مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

ماذا وراء أقنعة “عمود السحاب” و “ركن الدفاع” ؟

ماذا وراء أقنعة “عمود السحاب” و “ركن الدفاع” ؟
 
حمّودان عبدالواحد
كاتب عربي يقطن في فرنسا       
   خاص بالموقع
استرعى انتباهي أثناء تتبعي لتغطية الإعلام العربي والأنجلوساكسوني والفرنسي للحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة أن الصحافة العربية استعملت عبارة “عمود السحاب” ، كما هي تقريبا عبارة “عمود العنان” التي اختارها قادةُ الجيش العبري لوصف حملتهم العسكرية ، في حين أخذت مكانَها جملةُ “ركن الدفاع” Pilier de défense / Pillar of Defence  في لغة وسائل الإعلام الفرنسية والأنجلوساكسونية.
       هل من فرق بين التسميتيْن عِلما بأنّ العملية العسكرية الموصوفة هي واحدة ؟  أم هما وجهان لشيء واحد ؟ ماذا وراء استعمال ” ركن الدفاع ” لوصف الآتي أو ما يبرّره ؟ ثم ، ما الذي حاول ساسةُ إسرائيل طبخَه من خلال ” عمود العنان أو السحاب ” كشعار دقيق اختاروه بذكاء كبير – حسب الحبر السابق للجيش الإسرائيلي ، أفيهاي رونتسكي Avihaï Rontsky – ليكون سمة لحملتهم الجديدة ، القاتلة والمدمّرة ، على سكان قطاع غزة المحاصرين في أكبر سجن على وجه الأرض ؟
      يفسّر موقع ” لوكوريي أنطرناسيونال ” تبنّي الصحافة الأنجلوساكسونية والفرنسية عنوانَ ” ركن الدفاع ” عوض ” عمود السحاب ” لوصف الاستنفار العام الاسرائيلي والعملية العسكرية ضد قطاع غزة بتفضيل تسمية ” محايدة ” تبتعد بنفسها عن الأسباب الإيديولوجية التي جمعت القيادةُ الإسرائيلية 75 ألف جندي حولها. (1)
      لكن اللافت، أنّ عبارة ” ركن الدفاع ” التي وقع اختيارُها مكوّنة من إضافة تلعب فيها مفردةُ ” الدفاع ” وظيفة دلالية مركزية فيما يخص تحديد نوع ” الركن ” المعني بالأمر. وعليه ، ألا يحق لنا أن نشك في نزاهة هذه الصيغة المختارة وحيادها المزعوم ؟ في الواقع ، لا يعكس اللجوءُ إلى كلمة ” الدفاع ” لنعت حشد عسكري عظيم وحملة هجومية شرسة – ضد ضعفاء محاصرين من أطفال ونساء وشيوخ ومدنيين آخرين – تُستعمَل فيها أحدثُ الأسلحة والطائرات الاستطلاعية والنفاثة وأنظمة رادارات متطورة جدا ، وتُستَثْمَر فيها المعلوماتُ الأمنية والعسكرية المتبادلة بين إسرائيل وأمريكا .. ، موقفا حياديا بقدر ما يثير في مخيلة القارىء ” هجوما ” كان هو السبب في القيام برد فعل اسمه ” الدفاع “. بعبارة أخرى ، لم تقم وسائلُ الإعلام الفرنسية والأنجلوساكسونية إلا بإعادة وجهة نظر الإسرائيليين ونشرها على نطاق واسع في أوروبا وأمريكا – وما وراءهما في المناطق المستعمِلة للإنكليزية – لتضليل الرأي العام. ولا يمكن لنا أن نقبل بادعاء الصحافيين الغربيين المفضِّلين عبارة ” ركن الدفاع ” أنهم لم يكونوا على علم أو لم ينتبهوا إلى كون كلمة ” الدفاع ” تحمل في طياتها تبريرَ ارتكاب الجرائم مما يجعل استعمالها يكون مقصودا لهذا الغرض. لنترك ، في هذا الصدد ، صمويل فورِيْ  Samuel Forey  يعرض علينا وجهة نظر الإسرائيليين حتى نتأكّد بما فيه الكفاية من صحة هذه الفكرة : ”  دخلتُ في اتصال مع خلية التواصل في FDI أي مع قوات الدفاع الإسرائيلية. هنا أيضا للكلمات أهمية لأن كلمة Tsahal لم تعد موضة ولم تعد وسائل الإعلام تستعملها بل عوضتها ب FDI أو بأحسن منها في الانجليزية  IDF حيث إن المتكلم بها يبدو أكثر معرفة ومهنية. والسبب في تفضيل هذه العبارة أن فيها لفظة ‘ دفاع ‘ مما يعني كما كرر لي ضابط في الاتصالات في حديث بيني وبينه أنّ ‘ إسرائيل لا تهاجم ، إنها تدافع عن نفسها فقط ، إنها تردّ على العدوان الإرهابي’ “. (2)
       عبارة ” ركن الدفاع ” تترجم إذن انحيازا صارخا يرمي إلى اعتبار العملية العسكرية دفاعا عن النفس ضد قوة تتحرّش بالجيش الاسرائيلي وتهاجمه. ولا يقتصر الأمر في فكرة ” الدفاع ” على عنصر التصدي للهجوم ، بل يتعدّاه إلى شيء آخر يختفي في نوايا من اختاروا العبارة المذكورة ويمكن تقديمه في عنصر تبرير القتل ب ” إلقاء المسؤولية على الفلسطينيين “. يقول ضابط الاتصالات لصمويل فورِيْ بهذا الصدد : ” نعم يوجد قتلى مدنيون ، وهو شيء مؤسف ، لكن يجب علينا أن نردّ على هجوم الإرهابيين “. وهو صدى لكلام كانت رئيسة الوزراء الإسرائيلية كولدا مايير قد وجّهته للرئيس المصري أنور السادات في صياغة يطغى عليها المكرُ وتدل بوضوح على دهاء الساسة الإسرائيليين : ” يمكننا أن نسمح للفلسطينيين إذا ما قتلوا أطفالَنا ، لكننا لن نغفر لهم أن يُجْبرِوننا على قتل أطفالهم  “. ولا يخفى على أحد أن هذه الأقوال ” المتأسفة ” في الظاهر ترمي إلى تقديم صورة منمّقة ومزيّنة عن إسرائيل لدى الجماهير الغربية ، صورة تُظهِر الزعماءَ السياسيّين والقادة العسكريين في حُلة متحضرة ، يملكون قلبا ينبض بالرحمة ، ويتكلمون لغة ” إنسانية “. ممّا يعني أن إسرائيل لا علاقة لها ، لا من بعيد ولا من قريب ، بالشر . إنّه يمثّل ظاهرة تولد وتتطوّر خارج نطاقها ومسئوليتها ، وجدير بالفلسطينيين أن يوبخوا أنفسَهم على معاناتهم ومآسيهم لأنهم هم السبب في خلق كل الشرور داخل غابتهم الهمجية.
      ويعرف المسئولون الإسرائيليون قبل غيرهم أنّ القوة التي يدّعون أنها تهدّد أمنَ إسرائيل وتنغّص على مواطنيها عيشَهم ما هي إلا ضحية الاحتلال ، إلا فريسته التي لم يتراجع يوما ما عن محاصرتها وخنقها ومطاردتها والفتك بها دون شفقة أو رحمة ، ودون احترام للقوانين الدولية !
      كان بالأحرى على مستعملي عنوان ” ركن الدفاع ” لوصف العملية العسكرية أن ينعتوها ب ” ركن الأمن ” أو ” ركن المراقبة ” أو ” ركن محاربة المقاومة ” لو كانوا فعلا مسكونين بهاجس الحياد والموضوعية. نسأل الصحافيين الفرنسيين والأنجلوساكسونيين إذن : ماذا فعلتم بالحقيقة ؟ هل تخشون انتقادات أصدقاء الاحتلال وكلّ الجهات المدافعة عن سياسة إسرائيل الاستعمارية ؟ هل تخافون من أن تسحب مجموعاتُ الضغط المصنِّعة للأسلحة تمويلَها وسندَها المادي والسياسي لكثير من قنواتكم ومواقعكم ومنصات الإعلام في الغرب ؟ أين هي ، والحالة هذه ، أخلاقيات المهنة التي بدأتم ممارستها بقسم اليمين الفارض على كلّ من يؤدّيه أن لا يقول إلا الحقيقة ؟
      من جانب آخر ، إذا كانت العلاقة وثيقة الصلة بين اللغة والفكر ، فهل يعني تبنّيكم جملة ” ركن الدفاع ” أنكم رضيتم بقلب الحقائق ، وقانون الاسباب وردود الأفعال ، فأصبحتم تبرّرون ، أنتم أيضاً ، في منطق كولونيالي ، ظلمَ الاحتلال وقمعَه وجرائمَه باتهام الضحية بأنها تهدّد أمنَه – والحق أنها ترفض أن تخضع لإرادته وتعيش في عبودية –  لهذا لابدّ له من الدفاع عن نفسه ؟ كيف يمكن للسجان أن يتكلم عن ” الدفاع ” عن نفسه أمام مسجونين يفترض أنهم مقيدون ؟ إنّ لَهذا أمر غريب يدعو بحق إلى كثير من الدهشة والتساؤلات !
      لكن هذا الاستغراب سرعان ما يتراجع ويزول حين نكتشف أنّ عبارة ” ركن الدفاع ” تعيد إلى ذهن المراقبين اقتراحا كان الأمريكيون – بعد أن بدأت حرب الإبادة في البوسنة والهرسك في 1992 ، وبالضبط مباشرة مع بداية الرئاسة الأولى لبيل كلينتون الأولى في 1993 – قد تقدموا به إلى  الأوروبيين في تسيير شؤون القارة الأوروبية تحت تسمية  ” ركن الدفاع الأوروبي ” .. وكان هذا الاقتراح قد نبع من اعتراف أمريكا آنذاك بأن الخلافات في أوروبا قد يمكن لها أن تكون مدبّرة ومسيّرة أحسن مما مضى إذا كانت الحلول تخضع للمشورة والنظر المشترك في إطار ما يمكن تسميته ب ” الركن الأوروبي للدفاع ” داخل حلف الناتو .. وكانت أوروبا تتجّه آنذاك نحو تغييرات استراتيجية كبيرة نتجت عن إعادة تنظيم عميق للمشهد السياسي في هذه القارة. وكان حلف الناتو يرى هو الآخر أن أهدافه تغيرت كثيرا إذ لم يَعُد الأمر يتعلق بحماية مناطق من أوروبا ضد أجزاء أخرى منها ، بل أصبح يتعلق بمساعدة كل المناطق على التعايش والتواجد فيما بينها ، بالإضافة إلى ضرورة التحالف لمواجهة الأزمات الكبرى الجديدة التي تحدث قريبا من أبواب أوروبا ، وخاصة في أسيا الوسطى والشرق المتوسط ، وأحيانا في مناطق آخرى صعبة كإفريقيا حيث لا توجد إلى حد الآن قوة أمنية وعسكرية لها ما يلزم من النفوذ وتسمح باستباق الأزمات أو احتواءها وشلها.
       وفي يونيه 1996 ، وُضِعت قواعد ” ركن الدفاع الأوروبي ”  بتبني برنامج وتقييم ميزانية وتحرير الأهداف المشتركة أثناء اجتماع حلف الناتو. وقد سمح هذا البرنامج وهذا التعاون بين الناتو والاتحاد الأوروبي لهذا الأخير أن يتوفّر على بنيات مستقرة على المستوى السياسي والمالي والعسكري .. ولا يجب أن ننسى أنّ التعاون بين الاتحاد الأوروبي والناتو قد تمّ في إطار اتفاقيات ما يُسمّى ” برلين زائد ” لينتهي في دسمبر 2002 إلى إمضاء اتفاق شراكة استراتيجية ستأخذ فيما بعد اسم ” سياسة أوروبا الأمنية والدفاعية ”  .
      ألا يمكن ، في هذا السياق ، إدراج صمت القوى الغربية ، الأوروبية والأمريكية ، التي منحت الاحتلالَ الإسرائيلي غطاء دوليا لتوسيع نطاق جرائمه .. ، في خانة ما تمليه ” اتفاقية لشبونة الأوروبية ” التي هي جزء لا يتجزأ من سياسة أوروبا الخارجية وأمنها المشترك ( PESC )  ؟ 
       لفهم أبعاد هذا السؤال لا بدّ من التذكير هنا بشيء أساسي فيما يخص موقف أوروبا والناتو من حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) في غزة وفلسطين كلها. بما أنّ السياسيين الأمريكيين وجزءا هاما من الأوروبيين وضعوا هذه الحركة في لائحة الحركات الإرهابية ، وبما أنّ اتفاقية لشبونة الأوروبية وضعت في حسبانها ” بند التضامن ” اذي ينصّ على تضافر جهود أعضاء الاتحاد وتوحّد ردود أفعالهم إذا ما تعرّضت دولة من أعضاء الاتحاد إلى ” هجوم إرهابي ” ، وبما أنّ توسيع التعاون والتضامن في مجال الدفاع والأمن وإدارة الأزمات يمكن له أن يضمّ الناتو وأمريكا أيضاً ، وبما أنّ الاحتلال الإسرائيلي يبرّر دائما عدوانَه المتتابع على قطاع غزة والفلسطينيين المقاومين بذريعة تعرضه ل ” هجوم إرهابي ” .. فمن المحتمل أن تكون تسمية العملية العسكرية الجديدة ضدّ غزة ب ” ركن الدفاع ” في الإعلام الغربي قد تحمل في طياتها – والاتصالات كما تنقل وكالات الأخبار العالمية من جهة أمريكا وإنكلترا وكندا بإسرائيل لتدعمها لم تنقطع – خططَ وأهداف ” ركن الدفاع الاوروبي ” الذي يمكن رؤيته ك ” ركن دفاع أطلسي أمريكي ” . الشيء الذي – إن تأكد – يدفع إلى طرح سؤال بالغ الخطورة : هل ” ركن الدفاع ” الإسرائيلي هو الوجه الآخر ل ‘ ركن الدفاع الغربي ” الذي يتقدم في حربه ضدّ فلسطين ( بقدسها وضفتها وغزتها ) كقضية الشعوب العربية الأولى تحت قناع ” الحرب على الإرهاب ” ؟
+++++++
        الأخطر في ” ركن الدفاع ” – كقناع للإرادة الأمريكية والقوى الأوروبية الكبرى والكندية في إرغام الفلسطينيين عن التخلي عن المقاومة من أجل استرجاع أراضيهم المحتلة والاستمتاع بحقوقهم الانسانية الأولية بحرية وكرامة – أنه الوجه الآخر لعبارة ” عمود السحاب ” الإسرائيلية المأخوذة من العهد القديم في الكتاب المقدس. وهذا يعني أنّ الحرب على غزة وتفسير القوى الغربية الكبرى لموقف إسرائيل بأنه ” دفاعي ”  ومفهوم ، بل ومبرّر كما ذهبت إلى ذلك الإدارة الأمريكية ، تندرج في إطار مرجع ثقافي ديني لإسرائيل ، وربّما أيضاً لِلقوى الغربية المساندة لها. والدلائل على ذلك كثيرة ، لكننا نكتفي ببعض الاستشهادات من العهد القديم التي تدعو إلى الدهشة بسبب تطابقها الحرفي مع الإرادة السياسية والعسكرية لزعماء الدولة العبرية في أرض فلسطين في القرن الواحد والعشرين. لنتأمل ما يلي : ” كان يافي ( الإله ) يرافقهم ( العبريين ) في سيرهم ، نهارا في عمود من السحاب لكي يريهم الطريق ، وليلا في عمود من النار لكي يضيئهم ، كلّ هذا لكي يستطيعوا المشي بالنهار والليل. ولم يكن عمود السحاب لينسحب في النهار أمام الشعب ، ولا عامود النار في الليل ” . ( العهد القديم ، الخروج 13 ، 21-22 ). ولنتابع أيضاً هذا المثال : ” لا ترتعدوا ، لا تخشوهم . هذا ما أجبتكم به. إنّ إلهكم الذي يمشي أمامكم سيحارب من أجلكم كما فعل من قبل أمام أعينكم في مصر وفي الصحراء. كما رأيتم بأعينكم ، لقد حملكم كما يحمل رجل طفله طيلة الرحلة التي قادتكم إلى هذا المكان. لكنكم في تلك اللحظة لم تضعوا ثقتكم في إلهكم ، بيد أنه كان يسبقكم على الطريق لكي يجد لكم أرضا تقيمون فيها ، كان في الليل حاضرا في عمود النار الذي يضيء الطريق الواجب اتباعه ، وفي النهار في عمود الدخان ” ( العهد القديم ، دوطِرونوم 1 ، 29-30 ).
       ألا نعثر في هذا النص التوراتي على عبارة Colonne de nuée     ” عمود الدخان ” التي تُرْجِمت في الفرنسية ب Pilier de défense  وفي الانجليزية ب Pillar of Defence   ” ركن الدفاع ” ؟  ألا يمكن لأي قارىء أن يقف بسهولة على النوايا الكامنة في استثمارها سياسيا من طرف أفراد الائتلاف الحاكم اليميني في إسرائيل بزعامة نتنياهو ؟
      ما هو غريب في استغلال هذا الائتلاف الإسرائيلي اليميني الحاكم لنصوص التوراة أنهم وسموا عدوانَهم على غزة بكلمات تمثّل تدخّلَ قوة عليا سماوية ستلعب دورا حاسما لصالح العبريّين في الصراع بينهم وبين المصريين. ويكفي للتحقق من ذلك أن نتابع ما جاء مثلا في فصل الخروج 14 ، 19-31 حيث نقرأ : ” اتخذ عمود الدخان مكانا وسطا بين المصريين والإسرائيليين ، وكان مظلما من جانب لكنه كان يضيء الليل من جانب آخر (..) وعند نهاية الليل ، نظر الربّ من وسط عمود النار والدخان نحو جيش المصريين فحلت فيه الفوضى (..) في هذا اليوم ، حرّر الربّ الإسرائيليين من سلطة المصريين وأراهم جثثهم مطروحة على ساحل البحر ، فتأكدوا بأعينهم كيف أن الرب تدخل بقدرته لحمايتهم ضد مصر. لهذا اعترفوا بسلطته ووضعوا فيه وفي خادمه موسى كلّ ثقتهم “.
      غير مستبعد في ضوء هذه العناصر من فصل الخروج 14  أن يكون نتنياهو يعتبر نفسَه موسى جديدًا يقود قومَه – إسرائيليي اليوم –  كما فعل موسى عليه السلام مع عبريي الأمس نحو الهدف الذي أمرهم به ربّهم بالسير نحوه. وهذا يعني كذلك أنّ الرئيس ” الإسلامي ” محمد مرسي يلعب دور فرعون مصر القديمة ، وأنّ الشعب المصري الذي أوصل في غالبيته هذا ” الإخواني ” إلى الحكم يمثّل جنودَه المضطهِدين للعبريين .. وليس من باب المجازفة أن تكون كلمات ” عمود السحاب ” المصحوبة بالنار تارة والدخان تارة أخرى تحمل في خفاياها رسالة تحذير وتهديد لمصر مما يجعل هذه الأخيرة تكون مستهدفة من حشد الجنود واستعراض العضلات في الحملة العسكرية الرهيبة الموجهة ظاهريا لتمزيق أوصال وشرايين غزة المقاوِمة ..
       ويمكن القول دون مبالغة إن إسرائيل تعطي لنفسها الحق ، باسم هذا المنطق الثيولوجي الماضوي ، المؤطر والمبرّر لرؤية زعمائها السياسيين المعاصرين والحاليين ، بالتدخل عبر طرق عديدة ومختلفة – منها المعروف والمباشر ومنها ما لا يعرفه إلا المقربون والعاملون في الكواليس – في الحياة السياسية المصرية للتأثير فيها وتوجيهها نحو كل ما من شأنه أن يثير الفوضى والفتن والانقسامات بين الأحزاب والطوائف أو الجماعات الدينية وأفراد الشعب المصري. ولعل فيما تشهده اليوم مصر من مواجهات بين المعارضة بكل فئاتها وبين الرئاسة وأتباعها من الإخوان والإسلاميين دليل واضح على صحة ما نذهب إليه.
       تعرف إسرائيل أن الشعب المصري عموما ، والإخوان المسلمين خصوصا يقفون جميعا إلى جانب قطاع غزة وحركة حماس في مقاومتها للاحتلال ، ولم تفاجئها المساعدات المصرية ولا المساندةُ الحكومية والشعبية العلنية للفلسطينيين في مواجهة عدوان ” عمود السحاب “. رأت إسرائيل بأمّ عينيها وتأكّدت ، بما لا يدع مجالا لآمالها المعلقة على تغيير مصر من موقفها في المستقبل بصدد مشروع دولة الاحتلال ،  أنّ المصريين عموما لم يكتفوا بالمطالبة بوقف العدوان الاسرائيلي والسماح لهم بالوصول إلى قطاع غزة للتعبير عن تضامنهم مع سكانه ومع قيادته ، بل رفعوا أصواتهم مطالبين بالرد بشدة على حملة ” عمود السحاب ” وأطلقوا شعارات مثل ‘سلحونا، سلحونا والى غزة أرسلونا “. تيقنت إسرائيل كذلك من أنّ المصريين بكل شرائحهم الاجتماعية وشخصياتهم ونشطائهم مهما كان انتماؤهم السياسي والديني يعتبرون الحرب على قطاع غزة بمثابة إعلان حرب على مصر..
      تعرف إسرائيل كل هذا ، لكنها متيقنة أيضاً من ثلاث حقائق أخرى. تكمن الأولى في كون مصر تمثل النموذج المقتدى به في البلدان العربية ، وأنّ أغلبية شعوب المنطقة العربية ، سواء في المشرق أو المغرب العربي ، تنظر إليها وكأنها القلب السياسي والثقافي النابض للعالم العربي . وهذه النقطة بالضبط تجعل منها دولة ذات أهمية استراتيجية كبيرة ، لها تأثير نفسي مباشر وقوي في صفوف الشعوب العربية والإسلامية. لهذا لا بدّ من أخذ هذا الجانب القيادي لمصر بعين الاعتبار والتعامل معه بواقعية ، وفي نفس الوقت بحذر واحتياط كبيريْن.
     وتكمن الحقيقة الثانية في العلاقة المصيرية بين الثورة المصرية كقضية وطنية ، وتحرير فلسطين كقضية عربية وإسلامية مصيرية. وهذا يعني أن الثورة الحالية في مصر ، كمثيلاتها في تونس وليبيا وغيرهما في الوطن العربي ، لن تكتمل إلا باسترجاع الفلسطينيين لأراضيهم المحتلة وعلى رأسها القدس الشريف والمسجد الأقصى.
    أما الحقيقة الثالثة فلها علاقة بالحالة الداخلية لمصر التي تمر بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية من جراء المواجهة التي تشهدها البلاد بين الرئاسة والحكومة الحالية ، وبين المعارضة بكل أطيافها العلمانية والليبرالية والديمقراطية. وتراهن إسرائيل ، للحيلولة دون تحقيق الحقيقة الأولى والثانية ، على تكريس سلبية هذه الحقيقة الثالثة والعمل – بكل ما أوتيت من وسائل معنوية ومادية ، سياسية وعسكرية ومالية وثقافية ، مباشرة وغير مباشرة – على إشعال النار أكثر فأكثر في البيت المصري حتى لا ينعم بالاستقرار السياسي والأمن الداخلي الضرورييْن لنجاح الإصلاحات وإرساء قواعد مؤسسات الدولة المدنية والديمقراطية الجديدة.
     لابد إذن ، في ضوء هذه الحقائق ، من التساؤل حول المصلحة التي قد تجنيها إسرائيل من موافقتها على وقف إطلاق النار مع حماس بوساطة محمّد مرسي . هل تقبل بخسارة ما حتى لو كانت رمزية ؟ هل تقبل بإرجاع الآلاف من الجنود بمعداتهم الحربية ، الخفيفة والثقيلة ، بعد أن حشدتهم – في استنفار وطني جماعي واستثمار إيديولوجي ديني – على مشارف قطاع غزة دون مقابل ؟
      عمدت إسرائيل من ضمن ما خططت له ومن أجل الحصول على بعض هذا ” المقابل ” إلى جرّ الرئيس المصري نحو السقوط في خطأ داخلي ، فتصوّرته كبالون قابل للانتفاخ بالهواء وبدأت تنفخ فيه ( صدرتْ مثلا أمداحٌ من طرف شخصيات إسرائيلية كبيرة كالرئيس شمعون بيريس الذي عبّر عن مفاجأته من التعامل الإيجابي للرئيس محمد مرسي ومحاولاته للتوصل إلى التهدئة بخلاف حماس التي لا تريد وتضع العراقيل في طريقه ) وتبعتها أمريكا وجلّ وسائل الإعلام الغربي والعربي الرسمي معتبرة الرجل ذا رؤية سياسية كبيرة ويتعامل مع الملفات الساخنة بحكمة وواقعية ، وأنه عبّر من خلال موقفه المتزن على أنه شخصية مقبولة . فكانت النتيجة أن انتفخ البالون أكثر من اللازم ففاجأ مرسي الجميع – ما عدا إسرائيل وأمريكا – بعد يوم من توقيع الهدنة بقرار يعتبر ” كل القوانين والمراسيم التي اعلن عليها منذ 30 حزيران 2012 سارية المفعول الى حين اقرار الدستور وإجراء الانتخابات للبرلمان. وأشعل هذا الاعلان النار وأثار عليه الدوائر الليبيرالية، التي فسرت خطوته كعملية اختطاف اخرى غايتها السماح للاخوان بالسيطرة سواء على لجنة صياغة الدستور أم على البرلمان المصري. كما أنّ جهاز القضاء المصري الذي يعتبر أكبر الاجهزة تقديرا بين الجمهور ، رأى في هذا الاعلان تهديدا حقيقيا على استقلاليته “. (3)
+++++++
     إن النصوص التوراتية التي استشهدنا بها هنا وأخرى تشبهها في المضمون قد خضعت للدراسة والتأمل من قبل أحبار الجيش الإسرائيلي ، وهي المقصودة أو المخبَّئة أو المحفِّزة لاستعمال عبارة ” عمود السحاب ” كعنوان لعملية الاستنفار الجماعي الذي دعت له حكومة نتنياهو … ألا تقدم هذه النصوص محنة الأجداد الأولى في شكل حكاية قائمة في أساسها على السرد أي آلية مُحَفّزة للخيال ومثيرة للفضول والأشواق وداعية إلى الحنين والتفكّر في الماضي للاستعانة به على الحاضر والاستفادة من تعاليمه وتجاربه ؟ 
      لا ريب أنّ كلّ هذا لم يكن غائباً عن ذهن القادة الإسرائيليين الذين يعرفون أنّ الكلمات في السياسة تُستعمَل ، كما يؤكد ذلك فيليب جوزيف سالازار ، كوسيلة باعتبارها عناصر تلعب دورا فعالا في آلة الإقناع التي نطلب بموجبها من المواطنين أن يعطوننا السلطة أو يتركوننا فيها. ولكي تكون لكلمات الخطاب السياسي المفعول المتوَخّى منها في خلق دوامة من الانفعالات وردود الأفعال المتجاوبة مع ما يدعو هذا الخطاب إليه ، ينبغي لها أن تبني نوعاً من التداعي الدلالي المناسب الذي تثيره في ذهن المتلقي انطلاقا من الواقع الراهن أو الأزمة المعالَجة أو الحدث الداعي للتحرك. ولملء هذه المهمّة على أحسن وجه ، يلجأ الزعماء السياسيون في خطاباتهم إلى كلمات مشحونة بمعاني وثيقة الصلة بالتاريخ والقيم الدينية، وتدعو إلى تجنيد عقائد مترسّخة – نفسيا وفكريا وخياليا– في سبيل مساندة الغاية أو الغايات التي استُعمِلت من أجلها.(4) وقد بنى زعماء الحركات الاوروبية الذين استوطنوا أراضي الهنود الحمر وغيرهم من سكان أمريكا الأصليين ، اعتمادا على أفكار ذات مرجعية إنجيلية ، نفس التداعي الدلالي لدى المتحمسين من أنصار مشروعهم الاستعماري ، حسب رأي جان فراسنوا كولوسيمو. (5)
       واضح أنّ تسييس هذه النصوص – الذي ينحو ظاهريا إلى تفسير مبسط في أقصى صوره التلفيقية – يمكن إرجاعه إلى رغبة الساسة العبريين الحاليين إلى التوحيد بين تجربتين ، تجربة العبريين المعاصرين المسَلّمين أمورهم إلى نظام سياسي وعسكري استعماري ، وتجربة العبريين القدامى في الصحراء ، بعد أن غادروا مصر فارّين مع نبي الله موسى من جور فرعون.
      إنّ تكسير عنق التجربة القديمة لِتُمَثّل رغما عنها العمقَ التاريخي والتبريرَ الديني لتجربةٍ استعمارية لا تتردد في ارتكاب جرائم إنسانية لا علاقة للديانة اليهودية بها ، لَشيءٌ يخيف ليس الفلسطينيين وحدهم والعرب ، بل أيضا كل الغربيين المدافعين عن حقوق الإنسان والمحبّين للعدل – ومنهم يهود – الرافضين للاحتلال واستغلال الدين واللعب على وتره الإيديولوجي الحساس والخطير لأنهم يعرفون أكثر من غيرهم أنّ عدم تسوية القضية الفلسطينية بالطرق القانونية الدولية المعروفة من أجل إرجاع الحقوق إلى الفلسطينيين معناه استمرار الحرب والمواجهات واستحالة تصور مستقبل آمن في منطقة الشرق الأوسط وأماكن أخرى في العالم.
      يبدو واضحا أنّ نتنياهو ، في اتحاده بتجربة العبريين في الصحراء في زمن النبي موسى عليه السلام ، يريد أن يجعل من آلة جيشه المتعطشة لدماء الغزويين والفلسطينيين ، وما وراءها إلى دماء المصريين الذين صوتوا لصالح رئيس إخواني ، الوجهَ المعاصر ل” عمود السحاب ” الذي يمثل التجلي الإلهي في العهد القديم .. وانطلاقا من هذا يكون المحارب الحقيقي للفلسطينيين في غزة المحاصَرة ليس هو المحتل العسكري والسياسي الإسرائيلي المجرم الهمجي المتغطرس ، وإنّما الله نفسه في اتخاذه شكل أو فكرة غمام كوسيلة يتجلى من خلالها لقيادة مسيرة حكومة الائتلاف الإسرائيلي اليميني العنصري. ووقفة متأملة في الفقرة 19-20 من فصل الخروج 14 في العهد القديم تُظهِرُ للقارىء أنّه ، بالإضافة إلى تقديم نقطة توجه لعملية السير فإنّ عمود السحاب والنار يخلق رابطا بين السماء والأرض يرمز إلى رغبة الإله في النزول لمساعدة الإسرائيليين في تجربتهم .
       هذه هي الخلفية التأويلية لإيديولوجية قوة الاحتلال الإسرائيلية التي تعوّدت – إذ سبقت عمليةَ ” عمود السحاب” حملةُ ” الرصاص المصبوب ” الهمجية وعملياتٌ أخرى عديدة من نفس المستوى الوحشي – على قتل وجرح المئات من  الأطفال والنساء في أرض فلسطين ، وتدمير البيوت والبنيات التحتية وكل شيء فيها ، وتهجير الآلاف من أُسَرها وتشريدهم ، وحرق أخضرها ويابسها على السواء  !
       ولا يخفى على أحد أنّ تبنّي هذه القراءة السياسية لتجربة العبريين التاريخية في صحراء سيناء يقلِب الوظيفةَ الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية لمفهوم الله في الدين ويحوّلها إلى مهمّة احتلالية وعسكرية قائمة في جوهرها على القتل والعنف والتدمير. بلغة أخرى ، إنّ ساسة وعسكريي إسرائيل في علاقتهم بالله لا ” يخدمونه ” ، بل ” يستخدمونه ” من أجل تلبية رغبات ” عجلهم الإمبريالي ” أي مشروع وطن أسطوري يستمدّ قوّته وروحَه من رفض السامري المادي لتعاليم إله موسى وهارون – عليهما السلام – الروحية .
      الخلاف الفلسطيني الإسرائيلي هو نزاع سياسي لا ديني ، نزاع بدأ – وهو مرشح إلى الاستمرار -باحتلال الأرض وطرد السكان ومصادرة المنازل ، وعرف عدة ممارسات تعسفية وارتكاب مظالم متتابعة في حق أصحاب الأرض من جرائم قتل فردية وجماعية وتعذيب وقطع الطرق وفرض المراقبة الدائمة ..  ثم وصل ، منذ أكثر من ست سنوات ، إلى فرض عقوبة جماعية على سكان غزة بعد أن صوتت الأكثرية الساحقة منهم لصالح حركة حماس فخيّم الحصار على القطاع وشرع في خنقه برا وجوا وبحرا ، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا. ورغم كلّ هذا رفضت القوى الغربية الكبرى (المسئولة عن وجود دولة الاحتلال الإسرائيلية في المنطقة العربية ) دائما مطالبَ الشعب الفلسطيني في ممارسة حريته واسترجاع كرامته وحقوقه المهضومة من خلال تطبيق القوانين الدولية. ماذا يجب إذن على الفلسطينيين أن يفعلوه حتى يجدوا آذانا صاغية من زعماء العالم الغربي ، عالم الحرية والمساواة والديمقراطية ، وحقوق الإنسان ؟
        لو كان نيتشه حيا بيننا ورأى الحالة المتخلفة المظلمة التي عليها العالم اليوم ، وبالخصوص الوضع شبه ” التراجيدي ” الذي يعاني منه سكان غزة على يد المحتل الإسرائيلي المحاصِر المتغطرس بموالاة الأمريكان لسياسته القائمة على العنف والقتل ، لأعاد ما كان قاله أثناء ” مقابلة مع الملوك ”  في كتابه الشهير ” هكذا كان يتكلم زرادشت ” : ” ليس هناك ، فيما يخص تحديد أقدار الناس ، من كارثة ونكبة إنسانية أصعب من تلك التي يظهر فيها ” أقوياء العالم ” في صورة ” آخر البشر ” . آنذاك  تتحوّل كلّ الأشياء إلى زور وبهتان مرعب تقاس الأمور من خلاله. لكن لمّا يهبط هؤلاء الأقوياء إلى أسفل المستويات ، إلى مستوى الحيوانات ، حينئذ يقف الشعب وينهض بالقيم ويقول في النهاية بصوت جماعي : ” هاأنذا ، أنظروا إنني أنا وحدي الفضيلة ” ! (6)
      لكن هل تنطبق نهضةُ هذا الصوت الجماعي للشعب – الممثل للفضيلة وقيم العدالة والصدق والحرية – في وجه زعمائه الخسّيسين ( آخر البشر ) على المجتمع الإسرائيلي ؟ 
————————————————-
(1)          أنظر : http://www.courrierinternational.com/breve/2012/11/19/israel-gaza-colonne-de-nuee-ou-pilier-de-defense
(2)          أنظر : http://www.lesinrocks.com/2012/12/07/actualite/bavure-gaza-sort-tragique-famille-palestinienne
(3)          أنظر: محمد مرسي.. من ‘عمود السحاب’ الذي يسير في مقدمة المعسكر الى ‘انكسار السحاب’ في سماء القاهرة ؟ القدس العربي 2012-12-06 .
(4)          أنظر بالفرنسية : كلام الزعماء : توضيح خطابات الأقوياء ، مطبعة فرانسوا بوران ، باريس 2011. ص 197-202 .
(5)          أنظر بالفرنسية : الله أمريكي أو الثيولوجيا الديموقراطية في الولايات الأمريكية ، فايار ، باريس 2006 ، ص 86. أنظر خصوصا الفصل المعنون ب ” إسرائيل أخرى ؟ ” ، ص 85/91 .
(6)          أنظر الفقرة الأولى من ” مقابلة مع الملوك ” كيفما كانت الطبعة الفرنسية لكتاب نتشه المذكور.
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: