مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

بلدان الربيع العربي ما بعد الثورة: في إشكالية العلاقة بين السياسي والعسكري

بلدان الربيع العربي ما بعد الثورة: في إشكالية العلاقة بين السياسي والعسكري
 
بقلم: فريد أمعضشـو.
خاص بالموقع
يؤكد الكاتب الفلسطيني خيري منصور أن “القطفة الأولى لأي حراك شعبي ليست مقياساً يُحتكم إليه”، وليست مؤشراً كافياً للاطمئنان و”النّْعَاسْ عْْلَى جَنْبْ الرّاحَة”، كما نقول نحن بالدّارجة المغربية؛ لأن تجارب تاريخية سبقت علّمتْنا كيف أنه من الثورة يمكن أن يولَد نقيضُها، ومن نقيضها يمكن أن تولد الثورة المظفرة .. أي من النقيض يولد النقيض في حركة جَدَلية! أفَلَمْ يولد من رَحِم الثورة الفرنسية نابليون بونابرت ذو النزعة التوسُّعية الإمبريالية، وألَمْ تخلق الرأسمالية الغربية كارل ماركس ذي النزعة الاشتراكية الناقمة، وألَمْ يُفْضِ الاستعمار الأوربي لكثير من بلدان العالم، في آسيا وأفريقيا وأمريكا، إلى ظهور حركاتِ المقاومة والتحرر ضدّه، وإلى ظهور أبطال كرّسوا حياتهم ومجهودهم كله لفضْح مخططاته وإفشال مؤامراته، ولاستنهاض هِمَم شعوبهم لمناهظته وطرْده (غاندي – محمد عبد الكريم الخطابي – عمر المختار…). ولعل خوف قادة بعض ثورات الربيع العربي من حُصول مثل هذا الانقلاب، بعد الإطاحة بأنظمة الاستبداد ببلدانهم، ومن استعادة فلول هذه الأنظمة، التي كانت حديثة السقوط، سيطرتها على زمام الأمور، هو الذي جعلهم أكثر تيقظاً وحَذراً، وحرْصاً على مواصلة الثورة، وتحصين مكتسباتها، وعدم الاستكانة والانتشاء الزائد بالمتحقِّق عملياً، لاسيما وأن ثوار بعض تلك البلدان قد لَمَسوا رغبة بعض الأطراف الفاعلة في جهاز الدولة في الالتفاف على الثورة، والانقضاض على دواليب الحُكم عبر اتخاذها جملةً من القرارات والإجراءات. وأقصد، هنا، بالتحديد، جهاز العسكر، الذي يكاد يكون القوة المتحكِّمة، فعلياً، في أغلب الدول العربية في العمق، علماً بأن عدداً من حكام هذه الأخيرة جاءوا إلى السلطة بفعل انقلابات ومؤامرات هادئة أحياناً، ودموية أحياناً أخرى. ويجرّنا هذا الأمر إلى الحديث عن علاقة السلطة المنتخَبَة ديمقراطياً في دول الربيع العربي، التي نجح حَرَاكها الجماهيري في إسقاط أنظمتها الحاكمة منذ عقود لا يقلّ عُمر أقصرها عن الثلاثة، بأجهزة الأمن والعسكر، لاسيما وأن هذه العلاقة شابَهَا بعض الشدّ والجذب، قبل أن تنقاد تلك الأجهزة للإرادة الشعبية، التي أصرّت على مواصلة النضال والاحتجاج إلى حين تحقيق مطالبها الكبرى، والتي منها إقامة دولة مدنية ديمقراطية على أنقاض دولة الاستبداد والفساد والظلم المُنهارة.
إن الوظيفة الرئيسة للعسكر هي حماية الأوطان، والدفاع عن حدودها أمام أي أطماع خارجية؛ لذا، تلفي كثيرين من الشوامّ يسمّونهم “حُماة الديار”. هذا علاوة على حرصهم على استتباب الأمن في الداخل، والتصدي لأي فلتان أمْني محتمَل، بالتنسيق مع مختلف المصالح والأجهزة العاملة في الحقل الأمني. وعليه، فإن الواجب، هنا، أن ينأى العسكر بنفسه عن المعارك السياسية، وعن التنافس بين رجالات السياسة عبر صناديق الاقتراع لتولي مسؤوليات القيادة والتسيير، وعن الانحياز إلى طرف على حساب آخر؛ لأنهم خُدّام الوطن والشعب كله، وعليه أدّوا القَسَم حين الانضمام إلى المؤسسة العسكرية.
ولتدخل الجيش والعسكر، حين تشتد الأزمة في بلد من البلدان، دورٌ حاسم في إطفائها. وقد شاهدنا ذلك في بعض أقطار الربيع العربي التي اضطرّ رؤساؤها إلى ترْك “الكراسي” بسبب تدخل مؤسسة العسكر، وتهديدها إياهم بالانقلاب عليهم بالقوة إذا لم ينقادوا لأمرهم سلمياً، بعدما أصرّت شعوبها على مواصلة الاعتصامات والإضرابات والاحتجاجات إلى حين الإطاحة بهم وبأنظمتهم. إن رؤساء العرب، المُطاح بهم في ثورات الربيع الجاري، لم يستسيغوا ذلك السيناريو، ولم يكن يدور في خلدهم أن يكون مصيرهم كذاك، وهم الذين، كما زعموا، “أفنوا أعمارهم” في خدمة أوطانهم ومجتمعاتهم! لذلك، كان صعباً عليهم ترْك كراسيهم الوثيرة؛ فناوَرُوا وراوغوا وتلكأوا وواعَدوا وتأسفوا واستنجدوا بكل مَنْ لمسوا فيه القدرة على نصرتهم، من داخل بلدانهم وخارجها كذلك. ولكنّ الشعب الذي كان قد كسّر حاجز الخوف، وقرّر ألاَّ رجوع وألاَّ توقف عن الثورة إلى حين إسقاطهم، أبى ذلك كله، وأصرَّ على عزلهم من مناصبهم وعلى محاكمتهم والاقتصاص منهم. وكان لحياد الجيش وعدم اصطفافه إلى جانب الرؤساء المخلوعين، في الصدام بين شعوب الربيع العربي وحكامهم، إسهامٌ بارز، كما أكد عبد الإله بلقزيز، في حسْم المعركة لصالح الثورة في تونس ومصر بصورة أساسية. ولم يتدخل الجيش، في هاتين الثورتين، إلا حين تعقدت الأوضاع، وصارت تتجه نحو “النفق المسدود”، في ظل غياب أي بوادر للتسوية السلمية للنزاع والصدام بين الشعبين ونظامَيْهما الاستبدادييْن. ولهذا الأمر، ذهب بعضهم إلى اعتبار ما حدث في تونس ومصر “انقلاباً عسكرياً بقفّازات مَدَنية”! 
لقد خلف سقوط الأنظمة، في جلّ دول الربيع العربي التي تكللت ثورات شعوبها بالظفر، “فراغاً سياسياً” تمخّض عنه بعض الارتباك، لاسيما بعد الفشل في تشكيل حكومات ائتلاف تحظى بإجماع كل المكونات المجتمعية، قبل السقوط، وفي تهيئة الأجواء لـ”مرحلة انتقال” هادئة، وفي الاتفاق على قيادة تتولى زمام إدارة هذه المرحلة إلى حين إجراء انتخابات ديمقراطية لاختيار رئيسٍ للبلاد. وتجنُّباً لحدوث انزلاقات وحروب أهلية حول السلطة، تولى الجيش قيادة الدولة، وسط مَخاوف كثير من الأطراف من تحويلها إلى دولة عسكرية لا مدنية، وإنْ أفصح هذا الجيش عن نيته من تلك القيادة؛ والتي هي توفير الأمن، وتهدئة الوضع المحتقن، والترتيب لانتخابات رئاسية في غضون أشهر معدودة؛ لتسليم السلطة إلى مدنيّين. ونشير بهذا الكلام، أساساً، إلى الحالة المصرية.
فبعد إعلان محمد حسني مبارك “تخليه عن السلطة”، في واحد من أقصر الخطابات، ومغادرته القصر الرئاسي في اتجاه شرم الشيخ، ورفْض الثوار تنصيب نائبه عمر سليمان رئيساً مؤقتاً، انتقلت القيادة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بقيادة المشير طنطاوي. وبذلك تولت، عملياً، هذه المؤسسة العسكرية إدارة شؤون مصر، وحلّت محلَّ الرئيس في ممارسة مهامّه. وقامت بعدة إجراءات لصالح تهدئة الأوضاع، وعودة الاستقرار إلى رُبوع أرض الكنانة. ولكنه – في المقابل – أتى بأخرى جَرَّت عليه انتقادات، وجعلت جهات كثيرة تنظر إليه بعين الريبة، متهمةً إياه – أحياناً – بأنه استمرارٌ للنظام السابق، ومن تلك الإجراءات إصدار إعلان دستوري مكمِّل حلّ بموجبه مجلس الشعب، وأسند صلاحيات أخرى للمجلس العسكري. ومع ذلك، استمر هذا الأخير في إدارة أمور البلد، والإعداد للانتخابات الرئاسية التي جرَت، برعاية الجيش، وبحضور مراقبين، وبإشراف القضاء، والتي احتدم التنافس فيها، في آخر المطاف، بين طرفين؛ أحدهما حظي بتزكية المؤسسة العسكرية هو د. أحمد شفيق، والآخَر عن الإخوان المسلمين هو د. محمد مُرْسي، الذي حظي بدعم جماهيري ملحوظ ، وبتأييد جملة من الأحزاب ذات التمثيلية المهمّة في البرلمان المنتخَب.
وعقب ذلك، ذهب كثير من متتبِّعي اللعبة السياسية في مصر، ومن المهتمّين بشؤونها، إلى أن مصر صارت دولة برأسيْن، أو بقيادتين: قيادة حقيقية قوية لا تظهر إلى العلن (العسكر)، بل تكتفي بتوجيه إملاءات وقرارات للقيادة الثانية بغرض التنفيذ. وقيادة أخرى “شكلية”، تبدو بمظهر القائد الفعلي، ولكنها – في واقع الأمر – ضعيفة مغلوبٌ على أمرها، تأتمر بأوامر القيادة العسكرية، وتطبّق ما تُمْليه عليها صاغرة مستسْلِمة (مؤسسة الرئاسة) .. ذلك هو الانطباع الذي ترسَّخ في أذهان كثيرين، خَبَروا قوة مؤسسة العسكر بمصر وتحكُّمها منذ نجاح ثورة الضباط الأحرار، التي قادها جمال عبد الناصر، في يوليوز 1952، بل منذ عهد محمد علي باشا؛ في رأي بعضهم.
ولكن هذا الافتراض سَرعان ما انكشف للعالم كلِّه بأنه غير صحيح، وبأنه مجرد وهْم ليس إلاّ؛ وذلك حين أقدم الرئيس مرسي، في خطوة غير مسبوقة، بتاريخ 12 غشت 2012، على عزل الجيش عن السياسة، وإرجاعه إلى ثكناته ليُباشِر وظيفته المركزية في حماية أمْن مصر وأرضها من أي اعتداءات، وإحالة عدد من أركانه على المعاش، مع إسْناد مهام أخرى لهم بحُكم خبرتهم وتمرسُّهم الطويليْن، وعلى رأسهم المشير حسين طنطاوي؛ وزير الدفاع سابقاً، والفريق أول سامي عنان؛ أحد أهم أصدقاء الأمريكان، ورئيس أركان القوات المسلحة المصرية على عهد مبارك. كما أعاد رسْم حدود المجلس العسكري الأعلى، وحدّد مهامه، سياسياً، بأنه هيأة استشارية غير ذات قرار، وشدّد على ضرورة أنْ يلعب دوره في بناء دولة مصر الجديدة الديمقراطية في إطارٍ من التعاون والتنسيق خدمةً لمصالح الوطن العُليا. وبالإضافة إلى ذلك، ألغى د. مرسي الإعلان الدستوري المكمل، وأمْسى رئيساً فعلياً ذا صلاحيات كافية لإقامة جمهورية جديدة في مصر ما بعد الثورة، يجعلها الإسلاميون والليبراليون “ثانية”، على أساس أن الجمهورية الأولى هي التي أقامها جمال عبد الناصر، بعد وضْعه حدّاً للنظام الملكي في مصر، واستمرت إلى حدود إسقاط نظام مبارك، وأبرز ما ميّزها تحكم العسكر في دواليب الدولة وأمورها. هذا في الوقت الذي يتحدث فيه القوميون المصريون عن “جمهورية ثالثة”، على أساس أن الأولى كانت مع جمال عبد الناصر المعروف بتوجهاته القومية الاشتراكية، وأن الثانية كانت مع محمد أنور السادات وحسني مبارك حيث قوة حُضور مؤسسة الجيش في الدولة، والثالثة هي التي تبدأ، الآن، مع الإخوان المسلمين بعد نجاح ثورة 25 يناير.
إن إجراءات مرسي التي ذكرْناها باشَرَها، دون شك، تحقيقاً لمطالب الثورة وأبناء مصر المحتجين، الذين طالما اشتكوا من مؤسسة العسكر. لذا، كانت فرحتهم، في ميدان التحرير وفي مختلِف أنحاء مصر، عارمةً وهم يشاهدون رئيسهم الجديد، الذي امتلك ما يكفي من الجُرأة، يُقيل كبارَهم الواحد تلو الآخر، ويعيِّن آخرين مكانهم. وبقدر ما أدْهش ذلك أبناء الداخل، أثار استغرابَ المراقبين في الخارج، الذين لم يتوقعوا إقدام رئيس حديث العهد بكرسي السلطة على مثل تلك الخُطْوات؛ مثلما لم يستسيغوا سقوط مبارك بتلك الطريقة التراجيدية وتحوّله إلى متّهَم يُحاكَم أمام أعْيُن الجميع وكأنه لم يلبث في سُدّة الحكم ولو دقيقة! فمن المعلوم أن عدداً مهمّا من الهيآت والمنظمات غير الحكومية الغربية كانت تنْشَط في مصر، وتعِدُّ تقاريرَ، باستمرار، عن تطورات الأوضاع هناك، مستعملةً شتى الوسائل المتطورة، من خلال مراكز أبحاثها، أو ما يُطلق عليه Think Tank، تدعمها السفارة الأمريكية التي تعدّ الأضْخَم في المنطقة… ومع ذلك، لم يكن يتوقع أيٌّ منها حصول ذلك “الانقلاب الناعِم” على مؤسسة العسكر العتيدة، وامتلاك مرسي كل تلك الشجاعة للتصرُّف. وقبل ذلك كله، لم تتوقعْ رحيل نظام مبارك!
إن ما حدث في مصر، مؤخراً، يؤشر على أنها بصدد تدشين مرحلة جديدة من تاريخها المعاصر، أهمّ معالمها أنْ لا سلطة تعلو على سلطة الشعب، وأنْ لا خيار للنهضة والتنمية سوى الديمقراطية الحقة التي يكون مصدرها صناديق الاقتراع، لا تلك المستورَدة، كبضاعة، من الخارج! ولا شك في أن ثوار مصر كانوا يترقبون تلك الخطوات الحاسمة من رئيسهم الذي صوّتوا لصالحه حين حَجُّوا، بكثافة، إلى مراكز الاقتراع في كل مدن مصر وقراها. ويربط بعضهم تلك الإجراءات بحادث أليم شهدته مصر، جعل الأصابع تتجه نحو الجيش، وتتهمه بالعجز وبعدم القدرة على ضمان أمن الوطن والمواطنين. ويتعلق الأمر بحادثة مقتل 16 جندياً، وإصابة 7 آخرين، قرب معبر رَفَح الحُدودي، في سيناء. فمباشرة بعد ذلك، انتقل مرسي إلى عين المكان، ودفع – بوصفه القائدَ الأعلى للقوات المُسلّحة – بآلاف الجنود والآليات إلى شبه جزيرة سيناء (للمرة الأولى منذ حرب 1973)؛ قصْدَ تطهيرها من الجماعات المسلحة، وتدمير أنفاقها، وبسْط السيادة المصرية عليها، دون استئذان إسرائيل ودون التنسيق والتشاور معها مسبّقاً؛ كما كان مألوفاً من ذي قبْل، الأمر الذي أثار انزعاجَها، واعتبرت ذلك انتهاكاً صارخاً لمعاهدات السلم المُبْرَمة بين الطرفين. ورغم المُلتمَسات الإسرائيلية بسحْب تلك القوات من المنطقة، بعد تنفيذها مهمتَها هناك في إطار عملية “نَسْر”، إلا أن الطرف المصري رفض ذلك ما دام يتحرك فوق أرضٍ هي مصريةٌ بلا منازع. بل إن بعض الأنباء تتحدث عن نَصْب مصر بطّاريات صواريخ مضادّة للطائرات، وبطاريات أخرى مضادة للدروع في سيناء، دون حاجتها إلى الحصول على ترخيص من الكِيان الإسرائيلي.
وكان للطريقة السريعة التي عزل بها رئيس مصر المنتحب أركان القيادة العسكرية وقْعها الذي وصل بكثيرين إلى تأكيد حصول اتفاق وتنسيق مسبقيْن بين المجلس العسكري الأعلى ومؤسسة الرئاسة لتنفيذ تلك الخطوة على نحْوٍ لا يكون فيه أي خاسر! وإذا صَحّ ذلك الأمر، كان قرار العزل داخلاً في الشكليات، وموجّهاً ضد أطراف معينة إرضاءً لمطالب الثوار، وبرْهنةً على امتلاك الرئيس المنتخب كامل السلطة والجرأة في مباشرة مهامه الدستورية. فالسرعة التي طُبّق بها القرار الرئاسي، والسرعة التي تقبَّل بها أعمدة المجلس العسكري هذا الأخير، مع العلم بأن العسكر كان الحاكمَ الفعلي مدة طويلة بمصر، هما مُعْتَمَد القائلين بحصول ترتيبات وتفاهمات بين الطرفين في وقت سابق، قبل تلاوة نص بيان العَزْل على شاشات التلفزة. ومن الذين ذهبوا هذا المذهبَ ناثان ج. براون الذي أكّد، في حوارٍ أجْري معه، أن “مرسي نسَّق خطواته مع المؤسسة العسكرية إلى حدّ مّا. وبشأن التعيينات الجديدة لأركان هذه المؤسسة المُقالِين، يوحي قبولها بشكل سريع، من جانبهم، بحصول بعض المُشاوَرات المسبقة على الأقلّ مع الجهات الفاعلة الرئيسة، بيد أن شروط التفاهُمات التي تمَّ التوصُّل إليها تبدو أقلَّ وُضوحاً”. وأضاف براون أن مصر ما زالت تُحكم بالجانبين معاً، وإنْ تأكد، أخيراً، غلبة أحدهما على الآخَر؛ بحيث بات الرئيس أقوى وأكثر تحكُّماً من المجلس العسكري الذي صار تحت إمْرته. يقول موضِّحاً ذلك: “بعد تنصيب مرسي، حَكم البلادَ نظامٌ استلزم حصول زواج قسْريّ بين رئيس من جماعة الإخوان المسلمين ولجنة من الجنرالات. وعلى رغم طبيعة هذا الزواج، كان ثمة دلائل قوية على أن الجانبين كانا يعملان على وضْع مجموعة من الترتيبات – تستند إلى تفاهُمات هادئة أكثر منها إلى قواعد دستورية مكتوبة – لحُكم البلاد بصورة مُشترَكة. في البداية بدَتْ مؤسسة الرئاسة، إلى حد ما، شريكاً صغيراً مقيّداً في هذه الترتيبات.
الآن تبدّلت الأحوال: الحُكم المشترك نفسه لا زال قائماً، ولكن أصبح الرئيس فيه طرفاً فاعلاً أكثر قوة. في الواقع، من خلال إلغاء الإعلان الدستوري المكمل، الصادر في يونيو 2012، أعاد مرسي طرْح نفسه الآن، وبصورة قانونية، بوصفه رئيساً للمجلس العسكري نفسه”. 
وقدّم بعضهم قراءة لإجراءات مرسي تُجاه العسكر وأركانهم، يظهر فيها التحامُل والبعد عن الحقائق؛ لصُدورها عن جهات لا تُخفي عَداءَها لهذا الرئيس وللجماعة التي ينتمي إليها. فهذا كاتبٌ إسرائيلي يكتب، في جريدة “هَآرِتْس”، مقالاً بعنوان “الإخوان يسيطرون على مصر”، يؤكد فيه أن “مرسي هو سياسي من مصنع الإخوان المسلمين. وخطواته لا تأتي فقط لتعزيز صلاحياته كرئيس، بل – وبالأساس – كيْ ينحّي جانباً خصوم الحركة؛ أولئك الأشخاص الذين منعوا الإخوان المسلمين من تصميم الدستور المصري من جديد كدستور أكثر إسلامية.”
إن ما صاحَبَ إجراءات مرسي، بخُصوص رسْم علاقة واضحة بين مؤسستيِ العسكر والرئاسة، من نقاشات وجدالات يبدو عادياً، لعدة اعتبارات. ومهما قيل، فإن الذي تسير في اتجاهه الأمور في مصر الجديدة – جَرْياً على ما هو قائمٌ في البلدان الديمقراطية – أن يتولى الجيش مهمته الأساسية، المتمثلة أساساً في حماية أرض الوطن وضمان أمْن سكانه، تاركاً الشأن السياسي لأهْله ممّن يجب عليهم التنافس الشريف، وَفق برامج انتخابية واقعية وذات مصْداقية، لكسْب ثقة الناخبين بوصْف إرادتهم الحرة الوحيدةَ القادرة على اختيارهم لتولّي منصب القيادة وتسيير الشأن العام وغير ذلك من الصلاحيات. وكلما نأى الجهاز العسكري بنفسه عن الخوض في هذا المضمار، وعن الانحياز إلى طرف ما، كان أكثر حِظةً باحترام الجميع وثقتهم. فهو ضامنُ أمْن الجميع، وحامي الأرض ومقدّراتها وحدودها من أي اعتداءات محتملة. ولا مناص من الإشارة، هنا، إلى أن رسْم حدود بين المؤسستيْن لا يُلغي إمكانات التعاون والتنسيق بينهما حين تقتضي ظروفٌ ما ذلك، وحين تدعو إلى مثل هذا التعاوُن مصلحة البلَد العُليا. وفي الأحوال العادية، يُمتَّع الرئيس المنتخب – في البلاد الديمقراطية – بممارسة الصلاحيات المخوّلة له دستورياً، دون مُضايَقات أو إمْلاءات من أي جهة، بما في ذلك العسكر، ما دام ثمة “تعاقد” بينه وبين مُخْتاريه للرئاسة لتنزيل برنامج وَعَدَهم به، ولتحقيق الرفاه والنماء والاستقرار. ولا شك في أن هذا الأمر هو المطلوب توفيرُه لقيادات بلدان الربيع العربي الجديدة للانتقال بمجتمعاتها إلى مرحلةٍ أخرى عنوانُها الرئيس الديمقراطية والكرامة والتنمية.
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: