مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

اقتلعوا حنجرة ابراهيم القاشوش …وظلت أغنيته تصدح أيقونات الثورة السورية

اقتلعوا حنجرة ابراهيم القاشوش …وظلت أغنيته تصدح أيقونات الثورة السورية
 

يوسف عكاوي 

بعد الكتابات المناوئة للنظام، وخربشات الأطفال الساخرة على جدران درعا، التي كانت شرارة التظاهرات الواسعة التي سرعان ما عمت البلاد، كان لا بد لصرخات الحرية أن تنتظم في إيقاع ولحن، ما أفضى تالياً إلى أغنية سلكت دروباً عديدة، منها ما بقي أسير التظاهرة، ومنها ما وصل إلى أيدي الملحنين المحترفين فأعادوا توزيعه وتلحينه وتسجيله من جديد بل وإصداره في ألبومات أو كليبات غنائية.
الحديث عن الأغنية السورية غالباً ما يأتي مشفوعاً بأحداث وقصص مأساوية، إنها واحدة من المرات النادرة في التاريخ التي تصبح الأغنية فيها طريقاً إلى المشنقة. بل ما هو أفظع، حين يجري استئصال حنجرة المغني بسبب أغنية. هذا ما حدث مع مغني تظاهرات مدينة حماه الذي سمعنا منه تلك الأغنية “يلا إرحل يا بشار” التي طافت البلاد، بل وأحياناً ضاقت بها البلاد لتصل إلى متظاهري اليمن الذين غنوها تضامناً مرة مع السوريين، ومرة أخرى كمفتاح سحري للخلاص من رئيسهم ولكن تحت عنوان “يلا إرحل يا عفاش”، ويقصدون طبعاً علي عبدالله صالح.
الأغنية لم تعد أغنية وحسب، لقد تحولت إلى كابوس للنظام، حين اخترع المحتجون أسلوباً فريداً، استخدموه في أكثر الأماكن ازدحاماً، بالناس ورجال الأمن على السواء، كما حدث في ساحة عرنوس ذات مرة حين دوّى صوت أغنية “يلا إرحل” من مكبرات الصوت، وريثما عثروا على مكبرات الصوت التي شُغلت عن بعد بالريموت كونترول، كانت الأغنية قد أدت غرضها.
قتل المغني ابراهيم القاشوش بسبب من تلك الأغنية، لكن الأغنية عاشت، ولا يبدو أن الخلاص منها ممكن بعد. كان لافتاً مثلاً أن تتحول صرخة الشارع تلك إلى ثيمة لمقطوعة بيانو موسيقية جميلة لمالك جندلي، أحد أوائل الموسيقيين المنشقين عن النظام، الذي جرى الاعتداء على عائلته في مدينة حمص بسبب التزامه الصريح بالثورة السورية. جندلي قدم تحية إلى مغني تلك الأغنية مقطوعة حملت اسم “سمفونية القاشوش”، إلى جانب تقديمه العديد من المقطوعات الموسيقية المصورة المواكبة للثورة، من بينها واحدة حملت اسم “أميسا”، الاسم القديم لمدينته حمص.
“جنة جنة، سوريا يا وطنا” كانت الأغنية الثانية التي شاعت مع الثورة، وخصوصاً بصوت حارس المرمى الحمصي عبدالباسط ساروت، الذي بات أحد ابرز أيقونات الثورة السورية، بعد ظهوره وقيادته للتظاهرات في مدينته. لقد تحول حارس فريق “الكرامة” الحمصي، ببساطة إلى ما كانوا ينادونه به دائماً: حارس الكرامة.
أغنية الثورة السورية بدأت من الشارع المنتفض، لكن فنانين كثراً استلهموا من الشارع أيضاً وأعادوا إليه أغانيه، كذلك فعل المغني المخضرم سميح شقير، الذي مسّته شرارة درعا، وأثرت به أشد تأثير، فأبدع من باريس “أغنيته ذائعة الصيت “يا حيف”، كلمة مأخوذة من وجدان الشارع، غناها شقير، فأبكى الناس، وصار عنوان أغنيته لافتات ضخمة في الشوارع. اللحن شاع أيضاً، والأغنية حمّلت على الموبايلات، الأمر الذي أحرج الكثيرين. لقد نقل اصدقاء أجواء مقهى الروضة وسط دمشق، حين ترن هواتف الكثيرين بأغنية سميح شقير، في وقت واحد.
شقير كان قبيل الثورة قد أجرى تحولاً في مشروعه الموسيقي، غادر تلك الصورة التي نعرفها عنه كمغن يحضن آلة العود ويغني في الشوارع والساحات والمهرجانات الشعبية، أراد أن يلتفت إلى مشروعه الموسيقي الخاص، مقترباً من الأعمال السمفونية، ولكن الثورة فاجأت الجميع، كما فاجأته وردّته إلى “عصر الجماهير”.
كثير من الفنانين تركوا مشاريعهم وحياتهم، كما فعل السوريون جميعا، أو أجبروا. المغني السوري المقيم في هولندا سومر شعبان، الذي لم يعتد الغناء بالعربية، انتزع هو الآخر من حياته وأسلوبه وغنى بالعربية للمرة الأولى بسبب الثورة فلقيت أغنيته “يا وطن” قبولاً كبيراً حين بثها عبر موقع اليوتيوب إلى جانب أغنيات أخرى.
كذلك الأمر مع السوري الكردي صلاح عمو الذي سجل مع البزق أغنية بالعربية بعنوان “قصة وطن وشوية ضمير”، وكانت واحدة من مرات قليلة يخرج فيها عن الكردية في أغانيه. الأغنية جاءت إثر مقتل صديقه المخرج السينمائي باسل شحادة. أغنية يصفها عمو بأن “أسلوبها اللحني وطريقة أدائه بسيط وعفوي. لحن مبنيّ على مقام الكرد، وهو مقام فيه اغتراب وحسرة”.
المغني بشار زرقان أيضاً لم يكن في حسبانه أن يغني على نحو متهكم وساخر وباللهجة العامية حين غنى “تيلي باثي” (تخاطر) التي اعتُبرت دعوة صريحة إلى الشارع، وتمجيد التظاهر. الأغنية تعتبر تحوُّلاً لدى المغني السوري المعروف بالغناء الصوفي وغناء القصيدة الفصحى، حيث غنى من قبل لرابعة العدوية وابن الفارض ومحمود درويش وسواهم.
وائل القاق موسيقي أكاديمي، خريج المعهد العالي للموسيقى، أطلق أخيراً السوري ألبوم أغنيات تحت عنوان “نشامى” جمع فيه أغاني راجت في التظاهرات التي شهدتها البلاد. أعاد توزيع الأغاني الشعبية موظفاً ومستفيداً من خبرة أكاديمية.
يتضمن الألبوم أغنية “جنه” بصوت عبد الباسط ساروت، “جوفية” من تراث حوران، وغناء احمد القسيم، شادي ابازيد، “عالهودالك” مسجلة من تظاهرة من الضمير” عبر ميكرفون هاتف جوال، “نشامى” وهي موسيقى من إيحاء التظاهرات في سوريا، وهناك تقسيم للربابة للعازف الشعبي شادي أبازيد من حوران، وأغنية “عيني عليها” لحن تراثي من كلمات احمد القسيم وغنائه مع شادي ابازيد، ثم “يا محلاها الحرية” من تظاهرة من حماه.
القاق اعتبر أن خياره “المقاومة بالموسيقى، لأني لست سياسياً أو ناشطاً”، وكان همه أن يقدم أسلوباً شعبياً بسيطاً وبتطعيم او تزيين من موسيقات شعبية مختلفة. كذلك فإن المشروع بالنسبة إليه موسيقي مثلما هو اجتماعي او سياسي، حيث اساس الفكرة الجمع بين الأداء المحلي اوالفطري، وبين قوالب وهتافات شعبية.
وينوه القاق بغياب المغني الشعبي السوري، ويتذكر المغني الشعبي الدمشقي أبو رياح الذي أدخل السجن بسبب عبارة في اغنية شهيرة تقول “الشام لولا المظالم جنة”، خرج بعدها ليغني في الموالد وتنطفئ ناره شيئاً فشيئاً في ظل نظام الاستبداد.
مغنون كثر أفرزتهم الثورة، من بينهم أسماء مثل وصفي المعصراني، خاطر ضوا، وفرق مثل “مصابيح”، ومغنو راب كثر، قد تجد لهم كل يوم أغنية جديدة على اليوتيوب، فهذه السهولة في النشر تتيح ذلك، لكن الصعوبة هي في العمل الاحترافي الذي بإمكانه حقاً أن يصل إلى الشريحة الأوسع من الناس.
موسيقيون كثر يعتقدون أن الأعمال التي استلهمت الثورة، وما زالت في الظل هي أكثر بكثير مما ظهر فعلاً، لأن الأعمال الموسيقية المكتملة تحتاج إلى استقرار وعمل جماعي، وقبل كل شيء، إلى ظرف يتيح لها أن تصل إلى الناس من دون اقتلاع حناجرهم، أو تهشيم أصابعهم، أو اعتقالهم، أو الاعتداء على ذويهم.عن السفير

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: