدَث) فِي الحلقِ مهمَا يحاولُ الشَّاعرُ أَن يتخلَّصَ مِنها، ولاَ يجدُ مناصًا سِوى أَن يلفظَها علَى الورقِ لكيْ لاَ تظلَّ عالقةً فِي حلقهِ أَمامَ قصيدتهِ التَّاليةِ/الآتيةِ الَّتي هيَ القصيدةُ القصيدةُ كمَا يرَاها/يريدُها/يسعَى سعيَها أَن تكونَ، وذلكَ لثباتِ إِيمانهِ بشعريَّةِ القصيدةِ مهمَا كانتْ عظمةُ/قداسةُ موضوعِها. لهذَا وجدْنا/نجدُ أَنَّ بعضَ الشُّعراءِ لاَ يضمِّنونُ قصيدةَ الحدثِ/الانفعالِ/المرآةِ للاعتبارِ الضَّروريِّ ذاكَ. (أُشيرُ إِلى أَنَّ هناكَ مَن لقَّبها بِـ”قصيدةِ الضَّرورةِ”). بالنِّسبةِ إِليَّ، فقدْ “كنتُ، ذاتَ عجزٍ، رسمتُ الانتفاضةَ شجرةً ساميةً، تسلَّقها طفلٌ ليضعَ علمًا مُشتَهًى، خاطهُ مِن ثيابهِ وخوفِ أُمِّهِ، علَى رأْسِها المدبَّبِ، ثمَ هبطَ الطِّفلُ- العصفورُ، مرئيًّا، إِلى جذرِها، ونامَ إِلى نفخة إِسرافيلَ القادمةِ. واعترفتُ بقلَّةِ الحيلةِ وبُخلِ الإِبداعِ فِي حالةٍ فريدةٍ كتِلكَ: لاَ يمكِنُ حشرُ تلكَ الشَّجرة- القبرُ الأَخضرُ فِي أَيِّ وعاءٍ فنِّيٍّ مطلقًا، إِنَّه العبثُ.. العبثُ.
لكنِّي لاَ أَزالُ، كلَّما ضاقتِ الأَرضُ بإِنسانِها الذَّبيحِ للمرَّةِ الأَلف، ورحُبتْ لقطعانِ برابرتِها الغزاةِ، أَزورُ الشَّجرةَ- القبرَ الأَخضرَ دونَ أَن أَذرفَ علَى شاهدهِ، كمَا أَوصاني، دمعةً ثانيةً، بلْ أَكتفِي، وصعْبٌ هذَا، بقراءَةِ سطورهِ الَّتي لمْ تزلْ ترفضُ أَن تُبدَّلَ حروفُ لغتِها العربيَّةِ المنقوشةِ بالخطِّ الكوفيِّ إِلى اللُّغةِ العبريَّةِ، أَو إِلى لغةٍ أُخرى.”
قصيدةُ الانتفاضةِ، فلسطينيًّا وعربيًّا، وبعدَ الصَّحوةِ منَ التَّماهي معَها، والتَّغنِّي بِها، تمَّ رجمُها بحَصى نقَّادٍ، وشعراءٍ أَيضًا.
طبعًا، فإِنَّ رؤيتَهم تركَّزتْ علَى كمِّ الحجارةِ الكثيرِ فِيها. كيفَ لاَ وسلاحُها الأَساسُ كانَ الحجرُ!
“كلُّ مرايَا القصائدِ كانتْ تعكسُ صورةَ (الجرينيكا الجديدةِ) بحروفِ الأَبجديَّةِ الجديدةِ الَّتي أَصبحتْ، بعدَ جلاءِ الدُّخانِ عنِ العيونِ، عيبًا شعريًّا! كيفَ وقدْ فعلْنا جميعًا، بمختلفِ قاماتِنا، الفعلَ نفسَهُ بالأَبجديَّةِ نفسِها؟ ربَّما كنَّا (وقِحينَ) أَكثرَ مِن أَعدائِنا، فأَخذنا (حصَّتَنا) منَ القصيدةِ المرصَّعةِ بالحجارةِ، ولمْ نَنصرفْ!”
أَنا، علَى الرَّغمِ منْ محاولاتِي التَّهرُّبَ مِنها للأَسبابِ الَّتي ذكَرتُها، كانَ لاَ بدَّ مِن أَن أَكتبَها لأَتخلَّصَ مِن عنادِ وقوفِها حاجزًا أَمامَ محاولةِ مُرورِ قصيدةٍ آتيةٍ أَنتظرُها.
“إِذًا: ماذَا فعلتُ للقصيدةِ آنذاكَ، وقدْ راودتُها عنْ نفسِها كثيرًا، وكدتُ أَقدُّ ثيابَها قُبُلٍ؟ بلْ وماذَا فعلتْ هيَ بِي، وقدْ راودتْني عنْ نفسِي أَكثر، وكادتْ تقدُّني روحًا وجسدًا؟ لاَ شكَّ أَنَّ كِليْنا حاولَ الآخرَ لكنْ دونَ جَدوى لكثيرٍ منَ الوقتِ، بعدَهُ (نجحنَا) فِي (التَّزاوجِ العرفيِّ) أَملاً أَن يرتاحَ الواحدُ منَّا مِن مطاردةِ الآخر حافيًا علَى بقعةٍ ساخنةٍ جدًّا، فأَنجَبْنا (أَبابيلَ)؛ القصيدةَ الأُولى الَّتي عادلتْ شمسَ كانُون أَوَّل بالحجرِ، بعدَ حملٍ استمرَّ زهاءَ أَربعةِ شهورٍ، رغمَ أَنَّ المولودَ لمْ يكنْ سِوى كائنٍ بسيطٍ خرجَ مِن رحمِ الشِّعرِ مزهوًّا بانفعالاتهِ الغاضبةِ.”       
“الشَّمْسُ فِي الحَجَرِ المُقَدَّسِ وَالكَبِيرِ كَبُرْتُقَالَةْ
وَالشَّمْسُ حَبَّةُ بُرْتُقَالَةْ
وَالطِّفْلُ يَحْفِلُ بِالصِّدَامِ إِلَى الخَلَاصْ
وَيُلَوِّنُ الأُفُقَ المُدَجَّجَ بِالعِصِيِّ وَبِالرَّصَاصْ
طِفْلٌ كَبِيرْ
طِفْلٌ بِعُمْرِ الأَرْضِ وَالوَطَنِ الوَثِيرْ
طِفْلٌ غَزَالْ
عَرَفَ النِّزَالْ
وَهَوَى عَلَى رَأْسِ الحُثَالَةْ
دَمُهُ هُنَا.. دَمُهُ هُنَاكْ.. دَمُهُ عَلَى قَدَمِ الغَزَالَةْ.”
 
سلَّمٌ بالماءِ علَى شمسِ الجدارِ
لِمَ لاَ يقرأُ سياسيُّو اتِّخاذِ القرارِ، فِي أَيِّ وطنٍ، شعرَ شعراءِ الوطنِ المُخلصينَ لهُ؟
لَمْ يقرأْ أَنور السَّادات، مثلاً، الشَّاعرَ نَجيب سُرور، أَو الشَّاعرَ محمَّد عَفيفي مَطر، أَو الشَّاعرَ أَمل دنقل وتحديدًا قصيدتَهُ “لاَ تُصالحْ”؟ فأَغرقَ مصرَ بوقيعةِ واقعٍ لمْ تُشفَ مِنها إِلى الآنَ، علَى الرَّغمِ مِن “ثورةِ الخامسِ والعشرينَ مِن يناير”!
انحدارُ الانتفاضةِ الفلسطينيَّةِ الأُولى (انتفاضةُ الحجرِ)، بعدَ عدَّةِ سنواتٍ مِنَ القتلِ، والجراحِ، والأَصفادِ، والحصارِ، إِلى السُّكونِ، فالرُّكودِ، فالصَّمتِ، بوساطةِ عواملَ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ معًا، سحبَ الفلسطينيِّينَ للجلوسِ إِلى طاولةِ المفاوضاتِ/مائدةِ اللِّئامِ بعدَ إِيهامِهم بفقدِ الأَملِ مِن جدوَى حتَّى المقاومةِ الشَّعبيَّةِ، وأَنَّ البديلَ الأَجدى لهُم، هوَ الجلوسُ معَ المحتلِّ، ومَا يتطلَّبُ هذَا مِن اعترافٍ بهِ أَوَّلاً، والتَّصالحِ معهُ ثانيًا، والإِقرارُ لهُ بمَا اغتصبهُ ثالثًا، فكانَ المؤتمرُ/الفخُّ (مؤتمرُ مدريدَ)، الذَّي جعلَ بعضَ الفلسطينيِّينَ هنَا، مِن شدَّةِ اليأْسِ وضعفِ الأَملِ، يضعونَ بعضَ الأَزهارِ فِي بعضِ فوَّهاتِ بنادقِ المحتلِّ الشَّرهِ، فتغاضَوا عنْ رؤيةِ أَنيابهِ ومخالبهِ الَّتي لمْ ولنْ تجفَّ دماؤنَا عنْها، وهذَا الَّذي حدثَ ويحدثُ حتَّى لحظتِنا هذهِ، حتَّى بعدَ تركيعِنا/توقيعِنا (اتفاقاتِ أُوسلو) المشؤومةِ! الَّتي هيَ أَشدُّ سوءًا منَ نكبةِ العامِ (1948) بكثيرٍ، وكثيرٍ جدَّا.
كنَّا وغيرُنا، مِن قبلِ السُّقوطِ المدوِّي إِلى أَدنى قوائمِ طاولةِ المفاوضاتِ، قُلنا/حذَّرنا/صرَخنا حتَّى بحَّ صوتُنا، وقرعنَا حتَّى الجرسَ العتيقَ المعلَّقَ فِي أَعناقِنا، ولكنَّهم ذهبُوا، وحينَما عادُوا، كانُوا  قدْ جُرِّدوا، ليسَ مِن أَوصافِنا، بلْ حتَّى مِن أَسمائِنا!
“لَا تَدْخُلُوا فِي السَّلْمِ مِثْلَ إِوَزَّةٍ
فَقَدَتْ جَنَاحَيْهَا عَلَى فَقْدِ العِظَامْ
لَا تَسْقُطُوا أَدْنَى مِنَ الْكَلِمَاتِ فِي وَحْلِ الكَلَامْ
لَا تَدْخُلُوا..
لَا تَسْقُطُوا..
لَا تَقْرَعُوا بَابَ السَّلَامْ.”
(… … …)
“هذَا الرَّدَى
مِلْءُ المَدَى؛
سَاقٌ تَجُرُّ وِثَاقَهَا لِلسَّلْمِ
أَوْ لِلنَّوْمِ
أَوْ لِلْعَتْمِ
أَوْ لِجَنَازَةٍ
أَنْتَ المُشَيِّعُ وَالقَتِيلْ.”
(… … …)
“هذَا السَّلَامْ؛
تُفَّاحَةٌ جَوْفَاءُ تُعْطِيهَا إِلَيْكَ،
وَسُلَّمًا
بِالمَاءِ تَرْسُمُهُ
عَلَى
شَمْسِ الجِدَارْ.”
 
اتِّحادُ الكتَّابِ.. “كلاكيت” أَوَّل مرَّةٍ
 ذاتَ يومٍ ساخنٍ، لعلَّهُ فِي صيفِ العامِ (1991)، كنتُ عائدًا منَ القُدسِ أَتأَبَّطُ قهرًا علَيْها (كانَ قبلَ أَن يحرِمنَا الاحتلالُ الإِسرائيليُّ- الصُّهيونيُّ مِنها كلِّيَّةً)، فوجدتُ نَفْسي الأَمَّارةَ بالشِّعرِ تُوسوِسُ لِي/ تحرِّضني علَى النُّزولِ عندَ المَبنى الَّذي فيهِ “مَقامُ” اتَّحادِ الكتَّابِ. اسْتجبتُ لهَا بدونِ تكرارِ تفكيرٍ إِذ وضعَ الفضولُ استراحةَ يدِهُ علَى كتفِيَّ. لعلِّي قلتُ لهُ: لاَ بأْسَ مِن زيارةِ هذَا المكانِ/”المطبخِ”؛ هذَا الَّذي “يُوحِّدُ” الكتَّابَ، كمَا يبدُو مِن لسانهِ المُثبَّتِ علَى المَبنَى!
كانَ ثَمَّ أَصواتٌ تتناثرُ بإيقاعاتٍ مُتفاوتةٍ هيَ أَقربُ إِلى الضَّجيجِ. سمِعتُها وأَنا كنتُ مَا زلتُ أَصعدُ الدَّرجَ المؤَدِّي إِلى بابهِ الَّذي مَا أَن وصلتُهُ حتَّى رأَيتُهُ مشرعًا والأَصواتُ تهرْولُ عبرَهُ إِلى الرُّدهةِ. كأَنِّي كنتُني/رأَيتُني أَمامَ خليَّةِ نحلٍ مفتوحةٍ لطَنينِها، فقطْ، لاَ لعَسلِها!
مَا أَن رآني “رئيسُ” الاتِّحادِ حتَّى تركَ الجمْعَ وولاَّهُم دبرَهُ لاستقبالِي بالحضنِ اليابسِ والقُبلِ الفراغيَّةِ، كمَا لَو أَنَّنا كنَّا التقَيْنا مِن قبلُ، إِذ كانتْ تلكَ هيَ المرَّةُ الأُولى الَّتي أَراهُ فِيها ويَراني، وعلَى عجلٍ، قبلَ أَن أَجلسَ علَى مقعدٍ مَا، طلبَ منِّي صورةً شخصيَّةً لِي، وأَن أَملأَ استمارةَ انتسابٍ للاتِّحادِ، وقدْ أَعفاني- كرمًا، أَم سلطةً، أَم (…)؟ لَم أَكنْ أَعرفُ آنَها حقيقةً/فعلاً- مِن رسومِ الانتسابِ، وبلحظةٍ صِرتُ عضوًا فِي اتِّحاد الكتَّابِ مِنَ البابِ!
جلستُ علَى كرسيٍّ جانبًا، وساقٌ علَى ساقٍ، لاَ أَذكرُ مَن فوقَ الأُخرى كانتْ؛ اليُمنى أَمِ اليُسرى، لمَ لاَ؟ فقدْ صِرتُ، عَصرًا، عضوًا فجأَةً، مذهولاً مِن سُهولةِ/سَلاسةِ/سُرعةِ الحصولِ علَى العضويَّةِ فِي الاتِّحادِ، إِذ لمْ يتطلَّبِ الأَمرُ سِوى إِطاعةِ وَسواسٍ بعدَ قُدسٍ، وصورةٍ شخصيَّةٍ لكَ لمْ تكُنْ لديكَ، وإِعفاءٍ مِن رسومٍ كانتْ معكَ، وتعبئةِ أُنموذجٍ لَو باسمِكَ فقطْ، ثمَّ مَسموحٌ/يجوزُ/يحقُّ لكَ أَن تجلسَ علَى مقعدٍ/كرسيٍّ/طالةٍ فِي الاتِّحادِ، وأَن تضعَ ساقًا علَى ساقٍ، لاَ يهمُّ اليُمنى أَمِ اليُسرى، وأَن تستعملَ حتَّى الحمَّامَ دونِ استئذانٍ مِن أَحدٍ! فأَنتَ صِرتَ، منذُ أَمدٍ لاَ يتعدَّى الدَّقائقَ، مِن آلِ/أَهلِ البيتِ، وصحبهِ، وخلاَّنهِ. 
جلستُ أُراقِبُ الكتَّابَ والكتبةَ، و”الرَّئيسَ” الحاليَّ/السَّابقَ، وهمْ مُنهمكونَ فِي التَّحضيرِ لانتخاباتِ الاتِّحادِ كمَا لوْ أَنَّها انتخاباتٌ ديمقراطيَّةٌ/شفَّافةٌ/نزيهةٌ! علَى الرَّغمِ مِن أَنَّها عربيَّةٌ الأَصلِ والصُّورةِ؛ مرشحٌ واحدٌ للرِّئاسةِ فقطْ، بعدَ ضغطٍ علَى مرشَّحينَ آخرينَ ليَنتحُوا جانبًا، فيَفسحُوا الطَّريقِ أَمامَ “الدِّيمقراطيَّةِ الآتيةِ” بشكلِها ومُحتواها الحقيقيَّينِ. حتَّى أَنَّ المرشحينَ المُستقلِّينَ لمْ يسلَمُوا مِن ضغطِ “الرَّئيسِ” الحاليِّ آنذاكَ/المرشَّحِ، لصالحِ قائمتهِ علَى علاَّتِ مَن فِيها مِن كتَّابٍ، ومَا هُمْ بكتَّابٍ، لكنْ لدِّيمقراطيَّتهِ أَحكامٌ وإِحكامٌ، مِن بابِ: “جُحا أَحضرَهُ، وجُحا أَكلَهٌ”. يحقُّ لِي، عربيًّا، أَن أَقولَ:
كلَّما أَسمعُ كلمةَ “ديمقراطيَّة”، أَتحسَّسُ سخريَّتي!
كانَ أَكثرُ مَا “يتكرَّمُ” بهِ هوَ طباعةُ كتبٍ لمَنْ يختارُهم بواحديَّتهِ فِي كلِّ قرارٍ، كرشوةِ انتخاباتٍ؛ كمَا إِطعامُ الحمَامِ لصيدهِ، لاَ لإِطعامهِ.  
إِذا كانتِ انْتخاباتُ اتِّحادِ الكتَّابِ لاَ تختلفُ، مطلقًا ودائمًا، عنِ الانتخاباتِ السِّياسيَّةِ، وغيرِ السِّياسيَّةِ، فِي العالمِ العربيِّ، فأَنَّى لهُم أَن يكُونوا الضَّميرَ الحاضرَ/المنبِّهَ الواعيَ/الصَّحوةَ المستمرَّةَ/الجدارَ الأَخيرَ أَمامَ الاحتلالِ الإِسرائيليِّ- الصُّهيونيِّ الَّذي لاَ يزالُ، علَى الرَّغمِ منَ “اتِّفاقيَّةِ السَّلامِ المذلَّةِ” وبعدَ أَن تمَّتْ تعرِيةُ الفلسطينيِّينَ ومعظمَ العربِ حتَّى مِن ورقةِ التُّوتِ، ينشرُ سرطانَ كيانهِ العنصريِّ فِي كاملِ الرُّوحِ والجسدِ، كذلكَ أَمامَ الدِّيكتاتوريَّاتِ العربيَّةِ، الَّتي لاَ تزالُ تتغذَّى علَى ظلمِ/محوِ/إِهمالِ/سلبِ/قهرِ شعوبِها، وإِنْ بعضُها يتحرَّكُ/ينتفضُ/يثورُ هذهِ الأَيَّامَ، بعنوانِ “الرَّبيعِ العربيِّ”.
كانَ لاَ بدَّ، آنذاكَ، مِن تقديمِ اعتذارٍ للشَّاعرِ فيَّ؛ إِذ ورَّطتهُ، لفترةٍ قصيرةٍ، فِي عضويَّةٍ لاَ تليقُ بحرِّيَّتهِ وشعرهِ، وهوَ لمْ يتأَخَّرْ عنْ  تقديمِ استقالتهِ مِن ذاكَ الاتِّحادِ المتَّحدِ معَ “رئيسهِ” لاَ غيرَ بطريقةٍ غيرِ رسميَّةٍ؛ قصيدةٍ خطَّها آنها تحتَ عنوانِ: “خطابُ الاستقالةِ- بقعٌ بيضاءُ علَى رقاعٍ أَسود”، ثمَّ قدَّمَها/نشرَها فِي صحيفةِ “القُدس”، والَّتي كانَ يحرِّرُ الصَّفحةَ الثَّقافيَّةَ فِيها آنذاكَ الروائيُّ أَحمد حَرب، والَّذي لمْ يَسلمْ مِن هجومٍ بشعٍ/شرسٍ، مِن قبلِ “رئيسِ” الاتِّحادِ لنشرهِ القصيدةِ/الاستقالةِ الفاضحةِ. أَقتطعُ مِنها الجزءَ الآتي (على الرَّغمِ مِن أَنِّي أَمقتُ الاجتزاءَ)، ليسَ لمحوريَّتهِ فِي القصيدةِ، بلْ لِـمَا يحتويهِ:        
“بُعْدٌ بَعِيدٌ بَيْنَ مَا
تُلْقِي عَلَى سَطْحِ البَيَاضِ، وَمَا يَكُونُ الحَرْثُ فِيهْ
الأَرْضُ أَبْعَدُ مَا تَكُونُ مِنَ احْتِرَافَاتِ التِّجَارَةِ،
وَالتِّجَارَةُ تُخْطِئُ  الأَحْلَامَ، لَا تَمْشِي عَلَى جَمْرِ المَحَابِرْ..
هَلْ كَانَ لِلشُّعَرَاءِ بَيْتٌ فِي رِمَالِ الكَفِّ، فَاصْطَفُّوا عَلَى
خَطَأِ السَّرَائِرْ؟
هَذَيَانُ هذَا الوَقْتِ أَنْ
يَطْفُوَ عَلَى وَجْهِ الجُرُوحِ شُعُورُ نَرْجِسَةٍ أَتَتْ
مِنْ بَاطِنِ الأَوْرَامِ، فِي لَهَفٍ، إِلَى حَيْثُ المَزَايَا..
قَامَ (الإِمَامُ) إِلَى عَنَاقِيدِ السَّرَايَا؛
هَلْ أَنْتَ وَاحِدُنَا الوَحِيدُ بِلَا مَثِيلٍ، أَمْ تُمَثِّلُ أَلْفَ
مَعْنًى لِلدُّمَى المَفْرُوغَةِ الأَوْزَانِ؟ بَلْ تَنْحُو إِلَى قَطْفِ الخَبَايَا..
ضَاقَتْ مَعَالِمُنَا بِنَا،
وَاشْتَدَّتِ الجُمَلُ الخَبِيئَةُ فِي الضُّلُوعِ، أَوَانُهَا
يَدْنُو مِنَ الأَعْنَاقِ، كَمْ بَرَزَتْ هُنَا
نُوَّارَةُ الكَلِمَاتِ أَجْرَاسًا، وَلكِنْ لَيْسَتِ
الآذَانُ تُخْرِجُ عُشْبَهَا المَنْسُوجَ: مَنْ يُصْغِي إِلَى
شَبَقِ السُّؤَالِ؟ وَكَمْ أَتَى صَوْتٌ يُعَالِجُنَا إِلَى أَصْدَائِنَا..
كَمْ دَجَّنُوا مِنَّا الوُلَاةَ فَأَقْبَلُوا،
طَوْعًا، إِلَى لَبْسِ المَقَاعِدِ، وَانْتِحَالَاتِ الشَّرَانِقْ
أَقْلَامُهُمْ خَشَبُ السَّلَالِمِ نَحْوَ غَيْبٍ مِنْ هَوًى
أَقْلَامُنَا عُوَدُ المَشَانِقْ..
هذِي هِيَ الأَثْوَابُ تَنْزَعُنَا عَنِ
الجَسَدِ المَرِيضِ، وَذِي افْتِرَاسَاتُ النَّظَرْ
هذَا هُوَ الفِكْرُ المُعَادُ، وَذَا غَرِيبٌ لَيْسَ يَدْنُو مِنْ تَفَاسِيرِ الْخَبَرْ
سِرِّيَّةُ الأَرْقَامِ تَدْخُلُ فِي الجُيُوبِ.. تَوَاكَلُوا
قَدْ يَقْصِمُ الشُّعَرَاءُ ظَهْرَ قَصِيدِهِمْ
نَحْوَ السُّعَالِ إِذَا تَرَتَّقَتِ الثُّقُوبُ النَّابِذَاتُ مِنَ الجُيُوبْ،
أَوْ أُخْرِجَ التَّهْرِيجُ مِنْ خُرْمِ الوَطَرْ.”
 
ماءُ القاهرة.. وَ.. وجهُ النِّيلِ
 
كيفَ يمكِنُ لذاكرةٍ لمْ تَزلْ ذكرياتُ الدَّهشةِ المتأَلِّقة بأَلوانِ الحدثِ المفاجئِ تربِكُ غرفَها الَّتي تتَّسعُ وتضيقُ فِي آنٍ أَن ترتِّبَ سطورًا حتَّى بعدَ الهبوطِ علَى سطحِ المكانِ الأَوَّلِ/الحالةِ الأُولى؟! سأَعتذرُ، سلفًا، عنْ ضيقِ العبارةِ إِذ اتَّسعَ أُفقُ اللِّقاءِ.
أَتذكَّرُ إِصرارًا لمْ تكُنْ للنِّهايةِ أَن تصيبَهُ فِي مقتلٍ. كانتِ النَّشوةُ المنتظرةُ الَّتي جعلتُها بطانةً فِي داخلِي، هيَ الوقودُ السِّحريُّ الَّذي كانَ يُبقي إِصراري فِي حالةِ اشتعالٍ دائمٍ، لذَا عندَما فشِلتْ خطوتِي الأُولى، وعدتُ أَدراجي مهزومًا لحينٍ- هكذَا طمأَنتُ نفسِي- زادَ أُوارُ الاشتعالِ لأَن أَهزمَ هزيمتِي، وانتصرتُ أَخيرًا بعدَ قطعِ المسافةِ الفلسطينيَّةِ الطَّويلةِ الأُولى، علَى وهمِ الحدودِ المصطنعةِ الَّتي طالَما تحايلتُ علَيْهَا أَثيريًّا.
أَعترفُ بأَنَّني كنتُ أَشعرُ بالطَّريقِ كأَنَّه انحناءٌ لاَ يَنتهي، فلاَ يبدُو خلاصٌ مَا. لكنْ بعدَ أَنِ ابتسمَ فِي وجهِي الضَّابطُ المصريُّ الوسيمُ وهوَ يناولُني جوازَ سَفري قائلاً: أَهلاً بكَ فِي مصرً، قلتُ لهُ:حقًّا! وأَردفتُ كلامِي مذكِّرًا إِيَّاهُ بِي، وبعودتِي الأُولى لعدمِ توفُّرِ التَّأْشيرةِ (كانتْ بسببِ عمليَّةِ نصبٍ مِن شركةٍ سياحيَّةٍ)؛ “كلُّ تأْخيرةٍ فيها تأْشيرةٍ”. حينَها زادَ فِي سعةِ ابتسامتهِ الَّتي وسِعتْني، وحينَها بدتِ لِي الطَّريقُ مستقِيمةً مِن رَفح إِلى القاهرةِ.
لمْ أَستطعْ وأْدَ دمعتيَّ عندَما شاهدتُ رملَ سيناءِ الأَخضر. نعمْ.. الأَخضر، فلمْ تَزلْ دماءُ الأَبطالِ ناضرةً وإِلى الأَبدِ. ودارتْ فِي رأْسِي طيلةَ المساحةِ الرَّمليَّةِ الشَّاسعةِ، كلماتُ أُغنيةٍ أَوكتوبريَّةٍ طالَما سمعتُها وغيرَها عندَ العبورِ فِي العامِ (1973)، وفِي ذِكراهُ السَّنويَّةِ المتجدِّدَةِ: “وأَنا علَى الرَّبابةِ بغنِّي غنوةِ الحريَّةِ”؛ الحريَّة الَّتي شعرتُها لأَوَّل مرَّةٍ فوقَ ترابٍ تحرَّرَ ، لأَنَّ الاحتلالَ الصُّهيونيَّ الَّذي استبدَّ ببقيَّةِ التُّرابِ الفلسطينيِّ فِي العامِ (1967)، ودخلَ منطقةَ وَعيِي منذُ أَن كنتُ فِي السَّابعةِ مِن العمرِ، لمْ يَدعْ لنَا حرِّيَّةً مَا إِلاَّ ومرَّرَ آلاتهِ العسكريَّةَ وجرَّافاتهِ الاستيطانيَّةَ فوقَ زغبِ أَجنحتِها.
وصلتُ فندقَ الإِمباسادور في شارع 26 يوليو، فِي منتصفِ اللَّيلِ. صعدتُ غرفَتي مبتهجًا أَنَّ كلَّ مَا حولِي يبدُو مصريًّا، كأَنَّه يَقرِصني بنعومةٍ كيْ أُصدِّقَ، حتَّى لهجَتي الفلسطينيَّةَ سرعانَ مَا تغيَّرتْ، معَ أَخطاء طبعًا، إِلى اللَّهجةِ المصريَّةِ.
لمْ يَطلْ وقوفِي وأَنا أَتأَمَّلُ القاهرةَ ليلاً مِن شرفةٍ للفندقِ فِي الدَّورِ العاشرِ، إذ شعرتُ، علَى الرَّغمِ مِن شدَّةِ الإِرهاقِ بسببِ سفرٍ برِّيٍّ طويلٍ، بنداءٍ خفيٍّ أَن أَنزلَ إِلى عناقِها.
همتُ فِي شوارعِ القاهرةِ لقُرابةِ السَّاعةِ الثَّالثةِ صباحًا كأَنِّي أَعرفُها منذُ زمنٍ بعيدٍ، فالقاهرةُ مدينةٌ لاَ تنامُ، فكيفَ أَنامُ أَنا الَّذي أَخرجُ مِن وطنِي أَوَّلَ مرَّةٍ (بعدَ بلُوغي الأَربعينَ)، وأَنا الَّذي أَرى القاهرةَ أَوَّلَ مرَّةٍ؟
كلُّ شيءٍ فِيها يتحرَّكُ بحيويَّةِ الحياةِ فيهِ؛ النَّاسُ بابتساماتِهم الغامضةِ.. الأَضواءُ المتلأْلئةُ المرتجفةُ.. سيلُ السَّيَّاراتِ الَّذي لاَ ينقطعُ.. أَصواتُ المقاهي.. رائحةُ المطاعمِ.. بريقُ المحلاَّتِ التِّجاريَّةِ.. صخبُ النِّيلِ الوديعِ؛ لذَا لاَ عتمةَ فِي القاهرةِ.
عدتُ إِلى الفندقِ كيْ أَعودَ بعدَ ساعاتٍ قليلةٍ إِليها، فشمسُ صباحِها تقتربُ مِن حضرتِها. وحينَ فتحَ لِي رَفيقي فِي الغرفةِ بابَها مستغربًا، إذ ُ كانَ غائصًا فِي سُباتٍ عميقٍ، وقبلَ أَن يُترجمَ استغرابَهُ إِلى كلماتٍ، فينبسُ ببنتِ شفةٍ، عاجلتهُ قائلاً: أَينامُ عاشقٌ فِي حضرةِ محبوبتهِ؟!
تركتُ الفوجَ السِّياحيَّ فِي صَباحي الأَوَّل (هكذَا فعلتُ طيلةَ أَيَّامِ الرِّحلةِ)، علَى الرَّغمِ مِن رغبةِ الفوجِ بأَن أُشاركَهم رؤيةَ بعضِ معالمِ مصرَ الحضاريَّةِ/السِّياحيَّةِ، فلِي سياحةٌ أَدبيَّةٌ/ثقافيَّةٌ وضعتُ لهَا شبهَ تخطيطٍ مسبقٍ، واتَّجهتُ إِلى “أَخبار الأَدبِ”؛ الجريدةِ الَّتي مَنحتُها عنايةً خاصَّةً منذُ عددِها الأَوَّل، ومَنحتْني حبًّا وكثيرًا منَ المَساحاتِ البيضاءِ كيْ تحطَّ كثيرًا مِن طيورِ كتابتِي، فكانَ أَوَّلُ طائرٍ كتابيٍّ لِي خارجَ الوطنِ يجدُ غصنًا فِي شجرةِ عددِها السَّادسِ، وهَا هيَ تدخلُ عامَها السَّادسَ (فِي ذلكَ الحينِ)  بأُبَّهةٍ وجمالَينِ، تحضنُ، بينَ أَوراقِها، نضارةَ الإِبداعِ أَيًّا كانتْ هويَّتهُ، فلاَ هويَّةَ للإِبداعِ فِي الأَصلِ.
وصلتُها، وعرَّفتُ عنْ شخصِي بدايةً، وتعرَّفتُ عنْ قربٍ حميمٍ إِلى البحرِ الهادئِ/الرِّوائيِّ محمُود الوردانيّ، وزملائهِ الآخرينَ، وعرفتُ مِنهم أَنَّ قائدَها الرِّوائيَّ جمالَ الغيطانيّ فِي مهمَّةٍ ثقافيَّةٍ خارجَ مصرَ، وسيعودُ مِنها بعدَ يومينِ. وعاجلَني الصَّديقُ (المطلُّ علَى السَّاحةِ) مُصطفى عبدُ الله بدعوةٍ لحضورِ احتفالِ توزيعِ جوائزِ مسابقةِ القصَّةِ القصيرةِ، الَّتي رعتْها مجلَّةُ “النَّصر” وجريدةُ “أَخبار الأَدبِ”، فِي دارِ المدرَّعاتِ.
تقرَّرَ موعدُ الانطلاقِ فِي تمامِ السَّاعةِ السَّادسةِ والنِّصفِ، إِلاَّ أَنَّ الرِّوائيَّ إبراهيم عَبد المجِيد، الَّذي شدَّدَ علَى نقلِنا بسيَّارتهِ، لمْ يَستطعْ أَن يفتحَ البابينِ الخلفيَّينِ لسيَّارتهِ القديمةِ، فكانَ علَيْنا أَن ندخلَ منَ البابِ الأَماميِّ بدونَ أَن ندوسَ مقعدَ الأَديبِ بأَحذيتِنا؛ د. مجدي توفيق، الَّذي تعرَّفتُ إِليهِ فِي هذهِ المناسبةِ، ومُصطفى عبدُ الله وأَنا، ولَولا أَحجامنا الضَّئيلةِ، لكانَ الواحدُ منَّا كالجَملِ الَّذي يحاولُ الدخولَ مِن سُمِّ الخيَاطِ، وبعدَ صعوبةٍ تمكَّنا منَ المقعدِ الخلفيِّ، وجلستْ الكاتبةُ الجزائريَّةُ حَبيبة محمَّدي فِي المقعدِ الأَماميِّ، قربَ السَّائقِ الأَديبِ، لننطلقَ بعدَها إِلى غايتِنا الاحتفاليَّةِ.
فِي مشوارِنا الَّذي امتلئَ بأَحاديثَ شتَّى، علاَ استغرابٌ علَى وجوهِ علَى وجوهِ رُفقائي/أَصدقائي عندَما بحتُ لَهم أَنَّ زيارَتي هذهِ لمصرَ هيَ الأُولَى، علَى الرَّغمِ مِن مشوارِي الشِّعريِّ الَّذي (كانَ حينَها) يقتربُ مِن ربعِ قرنٍ!
قلتُ: أَتدرونَ مَن الَّذي كانَ يغيظُني مِنكم وأَنا هناكَ فِي وطنِي؟ إِنَّهُ صوتُ المذيعةِ عبرَ الأَثيرِ حينَ يقولُ: هنَا القاهرة. فأُديرُ وَجهي إِلى المذياعِ قائلاً: وهنَا محمَّد حلمِي الرِّيشة. أَتمنَّى الآنَ أَن أَرَاها لأَقولَ لهَا: وأَنا هنَا كذلكَ.. وقدْ زالَ الغيظُ!
شدَّدَ، حينَها، د. مَجدي تَوفيق برفقٍ فوقَ يدِي معَ ابتسامةٍ عذبةٍ، إِذ كانَ الصَّمتُ، فِي هذَا الموقفِ، أَبلغَ الكلامِ.  
الغريبُ فيَّ أَنَّني كنتُ أَتحسَّسُ بأُذنيَّ شوارعَ القاهرةِ عبرَ البرنامجِ المباشرِ “علَى النَّاصيةِ” أَكثرَ مِن رؤيتِها فِي الأَفلامِ! هلْ كنتُ مريضَ القاهرةِ أَم كنتُ مريضَ وطنِي الَّذي لمْ أَكنْ غادرتهُ مِن قبلُ؟!
كانَ احتفالاً جميلاً ومؤثِّرًا فِي الذَّاتِ؛ أَن يعيشَ جيلُ/أَجيالُ مَا بعدَ “حربِ أُكتوبر، 1973” ذاكرتَها مِن خلالِ الكتابةِ عنْها. لذَا فإِنَّ فكرتَها تعانقُ العسكريَّ معَ الأَدبيِّ تشجيعًا للإِبداعِ وتنشيطًا للذَّاكرةِ مِن خلالِ تقديمِ أَصواتٍ جديدة للأَدبِ المصريِّ العربيِّ، هيَ فكرةٌ إِبداعيَّةٌ أَيضًا، وفرصةٌ لتواصلِ الأَجيالِ، وتلاقِيها حولَ أَحداثٍ مهمَّةٍ فِي تاريخِنا المعاصرِ.
لمْ يأْلُ الصَّديقُ (الدَّيناميكي) مُصطفى عبدُ الله جهدًا لتقديمِي إِلى كثيرٍ منَ المدعوِّينَ، أُدباءَ وغيرِهم، لدرجةٍ شعرتُ فِيها بالأَسفِ مِن نفسِي: كيفَ لمْ آتِ مِن قبلُ؟ وبحركةِ الذَّاكرةِ الَّتي بدأَتْ تتوهَّجُ شيئًا فشيئًا، صرتُ أَسترجعُ فِي مخيلتِي شيئًا مِن إِبداعات أُدباءٍ كنتُ قرأْتُها سابقًا؛ ربَّما لأَنَّ الصُّورةَ والصَّوت الآنَ فِي لحظةٍ نادرةٍ مِن لحظاتِ تجلِّياتِها.
تعرَّفتُ إِلى صاحبِ الدَّعوةِ اللِّواءِ سَمير فَرج مديرِ إِدارةِ الشؤونِ المعنويَّةِ للقوَّاتِ المسلَّحةِ ورئيسِ تحريرِ مجلَّةِ “النَّصر”، كما تعرَّفتُ إِلى النَّاقدِ د. جَابر عُصفور، والنَّاقدِ د. صَلاح فَضل، والرِّوائي إِدوار الخرَّاط، والرِّوائي صُنع الله إِبراهيم، والرِّوائي محمَّد البِساطي، والرِّوائي إِبراهيم أَصلان، وآخرينَ ممَّن أَعرفُ أَسماءَهم ولمْ أَكنْ قرأْتُ لهُم مثلَ الكاتبةِ مَي التّلمساني، وشعبان يُوسف.
تحلَّقَ حولِي الفائزونَ، الَّذينَ أَغلبُهم مِن ريفِ مصرَ، وأَصرُّوا علَى أَن أَجلسَ بينَهم، فِي حينِ أَنَّ المكانَ خصِّصَ لهُم، ففَعلتُ، وتساءَلتُ مازحًا: هلْ مَن يجلسُ هنَا يحصلُ علَى جائزةٍ؟ أَنا لمْ أَحصلْ علَى جائزةٍ حتَّى الآنَ! حينَها شعرتُ بحجمِ الحبِّ يكبرُ عندَما أَعلنُوا جميعًا أَنَّهم مستعدِّونَ لمنحِ جوائزِهم لِي ولفلسطينَ الَّتي لاَ يعرفونَها، ولكنَّهم يعرفونَ شيئًا مَا عنْ معاناتِها الكبيرةِ الَّتي لاَ تنتهِي؛ بدَا لِي هذَا مِن خلالِ أَسئلتِهم الكثيرةِ عنْها وبِهم عطشٌ للمعرفةِ لاَ ينتهِي.
الصَّديقُ الرِّوائيُّ جَمال الغِيطاني عوَّضني عنْ مشاهدةِ الأَهراماتِ الثَّلاث، بمشاهدةِ (الهرمِ الرَّابعِ) نَجيب محفوظ (معَ أَنَّ هذَا اللَّقبَ يطلقُ علَى أَكثرَ مِن شخصيَّةٍ مثل: الرَّئيس الرَّاحلِ جَمال عبد النَّاصر، والمطربةِ أُمِّ كُلثوم)، بعدَ أَن أَهداني دعوةً شفويَّةً جميلةً وثريَّةً فِي آن، لحضورِ جلسةِ الثُّلاثاءِ الأُسبوعيَّةِ الَّتي يخصِّصها نَجيب محفُوظ للقاءِ أَصدقائهِ فوقَ ضفَّةٍ مِن ضفافِ النِّيلِ. هناكَ تعرَّفتُ إِلى الرِّوائي يوسفُ القَعيد، وزَكي سَالم، وشخصٍ ثالثٍ لاَ أَذكرُ اسمَهُ للأَسفِ.
شعرتُ منَ اللَّحظةِ الأُولى لرؤيتِي الرِّوائي نَجيب محفُوظ برغبةٍ فِي قراءَةِ تفاصيلِ جسدهِ، الَّذي أَرهقتْهُ الكتابةُ طوالَ سنواتٍ كثيرةٍ؛ عينيهِ الصَّغيرتينِ المُتعبتينِ اللَّتينِ تطلَّعتَا بعيدًا، ورأَتْ حبرَ حروفهِ وهوَ ينزفُ مِن يراعهِ علَى الورقِ. يدهِ اليُمنى الَّتي خطَّتْ لنَا رواياتهِ الجميلةِ، والَّتي لمْ يَعدْ يقوَى علَى تحريكِها بسهولةٍ. أَصابعِ يدَيهِ فوقَ بعضِها، كأَنَّ فِيها أَسفًا لهُ أَنَّه لمْ يَعدْ يستطيعُ الكتابةَ. أُذنهِ اليُسرى المحشوَّةِ بمُسمِعةٍ. انكماشِ جسدهِ بتواضعٍ جمٍّ علَى المقعدِ. كلُّ هذَا جزءٌ مِن تعبٍ كبيرٍ، استطاعَ إِخفاءَهُ بابتسامتهِ المعهودةِ، وبصوتهِ المميَّزِ، وذاكرتهِ المتَّقدةِ.
فِي تلكَ الجلسةِ الأَثيريَّةِ، دارتْ بينَنا حواراتٌ ثقافيَّةٌ وسياسيَّةٌ مثيرةٌ فوقَ وجهِ النِّيلِ، وكثيرًا مَا كنتُ فِي موقعِ الإِجابةِ علَى أَسئلةٍ طرحَها الحضورُ، خصوصًا مَا تعلَّقُ منها بالوضعِ الفلسطينيِّ ثقافيًّا وسياسيًّا. واحتلَّ موضوعُ التَّطبيعِ معَ الآخرِ النَّقيضِ، والحوارِ الَّذي أَجرتْهُ صحيفةٌ إِسرائيليَّةٌ معَ الشَّاعرِ محمُود دَرويش، والفيلمِ الَّذي أَخرجتهُ مخرجةٌ فرنسيَّةٌ مِن أَصولٍ يهوديَّةٍ عنهُ، حيِّزًا كبيرًا فِي الجلسةِ. ومَا زلتُ أَتذكَّرُ استغرابَ الرِّوائي جَمال الغيطاني وامتعاضَهُ الشَّديدَ بسببِ الحوارِ والفيلمِ، لدرجةِ أَنَّه جعلَ صورةَ دَرويش والمخرجةِ الصُّورةَ الرَّئيسةَ لغلافِ العددِ مِن “أَخبار الأَدبِ” آنذاكَ. وكانَ قالَ لِي: “إِنَّ معظمَ المثقَّفينَ المصريِّينَ ملتزمونَ بعدمِ التَّطبيعِ معَ العدوِّ الإِسرائيلي، فِي حينِ أَنَّ هناكَ مثقَّفينَ فلسطينيِّينَ بارزينَ يطبِّعونَ.” 
بدَا أَنَّ تفاعلاتِ الأَحاديثِ لمْ تَجعلْ أَحدًا منَّا ينظرُ إِلى ساعتهِ الَّتي تجاوزتِ العاشرةَ، حتَّى أَنَّ الأُستاذَ نَجيب محفُوظ لمْ يوجِّهْ سؤالَهُ عنِ السَّاعةِ، ولَو لمرَّةٍ واحدةٍ كعادتهِ، حينَ يحسُّ بالوقتِ: “هل بلغتِ العاشرةَ؟” حيثُ موعدُ مغادرتهِ، لأَنَّه يهتمُّ بتنظيمِ وقتهِ كثيرًا.
كنتُ قرأْتُ قبلَ لِقائي بالصَّديقِ جَمال الغِيطاني أَنَّه يبدأُ صباحَهُ بقراءَةِ قصيدةٍ. دهِشتُ لهذَا الفعلِ منهُ، ليسَ لأَنَّهُ روائيٌّ، بلْ لمثقَّفٍ يبدأُ صباحَهُ بالشِّعرِ، وهذَا تأْكيدٌ لمقولةِ (لويز جليك): “لمْ أَكنْ يومًا ممَّنْ يشعرونَ بضرورةِ توسيعِ قاعدةِ قرَّاءِ الشِّعرِ، فأَنا أَشعرُ أَنَّ مَن يحتاجونَ الشِّعرَ يجدونَهُ.”. بعدَ هذَا، وجدتُني أَكتبُ لهُ قصيدةً تحتَ عنوانِ: “الوقوفُ صباحًا بينَ يدَيِّ القصيدةِ”، أَقطفُ مِنها:
“أَيُّهَا المَرْئِيُّ مِنْ وَشْمٍ عَلَى صَدْرِ الجَرِيدَةْ
لَيْتَنِي آتِيكَ مِنْ بَعْدِ القَصِيدَةْ
فَأَرَى خُضْرًا وَنِيلَا
وَأَرَى حُزْنًا نَبِيلَا
يَطْرَحُ التَّارِيخَ فُرْسَانًا عَلَى طَمْيِ التَّعَالِي
ضِدَّ مَا يَبْغِي بَدِيلَا.”
كانَ لاَ بدَّ أَن أَلتقِي معَ المفكِّرِ واللُّغوي د. أَحمد صدقِي الدَّجاني، الَّذي ربطَتْني فيهِ “أَخبارُ الأَدبِ” بصداقةٍ جميلةٍ؛ كانَ هذَا عندَما قرأَ فِي “ضواحي الفضفضة” فِي الجريدةِ مقالةً لِي بعنوانِ:”الأَزهارُ لاَ تليقُ بخروجِ الغزاةِ”، فكانَ أَن كتبَ فِي العددِ التَّالي: “تحيَّةً للأَزهارِ الَّتي تقاومُ”.
استقبلني، بحفاوةٍ وحرارةٍ، فِي منزلهِ، وقدَّرتهُ أَكثرَ عندَما علمتُ مِن زوجتهِ أَنَّه أَلغَى لقاءً فِي مجمعِ اللُّغةِ العربيَّةِ، بصفتهِ عضوًا فيهِ، لأَتمكَّنَ مِن لقائهِ. وعلَى مدارِ لقاءٍ دامَ قرابةَ ساعتينِ، ملأَ جزءًا مِنها بالأَسئلةِ عنْ وضعِنا الفلسطينيِّ الرَّاهنِ، وقدْ كانَ عضوًا فِي اللَّجنةِ التَّنفيذيَّةِ لمنظمَّةِ التَّحريرِ الفلسطينيَّةِ، وكانَ استقالَ مِنها بعدَ رفضهِ المفاوضاتِ معَ إِسرائيلَ، والَّتي تمخَّضتْ عنِ اتِّفاقيَّةِ “أُوسلو”.
طلبتُ منهُ أَن يحدِّثَني عنْ نفسهِ لكيْ أَعرِفَهُ أَكثرَ ففَعلَ، وشعرتُ حينَها أَنَّني أَمامَ قامةٍ فكريَّةٍ وموسوعيَّةٍ غنيَّةٍ ومدهشةٍ.
خلالَ حديثهِ الشَّيِّقِ (وهوَ لاَ يتحدَّثُ إِلاَّ باللُّغةِ العربيَّةِ الفُصحَى طوالَ الوقتِ، وحتَّى معَ زوجتهِ)، أَبلغني أَنَّه اقتبسَ بعضَ مقاطعِ مقالتِي “الأَزهارُ لاَ تليقُ بخروجِ الغزاةِ” وجعلَها فِي بعضِ دراساتهِ، لأَنَّ “نبوءَةَ الشَّاعرِ”، كمَا قالَ، قدْ تحقَّقت فِيها علَى صعيدِ الواقعِ. ولمْ يكُنْ لِي سِوى أَن أَشكرَهُ منَ الأَعماقِ علَى هذَا الوسامِ الَّذي وضعهُ علَى صدرِي، وعلَى إِهدائهِ لِي بعضًا مِن كتبهِ الفكريَّةِ والأَدبيَّة، مِنها “لاَ للحلِّ العنصريِّ فِي فلسطينَ ــ شهادةٌ علَى مدريدَ وأُوسلو”.
التقيتُ كذلكَ الصَّديقُ الشَّاعرُ الجميلُ أَحمد الشَّهاوي، والَّذي لمْ يستطعْ أَن يهدأَ أَو يتابعَ الحديثَ قبلَ أَن يُمطرَني كتبًا كثيرةً لمْ تستطعْ يدايَ حملَها، عندَما علمَ منِّي أَنَّ كثيرًا منَ الكتبِ الَّتي تصدرُ فِي مصرَ وخارجِها نادرًا مَا تبلِّلُنا، ولاَ يصلُنا إِلاَّ الصُّحف والمجلاَّت، وأَنَّ العطشَ الثَّقافيَّ الفلسطينيِّ بلغَ ذروتهُ لدَى كثيرٍ منَ المثقَّفينَ.
عندَما هدأَتْ حركاتهُ الورَّاقيَّةُ، سأَلني عنِ مشهدِنا الثَّقافيِّ الحاليِّ، وانتابَتْني استغرابٌ اكتَسى رداءَ قلقٍ عندَما عرفتُ منهُ أَنَّ مشهدَنا الثَّقافيَّ متوقِّفٌ عندَ مسافاتٍ بعيدةٍ. لذَا كانَ عليَّ أَن أَعملَ بجدٍّ لأَخلعَ رداءَ القلقِ عنْ جسدِ الاستغرابِ، مِن خلالِ المقابلاتِ الَّتي رتَّبها لِي معَ الشَّاعرِ/الصَّحافي محمَّد الحمامصي، والشَّاعرِ/الصَّحافي شَادي عَبد السَّلام، إِضافةً إِلى اللِّقاءَاتِ معَ العديدِ منَ المثقَّفينَ والمبدعينَ، لاَغيًا مَشروعي السِّياحي، والَّذي يتضمَّنُ السِّياحةَ فِي الإِسكندريَّةِ وبُور سَعيد، والبَقاء فِي القاهرةِ طوالَ فترةِ رحلتِي القصيرةِ.
لمْ أَستطعْ، فِي القاهرةِ، كتابةَ شيءٍ يذْكرُ، ولمْ يكُنْ هذَا يقلقُني، علَى الرَّغمِ مِن إِلحاحِ بعضِ الأَصدقاءِ بضرورةِ الكتابةِ عنْ هذهِ الرِّحلةِ الأُولى لجريدةٍ أَو مجلَّةٍ. حاولتُ شيئًا مَا، لكنِّي أَدركتُ أَنَّ النَّثرَ أَيضًا، هربَ مِن قُدرةِ الكتابةِ لديَّ، كأَنَّه يريدُ أَن يتجوَّلَ فِي هذهِ الجَغرافيا الجديدةِ عليهِ وحدَهُ. وعندَما عدتُ إِلى الوطنِ، تأَخَّرتِ الكتابةُ لفترةٍ لاَ بأْسَ بِها، فلمْ تكُنْ إِجازتُها قدِ انتهتْ مثلَ إِجازتِي سريعًا. الشيءُ الوحيدُ الَّذي استطاعَ الكتابةَ، بطريقتهِ الخاصَّةِ، آلةُ التَّصويرِ الَّتي رافقَتْني هناكَ، وكمْ أَسعدَتْني بثروتِها، بعدَ أَن ظهرتْ جليَّةً علَى جدرانِ مكتَبي، وبعدَ أَن كبَّرتُ حجمَ بعضِها، فالصُّورةُ أَبقَى مِن جسدِ الإِنسانِ.. للأَسفِ!
غادرتُ القاهرةَ ولمْ أُغادرَها؛ هذهِ القصيدةُ العصماءُ العصيَّةُ حبًّا، علَى التَّدوينِ! انتهتْ فرصةُ اللِّقاءِ سريعًا، كأَنَّ يدًا حفيَّةً لعِبتْ بسرعةِ دورانِ الزَّمنِ. لكنْ: هلِ الأَشياءُ الَّتي تحمِلُ فِي رحمِها بذرةَ نهايتِها تكونُ أَكثرَ جمالاً؟ ربَّما؛ لأَنَّها، كمَا أَعتقدُ، تُحَمِّلُ الذَّاكرةَ حنينًا لاَ يَنتهي أَبدًا.
بعدَ قرابةِ ستَّةِ شهورٍ وجدتُني أَكتبُ: “الماءُ لفظتهُ.. ويُمليني اقتراحاتِ الجسدِ”. أَضعُ هنَا، بحنينٍ، المقطعَ الأَخيرَ مِنها:
“النِّيلُ بَلَّلَنِي؛ لِأَظْمَأَ ثَانِيَةْ..
النِّيلُ يَشْرَبُنِي؛ لِأَقْرَأَ صَوْتَهُ..
النِّيلُ يَكْتُبُنِي؛ عَلَى البَرْدِيِّ مُنْسَابًا إِلَى
 رِئَتِي/ إِلَيْهْ..
فَالمَاءُ لَفْظَتُهُ، وَآيَتُهُ الشَّفَقْ
لَـمَّا يَزَلْ؛
يَنْسَاقُ
فِي جَسَدِي
كَأَنَّا وَاحِدٌ
نَحْوَ الغَرَقْ.”
 
اتِّحادُ الكتَّابِ .. “كلاكيت” ثانيَ مرَّةٍ مُرَّةٍ
كنتُ قرَّرتُ التَّرشُّحَ، ذاتَ انتخاباتٍ، لعضويَّةِ اتِّحاد الكتَّابِ الفلسطينيِّينَ وليسَ لرئاستهِ، مُستقلاً، حيثُ إِنَّني لستُ عضوًا فِي تنظيمٍ، أَو حزبٍ، أَو حركةٍ، أَو…، بلْ لَمْ أَكنْ كذلكَ طوالَ مَا مضَى مِن حيَاتي، ولَمْ أَزلْ إِلى الآنَ، لقَناعتي المُبكِّرةِ بأَنَّ حرِّيَّةَ المبدعِ هيَ أَغلَى حتَّى مِن إِبداعهِ! لذَا فليسَ لهُ أَن يضعَ نفسَهُ بنفسهِ فِي قفصٍ، ولَو كانَ مِن ذهبٍ، فيتناقصُ، ويضيقُ، وربَّما ينعدمُ هامشُ انتقادِ الإِطارِ الَّذي يحتويهِ، وربَّما عليهِ أَن يقبلَ، أَو يخضعَ لقراراتٍ، وسلوكاتٍ، مثلاً، وهوَ ليسَ مقتنعًا بِها.
قرَّرتُ خوضَ تلكَ التَّجربةِ، علَى الرَّغمِ مِن قَناعتي المجرَّبةِ، فِي كلِّ الانتخاباتِ، بأَنَّ المبدِعَ/الإبداعَ وحدَهُ، ليسَ هوَ الرَّافعة، بلِ التَّنظيمُ/الحزبُ/الحركةُ…، ولكنْ كانَ هدَفي هوَ فضحُ تلكَ الانتخاباتِ المكرَّرةِ أُسلوبًا قبيحًا، وشخوصًا محدَّدةً، ونَوايا مبيَّتةً، وغيرَ هذهِ وتلكَ.
ذهبتُ إِلى الاتِّحادِ، قبلَ يومٍ مِن إِجراءِ الانتخاباتِ، لأُتابعَ تحضيراتِها، وسيرَها، وإِجراءَاتِها مَا قبلَ النِّهائيَّةِ، إِلاَّ أَنِّي تفاجأْتُ مِن الرَّئيسِ المرشَّحِ، وهوَ الرئيسُ الحاليُّ آنذاكَ حيثُ تمَّ ترشيحُه للمرَّةِ الثَّانيةِ، بأَنَّ الَّذي كانَ الرَّئيسَ الثَّانيَّ يطلبُني علَى الهاتفِ، فسأَلتُ الثَّالثَ مستغربًا كيفَ عرفَ الثَّاني عنْ وجُودي هنَا؟ إِلاَّ أَنَّ الارتباكَ أَصابَهُ، وتركَني بحجَّةِ انشغالهِ بأَمرٍ مَا.
طلبَ منِّي الثَّاني بالهاتفِ أَن أَسحبَ ترشُّحي منَ الانتخاباتِ حفظًا لماءِ وجْهي! وأَنَّ الانتخاباتِ “كُوتاتٌ” تابعةٌ لتنظيماتٍ، وأَنَّني، مُستقلاًّ، لنْ أَفوزَ! بلْ سوفَ أُضيِّعُ/أُشتِّتُ الأَصواتَ إِنْ لَمْ أَنسحبْ!
شعرتُ، آنذاكَ، بالصَّدمةِ علَى الرَّغمِ مِن كلِّ شيءٍ أَعرِفهُ!  
أَيضًا، طلبَ الثَّاني منَ المرشَّحِ الآخر لرئاسةِ الاتَّحادِ، سحبَ ترشُّحهِ للسَّببِ نفسِه الَّذي قالهُ لِي، وقدْ رفضَ بشدَّةٍ، حيثُ كانَ القصدُ هوَ قصُّ المرشَّحِ الآخر فاستبعادهُ، ليفوزَ بالمنصبِ للمرَّةِ الثَّانيةِ، المرشَّحُ/الرَّئيسُ الثَّالثُ، إِذْ لاَ يبقَى أَحدٌ سِواهُ، وبالتَّالي ضمانُ الفوزِ بالمنصبِ، أَيْ فوزُ تنظيمهِ!
أَنا لمْ أَسحبْ ترشُّحي، رافضًا بشدَّةٍ الطَّلبَ ومَن طلبَهُ، لأَنِّ ماءَ وجهِي محفوظٌ دائمًا، لأَنهُ ينبعُ منْ قلبِي، كمَا كانَ ردِّي عليهِ، بلْ وكانَ أَكثرَ مِن هذَا.
المفاجئُ الأَكثرُ دهشةً/تساؤلاً، كانَ وجودُ كلِّ مِن محمود درويش وياسر عبد ربِّه أَمامَ بابِ مركزِ الانتخاباتِ، يُرحِّبانَ ويُسلِّمانَ علَى كلِّ مَن يحضرُ، فهذهِ هيَ المرَّةُ الأُولى، واليتيمةُ، الَّتي أَراهُما فِي انتخاباتِ اتِّحاد الكتَّابِ هنَا! وكانَ تساؤلِي، الَّذي لمْ أَجدْ لهُ جوابًا، ولمْ أَبحثْ لهُ عنْ جوابٍ: مَا الأَمرُ؟!
جرَتِ الانتخاباتُ. كانتْ لجنتُها مشكَّلةً مِن أَربعةِ أَشخاصٍ، ثلاثةٍ منهُم همْ: رئيسُ الاتِّحادِ الثَّاني، وصديقهُ الحميمُ/زميلهُ فِي الاتِّحادِ حينَ كانَ رئيسَهُ، وشخصٌ محسوبٌ علَى تنظيمِهما، الَّذي يجبُ أَن يفوزَ بالأَكثريَّةِ، أَمَّا الرَّابعُ، الَّذي لاَ حولَ لهُ، كمَا ظهرَ للعيانِ، فكانَ شخصيَّةً أَكاديميَّةً.
أَعضاءُ الاتِّحادِ المسجَّلونَ فِي القائمةِ الَّتي أَعدَّها الثَّاني (كتَّابًا وغيرَهم)، بلغَ أَكثر من أَربعمائةِ عضوٍ! الَّذين حضرُوا وصوَّتوا كانُوا أَربعةً وسبعينَ! طبعًا “فازَ” المرشَّحُ/الرَّئيسُ الثَّالثُ للمرَّةِ الثَّانيةِ، كمَا “فازَ” معظمُ أَتباعهِ، بعدَ إِضافةِ أَصواتِ كتَّابٍ مِن قطاعِ غزَّةَ، تمَّ تبليغُ “اللَّجنةِ” بِها (الأَسماءُ المرشَّحةُ وعددُ الأَصواتِ) عبرَ الهاتفِ! وبوساطةِ نائبِ رئيسِ الاتَّحادِ آنذاكَ.
بالنِّسبةِ إِليَّ، حصلتُ علَى ستَّةٍ وعشرينَ صوتًا مِن أَصلِ أَربعةٍ وسبعينَ، أَمَّا أَصواتُ قطاعِ غزَّةَ، الخاصَّةُ بِي، فلَمْ أَعرِفْ عنْها! فقدْ تمَّ إِنهاءُ كلِّ شيءٍ علَى عجلٍ، بعدَ إِظهارِ النَّتائجِ، المعروفةِ سلفًا تقريبًا جدًّا، وحدَثتْ منِّي ومِن غيري اعتراضاتٌ صاخبةٌ، كانَ أَبرزَها منطِقًا/أَصدَقَها حجَّةً مِن الكاتبةِ إِلهام أَبو غزالة.
لكنْ.. مَا العملُ معَ مَن لاَ يسمَعونَ سوَى أَصواتِهم.. لاَ يرونَ سوَى وجوهِهم.. لاَ يحترفونَ سوَى مصالحِهم.. لاَ يتقنونَ سوَى اسـتخدامِ الوطنِ لاَ خدمتهِ؟! كمَا قالَ قائلٌ.
غطاءٌ فِي حادثةٍ ليستْ عابرةٍ
قبلَ إِجراءِ انتخاباتِ اتِّحادِ الكتَّابِ الجديدةِ/القديمةِ، بعدَ أَن ترأَّسهُ ثانيَ رئيسٍ لهُ لثلاثِ مرَّاتٍ متتاليةٍ (بالطَّريقةِ الدِّيمقراطيًّة الَّتي يحترِفُها هوَ ومَن وراءَهُ)، كنتُ أَتيتُ الاتِّحادَ لمقابلةِ ثالثِ رئيسٍ لهُ، فِي أَوَّلِ مرَّةٍ لهُ، مِن أَجلِ الحصولِ علَى نصفِ تكاليفِ طباعةِ مجمُوعتي الشِّعريَّةِ “لظِلالها الأَشجارُ ترفعُ شمسَها”، مساهمةً مِن الاتِّحادِ، لأَنَّ تكاليفَ معظمِ كُتبي، والَّتي كنتُ أَصدرتُها إِلى ذلكَ الحينِ، كانتْ علَى حسابِ قُوتِ عائِلتي، وهَا هوَ الرَّئيسُ الثَّالثُ للاتِّحادِ “يشفقُ” علَى عائِلتي مِن هَبلي؛ هبلِ طباعةِ كُتبي علَى حسابِهم.
وقَّعتُ إِيصالَ استلامِ المبلغِ دونَ أَن أَقرأَ محتوَاهُ، وأَدخلتُ المبلغَ فِي جَيبي دونَ أَن أَعدَّهُ، وودَّعتُ “رئيسَهُ/أَمينَ صندوقهِ”، وخرجتُ مِن بابِ الاتِّحادِ، وقبلَ أَوَّلِ درجةٍ نزولاً، سأَلتني زَوجتي باستغرابٍ، والَّتي كانتْ برِفقتي فِي زيارةِ أَصدقاء قبلَ توجُّهنا معًا إِلى الاتِّحادِ، وقدْ شاهدتِ المبلغَ الَّذي تسلَّمتُه مِن رئيسهِ، والإيصالَ الَّذي وقَّعتُ عليهِ:
– هلْ قرأْتَ الإيصالَ الَّذي وقعَّتَ عليهِ؟
– لاَ.. لماذَا؟
–  لقدْ وقَّعتَ علَى إِيصالٍ بقيمةِ (500 دُولار)، وقبضتَ  مبلغَ (250 دُولارًا).
– معقولٌ؟! لقدِ اتَّفقنا علَى هذَا المبلغِ (250) دولارًا، وهوَ نصفُ تكاليفُ طباعةِ الكتابِ.
عدتُ إِليهِ سريعًا. أَخبرتهُ بالموضوعِ. ارتبكَ وقالَ لِي: هكذَا نعملُ معَ الكلِّ، مِن أَجلِ تغطيةِ المصاريفِ الَّتي بلاَ فَواتير!
… … …
(بدونِ تعليقٍ!)
 
كتابٌ فِي “جريمةٍ”!
توقَّعتُ أَن يحدُثَ مَا حدثَ! توقَّعتهُ أَن يحدُثَ بواحدٍ مِن سببينِ: الأَوَّلُ: إِذا كانَ الاختياراتُ خارجيًّةً، فإِنَّ نفيَ الدَّاخليِّ واردٌ بدونِ شكٍّ، حيثُ تمَّ زرعُ بذورِ الفكرةِ فِي أَكثرَ مِن دماغٍ.
والثَّاني: إِذا كانَ الاختياراتُ داخليًّةً، فإِنَّ تغييبَ الدَّاخليِّ واردٌ، أَيضًا، بفعلِ عائدٍ أَو أَكثرَ! وذلكَ للعواملِ النَّفسيَّةِ، والخلافاتِ الشَّخصيَّةِ، والعلاقاتِ الثَّقافيَّةِ، والمقاعدِ المركزيَّةِ، كأَنَّه لاَ يوجدُ حبرٌ سِوى فِي أَقلامِهم، ولاَ يوجدُ ورقٌ سِوى فِي أَدراجِهم، وكأَنَّني أَرى “العينَ” الأُخرى كتوأَمِها “المعتمةِ”!
ثمَّ.. مِن حقِّي الطَّبيعيِّ أَن أَغضبَ لغَيري مِن الشُّعراءِ ولِي، حينَ نُغيَّبُ عمدًا. لقدْ تأَكَّدَ لِي، أَنَّ بعضًا مِن مثقَّفِينا لاَ يزالونَ يحتفظونَ فِي دواخلِهم بنقاطٍ سوداءَ كِـ”حجابٍ” يَقِيهم “شرَّ” الآخرينَ، وبالتَّالي حينَ يُحكَّمونَ فِي مسأَلةٍ مَا، يقُومونَ بعمليَّةِ إِفرازٍ خاصَّةٍ لتوسيعِ محيطِ النِّقاطِ السَّوداءِ كيْ يخفُوا خلفَها بريقَ إِبداعِ الآخرينَ!
لِمَ اجتازَ “الحصانُ أَسكدار”، والَّذي امتطاهُ صاحبُهُ زكريَّا محمَّد، شعراءَ آخرينَ هنَا، بدونِ أَن يحمِلَهم فوقَ سرجهِ الأَصفر؛ “كتابٌ فِي جريدةٍ- الشِّعرُ الفلسطينيُّ”؟ لاَ أَقبلُ أَن يُقالَ إِنَّ الصَّهوةَ/المساحةَ لاَ تحتملُ أَكثرَ، ولاَ أَقبلُ بعضَ الشُّروطِ والمقاييسِ الَّتي وضعَها “الخيَّالُ”، أَو وضعتْ لهُ، فهيَ شروطٌ/محدِّداتٌ تنطبقُ علَى بعضِ مَا وردَ فِي “الكتابِ الأَصفر”. كلُّ مَا أَطلبهُ، مِن “ذَوي العدلِ”، أَن يُراجِعوا المختاراتِ، بعمليَّةٍ إِحصائيَّةٍ بسيطةٍ، كيْ يتأَكَّدوا مِن سببِ غضبي القليلِ. وبالنِّسبةِ إِليَّ، فلستُ بحاجةٍ كيْ أَتأَكَّدَ مِن شعورِي بأَنَّ “وراءَ الأَكمةِ مَا وراءَها”.
أَعرفُ، بثقةٍ كاملةٍ، أَن لاَ النَّقدَ، ولاَ المديحَ، ولاَ الرِّياءَ، ولاَ المجاملةَ، ولاَ النَّشرَ فِي أَيَّةِ مجلَّةٍ أَو جريدةٍ محترمَتينِ، ولاَ حتَّى فِي “كتابٍ فِي جريدةٍ”، يمكِنُها جميعًا أَن تصنعَ شاعرًا واحدًا أَبدًا، كمَا أَعرفُ أَنَّ عكسَها لاَ يُنقِصُ مِن قيمةِ شاعرٍ مبدعٍ مطلقًا.
هذَا مَا كتبتهُ ونشرتهُ فِي عَمودي “إِيماءة”، فِي الصَّفحةِ الثَّقافيَّةِ، الَّتي كنتُ أُحرِّرها فِي جريدةِ “الحياة الجديدة”، وكانَ أَن ذكَرَ الشَّاعرُ أَحمد دحبور، فِي عمودهِ فِي تلكَ الجريدةِ، وفِي اليومِ التَّاليِّ، أَنَّ غَضبي مبرَّرٌ، وبرَّرَ لذكريَّا محمَّد، أَيضًا، عملَهُ فِي المختاراتِ الشِّعريَّةِ، فكانَ كمَنْ مسكَ المسأَلةَ منَ المنتصفِ. حتَّى أَنَّ رئيسَ تحريرِ الجريدةِ كتبَ فِي عمودهِ “حيَاتنا”، مقالةً ساخطةً وساخرةً معًا، ضدَّ الَّذي اختارَ “المختاراتِ الشِّعريَّةِ”، ونشرَ قصيدةً طويلةً للشَّاعرِ عَبد اللَّطيفِ عَقل، والَّذي غُيِّبَ كذلكَ منَ “المختاراتِ”! إِشعارًا منهُ وسؤالاً: كيفَ يغيَّبُ هذَا الشَّاعرُ؟!
بعدَ عودَتي منَ العراقِ، بعدَ مُشاركتِي فِي “المربدِ الشِّعريِّ” هناكَ، وبعدَ نشرِي لكثيرٍ منَ المقالاتِ المحتجَّةِ بشدَّةٍ علَى المختاراتِ لكثيرٍ منَ الشُّعراءِ والكتَّابِ، طوالَ ثمانيةَ عشرَ يومًا، أَخبرني رئيسُ التَّحريرِ أَنَّ الشَّاعرَ محمُود دَرويش، هوَ مَن كانَ كلَّفَ ذكريَّا محمَّد بعملِ تلكَ “المختاراتِ” إلاَّ أَنَّه لمْ يطَّلعْ علَيْها، بعدَ أَن سلَّمَها لهُ، وحلفَ علَى هذَا! وأَنَّني تعرَّضتُ للشَّاعرِ محمُود دَرويش، بصورةٍ رمزيَّةٍ، فِي “إِيماءةٍ” لِي، معَ العلمِ المؤكَّدِ بأَنَّني لمْ أَكنْ أَعرفُ موضوعةَ التَّكليفِ تلكَ مِن قبلُ! إِلاَّ أَنَّه أَصرَّ علَى تعرُّضي لهُ، فمَا كانَ منِّي إِلاَّ أَن تركتُ العملَ فِي الجريدةِ، مُنتصِرًا لمصداقيَّتي/حرِّيَّتي، قبلَ كلِّ شيءٍ، وليسَ لأَنَّه الشَّاعرُ الوحيدُ الَّذي لاَ يُسمَحُ لأَحدٍ أَبدًا، أَن يخدشَ شخصَهُ فِي شيءٍ! سلامٌ عليكَ يَا أَبا تمَّام، وسلامٌ عليكَ يَا أَبا حيَّان..
لمْ يَكدْ يهدأُ سيْلُ المقالاتِ المحتجَّةِ بشدَّةٍ علَى “المختاراتِ” حتَّى ظهرَ الكاتبُ حَسن البَطل مِن عمودهِ اليَّوميِّ “أَطراف النَّهارِ” فِي جريدةِ “الأَيَّام” بعنوانٍ رهيبٍ/مثيرٍ: “حربُ شعراء أَهليَّة؟!”
إِنَّ مَا جاءَ تحتَ هذَا العنوانِ، لهُ مذاقُ ونكهةُ الحدثِ الصَّحفيِّ الرَّهيبِ/المثيرِ، لمْ يكُنْ يثيرُ أَيضًا، إِذ يشعرُ القارئُ البريءُ الَّذي تابعَ تلكَ “الحربَ”، بأَن لاَ علاقةَ تذكرُ بينَ صخبِ العنوانِ وشتاتِ مضمونهِ، تمامًا كأَنَّه دَعانا لمشاهدةِ فيلمٍ سينمائيٍّ/حربيٍّ رهيبٍ، ثمَّ وجَدنا أَنفسَنا معهُ داخلَ مقهًى للثَّرثرةِ الجانبيَّةِ/الهامشيَّةِ، لاَ أَكثر!
أَسأَلني، قبلَ أَيِّ شيءٍ آخرَ: كيفَ؟
وأُجيبُ: إِنَّ الكاتبَ، بدلَ أَن يرُدَّ علَى “صليةِ رشَّاشِ الدُّوشكا، الَّتي أَطلقْتُها فِي دائرةٍ مِن (300) درجة، وكادتْ أَن تكونَ (360) درجةً”- كمَا وصفَ إِيماءَتي: “الكتابُ الأَصفرُ و…”-، وبدلَ أَن يعالجَ “الأَلغامَ العشرينَ الَّتي زرعَها رئيسُ التَّحريرِ، داخلَ دربِ “المختارات”، حيثُ نصفُها موقوتٌ، وربعُها سلكيٌّ وربعُها الأَخيرُ لاسلكيٌّ”- كمَا جاءَ فِي وصْفهِ الحربيِّ-، فقدْ أَطالَ الكاتبُ فِي المقدَّمةِ الطَّلليَّةِ/الغزليَّةِ- أَرى أَن لاَ حاجةَ هنَا للاقتباسِ لإِقامةِ الحجَّةِ والدَّليلِ، حتَّى كادتْ أَن تكُونَ كلَّ الموضوعِ/العمودِ؛ فقدْ تغزَّلَ بالَّذي قدَّمَ وأَعدَّ “المختاراتِ” سكرتيرَ (الَّذي كانَ حاليًّا آنَها) تحريرِ مجلَّةِ “الكَرمل”، ثمَّ شطحَ بِنا إِلى التَّغزُّلِ بالسِّكرتيرِ السَّابقِ للمجلَّةِ؛ الشَّاعرِ والرِّوائيِّ سَليم بَركات، الَّذي أَكنُّ لهُ كلَّ تقديرٍ، إِلاَّ أَنَّني لَمْ أَعرِفْ لماذَا أَورَدهُ فِي سياقِ مقالتهِ؟
الَّذي أَعرِفهُ أَنَّ عمودَه اليَّوميَّ محدَّدٌ بمساحةٍ ثابتةٍ دائمًا، وربَّما ذكرَ الشَّاعرَ بَركات، لحاجتهِ إِلى إِيرادِ بعضِ الكلماتِ العاجلةِ لملءِ فراغٍ مَا، وجدَهُ فِي عمودِ أَطرافِ نهارهِ! 
كلُّ “أَطرافِ النَّهارِ” فِي ذلكَ النَّهارِ، الَّذي جاءَ بعدَ نهارِ اشتعالِ “حربِ الشُّعراءِ الأَهليَّةِ” تتلخَّصُ ببساطةٍ فِي أَنَّ المعِدَّ والمقدِّمَ اعتمدَ علَى ذائقتهِ الشِّعريَّةِ فقطْ! (لاَ حاجةَ لإِيرادِ بيتِ شعرِ المتنبِّي المتعلِّقِ بالذَّائقةِ). هذَا واضحٌ مِن قولِ الكاتبِ “إِنَّ المعنَى فِي بطنِ الشَّاعرِ”، وهذَا يؤكِّدُ مَا قلتُهُ “إنَّ وراءَ الأَكمةِ مَا وراءَها”. وأَيضًا، تؤكِّدُ هذَا الفقرةُ الأَخيرةُ كاملةً مِن مقالِ الكاتبِ!
أَسأَلُ سؤلاً مشروعًا بالتَّأْكيدِ: هلِ الذَّائقةُ الشَّخصيَّةُ لشاعرٍ (فِي بطنهِ المعنَى!) تصلُحُ لإِنجازِ مَا كُلِّفتْ بهِ علَى وجهِ الحقيقةِ؟
أَلمْ ترَوا أَنَّ هذهِ الذَّائقةَ قدْ تذوَّقتْ كأَسَ شعرِ شاعرةٍ فِي أُولَى خطواتِها (معَ عدمِ التَّقليلِ مِن هذَا)، وأَغفلَتْ أَنهارًا عذبةً مِن أَشعارِ شُعراء لهمْ حضورُهم الإِبداعيُّ؟! أَلمْ يكُنْ والحالةُ تلكَ، أَن كانَ مِنَ الضَّرورةِ تشكيلُ فريقٍ/لجنةٍ لهذهِ المهمَّةِ (الشَّاقةِ/الشَّائكةِ) الَّتي لاَ يقدِرُ علَيْها واحدٌ، فقطْ، كمَا حدثَ، فيسلَمُ مِن الاختيارِ/الاختبارِ؟
لِي أَن أَقولَ مِن بابِ الإِنصافِ: لَو كانَ كتابًا خاصًّا بهِ، فقدْ نغفِرُ لذائقتهِ، ولكنَّهُ مشروعٌ خاصٌّ بالشِّعرِ الفلسطينيِّ؛ لاَ أَعنِي هنَا كلَّ الشِّعرِ، بلْ أَعنِي مَا تمَّ إِغفالُهُم منَ الشُّعراءِ عنْ سابقِ قصدٍ وعمْدٍ!           
 
حمَّى آباءِ الشُّعراءِ
كانَ/يكونُ/سيَكونُ السُّؤالُ:
هلِ الشَّاعرُ محتاجٌ أَبًا (علَى الرَّغمِ مِن إِيماني القويِّ بأَنَّ الإِبداعَ عملٌ فرديٌّ) كيْ يصيرَ يومًا مَا يريدُ (بتعبيرِ الشَّاعرِ الرَّاحلِ محمُود دَرويش) فِي “جداريَّة”؟
حسبَ تَقييمِي (مثلاً) لجيلِنا الثَّمانينيِّ، ومَا قَبلهُ (باعتراضِي المؤكَّدِ علَى مصطلحِ المجايلةِ)، وحسبَ مبدأِ الأُبوَّةِ الشِّعريَّةِ، فقدْ كنَّا أَبناءً بِلا آباء، ولمْ أَكنْ أَعتبرُ هذَا يُتْمًا لشِعريَّتِنا؛ إِذ وَجدنا أَنفسَنا ننمُو شِعرًا بقوَّةِ الدَّفعِ الذَّاتيِّ.
لمْ يكُنِ التَّواصلُ معَ الخارجِ الثَّقافيِّ العربيِّ/العالميِّ، بلْ والجغرافيِّ هنَا ممكنًا تحتَ ظلالِ عروشِ الاحتلالِ الشَّوكيَّةِ. ومعَ الإِيمانِ العنيدِ جدًّا بأَنَّ المبدعَ لاَ يُصنَعُ بأَيَّةِ مادَّةٍ، أَو فِي مَخبرٍ شعريٍّ/نقديٍّ/ثقافيِّ، وكذلكَ لاَ يأْتي مِن فراغٍ، كانَ ينسجُ بعضُنا، أَحيانًا، قماشَ شعرهِ/أَرديتهِ المقاوِمةِ، والَّتي كانتْ تصيرُ كفنَ استشهادٍ/لباسَ اعتقالٍ، وكانَ البعضُ الآخرُ يَعزفُ قصائدَهُ بجماليَّاتٍ لافتةٍ، علَى الرَّغمِ مِن بشاعةِ الظِّلِّ الثَّقيلِ الَّذي يجعلُ الرُّؤيةَ تسيرُ فِي خطٍّ معَدٍّ سلفًا إِلى درجةِ العَمى، وعلَى الرَّغمِ مِن استمراريَّةِ ترديدِ أَن “لاَ أَدبَ فِي فِلسطينَ، وأَنَّ الأَدبَ الفلسطينيَّ تمَّ إِنجازهُ فِي الشَّتاتِ.”
أَذكرُ هنَا مقولةً للرِّوائيٍّ اللُّبنانيٍّ إِلياس خُوري فِي حوارٍ معهُ، وتحتَ عنوانٍ عريضٍ (أَكبرَ عرضًا مِن الحقيقةِ المغيَّبَةِ): “لاَ يوجدُ إِبداعٌ فِي فلسطينَ”، وأَسفلَ العنوانِ: “حولَ روايةِ كاتبٍ فلسطينيٍّ هنَا”.
لِنلاحظَ، جيِّدًا، كيفَ وُضِعَ العنوانُ الأَوَّلُ بسوءِ نيَّةٍ كبيرةٍ، كِبرَ العنوانِ/الاتِّهامِ، ثمَّ العنوانُ الثَّانيُّ/الفرعيُّ المتعلِّقُ بالرِّوايةِ، وقدْ كانَ مجملُ مَا كُتبَ حولَ الرِّوايةِ فقطْ! أَي؛ مَن يَقرأْ العنوانينِ، سيَعرفْ أَنَّه مَا مِن أَدبٍ فلسطينيٍّ فِي فلسطينَ المحتلَّةِ! أَيْ؛ أَنْ تستمرَّ التُّهمةُ تدورُ فِي فلكِها الخفيضِ/الباطلِ، فإِنَّنا واثقونَ بأَنَّ إِبداعَنا أَقوى/أَنصعُ/أَكثر إِشراقًا، ولَو إِلى حدٍّ مَا، مِن زيفٍ يتردَّدُ بينَ الحينِ والآخر.
أَعودُ إِلى المسارِ الَّذي بدأْتُ بهِ/فيهِ..
أُلاحظُ بينَ فترةٍ وأُخرى، اندلاعَ شهوةِ آباء شُعراء (علَى اختلافِ أَعمارِهم/تجاربِهم/مستوياتِ
هم/خبراتِهم) لِتبنِّي شعراءَ جُددٍ، وكأَنَّهم فِي سباقٍ مِن أَجلِ الوصولِ إِليهِم فالظَّفرِ بِهم أَو بِما يستطيعونَ مِنهم. بالتَّأْكيدِ، فهذَا مبعثُ غبطةٍ مقارنةً بجيلِنا الشِّعريِّ، الَّذي فقدَ الكثيرَ مِن شعرائهِ؛ ربَّما لأَنَّهم لمْ يجدُوا آباء يدلِّلونَهم وشعرَهم معًا، أَو لأَنَّ يأْسهم كانَ يتكابرُ عليهِم إِلى درجةِ الموتِ الإِبداعيِّ، أَوِ التَّماوتِ كمَا رأَيتُ وعلمتُ!
لكنَّ السُّؤالَ الثَّانيَّ هنَا هوَ: كمْ منَ الأَخطاءِ يرتكبُها “الآباءُ” فِي حُمَّاهم هذهِ بحقِّ الشُّعراءِ الجُددِ أَنفسِهم أَوَّلاً، وبالشِّعريَّةِ الفلسطينيَّةِ ثانيًا، وبأَنفسِهم ثالثًا؟
إِنَّ هذهِ الشَّلالاتِ الشِّعريَّةَ المندفعةَ بحاجةٍ إِلى أَن تُقرأَ بعنايةٍ، إِذ أُلاحظُ أَنَّ التَّسابقَ لاحتضانِهم، والنَّشرَ السَّهلَ غيرَ المنضبَطِ إِبداعيًّا، ولغويًّا، وثقافيًّا، ومنهجيًّا، يضرُّهم، ويَسيلُ/يسيرُ بِهم إِلى مساراتٍ مضادَّةٍ وهمْ فِي بدايةِ تفتُّحِهم الشِّعريِّ، ذلكَ أَنَّ الجَمالَ، فِي بدايتهِ، يجبُ أَن يشذَّبَ كيْ يستمرَّ جميلاً فِي نموِّهِ وتطوُّرهِ وانطلاقهِ الأَبديِّ.
أَخيرًا، وليسَ آخرًا: هلْ عرفتُم مَن هُم أُولئِكَ “الآباء” العائِدونَ؟ إِنَّهم مَن شُرِّبوا هناكَ، أَنَّه لاَ يوجدُ أَدبٌ هنَا؛ فِي فلسطينَ المحتلَّةِ، وحينَ عادُوا، اعتدَى بعضُهم علَى كثيرٍ مِن الشُّعراءِ الشُّبَّانِ، إِلى درجةِ الصُّعودِ بِهم إِلى الأَسفل، ليُقوَّلوا، ذاتَ يومٍ، إِنَّهم خرَجوا مِن معاطفهِم، تمامًا كمَا يفعلُ معلِّمٌ مريضٌ بأَنانيةِ “أَناهُ” بتلاميذَ أَنقياءَ يلوِّثُهم كلَّ درسٍ بالحديثِ عنْ نفسِه، فقطْ، ولاَ درْسَ فِي الدَّرسِ.
المهمُّ الآنَ: هلْ صارَ فِي فلسطينَ المحتلَّةِ بعدُ منَ الماءِ الأَبيضِ إِلى الماءِ المالحِ، شعرٌ/أَدبٌ بعدَ أَن صَاروا فِيها؟!
لاَ أُريدُ أَن أُجيبَ أَنا، وسأَتركُ لكمُ، قرَّائِي المُقِيمينَ، الإِجابةَ.
 
(يليه القسم الثاني)
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: