مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

القصص الأخيرة لأفنان القاسم الكابوس الثالث: القطب

القصص الأخيرة لأفنان القاسم الكابوس الثالث: القطب
  
أفنان القاسم 
خاص بالموقع
في نهاية المطاف، هذا القُرَيْدِس الأسود ليس أسود للاحتباس الحراري، قلت لنفسي، وأنا أفحص في ميكروسكوبي هذا النوع النادر من القشريات العشارية الأقدام. لديها الحق، كريستين إكبيرغ. يغدو أسود لأنه يلدغ نفسه عند اصطياده، وهي طريقة في الانتحار قديمة قدم المحيطات لملوك هذه المحيطات، والقُرَيْدِس كان ولم يزل أحد ملوكها. اللون الجليل هذا، لون الموت، سببه السم الذي ينتشر في الجسد الصغير بسرعة لا تصدق. أخذتُ عينة من اللعاب، وبدأت بتحليلها، وتأكدت من استنتاجي. على شاشة الحاسوب اتضح الأمر تمامًا مع عدد من الألوان المتداخلة، تبدأ بالأبيض، وتنتهي بالأسود، عبر سيمفونية من الألوان الشاغفة للبصر. لكن الغريب في الأمر كان الشيء التالي: ما هو السم الزعاف لهذا الحيوان اللذيذ الطعم بين أسناننا لهو الريق الترياق لنا. ابتسمت، وأنا أستعيد طعم قبلة كريستين إكبيرغ على فمي، فإذا بالباب ينفتح، والسويدية الشقراء تدخل كعاصفة قطبية تجتاح كل شيء. الكل يشرب، ويرقص، احتفاء بوداعنا، وموسيو آدم فيرن يغلق عليه باب مختبره، ويواصل فحوصاته. سَحَبَت الستارة بعزم، فدخلت شمس قوية أعمتني. كم الساعة، يا حبيبتي؟ سألتُ كريستين إكبيرغ. الحادية عشرة والنصف مساءً، أجابت عالمة الفيزياء. جلست في حضني، وقبلتني. آدم فيرن، هل تحبني؟ ولم تدعني أجيب. عادت تقبلني. آدم فيرن، متى سنتزوج؟ ولم تدعني أجيب. عادت تقبلني. آدم فيرن، هل ستأخذني إلى داركم في النورماندي لنقوم بفعل الحب في الحظيرة بين الخنازير؟ ولم تدعني أجيب. عادت تقبلني. جاء زملاؤنا، وهم يشربون، ويضحكون علينا، فقمنا، وكل منا، أنا وكريستين إكبيرغ، يأخذ قنينة بيرة حملتها ماريان لنا، صديقة كريستين إكبيرغ، وذهبنا جميعًا إلى قاعة محطة البحوث. لم نتوقف عن الرقص والغناء، الطعام والشراب، ولم نسع إلا للانتقام من شمس ليلنا. وكريستين إكبيرغ، بين ذراعيّ، قلت لها: وعن ذلك القُرَيْدِس الأسود، ألا تريدين أن تعرفي؟ أعرف ماذا وأنا أعرف؟ قالت لي. كريستين إكبيرغ، هل كل السويديين مثلك؟ مثلي كيف، ذكائي، جمالي، خرائي، خريناتي؟ خريناتك. خريناتي، لا، فالسويديون كلهم، آخر تربية، آخر حزن، آخر سقم، آه، لن تتصور كم أكرههم. أما أنا… أما أنتَ؟ أما أنا، أقول لكِ… أما أنتَ، تقول لي؟ أما أنا، أقول لكِ، أما أنا… أما أنتَ، تقول لي، خراء، أما أنتَ؟ فأحبهم. فتحبهم. أما أنا فأحبهم. هذا لا يهمني أن تحبهم. لم تسأليني لماذا. أعرف. اسأليني لماذا. قلت لك أعرف. اسأليني لماذا. تقبلني. اسأليني لما…  تعود إلى تقبيلي، ثم تقول لي: أحبك أكثر من كل جليد العالم.
            على الساعة الرابعة صباحًا، سحبنا ستائر القاعة لإدخال الشمس القوية التي لا تحيد عن سمت السماء في عيوننا، وقد بدأنا ننعس. ترامينا هنا وهناك، ونحن لا نتوقف عن الشرب. فتح أحدهم التلفزيون، فكانت نشرة الأخبار في إحدى القنوات الأمريكية. أخذ المذيع يتكلم كعادته عن الكوارث في العالم، فنهضت كريستين إكبيرغ، وهو يقول: هناك ظاهرة غريبة، الناموس. ظاهرة واحدة، في نيويورك، وفي مونتريال، وفي هلسنكي، وفي موسكو… أقفلت كريستين إكبيرغ التلفزيون، وهي تصيح بنا، تحت تأثير الكحول، كي نعود إلى الرقص، وتعيد إغلاق الستائر بعزم. عادوا إلى الرقص والصراخ، وعدت إلى فتح التلفزيون، وأنا أصغي بانتباه إلى آخر كلمات المذيع حول موضوع ظاهرة الناموس: …وبعض الإصابات كانت قاتلة، خمس في نيويورك، اثنتان في مونتريال، إصابة واحدة في كل من هلسنكي وموسكو. أما الآن، فإليكم النشرة الجوية: سيكون الجو غائمًا في الغرب من الولايات المتحدة، والحرارة معتدلة، وهناك بعض الريا… أقفلت التلفزيون، وأنا أفكر في الناموس القاتل. سقطت الساحرة السويدية عليّ ككومة ثلج من أعالي شجرة صَنوبر، جرتني بين الراقصين، وراحت بي عناقًا، ثم أبعدتنا كلنا، وراحت ترقص وحدها، وهي ترفع عن فخذيها الربانيتين، وتهز ثدييها المجمدين للحياة في العروق كما تجمد شمس القطب كل حياة. وعلى حين غرة، ألقت بجسدها على الطاولة فوق بقايا الأكل والقناني والصحون الفارغة، وذهبت في نوم عميق. حملناها إلى سريرها، وحملنا أنفسنا إلى أسرّتنا، والشمس تتراقص في حجرنا، ومن شدة الثمل والعياء، نام بعضنا في قلب الضوء دون إغلاق الستائر.
 
* * *
 
            نقلتُ مع بعض الزملاء حقائبنا إلى خارج محطة البحوث، فجاء كلاب الزلاجات لوداعنا، أنا وكريستين إكبيرغ. هذا الصغير السن هو أجملهم، قالت عالمة الفيزياء، وهي تضمه إلى صدرها، وتقبله، والهوسكي السيبيري الكبير الحجم يبكي. توقف عن البكاء، فيكنغ، رجته الشقراء السويدية، أنا لست أمك، توقف عن البكاء قلت. وَصَلَنا هدير الهيلوكبتر، وما لبثت الطائرة المروحية أن برزت، وحاول قبطانها الهبوط أقرب ما يكون منا. فيكنغ، سأتركك الآن، قالت كريستين إكبيرغ للكلب الأبيض، كن عاقلاً. حملت الكاميرا المعلقة على صدرها مع عقود كثيرة من عقود الإسكيمو، وصورته، هو والكلاب الآخرين، بينما الهوسكي السيبيري ينوح نوحًا خفيضًا مديدًا لكنه عميق وحزين. خرج كل الذين كانوا يعملون معنا، احتضننا بعضهم، وبعضهم الآخر اكتفى بالابتسام، وتحريك اليد. صورونا بكاميرات هواتفهم المحمولة، وصورناهم. هذه أجمل صورة لكِ، كريستين إكبيرغ، قال أحدهم، وهو يواصل تصوير الشقراء السويدية الفاتنة. ارسلها لأمك، قالت عالمة الفيزياء ممازحة. ابْتَسِمْ، آدم فيرن، صاح أحدهم. توقفتُ عن التصوير بهاتفي المحمول، وابتسمتُ كالأحمق على ما يبدو، لأن كل من كان هناك انفجر ضاحكًا. صورتني كريستين إكبيرغ، وأنا أبتسم، والبخار المتصاعد من فمي وأنفي يضاعف من لطم وجنتيّ بالبرد، وصورتني ماريان، صديقة كريستين إكبيرغ، وصوروني كلهم. هكذا، هكذا، كانوا يرددون، وهم يتكركرون. كفى يا أولاد، قلت في الأخير، وأنا أشد كريستين إكبيرغ من ذراعها، وأركض بها لنتسلق الهيلوكبتر. ونحن في الهيلوكبتر، رفعنا لهم أيادينا، فركض بعضهم تحت دوامات الثلج، وبقي بعضهم يحرك لنا يده مودعًا، ويواصل تصويرنا، ونحن نصور الجميع من فوق، أو نحرك يدنا، ونراهم أصغر فأصغر حتى غابوا عن بصرنا.            
            لم نلبث أن توغلنا في سماء من البلور الأزرق، سماء أقرب ما يكون إلى أصابعنا، وتحتنا، في امتداد لا نهاية له، أرضٌ من الجحيم الأبيض. التساوق لهب هذا الجحيم، والبريق سجع الأبدية. كنا نحلق كالمعلقين بجناحين ثابتين، جناحي صقر خيالي، فالأبيض يظل أبيض مهما ابتعدنا، إنه أبيض الأرواح السعيدة. كانت على وجه كريستين إكبيرغ الأبيض ابتسامة السعداء الأبديين، كانت تبتسم من كل وجهها، وهي تبدو غائبة في حلم أبيض، مهول لشدة بياضه، حلم السعداء السرمديين. أمسكَتْ يدي، ووجهها يتفجر فجأة، على مرأى قطيع من الرنّات، أشار القبطان إليه، وعمل دورة فوقه، مما جعل تلك الأيّليّات الخوّافات ككل سكان الجحيم تجري في كل صوب بين أشجار قصيرة تناثرت لآلئ الثلج عنها مع عبورها. صورتها كريستين إكبيرغ، وهي تنتفض من شدة الجزل، ففكرت في ستوكهولم التي لم أزرها في حياتي مرة واحدة. كنت أحب ستوكهولم قبل حبي للعالمة السويدية، وأحلم بالنزول في أحد فنادقها، والتمشي في شوارعها، والنظر إلى الوجوه الربانية التي هي وجوه الناس هناك، وكنت أفكر في العناق مع سويدية جهنمية البياض، ونحن ننزلق عاريين، من كثيب إلى آخر، في صحراء جهنمية البرد، كل شيء فيها شهوة متقدة. التفت إلى كريستين، وهي تصور آخر رنّات القطيع، لكن أحد الدببة البيض لفت انتباهي، ومن ورائه كان دبٌ طفلٌ يتبعه. نقرتُ على كتفها بإصبعي، وأشرت إلى الأم وابنها، فتحولت ابتسامة كريستين إكبيرغ من لؤلؤ إلى لؤلؤ، وأنا أقول لنفسي: في الجحيم الأبيض كل شيء يتشابه، لكنه يتشابه بطريقة أخرى. راحت الأم الدب تجري فجأة من وراء أرنب قطبي تمكن من الهرب والاختفاء في جحر، وعبثًا حاول الشيطان الأبيض هدمه أو اقتحامه. لم تتوقف كريستين إكبيرغ عن أخذ الصور، فأشار القبطان إلى الناحية الأخرى، ورأينا قطيعًا من الثيران المواعز التي بدت وكأنها تهرب ممن يطاردها. أقلقنا الأمر، وكريستين إكبيرغ لا تتوقف عن أخذ الصور. عندما رأينا بعض الثعالب ذات الفراء المشتعل بالأبيض تركض من ورائها، عادت الابتسامة إلى ثغر الشقراء الساحرة، وعادت إلى نفسي الرغبة في زيارة ستوكهولم. في مدينة الحب والجليد لا تتحقق كل أمانيك، فتكتفي بالنظر إلى وجوه الناس لتكون سعيدًا. كنا قد بدأنا نترك اليابسة على منظر بعض الأبوام العُقابية، كانت لبياضها لا تُرى إلا من عيونها التي ينعكس فيها الذهب الأزرق والليل الأبيض. لم يكن الشاطئ القطبي في الصيف أشبه بالشاطئ اللازوردي عندنا، كان الجليد يتحطم هنا وهناك كفوهات النيران المتجمدة لما فجأة رأينا عددًا لا يعد ولا يحصى من كائنات البحر الميتة، من بينها القُرَيْدِس الأسود. أخذت كريستين إكبيرغ تصورها، وعلى وجهها تبدو أمارات الذهول. القُرَيْدِس أسود ليس لأنه انتحر بسبب اصطياد الإنسان له، صحت في أذن كريستين إكبيرغ لتسمعني، وضجيج الطائرة المروحية أمر لا يصدق. لا، أكدت عالمة الفيزياء، وقد اختفت ابتسامتها تمامًا، بسبب شعوره بالخطر. اجتاح وجهها القلق، فتركت آلة تصويرها تسقط على صدرها، ولم تهتم للقبطان، وهو يشير إلى قطيع من الفقمات "البيبي" البيضاء المتكاسلة هنا وهناك، بقيت طوال الوقت صامتة حتى بانت الغواصة الزجاجية، غواصة البحوث الأولى من نوعها، كسمك القرش ترسو هناك بانتظارنا.
            دار بنا القبطان بطائرته المروحية من حول الغواصة التحفة عدة مرات، فعادت الحيوية تطفح من وجه كريستين إكبيرغ. أخذت تصور الغواصة من كل نواحيها، وهي تنتفض من شدة الجزل، فالغواصة كانت انسيابية الشكل، ذات طوابق خمسة، أعرضها فوق، وأضيقها تحت، وظهرها مفلطح كالجناح الظهري لسمك القرش. أنزلنا القبطان قرب بابها السفلي، فإذا بالباب ينفتح، ويخرج منه عدد من البحارة. تركناهم ينزلون حقائبنا، ودخلنا بعد أن قلنا للقبطان الوداع. أخذنا المصعد مع مضيفة في كامل أناقتها وجمالها، وفي الطابق الخامس تركتنا في صالون ضيق لكنه باذخ بمحتوياته. خلعنا ثيابنا الثقيلة، ورحنا ننظر من الجدران الزجاجية إلى المحيط المتحطم بجليده، وكريستين إكبيرغ لا تتوقف عن التصوير. فجأة، إذا بباب الصالون الضيق ينفتح، ليظهر سام هوارد، عالم الجيولوجيا الأمريكي المعروف. الآن ونحن الثلاثة معًا لن يصمد من أمامنا لغز واحد، هتف سام هوارد، وهو يسلم علينا. الآنسة كريستين إكبيرغ حسنها يسبق صيتها، أضاف عالم الجيولوجيا، والشقراء السويدية تضحك للإطراء بزهو واغتباط. أما آدم فيرن، فهو غني عن التعريف. سبق والتقينا منذ عدة سنوات، قلتُ. في أوسلو، قال سام هوارد، أذكر ذلك، في المؤتمر حول الاحتباس الحراري. كلمتك المروعة عن الغازات الدفيئة لم تزل أصداؤها ترن رنين ناقوس الخطر في أذني، لم يكن هذا رأي كريستين إكبيرغ. لم يكن هذا رأيي، قالت العالمة السويدية. وهل ما تزالين عند رأيك؟ لم أزل، ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض وانخفاضها ما هما إلا لدورات طبيعية. تدخلتُ: المشكل ليس أن يكون طبيعيًا أو اصطناعيًا، المشكل ليس هنا الآن، المشكل كيف نواجه الاحتباس الحراري في كلتا الحالتين. هذا صحيح، همهم العالم الأمريكي. المواجهة نعم، ولكن كيف المواجهة دون معرفة الأسباب؟ ألقت عالمة الفيزياء. هذا بالضبط ما نسعى إليه كلنا، وأنا لهذا أردت معكما أن أعرف الأسباب، أسباب الكوارث القادمة، كوارث إن لم نعرف أسبابها، التهمت كوكبنا كما تلتهم النار الهشيم. لنشرب نخب وصولكما، قال سام هوارد، وهو يصب بعض الكونياك في كؤوس ثلاث. قدم لكل منهما كأسًا، واحتفظ بواحدة، ثم هتف، وهو يرفع كأسه عاليًا: بصحة أعظم مغامرين على وجه الأرض. دق كأسه بكأسيهما، ودفعة واحدة، قذفوا ما تحويه في حلوقهم المرمرية، وابتسموا لبعضهم ابتسامة متراوحة بين اليقين وعدم اليقين. وكأن العالم الأمريكي لاحظ ذلك، وضع كأسه، وقال، بصوت رنان، وهو يشير بيديه إلى عالم الغواصة الذي نحن فيه: هذا المكان ليس فقط جوهرة علمية ولكن أيضًا جوهرة تقنية لا مثيل لها. وضعت كأسي، ووضعت كريستين إكبيرغ كأسها. حملَتْ آلة تصويرها، وجعلها تجتاز أمامه، وكذلك أنا. خرجنا من الصالون لندخل مباشرة في قاعة مليئة بالأجهزة الإلكترونية وبعدد لا بأس به من التقنيين والمحللين الذين وقفوا لتحيتنا. هنا عقل الغواصة التحتية الخامسة، أوضح سام هوارد. الغواصة التحتية الخامسة؟ استوضحتُ. ابتسم العالم الجيولوجي: نعم، هذا ذنبي، كان من الجدير بي أن أبدأ بشرح تركيب البيت الزجاجي الذي نحن فيه. آدم فيرن، انظر، قالت كريستين إكبيرغ، وهي تشير بإصبعها إلى لقطة لمحطة البحوث التي كنا نعمل فيها على شاشة أحد الحاسوبات، وفجأة، انبثق فيكنغ، الهوسكي السيبيرى، كلب العالمة السويدية المفضل، وراح يركض بشكل غير عادي، كأنه يهرب من شيء كنا نجهل ما هو، ولكن ما لبثت لقطة أخرى أن حلت محلها. هذا لأن لنا قمرنا الصناعي الخاص بنا، قال العالم الأمريكي، وهو يغطي كل قطب الشمال. ما به فيكنغ؟ همست كريستين إكبيرغ في أذني مشغولة البال، بينما سام هوارد يتابع: إذن هذه الغواصة لهي في الواقع خمس غواصات متراكبة، كل منها غواصة تحتية، ومن هنا الطوابق الخمسة، كل طابق عبارة عن غواصة لصق أخرى، وهي لحجمها الأصغر فأصغر يمكنها الغوص، كل واحدة على حدة، إلى المدى الذي يسمح به ضغط الماء حتى قعر لم يكن يدرَكُ من قبل. لم يكن من الممكن إرسال قَمْرية كما هو متبع، للكتلة اللجية الهائلة، إلا بهذه الطريقة، فالخطر طبيعي، كما تقول كريستين إكبيرغ، ولكنه ليس فقط دوري حسبما أعتقد كعالم جيولوجي، الخطر محدق بنا من فوق ومن تحت، من أعماق السماء، ومن أعماق البحار.
            دفعنا من أمامه، وكريستين إكبيرغ تهمس في أذني: فيكنغ، لماذا كان يهرب هكذا؟ وممن؟ هنا على الجانبين، أوضح سام هوارد، حجرات النوم والمخازن والمحركات، وهنا… فتح بابًا بالضغط على زر، الطاقم البحري. حيانا الربان ومساعداه، وتأملنا المحتوى المعقد لحجرة القيادة لثوان، والعالم الأمريكي يواصل إيضاحاته: هذا ما لكل غواصة تحتية على التقريب، بغض النظر عن الحجم. ونحن في الممر، تقدمت المضيفة منا، فأوقفها سام هوارد: لا، يا تينا، سنأخذ الدرج اللولبي. الحقي بنا في الطابق الرابع. نزل قبلنا، وكريستين إكبيرغ تهمس في أذني: وباقي الزملاء، لماذا لم نر أي أثر لهم؟ ماذا؟ رفع سام هوارد صوته. أتكلم مع آدم فيرن، قالت العالمة السويدية. نحن هنا في الطابق الرابع، قال العالم الجيولوجي، ونحن نترك آخر درجة، ونجد أنفسنا، مثل فوق، في ممر دخلنا منه إلى صالون أصغر مما هو عليه في الطابق العلوي، ثم إلى قاعة بحوث أصغر كذلك من قاعة بحوث الطابق الخامس، وبالتالي أقل عددًا فيما يتعلق بمحلليها وتقنييها، ثم إلى ممر داخلي تحيطه حجرات النوم والمخازن والمحركات، فمقصورة القيادة. على باب مصعد الطابق الرابع، أوضح: الآن وقد عرفتما النظام الآلي، سننزل مباشرة إلى الطابق الأول، إلى الغواصة التحتية الأولى، الأهم. أغلقت المضيفة باب المصعد، وضغطت على زر راح يومض أحمر الضوء حتى وصلنا، وإذا بنا في مقصورة القيادة مع الربان ومساعده، وإذا من حولنا أجهزة إلكترونية لا تعد ولا تحصى. هذه الغواصة الصغرى "غواصتنا"، ألقى سام هوارد، وهو يضحك. سنطل منها على عالم ما تحت محيط الشمال لأول مرة في تاريخ البشرية، وسنكتب أسماءنا إلى جانب إيريك لو روج وهدسون وبارندز. لم تكن كريستين إكبيرغ تستمع إليه، وصلت آلة تصويرها بأقرب حاسوب، وراحت تفحص الصور التي أخذتها حتى وقعت على فيكنغ، كلبها المفضل. إنه يبكي على فراقي، همهمت العالمة السويدية، لكن ليس هناك ما يخيفه. قلت لسام هوارد: ونحن فوق، نقل قمركم الصناعي لقطة لفيكنغ هاربًا مما يهدده. فيكنغ؟ الهوسكي السيبيري، كلب كريستين إكبيرغ المفضل. انظر، آدم فيرن، طلبت إليّ العالمة الشقراء جهمة الهيئة. الثيران المواعز هنا، أضافت، وهي تشير إلى قطيع الثيران المواعز الذي شاهدناه يركض ركض المجنون من الطائرة المروحية، تهرب، ليس من هذه الثعالب القطبية كما ظننا، فالحيوانات الصغيرة هذه تهرب بدورها. همهمتُ: لست متأكدًا من أنها تهرب. بلى، همهم سام هوارد، أخشى أنها تهرب. ولكن مم؟ ممن؟ همهمت كريستين إكبيرغ، ولا شيء من ورائها غير الجليد. لمس العالم الجيولوجي شاشة الحاسوب، وكبر الصورة بإصبعه أكبر ما يكون. لا شيء، عادت عالمة الفيزياء إلى الهمهمة. هل من الممكن تكبير الصورة أكثر؟ سأل سيد الغواصة الزجاجية الربان، فنهض مساعده، وهو يقول: من الممكن. وبعد عدة محاولات مع الأزرار، إذا بالفضاء يتسع، ويتسع، وإذا بخرطوم ناموسة يتضح، ولا يبين باقي جسدها، فاللقطة كان هذا كل حدودها. آه، يا إلهي! همهم سام هوارد، لم أكن أتوقع أن يرتفع تسخين المناخ بهذه السرعة وإلى هذه الدرجة. هل تعني أنه الناموس الألفي؟ سألت كريستين إكبيرغ مترددة، فأكمل العالم الجيولوجي: وقد تحرر لذوبان الجليد الذي كان يطوقه منذ آلاف السنين. إذا كان الأمر كذلك، همهمتُ، فالكارثة كونية. فرزت كريستين إكبيرغ صورها، وملأت الشاشة بالقُرَيْدِس الأسود المنتحر وباقي السمك الميت. هذا المشكل أمر آخر مختلف تمامًا، أوضح عالم الجيولوجيا. هذا الموت السمكي ليس سببه قرص الناموس وإنما انبعاث الغازات من جوف الماء. تدخلتُ: المحيط الشمالي خال من البراكين الجوفية. هذا رأي من بين آراء، سنقف على صحته من عدمها غدًا بعد غطسنا للمرة الأولى في تاريخ البشرية حتى العمق اللجيّ كما سبق لي وقلت، وخشيتي كبيرة أن يكون كل ما أتوقع صحيحًا، همهم سام هوارد، وهو يزم الصورة بإصبعه على بعض الأسماك الميتة: القاروس والدوراد سمكتان تحتملان برودة الماء الشديدة، وهما لهذا من أسماك المحيط الشمالي القريبة من سطحه، أما الأَبْرَميس والأَنْقَليس، فهما من سكان الماء الدافئ، ماء أعماق المحيط، الماء الحلو، فللمحيط الجليدي طبقات من الماء المالح والماء الحلو. تدخلت عالمة الفيزياء: هذا شيء أسمعه لأول مرة، طبقات من الماء المالح والماء الحلو، ولكن ليس هذا ما هو هام في حالتنا. همهمتُ: إذا كانت أسماك سطح محيط الشمال تموت كما تموت أسماك أعماقه هذا يعني أن الغازات القاتلة قد وصلت إليها، وأن هناك براكين جوفية بالفعل، وهي قد بدأت تنفث سمومها قبل أن تثور. همهم سام هوارد: سنتأكد من كل هذا غدًا، الآن اصعدا، وارتاحا، وعندي مفاجأة صغيرة لكما في المساء.
            تَرَكَنا سيد الغواصة الزجاجية نصعد إلى الطابق الخامس مع المضيفة وحدنا، دلت كل واحد على قَمْرِيته، وذهبت، وهي تتألق أناقة وجمالاً. اتصلت كريستين إكبيرغ بمحطة البحوث، واطمأنت على فيكنغ، حتى أن ماريان، صديقتها، أرسلت لها صورته، وهو يتشيطن، ويلعب بدمية، ويكاد يمزقها. وجدنا في الخزانة بِزَّة بقلنسوة وقناع أكسجين كُتب عليها: ارتدها عند أول خطر. هذا ما ليس بالجميل، آدم فيرن، همهمت الساحرة السويدية. حقًا ما تقولين، أجبت، وأنا أفرغ حقائبي. احتضنتني من ظهري، وشدتني بقوة، وبقيت هكذا دون أن تتحرك. ماذا، يا حبيبتي؟ هذا ما ليس بالجميل. استدرت، وهي لم تزل تشدني بقوة، وقلت: إذا ما انفجر بركان في أعماق المحيط الجليدي، غدا الاحتباس الحراري طبيعي أم اصطناعي لا شيء، لا شيء على الإطلاق، ستذوب الجبال البيضاء، وستتحرر كل الحشرات كل الفيروسات كل الطفيليات، ولن يكون الناموس القاتل للبشر العدو الوحيد، ستجتاح الكون أمراض لم تعرفها البشرية من قبل، وسيغدو كل شيء حتى هذا الرداء الحصين أمرًا هشًا لا فائدة منه. دفنت وجهها في صدري، وهي تهمهم: أنا خائفة، آدم فيرن، أنا خائفة، يا حبيبي. جذبتني إلى السرير الضيق، ونامت بين ذراعيّ، وأنا أحس بها، وهي ترتعش.
            في المساء، التقينا وسام هوارد، في الصالون، من حول طاولة عشاء فخمة عليها شتى أنواع الأطعمة الشهية. لا، ليست هذه مفاجأتي لكما، قال العالم الجيولوجي مبتسمًا. تقول ليست هذه مفاجأتك لنا؟ همهمت كريستين إكبيرغ مأخوذة، منذ عيد الميلاد الأخير الذي قضيته مع عائلتي في ستوكهولم، منذ ثلاث سنين، لم أشاهد مائدة بكل هذه الألوان وكل هذه الروائح. حذار، كريستين إكبيرغ، قال سام هوارد، وهو يهز إصبعًا منبهة. لماذا؟ ليس لأن ثلاث حالات من الدزنتاريا استطعنا أن نحصيها بين طاقم الغواصة الزجاجية إلى حد الآن. ثلاث حالات من الدزنتاريا، هتفتُ. اطمئن، كل طعامنا معلبات، ونحن لا طباخ لدينا، طباخنا هو الفرن الميكروموجات. إذن حذار لماذا، سام هوارد؟ طلبت عالمة الفيزياء. لئلا تسمني، ألقى سام هوارد، وهو يقهقه، ونحن نقهقه معه. الحقيقة أن المرأة البدينة في القطب نعمة من النعم، وكل البرد الموجود في الخارج. تريد القول المدورة، صححت كريستين إكبيرغ، المرأة المدورة، في حالتي على الأقل. نعم، في حالتك على الأقل، همهم العالم الأمريكي، وهو يكاد يأكلها بعينيه، مما اضطرني إلى التدخل: وتلك المفاجأة؟
            ذهب سام هوارد إلى رف الكتب، حمل مجموعة منها، فبان زر ضغط عليه، وإذا بسقف الصالون يتحرك، وإذا بمجموعة لا تعد ولا تحصى من الأسماك وشتى أنواع المائيات في حوض فوقنا. ذهلنا من المنظر، وكريستين إكبيرغ من المفاجأة لا تستطيع إطلاق ضحكتها كاملة. راحت تطلق ضحكة على دفعات، وهي تنتقل من مكان إلى آخر في الصالون رافعة رأسها إلى أعلى، وهي ترفع يدها دون شعور منها تريد الإمساك بهذه السمكة الملونة أو تلك. إذا كانت مفاجأة، همهمتُ، فهي حقًا مفاجأة. إنها عِلِّيَّتي! ألقى سيد الغواصة الزجاجية مزهوًا، قبل أن يضيف: هكذا تصبح هذه الغواصة العجيبة سفينة نوح المعاصرة في حال ما كانت الكارثة كونية، تصبح الكون.
* * *
            غاصت الجوهرة الزجاجية بنا كقصر من الضوء، ونحن نتابع حركتها من الطابق الأول عبر الكاميرات وآلات التصوير الخارجية على شاشات الحاسوبات. كانت الصور واحدة في الطوابق الخمسة التي هي، في الواقع، غواصات خمس، ستنفصل الواحدة عن الأخرى حسب طبقات الماء بين مالح وحلو. وكان التقنيون والمحللون يعكفون على دراسة المعلومات التي تجنيها الآلات الإلكترونية الخارجية، كالحرارة، والضوء، والأكسجين، والهيدروجين، والبعد، والعمق، والأسماك، والغازات، والطحالب، وكل عالم ما تحت المحيط القطبي. لاحظنا وجود الدوراد بكثرة في المنطقة الباردة القريبة من السطح، فقسنا حجمه، وأخذنا وزنه، وحللنا لونه، وداعبته كريستين إكبيرغ، وهي تلصق وجهها على الزجاج. أنت الكبيرة حلوة كماما، همهمت كريستين إكبيرغ. أليست حلوة تلك الكبيرة، آدم فيرن؟ رفعت رأسي عن شاشة الحاسوب، وابتسمت لها. حلوة كماما، عادت العالمة السويدية إلى الهمهمة. أحضر أحد البحارة سمكة فضية التقطتها الأيدي الآلية للتحليل الحيوي والفيزيائي، فعكفنا أنا وكريستين إكبيرغ على ذلك. وفي الأخير، ابتسمت عالمة الفيزياء: ماما بصحة جيدة، قالت قبل أن تضيف: مع الأسف لا يوجد طباخ لنأكلها. قلت: أنت لا تحبين السوشي، فقالت: أنا أحبك، وقبلتني قبلة خفيفة. قال سام هوارد: أرجو أن يكون هذا حال باقي الأسماك. وما أن نطق بهذه الكلمات حتى توقفت الغواصة الزجاجية، ومعها كل الحركة الإلكترونية من حولنا. انحنى العالم الجيولوجي على شاشة الحاسوب ليقرأ: المستوى الفاصل بين كتلتي الماء المالح والماء الحلو. رأينا على شاشة الفيديو كيف انفصل الطابق الخامس عن باقي الطوابق، وظهر لنا ظهر الطابق الرابع بجناحه المفلطح تمامًا كظهر الطابق الخامس. لتسهيل الانسياب، همهم سام هوارد، ولتحمل الثقل الطام للماء، والحجم الأصغر لهذا السبب أيضًا. في عالم الماء الحلو، انتشر الأَبْرَميس بشكل لافت للنظر. أنا لا أحب هذا النوع من الأسماك، همهمت كريستين إكبيرغ. لأنه كثير الحسك، قلت. لا أقصد أكله وإنما شكله. صحيح، ليس جميلاً، الأَبْرَميس، لأنه مستطيل ربما. ربما، همهمت العالمة الشقراء، وهي تنشغل بقراءة التقارير عنه. قمنا بتحليله حيويًا وعضويًا، والجوهرة الزجاجية تغطس بنا أكثر فأكثر في عالم المجهول.
            ومرة ثانية، توقفت الغواصة الزجاجية في المستوى الفاصل بين الماء الحلو والماء المالح، تركنا فوقنا الطابق الرابع، وتوغلنا في أعماق المحيط الجليدي. بدأت الأضواء تذوي، والصمت الثقيل يتنامى. تخيل لنا أن القاروس المسيطر على الفضاء هنا أقرب في لونه إلى الفضي الأسود، فاحتارت كريستين إكبيرغ. هذا بسبب دفء الماء، همهمتُ. لماذا لم تقل بسبب سخونة الماء، آدم فيرن، نبرت العالمة السويدية، أنت تخريني بالفعل. نعم، بسبب سخونة الماء، همهم سام هوارد، وهو يفحص على شاشة الحاسوب درجة الحرارة. كم المعدل العادي، سألت كريستين إكبيرغ. سبع درجات فوق الصفر. والمعدل الحالي؟ عشر درجات فوق الصفر. هذا كثير، ألقت السويدية الشقراء، وهي ترفع شعرها بيد عصبية. هذا كثير بالفعل، قلت. ليس بالكثير كثيرًا، قال العالم الأمريكي. كلامك مرعب، سام هوارد، همهمت كريستين إكبيرغ. أعرف. إذا كان المعدل هنا عشر درجات فوق الصفر، فكم هو في العمق اللجيّ؟ بقينا صامتين، ننظر من حولنا، ونحن نغوص شيئًا فشيئًا في أعماق الماء وفي أعماق أفكارنا. قطع البحار علينا صمتنا، وهو يحضر لنا قاروسًا التقطته كريستين إكبيرغ بسرعة لم تدهشنا، وبدأت تحاليلها. كانت في البداية عابسة ومهمومة، وقليلاً قليلاً أخذ يعود إلى وجهها إشراقه الاسكندنافي. هل سنقوم بفعل الحب مع الخنازير في بيتكم النورمانديّ؟ سمعتها تهمس في أذني ولما أنتهي بعد من تحليل دم ولعاب الكائن البحري. كل شيء على ما يرام، كريستين إكبيرغ؟ همست في أذنها. لم تجبني. سنقوم. سنقوم بماذا؟ بفعل الحب مع الخنازير في بيتنا النورمانديّ. عدني. أعدك. عندي كل شيء على ما يرام، قالت، وهي تبتعد عن أدوات الفحص، وأنت؟ كل شيء على ما يرام، كريستين إكبيرغ؟ سأل سام هوارد. كل شيء على ما يرام، سام هوارد. أنا أيضًا، همهمتُ، كل شيء على ما يرام. البيئة هي السبب، وليس ارتفاع الحرارة، أوضح العالم الجيولوجي.
            توقفنا للمرة الثالثة لنترك الطابق الثالث فوقنا، ودخلنا في أجواء نصف معتمة. لم يكن من الصعب كثيرًا علينا ملاحقة الأَنْقَليس الزالق بجسده الثعباني من حولنا، كنا نفضل ألا نشعل الكشافات الوهاجة لئلا نفزعه، وعلى أي حال، كانت الصور التي تصلنا واضحة تمام الوضوح بسبب علو تقنية أدواتنا. لم نلاحظ ما هو غير عادي في هذا الكائن البحري على الرغم من ارتفاع الحرارة خمس درجات أكثر مما كانت عليه فوق. توقفنا للمرة الرابعة، ووجدنا أنفسنا، ونحن في الطابق الأخير، نغوص وحدنا في الأعماق الدامسة التي اضطرتنا إلى إشعال الكشافات الوهاجة دون أن نقع على أية حياة. أخذنا نغوص رويدًا رويدًا، بينما يبين لنا رويدًا رويدًا قعر المحيط الجليدي تحت حرارة مضاعفة: ثلاثون درجة فوق الصفر، وكل هذا اللون الأصفر الغازي لكل شيء، للرمل، للشجر، للطحالب، للصخر، للمرجان، لكل شيء، لكل شيء. نحن في قعر الجحيم، همهمت كريستين إكبيرغ، وهي تقبض على ذراعي، وأنا أحس بأظافرها في لحمي. لم ينتبه سام هوارد لِما فاهت به العالمة السويدية، ولم يشعر بما تحمله كلماتها من هول. كان يعكف على دراسة التقارير، وينتقل من هذا الحاسوب إلى ذاك، بينما غواصتنا التحتية تنزلق بجسدها الانسيابي انزلاق عقرب الماء وعقرب الوقت، هذا إذا كان هناك وقت يقاس في ذلك المكان الأبعد من أعماق القطب.
آدم فيرن، انظر، هتفت كريستين إكبيرغ، وهي تمد إصبعها باتجاه قافلة من أسماك الدوراد المصفر المزدوج الرأس. هب سام هوارد واقفًا، وطلب من الربان تسليط الضوء على المكان الذي أشارت إليه عالمة الفيزياء. يا إلهي! همهمت كريستين إكبيرغ، والأسماك المشوهة تهرب في كل الاتجاهات من قوة الإشعاع. في الجهة الأخرى، وقعنا على قافلة من أسماك الأَبْرَميس المصفر المزدوج الجسم، فدفنت كريستين إكبيرغ وجهها في كتفي، وهي لا تستطيع التحكم بلهاثها. اذهب إلى ناحية اليسار، طلب سام هوارد من الربان، نعم، ناحية اليسار، أكثر، أكثر، ناحية اليسار قلت، هكذا، توقف. رأينا تحت الأضواء الوهاجة غازًا يتسرب وفقاعات تتبقبق. وفي الحال، ظهرت التقارير على شاشات الحاسوبات، فسقط ثلاثتنا عليها لقراءتها: ثاني أكسيد الكربون، ثاني أكسيد الكبريت، سولفور الهيدروجين… بعد عدة ثوان، أطلق سام هوارد نفسًا ضائقًا، وهو يلقي بنفسه في مقعد. انتظرنا أن يقول شيئًا، لكنه لم يفه بكلمة واحدة. كل هذه الغازات بركانية، سام هوارد، قلت بكل يأس العالم. لم يعم تسربها بعد، سام هوارد، قالت كريستين إكبيرغ بكل استسلام العالم. سام هوارد، صاح الربان، وهو يشير إلى قوافل الأسماك المشوهة، الأسماك من كل نوع، في الفضاء الذي اخترقه، فهببنا ننظر، بينما عادت كريستين إكبيرغ تقبض على ذراعي، وتغرز أظافرها في لحمي، وتتأوه متمتمة: يا إلهي! يا إلهي! لم يعم تسرب هذه الغازات بعد، أوضح سام هوارد، لأن هذه الكائنات البحرية استطاعت ابتلاعها، فحمت البشرية من كارثة أكيدة. لن تقدر على ابتلاع أكثر مما ابتلعت، وهذا هو وضعها المشوه، ألقت كريستين إكبيرغ. هذا صحيح، أكد العالم الأمريكي. وإذا ما تفجر البركان فجأة؟ ألقيت كي أضاعف من يأسي. عاد سام هوارد يدرس التقارير، وقال: لن يتفجر البركان قبل وقت بعيد، لكن… لكن كل هذه الغازات، قاطعته كريستين إكبيرغ، ستتسرب إلى كل طبقات الماء، وتعمل على ارتفاع حراري لا مثيل له في القطب يؤدي إلى ذوبان الجليد دونما حاجة إلى بركان أو غيره. هذا صحيح، أكد العالم الأمريكي. سام هوارد، عاد الربان يصيح. نظرنا إلى حيث يشير الربان، فرأينا بعين الدهشة وعين الحيرة أبا مريئة، السمك النهم المدعو "شِيق"، بطول عشرة أمتار بدلاً من متر ونصف طوله الطبيعي. كل هذا لا يبشر بالخير، همهمتُ، والأيدي الروبوتيكية تأتينا بعينات من الأسماك المشوهة التي عكفنا على تحليلها دون أن ننتبه إلى العيون التي كانت تراقبنا بحذر من وراء الأشجار والصخور القعرية. طلب سيد الجوهرة الزجاجية من الربان الالتحاق بالطابق الثاني، فدار بنا عائدًا، وأنا وكريستين إكبيرغ منهمكان في مهمتنا. عند التصاقنا بالغواصة التحتية الثانية، وفي اللحظة التي صعدنا فيها للالتصاق بالغواصة التحتية الثالثة، مر من تحتنا شِيقٌ بطول مائة متر قبل أن يغيب في الظلمات.
* * *
            في اليوم التالي، ليس بعيدًا عن الغواصة الزجاجية، وضعنا متاعنا على زلاجات نارية، من أجل الذهاب إلى جبل الموت الأبيض، كما يدعوه العلماء، ولتقدير مدى ذوبانه، بعد اكتشافنا لتسربات الغازات البركانية في قعر المحيط القطبي. كنا ستة اختصاصيين، أنا وسام هوارد وأربعة آخرون، إضافة إلى كريستين إكبيرغ. تأخر دليلنا قرن الرَّنَّة، همهم العالم الأمريكي، وهو ينظر إلى ساعته. بعد قليل، وصلنا هدير زلاجة نارية. ها هو، قال سام هوارد في اللحظة التي ظهرت فيها الزلاجة النارية. والزلاجة النارية على بعد عدة أمتار منا، رأينا رجل الإسكيمو في ثياب من جلود الحيوانات القطبية من قمة رأسه حتى أخمص قدمه، وامرأة إسكيمو مغطاة بجلود الحيوانات القطبية مثله تجلس من ورائه، وهي تحيط صدره بذراعيها. توقف قربنا، ودون أن ينزل ليسلم علينا، طلب إلينا أن نتبعه، فركب كل منا زلاجته، وشغلها، ونحن نحدث ضجيجًا مثقبًا للآذان، ونثير في الأجواء دخان المازوت الأسود. تبادلت المرأتان البلدية والسويدية النظر، وانطلقنا.
            أخذنا طريقًا موازيًا للساحل، طريقًا مستقيمًا أبيض ذهبيًا تنعكس عنه أشعة شمس الصيف إلى ما لا نهاية، وبقينا هكذا طوال عدة كيلومترات لما بدأ يبدو لنا منظر فيه كل الهول لمجزرة راحت ضحيتها مئات بل آلاف الفقمات البيبي البيضاء. كانت جثثها المسلوخة تنتشر على مسافة بعيدة، والثلج الذي كان أبيض أحمر قان. نزلنا نغطس بأقدامنا في بحيرات الدم، وكريستين إكبيرغ إلى جانبي لا تفوه بكلمة واحدة، كانت تفور غضبًا على حدة مثلنا جميعًا. تقاطعت نظرتها ونظرة المرأة الإنويتية، وسمعتها تهمهم: نكبر، فنشيخ، ونموت، لماذا لا نموت صغارًا؟ استدارت بوجهها إليّ، فذهلت على مرآه، كانت الشيخوخة تكتب بأصابعها على طرفي ثغرها قصة الحياة. عدنا نركب زلاجاتنا النارية، ولم نلبث أن وقعنا على البرابرة، وهو يقتلون قطيعًا آخر من الفقمات البيبي البيضاء بضربة من هراواتهم على رؤوسها. أيها القذرون، صرخت كريستين، وهي تذهب بزلاجتها النارية بأقصى سرعة باتجاههم، ونحن نفعل مثلها. صعدنا على أجساد البعض، ووجّه قرن الرَّنَّة قبضته إلى أكثر من وجه من وجوه المجرمين. وجدنا أنفسنا نسعى في الطريق المعاكس لإحدى البواخر الضخمة، كان الجليد يتحطم مع تقدمها، والماء يطفو على الشاطئ. أطلق ربانها النفير ليبعدنا عن طريقه، ففعلنا، والباخرة الضخمة تنفث الدخان الأسود المتصاعد الطارق أبواب السماء.
أوغلنا في أرض جليدية ذات أشجار قصيرة، وبعد مسافة طويلة، بدأت تظهر لنا الأشجار مقتلعة أو محترقة، وأخذت الطريق تمتد تحت زلاجاتنا موحلة ومومسة. اخترقنا مدينة من مدن الجحيم معلقة بين الأرض والسماء، فلا هي مدينة، ولا هي شيء آخر صنعه البشر. كانت أشبه بالمدن الفُطور في كاليفورنيا أيام الانقضاض نحو الذهب، وكأن الزمن عاد بنا إلى الوراء: العربات المحملة بالفراء تغطس بعجلاتها في الوحل والجليد المذاب، والناس بقبعاتهم، يجيئون ويذهبون، يدخنون السيجار، ويشربون الجعة. كان رجال الإسكيمو يجلسون في الوحل والجليد المذاب هنا وهناك، وينظرون بعيونهم الفارغة كما لو كانوا لا ينظرون إلى أحد، وكانت الخيول المحملة بأدوات الحفر تغطس بحوافرها في الوحل والجليد المذاب. وعلى مقربة ليست بعيدة، وصلنا صوت ماكينات تثقب الجليد، كان الدخان الأسود يتصاعد منها، من ماخور الأرض إلى ماخور السماء. ونحن نحاذيها، تَبَيَّنَ لنا أنها تحفر آبارًا للنفط. وصل فريق من راكبي الزلاجات النارية المسلحين، وهم يجرون عددًا كبيرًا من الرَّنَّات القتيلة، رأينا بينها دبًا قطبيًا كبيرًا وآخر صغيرًا وعددًا من ثعالب القطب والأرانب البيضاء. أشار لنا قرن الرَّنَّة أن نتبعه، فتبعناه حتى حانة كانت تتصاعد منها الموسيقى. سنرتاح قليلاً، قال قرن الرَّنَّة بالمغولية، وبعد ذلك سنواصل طريقنا.
في الحانة، كان العصر عصر رعاة البقر، فهو صالون بالأحرى، وكل هؤلاء الزبائن بين شارب ولاعب قمار وراقص. كانت معظم النساء من البلديات، خمس منهن يرقصن على الحلبة، وهن يكشفن عن نهودهن، ويرفعن فساتينهن الملونة حتى أعلى أفخاذهن. كان الضجيج من العلو بحيث كنا نصرخ عندما نتحدث مع البارمان الذي أحضر لكل منا قنينة بيرة ولنا كلنا صحنًا مليئًا بقطع السجق المبهر. جرعت كريستين إكبيرغ قنينتها دفعة واحدة، وطلبت ثانية. ألا تريد أن تثمل، آدم فيرن؟ قالت لي دون أن أسمعها جيدًا، فتقدمتُ بأذني من فمها التي صاحت فيها: لِمَ لا نقم بفعل الحب هنا بين هؤلاء الخنازير؟ توقفت الموسيقى، فتسلق عشرات من البرابرة الحلبة، وتباروا فيما بينهم على اختطاف البنات الإينويت. جرعت كريستين إكبيرغ كل قنينتها الثانية دفعة واحدة، وطلبت ثالثة، فأمسكتُ بذراع البارمان، لكنها شتمتني، وخلصت البارمان من قبضتي: أريد أن أثمل، يا دين الرب! عادت الموسيقى، فأخذتني بين ذراعيها عنوة، وراحت ترقص بي تحت ابتسامات الذين كانوا في صحبتنا، كانت ترقص بوحشية ككل من يرقص في ذاك الدغل. تركتني إلى قنينتها الثالثة، وراحت تجرعها، فصاح سام هوارد بها: حذار، لم تزل الطريق أمامنا طويلة! همهمَتْ لنفسها: ما شأنه، هذا الخراء؟ كنت قد عدت إلى مكاني على المشرب، ولما لم أضع بعد قنينتي في فمي، جذبتني، وراحت ترقص بي، وهي تطلق صرخات الهنود الحمر عند غضبهم لست أدري أم عند صفوهم. كانت كالوحل المختلط بالجليد المذاب، واللذين يغطس فيهما كل شيء، ويتلوث بهما. لم تكن هي، كانت ماهيتها. الغضب والصفو. كالوحل كان غضبها، المختلط بالجليد المذاب، صفوها. اسألني ماذا أتمنى أن أكون الآن، صاحت كريستين إكبيرغ بأعلى صوتها كي أسمعها هذه المرة ولا أضطرها إلى إعادة قولها. كريستين إكبيرغ أنت ثملة، صحت بدوري بأعلى صوتي. أن أكون عاهرة من عاهرات ستوكهولم. كريستين إكبيرغ رجاء. هل مشت عليك الكذبة، يا حبيبي؟ رجاء كريستين إكبيرغ. لا توجد عاهرات في ستوكهولم. كريس… ممنوع على العاهرات أن يكن عاهرات عندنا، وانفجرت تبكي، هل فهمت الآن؟ ممنوع الهوى الوحشي الهوى العتهي الهوى ابن القحبة عندنا نحن المتحضرين فوق اللازم، يا حبيبي، أبناء الآلهة الغائطيين، وأنا أتمنى أن أكون عاهرة من عاهرات ستوكهولم. تعالي، يا حبيبتي، قلت، وأنا أحاول سحبها، لكنها تخلصت مني بعنف، مسحت دمعها بأصابع عصبية، وراحت بالتراجع وحدها حتى اخترقت صفوف الراقصين، وبدأت ترقص كما لم يرقص أحد، وتصرخ كما لم يصرخ أحد. نظرت إليها من مكاني على المشرب، وكل من كان معنا، ونحن نلهث بإعياء. نَظَرَتْ إليها المرأة المصاحبة لقرن الرَّنَّة، وهي تبتسم بإعجاب. كانت الساحرة السويدية ترقص مع هذا، وترقص مع ذاك، وبدأت تعانق هذا، وتعانق ذاك. عند ذلك، اخترقتُ الجموع، وأنا أدفعهم بكل قواي، وجذبتها بعنف، مما أذهلها. راحت تضربني، وتشتمني. أراد بعضهم تخليصها مني، لكن قرن الرَّنَّة تدخل، فضرب، وشتم، واستعد كل من كان معنا إلى الدخول في معركة لن تكون في صالحنا ككل معاركنا الأخرى، كل معاركنا، كل معاركنا الأخرى. تمكنا من مغادرة الحانة، فأركبتُ كريستين إكبيرغ أمامي، بعد أن ربط قرن الرَّنَّة زلاجتها النارية بزلاجتي. ونحن نغادر مدينة الجحيم، تفجر النفط من إحدى الآبار، فلوث الكون على صيحات أصحابه المنتصرة ورقصهم البربري تحت مطره الغزير الأسود. فكرت في الشمس الثابتة دومًا، دومًا ثابتة، وقلت لنفسي: لا ماض، ولا حاضر، ولا مستقبل، الزمن في رؤوسنا، ورؤوسنا مليئة بخراء كل الحضارات مذ كانت الحضارات.
* * *
            سرنا مسافة طويلة، بمقدار تعبنا، إذ كان تعبنا شديدًا. ملأنا خزانات زلاجاتنا النارية ببعض ما نحمله من مازوت، وعدنا نسير مسافة طويلة والبرد يجمد أطرافنا على الرغم من ألبستنا المبطنة بالصوف حتى أشرفنا على قرية من قرى الإسكيمو. كان الوقت في قلب الشمس يتجاوز منتصف الليل، لهذا لم يكن في الأزقة ظلٌ لعابر. تبعنا قرن الرَّنَّة بين قبب الجليد نصف الدائرية التي هي بيوت الإسكيمو حتى أحدها، فنزل هذا عن زلاجته، رفع الغطاء الجلدي عن الثقب الدائري الذي هو الباب، وأطلق صفيرًا متناغمًا. وعلى التو، خرج إنويت، وهو يلف جسده بجلد دب قطبي. تبادلا التحية بفرك الأنف بالأنف، وحيا الرجل المرأة المصاحبة لقرن الرَّنَّة دون أن ينتظر أي رد فعل منها، فهذه ظلت ساكنة دون حراك، وكأنها جمدت. تكلم قرن الرَّنَّة مع الرجل بالمغولية، وهذا يهز رأسه هزات متتالية. أشار قرن الرَّنَّة، إلى امرأته بالدخول مع كريستين إكبيرغ في بيت الرجل. لم أكن أعرف إذا ما كانت امرأته، هل هي امرأته؟ قلت لسام هوارد، فسأله العالم الأمريكي بالمغولية. أجاب أنها امرأته، امرأته الأخيرة قال. جاءت هذه، وأحاطت بذراعها كتفي عالمة الفيزياء التي كان يبدو عليها العياء أكثر ما يبدو عليها، ودخلت بها البيت. سار قرن الرَّنَّة من وراء الرجل، وفي داخل بيت الجليد، ترامت كريستين إكبيرغ على كمية كبيرة من فراء الجلود كانت السرير، فراحت امرأة الإسكيمو تخلع لها ثيابها المبطنة بالصوف، وتلقيها، حتى عرتها تمامًا، والشقراء الفاتنة تتساقط بين يديها من ثقل النعاس. جعلتها تزلق تحت الفراء، وبحركة واحدة، رمت المرأة البلدية عنها كل جلودها، واستقامت عارية كتمثال. زلقت هي الأخرى تحت الفراء بينما كريستين إكبيرغ ترتعش، لا تتوقف عن الارتعاش. حاولت ضمها لتدفئها، لكنها ظلت ترتعش. تركت الفراء، وكشفت عن قدمي كريستين إكبيرغ لتضعهما تحت ثدييها حتى توقفت هذه عن الارتعاش. عندما دخل قرن الرَّنَّة على المرأتين، وجدهما تنامان عاريتين في أحضان بعضهما. تعرى مما يرتدي بحركة واحدة، وزلق تحت الفراء ليفعل في الزهرتين المِدَقِّيَّتين ما هو آخر طقوس الحياة وأولها.
            كنا نحن الرجال قد توزعنا كل واحد منا في بيت من بيوت الإسكيمو، وفي أحضان امرأة من نساء الإسكيمو. كانت المرأة الإسكيمو المِدفأة الطبيعة في عالم لم يعرف الحضارة، وحافظ على كل إنسانيته. المرأة التي كان لها زوج، لف نفسه بالفراء، وخرج ليقعي على الباب، أو ليشعل بعض الأعواد، والمرأة التي كان لها طفل تركته ينام قربها. خلال ممارسة امرأة الإسكيمو فعل العشق معي، وهي فوقي، نظرتُ من حولي، ووقعتُ على العينين المفتوحتين لطفلها المستلقي غير بعيد هناك، وهو ينظر إلينا.
            في صباح اليوم التالي، الصباح في المفهوم كما هو في باريس، كما هو في نيويورك، كما هو في ستوكهولم، تناولنا كفطور بعض اللحم المقدد، وشربنا بعض الطحالب المغلية، وما ألذه كان فطورنا. كنا نحمل معنا كل شيء، البسكوت، والبسكويت، والنسكافيه، والحليب البودرة، والعصير، لكننا لم نشأ الاعتداء على عادة من عادات مضيفينا. فيم تفكر، آدم فيرن؟ سألتني كريستين إكبيرغ، وهي مشرقة فتانة مسحقة مهلكة كما كانت دومًا. في لا شيء، أجبت، وأنا أبتسم، أقول لك، بلى، في الحي اللاتيني. في الحي اللاتيني؟ أسطح المقاهي الآن في الحي اللاتيني مليئة بالسياح، وهم يتناولون القهوة بالحليب مع الكرواسان أو الخبز بالشوكولاطة، الفطور إياه منذ قرون، والطعم إياه منذ قرون، منذ قرون، منذ قرون، شيء مثير للقرف، أليس كذلك؟ عندنا يفضلون "كريسبرولس"، صغير الخبز السويدي، مع الجانبون والجبن والخيار والخراء والبندورة، أو "كناكبرود"، رقائق القمح اليابسة، مع بيضة مسلوقة مقطعة وكافيار زهري اللون مملح مدخن مخرأ لا علاقة له بالكافيار الروسي، وكأس من عصير القِمام الآسيّ، عصير قمامة، أقسم لك، شيء أكثر من مثير للقرف. عندنا، تدخل سام هوارد، لا شيء غير الوَدَك، بكلمات أخرى شحم الخنزير، البيض بالوَدَك، المربى بالوَدَك، القهوة بالحليب بالوَدَك، لك الخيار بين الفطور المسكّر والفطور المملّح أو أن تجمع الاثنين في خليط غائطي ألذ ما يكون، له الشكل نفسه في الصحون وفي أحواض الاستخراء. لم يمنع أحد التقنيين الذين كانوا معنا نفسه عن التقيؤ، وعلى الرغم من عدم دهشتنا، لم يتوقف عن إبداء اعتذاره.
            انطلقنا هذه المرة دون توقف حتى جبل الموت الأبيض، لم يكن جبل الجليد هذا كالجبل بمفهومنا، إذ كان ارتفاعه لا يزيد عن الأمتار الثلاثة، لكنه كان ممتدًا ملولبًا لا متناهيًا كالأسوار في الكتب المقدسة. حططنا الرحال عند قدمه، وفي الحال، أخذنا نزيل بمجرفاتنا قشرته في الناحية الأقرب منا. اعتمد قرن الرَّنَّة على شجرة، وهو يجمع بين ساقيه وذراعيه امرأته، ونام، لكن الإنويتية راحت تتابع ما نفعل بعينين فضوليتين. انظر، آدم فيرن، انظري، كريستين إكبيرغ، طلب سام هوارد إلينا. كل طبقة جليدية تمثل ألف عام من عمر جبل الموت الأبيض، ولدينا هنا… أخذ يعد الطبقات، اثنتا عشرة طبقة. اثنا عشر ألف عام عمر جبل الموت الأبيض، يا صديقيّ. وكل هذا الموت الذي يدبق بين أصابعي، همهمتُ. نقل سام هوارد حفنة من الجليد في قبضته، وهمهم: ماذا تريدني أن أقول لك؟ ارتفاع حرارة المناخ يجعل من الجليد صمغًا، ألقت كريستين إكبيرغ، وأصابعها تلتصق فيما بينها. هل ما زلتِ تصرين على أطروحتك، كريستين إكبيرغ؟ سألتُها قبل أن أضيف، ذوبان جبل الموت الأبيض على مثل هذه الطريقة لا علاقة له بدورة طبيعية أم غيره، هذا "الصمغ" الذي يهجم على أصابعك، ويدبق في كل مكان، سببه الوقود الأحفوري، لا شيء غير الوقود الأحفوري، سببه حضارتنا، يا حبيبتي، حضارتنا تقتل حضارتنا. لهذا سموه جبل الموت الأبيض، تدخل سام هوارد. لن نجد أحدًا يرقص على قبورنا، همهمت العالمة السويدية بكل اليأس في العالم. سنحفر الآن في العمق، قال سام هوارد، وهو يضرب مجرفته في صميم جبل الموت الأبيض. كل الموت الأسود في العمق، منذ آلاف السنين، وهو بانتظارنا. أخذنا نضرب مجرفاتنا كما يفعل العالم الجيولوجي الأمريكي إلى أن أشار لنا بالتوقف. اقترب بعدسة كبيرة من قطعة جليدية، وبعد ذلك تقدم بها إلى عالمة الفيزياء السويدية. ها أنا أحمل لك كل الموت، كريستين إكبيرغ. آه، يا إلهي، همهمت الفاتنة الشقراء، وهي تتركه يضع قطعة الجليد في وعاء. أتمنى ألا يكون الأمر كما أتصور، همهم سام هوارد. بل سيكون كما تتصور، سام هوارد، همهمتُ. اسكت بالله عليك، نبرت كريستين إكبيرغ. في أحد الأيام، عاد سام هوارد إلى الهمهمة، ضعت بسيارتي، ووجدت نفسي في قلب البرونكس. لم أضع القدم في البرونكس طوال حياتي مرة واحدة. وجدت نفسي أقود سيارتي في قلب البرونكس. كان الليل، وكان الظلام شديدًا، وأنا وجدتني في قلب البرونكس. فرملت بكل ما أوتيت من حنكة، وأنا أرتعد من الرعب. كنت على وشك أن أقتل أحدهم، شابًا أسود من سكان البرونكس. كان يشهر في وجهي بندقيته لأقف، ولم أكن أراه، فالظلام كان شديدًا، وأنا، بعد ذلك، تساءلت لِمَ لم يطلق، لكني فرملت في اللحظة الأخيرة، وأنا أرتعد من الرعب، وأنا أشتم، خراء، يا دين الكلب! فتحت زجاج نافذتي، واعتذرت. قلت الظلام شديد، وأنا لم أره إلا في اللحظة الأخيرة. أمرني بالنزول من السيارة، وهو يدفع فوهة بندقيته في دماغي. خراء، يا دين الكلب، كان يشتم. نزلت، والمفاتيح بيدي، فأشار إليها. كان يرتعد كله مثلي، وكانت أصابعه ترتعش. بيد كان يدفع فوهة البندقية في دماغي، وبيد كان يشير إلى المفاتيح بعصبية، ويشتم، خراء، يا دين الكلب. أعطيته المفاتيح، فركب السيارة، وشغل المحرك الذي لم يشتغل. أخرجت محفظة نقودي، وقلت له لماذا لم تأخذ محفظة نقودي. نظر إليّ مفكرًا، وهمهم آه لماذا، وانتزع مني محفظة نقودي. حاول تشغيل المحرك، فلم يشتغل، فعاد يشتم، خراء، يا دين الكلب. أعطني خمسين دولار فقط من أجل التاكسي قلت له، لكنه تمكن من تشغيل المحرك، وما لبث أن انطلق، ثم ما لبث أن توقف، عاد رجوعًا ليرمي لي الخمسين دولار الذي طلبت، للتاكسي، وبعد ذلك انطلق كالمجنون، والعجلات تحتك بالإسفلت مطلقة النار. بعد عدة أيام، استلمت طردًا صغيرًا فيه محفظة نقودي بكل ما فيها، بطاقتي البنكية، بطاقتي الوطنية، صورة آن زوجتي، صورة غروينلاند ابنتي، كل ما في محفظة نقودي إلا النقود… سكت سام هوارد، وبعد قليل، همهم: لا أدري لِمَ أحكي لكم كل هذا. كان المعاونون الثلاثة قد نصبوا مختبرًا مرتَجَلاً، فحللت كريستين إكبيرغ الحشرات الألفية، وحللت أنا الفيروسات الألفية، وكانت نتائجنا واحدة: الواحدة والأخرى تشكل خطرًا على الإنسانية، فالفيروسات لم نكن نعرفها كالأمراض التي ستفتك بنا، والحشرات لم نكن نعرفها كذلك كالناموس الغريب ذاك، ناموس قاتل اللعاب. قمنا مرتعدين على صراخ سام هوارد، حتى أن قرن الرَّنَّة قام. لم يستطع عالم الجيولوجيا النطق، كان يشير بإصبع إلى مكان جاء على حفره. عندما نظرنا، رأينا من الناموس المتجمد الآلاف المؤلفة، فلم نفعل سوى إعادة ردم الحفرة بالجليد. سارعنا، بعد ذلك، إلى ميكروسكوباتنا، فلم نجد الحشرات التي حللناها بعد أن ذابت سلاسل الجليد. كانت حريتها تعني عودتها إلى الحياة، وكانت عودتها إلى الحياة تعني موتنا.
            نصحنا قرن الرَّنَّة بمغادرة المكان في الحال، لكننا ما أن غادرنا المكان حتى تساقط الجليد الذي ردمنا به الحفرة، وبدأ بعض الناموس يتحرك. ابتعد عنا قرن الرَّنَّة بامرأته كثيرًا دون أن نستطيع اللحاق به، كان يريد الهرب من الموت بأية طريقة. حاذى المحيط بجبال جليده العائمة، وإذا بالجليد ينشق تحت قوة زلاجته النارية، ويذهب به بلمح البصر إلى ناحية لم نتخيل أبدًا عجزنا أمامها، وبالتالي عجزنا عن إنقاذه، هو وامرأته.
* * *
            خيمنا، بعد عناء وتعب، في مكان تملأه الأشجار القصيرة القطبية. اتصل سام هوارد بغواصته الزجاجية، فطمأنه ربانها، قال له كل شيء على ما يرام. في خيمتنا، أنا وكريستين إكبيرغ، أشعلتُ السخان النفطي، فأخذت شقراء ستوكهولم تخلع ثيابها الثقيلة، وهي تقول لي: لسنا بحاجة إلى إشعال السخان. أشعلته من أجلك، يا حبيبتي، همهمْتُ. لا تشعله من أجلي، يا حبيبي، همهمَتْ. أطفأَتْه، فرفعت صوتي: لا تطفئيه، كريستين إكبيرغ، الدنيا برد. الدنيا برد، همهمَتْ دون أن تستجيب. أخرجَتْ معلق نهديها الشانيل ولباسها الصغير الشانيل. الدنيا برد، قلتُ لكِ. نحن في الصيف، قالت، ولا داعي لإشعال السخان. نحن في القطب، قلتُ، في الصيف أم في غير الصيف، نحن في القطب. ارتدت معلق نهديها الشانيل ولباسها الصغير الشانيل، وقالت: أنا أرتديهما من أجلك، يا حبيبي. إذا مرضتِ لا تقولي لي… فقاطعتني: أنت تخريني، آدم فيرن، يا دين الرب، دعني أمرض، أريد أن أمرض، هذا شأني، أنا من ستمرض وليس أنت. وانفجرت تبكي، وهي تضيف: وإذا لم يعجبك، فسأخرج إلى القطب، سأعانق القطب، ليس كما عانَقَتْه امرأة قرن الرَّنَّة هذا صحيح، سأعانق كل حيواناته، كل حشراته، كل فيروساته، سأرقص معها رقصة الموت… وغادرت الخيمة بمعلق نهديها الشانيل ولباسها الصغير الشانيل. كريستين إكبيرغ، يا دين الرب، صحت من ورائها. أخذَتَ تركض على الجليد شبه عارية، وراحت تصرخ من غمرة السعادة، وتقهقه، وتنادي: آدم فيرن، فخرج سام هوارد من خيمته، وكذلك فعل الباقون، وهم تدقهم الدهشة، الدهشة من الفعل الجنوني لكريستين إكبيرغ، والدهشة من كريستين إكبيرغ، من جمالها الشرير الرباني، جمالها الفذ العبقري. آدم فيرن! خلعت معلق نهديها الشانيل ولباسها الصغير الشانيل، وعادت تقهقه، وتصرخ، وتنادي: آدم فيرن! راحت تنتقل من شجرة إلى شجرة، والثلج يندف عليها من جديد: آدم فيرن! وكل القطب ينقل صدى الصوت الأعذب: آدم فيرن! آدم فيرن! الصدى تلو الصدى: آدم فيرن! آدم فيرن! آدم فيرن! نقلتُ جلد فراء، ورحت أعدو صوبها، كالزقاقي الملعون رحت أعدو صوبها، وهي لم تزل تنتقل من شجرة إلى شجرة، وتصرخ، وتقهقه، وتنادي: آدم فيرن! كالطريد من الجنة رحت أعدو صوبها، كالمغتصب لبكارة الأرض. كان من الأمتع لي أن أشرب كأس بيرة على مشرب في مقهى من مقاهي الحي اللاتيني. فجأة، راح الجليد يهتز تحت أقدامنا، فأصاب كريستين إكبيرغ الهلع، وراحت تصرخ للهول الذي أصابها هذه المرة، وتنادي عليّ. حصلت شقوق تحت قدميها، لكني تمكنت من حملها، وأنا ألفها بجلد الفراء، والعودة بها إلى الخيمة تحت نظرات الذين كانوا في صحبتنا، نظرات أسماك قرش الوول ستريت والضالين من سود نيويورك. عندما نهضنا من النوم، وجدنا سام هوارد ميتًا، وكذلك الثلاثة الآخرين.
* * *
            ذاب الجليد في المنطقة التي كانت الغواصة الزجاجية ترسو فيها، ولدفء ماء المحيط، تمكنت الأسماك المشوهة من الصعود، والعوم في أعلى طبقاته. كان بعضها يقفز برأسيه أو بجسديه أو برأسيه وجسديه فوق سطح المحيط وكأنه يبحث عن الهرب من خطر أكبر من الخطر الذي تمثله هذه الكائنات الغريبة للبيئة. حار تقنيو ومحللو الغواصة الزجاجية في أمرهم، فالتقارير على أجهزتهم الإلكترونية كلها تؤكد أن ما يجري لا طبيعي، وأن العالم دخل في مرحلة اللاعودة لوجوده. أخذوا يرسلون إنذاراتهم إلى كل عواصم الكون، وبدأت وسائل الإعلام حملة موت الإنسانية أمام ذعر كوني لا مثيل له. لم تكن الصور التي تنقلها كاميرات الغواصة الزجاجية لتلك الحيوانات المائية المشوهة شيئًا آخر غير صورنا، صورنا التي كنا نصر على ألا نراها، صورنا غير الجميلة، صورنا الدميمة، فهل كانت لنا طوال وجودنا صور أخرى غير دميمة؟ أصاب تقنيي ومحللي الغواصة الزجاجية الهلع على مرأى أبي مريئة، ذاك الشِّيق الذي تجاوز طوله الطبيعي، متر ونص المتر، إلى طول الكائنات القبل التاريخية، مائة متر. كان الابن الوحش لشروط البيئة الجديدة، بسبب الغازات الجوفية من ناحية، والغازات الدفيئة من ناحية ثانية، والتي من أهم هذه الشروط ذوبان الجليد، فحطم سلاسل البرودة، وتمكن من العوم على مستوى واحد والغواصة الزجاجية. بعد قليل، دفعه نهمه الجامح إلى مهاجمة مربى المائيات القائم في سقف الطابق الأخير للغواصة، وبعد صراع مرير، تمكن من تحطيم السقف، والغوص بنصفه الأعلى فيه، وهو يلتهم من السمك ما لذ وطاب، ثم الغوص بكله، ولثقله، وجد نفسه يسقط في الصالون الفخم الذي كانه، ليموت اختناقًا بعد مصارعة للموت كانت ميثية. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، انبثق من أعماق الماء شِيق ثان بطول الأول ذو رأس منفصل إلى نصفين، وشِيق ثالث ذو جسد منفصل إلى نصفين، وشِيق رابع ذو رأس وجسد منفصلين إلى نصفين، وشِيق خامس ذو رأسين مهولين، وشِيق سادس ذو جسدين مهولين، وشِيق سابع ذو رأسين وجسدين مهولين، وراحت تهاجم بدورها الغواصة الزجاجية. لم تكن الشراهة هي الدافع هذه المرة، وإنما العدوانية لأجل العدوانية، حتى الطبيعة الحيوانية تغيرت في البيئة الكارثية الجديدة للقطب الشمالي. لم تكن للبحارة الوسائل القتالية التي يدافعون بها عن أنفسهم، فغواصتهم علمية، من أجل الرفاهية الإنسانية، ليست نووية، والتي هي الأخرى لا فائدة منها في اللحظة التي تتساقط فيها كل العنجهية. تمكنت الوحوش من تحطيم غواصة العلم والمعرفة، وغدت لها السيادة المطلقة في المحيط الجليدي. زلقت بعيدًا عن حافة الجحيم، إذ ما لبث البركان الغافي في أعماق الماء أن استيقظ، وراح يرسل حممه إلى كل مكان يستطيع الوصول إليه، وخاصة إلى غرورنا وجشعنا والخراء الذي هو أدمغتنا، فذاب جبل الموت الأبيض، وتحرر الناموس القاتل من سلاسل الوقت الجليدي ليبدأ غزوه للعالم. كنا أنا وكريستين إكبيرغ نسير على زلاجتنا النارية في سهاب الجحيم الأبيض، سهاب لا طول لها ولا عرض، لا بداية لها ولا نهاية، ونحن نرتدي بِزتنا الواقية وقناعنا الأكسجيني، وكأننا حشرتان من الحشرات الألفية، هي الظمأى لعدم الحياة على حسابنا، ونحن الظمأى لعدم الموت على حسابها. وصلت كريستين إكبيرغ على هاتفها المحمول آخر صور محطة البحوث قبل أن تلفظ صديقتها ماريان أنفاسها الأخيرة: كلبها المفضل فيكينغ ميت، كل باقي الكلاب ميتة، كل جثث زملائنا متناثرة. كانت جحافل الناموس الدموي قد مضت من هناك قبل أن تهاجم مونتريال ونيويورك، دالاس ومكسيكو، هافانا وبرازيليا، الجزائر وبريتوريا، ستوكهولم وروما، باريس وأثينا، الدوحة وكل المشاخخ العواصم أخواتها، بكين وبومباي، طوكيو وسدني، مكة والقدس
الكابوس القادم: المسجد
 
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: