مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الهوية في أدب الهجرة السرية يوميات مهاجر سري” لرشيد نيني و “الحراكة” لأحمد الجلالي

 الهوية في أدب الهجرة السرية يوميات مهاجر سري” لرشيد نيني و “الحراكة” لأحمد الجلالي – نموذجا –
 
إبراهيم أكراف- طالب باحث
خاص بالموقع
إليكما فأنتما الوطن: الأديبة زهرة زيراوي و المناضل إبراهيم النوحي. وطنان علمهما الوفاء، و عملتهما الصدق، وشعبهما كل مناضل شريف.
على سبيل الاستهلال:
الوطن
ما الوطن؟…
سمكة طازجة
يعدها أبله إلى ثعبان
يأكلها الثعبان و ينظر إليه

معاتبا
الشعوب
ما الشعوب؟..
ضيعة الحزب
اصطبله الكبير
قطته الخرساء
التي سرا تموء
تصدير
         يغادرون الأوطان، لكنه لا يغادرهم؛ أناس ضاق بهم الوطن على رحابته، و اكفهرت في أعينهم سماؤه على صفائها، فما رؤوا البلسم و الصفاء و الشساعة إلا في الرحيل إلى الفردوس المفقود. إننا، ها هنا، نعني أولئك الذين اختاروا المجازفة بأرواحهم في سبيل الوصول إلى الضفة الأخرى و لو قسرا، و هم يضعون نصب أعينهم الإياب بالغنيمة !!
         عود على بدء، يرحل المهاجر السري، مشبعا بثقافته، مسلما بمركزية الآخر، مما يجعل النصوص التي تتناول موضوع الهجرة السرية تنضح بالمؤشرات الدالة على الهوية في هذا الخطاب. و هذا ما نروم الكشف عنه في تحليلنا للمؤلفين – المشار إليهما آنفا – و اللذين نعدهما تجليا آخر من تجليات أدب الرحلة. إذا، كيف تتجلى الهوية في أدب الهجرة السرية؟
         للإجابة عن هذا السؤال سنتبنى منهج التأويل التقابلي في استنطاق متننا،  منطلقين من تقديم تعريف للهوية، و بعده ننتقل لعتبات المؤلفين، ثم النصوص، لنصل إلى خاتمة نلخص فيها ما تعرضنا له بالدراسة و التحليل.
 
 
       الهوية
يعرف الدكتور عباس الجراري الذي يعرفها بالقول ” الهوية ما يكون به الشخص هو هو. وتتشكل من أربعة مكونات أو مقومات:
أولا: تبدأ من البيئة أي من الوطن في جانبيه الطبيعي والبشري؛ بما يغنيه من تنوع وتعدد.
ثانيا: تأتي اللغة باعتبارها أداة تواصل بين سكان هذا الوطن، وباعتبارها بوتقة فكرهم ورمز وجودهم وعنصر التحامهم، لتجاوز ما قد ينشأ عن التنوع البيئي من تفريعات وخصوصيات. وحين نتحدث عن اللغة لا نغفل ما يرفدها من لهجات محلية أو لغات عامية.
ثالثا: مع اللغة وروافدها يظهر مضمونها ومحتواها، متجليا في التراث ببعديه الثقافي والحضاري، وفي سياقه المدرسي والشعبي، مما أبدعته   الأجيال المتعاقبة، سواء على مستوى المعرفة والخبرة، أو على صعيد العقل والروح، أو على نطاق العاطفة والذوق، به برهنت عن قدراتها وطاقاتها وما لها من نبوغ وعبقرية.
رابعا: ثم يتم الانصهار في الدين والتفاعل مع روحه، بماله من تأثير في النظم التي تتحكم في سير الوطن وأبنائه، وكذا في الفكر والسلوك، بدءا مما تحدده شرائع هذا الدين، وبدءا كذلك مما ترسبه عقيدته في المفاهيم والتصورات.”  و تحليلنا، سيتبنى هذه العناصر الأربعة في البحث عن تجليات الهوية في أدب الهجرة السرية. و لا يفوتنا أن نشير أن هناك من يرفض النظر إلى الهوية من هذا المنطلق في الحقل الإبداعي، معتبرا أن هوية النصوص الحقيقية هي ” هوية الانتماء إلى سؤالي الكينونة و الجمال: الإنسان و الفن ! هذا ما يهم !”  و هو تعريف في نظرنا يبدو مثاليا، ذلك أن الكينونة و الجمال كليهما، تؤثر فيه الهوية ( اللغة، الدين، الثقافة، الوطن )، بل لنتفق مع صاحبنا -افتراضا – ما محددات الهوية المتمثلة في الكينونة و الجمال؟ فما قد يبدو جميلا عند فرد معين قد يبدو قبيحا عند فرد آخر، بله تيارات. إذا، فالإبداع لا يمكنه فصله عن الهوية المنتجة لصالح هوية أخرى نتفنن في انتقاء اسمها.
 
       العتبات
تعتبر العتبات المثير الأول لشهوة القراءة. انطلاقا منها يبني أفق انتظاره. لذا نرى أنه من المهم الوقوف عند عتبات ” الحراكة ”  و ” يوميات مهاجر سري ” .
يستوقفنا بدءا في العتبات الحرف العربي الذي اختير دون غيره من الحروف الأخرى، و هو موقف له دلالاته، فهو يعكس لنا إما هوية الكاتب العربية، أو تضلعه بها أو بجزء منها دون أن يكون عربيا. و يهدف من ذلك إلى الانتصار للغته و تبيان تشبثه بها أمام الموجات التي تقذفها بالعجز تارة عن مواكبة روح العصر، و تارة ثانية محدودة المكان. أو بقراءة أخرى، القراء المفترضون لا يجيدون لغات أخرى مكتوبة غير العربية، و يحتمل أيضا أن يكون الكاتب نفسه لا يجيد لغات أخرى مكتوبة غير العربية. كما يمكن أن تكون مدونة الشجب من قبل العشيرة بالانسلاخ و الهزيمة النفسية أمام لغة الآخر سببا يخطر ببال الكاتب و هو يجلس إلى محبرته و أوراقه.
هذا عن طبيعة اللغة المتوسل بها، و التي تعطي للمؤلفَين انتماءهما للغة العربية تعبيرا، مما يعني تلقائيا حضور الهوية العربية بأبعادها الثقافية و الاجتماعية و السياسية و الدينية. أما مضمونا، فيمكن التأسيس له بناء على العنوانين: ” يوميات مهاجر سري ” و ” الحراكة: الموت لمواجهة الحياة، محكيات من صميم الواقع” العنوان الأول فصيح، أما الثاني فتجتمع فيه الفصاحة بالعامية المغربية، و هذا مؤشر آخر من مؤشرات الهوية القطرية أو بتعبير آخر الميكروهوية ( الهوية الصغرى ) و نعني هنا بالتحديد لفظة “الحراكة” فاللفظة مأخوذة من التعبير الدارجي المغربي ” الحراقة ” المعدولة عن اللفظة العربية حرق، فتم استبدال الألوفون [ ق] بالألوفون [ ك ]  و هذا الأخير يقابله  الحرف اللاتيني (gu) و معلوم أن لفظة حرق من بين معانيها في المعجم العربي، إضرام النار في شيء ما. إنه مصطلح “الحريك[ق]” يحمل في ثناياه دلالة أقوى من مصطلح الهجرة السرية، فالحرق يشي إلى الإتلاف والهلاك. و قبل أن نمر إلى طرح سؤال مهم في هذا الصدد، نورد تعريفا للحراكة كما صاغته الدكتورة كنزة الغالي ” شباب وأطفال ونساء حوامل بدون وثائق هوية وبدون نقود، اشتروا غاليا موتا رخيصا بدون قبر أو كفن أو مراسيم جنازة” .
إذا كان الحرق في الثقافة المغربية يعني – ضمن ما يعنيه –  عدم احترام القانون و التسلسل، إما الرتبي أو الزمني، و نؤشر عليهما على التوالي بــــ ” حرك [ ق ] الصطوب ( الضوء الأحمر ) ” حرك [ق] المراحل”. فما الذي يحرقه هؤلاء الحارقون؟
سؤال سنؤجل البت فيه حتى نقف عند الإهداء، باعتباره أحد النصوص الموازية المهمة ضمن خطاب العتبات. ضاقت العبارات بما رحبت بأحمد الجلالي، فلم يجد بدا من استعارة لسان ” مجموعة ناس الغيوان ” المغربية، و هو اختيار يكرس حضور اللهجة و الثقافة المغربيتين، و يبصم على صدق ما صدحت به حناجر الغيوان بالأصابع العشرة. و هو بهذا الاختيار ينتصر لبلاغة اللهجة العامية و للمجموعة الآنفة الذكر  بقدرتهما على أن يفيا بما لا تفي به لهجة أخرى أو مجموعة غنائية أخرى. إنها حجة السلطة، التي استدعى من خلالها الجلالي مجموعة ذات صيت ذائع، اسمدته من التزامها و بذخ زجلياتها، ليتوارى خلفها، مرسلا رسالته إلى من يهمهم الأمر. أما بخصوص” رشيد نيني ” فقد صام الإهداء لحاجة في نفس يعقوب نعفي أنفسنا من تأويلها.
و مما سبق يمكننا استنتاج التقابلات الآتية:
اللغة العربية       مقابل    اللغة الأعجمية
اللغة العامية                 اللغة العربية
الحراكــ [ق] ة/ المهاجرون السريون             المهاجرون الشرعيون
الإهداء            بدون إهداء
نستنتج من قراءتنا للجدول أعلاه، أن الهوية تتمركز في الخطاب العتباتي حول اللغة بالخصوص؛ ويتجسد ذلك في اختيار لغة أو لهجة و العدول عن لغات أو لهجات أخر. و وظيفة هذه اللغة تواصلية، لكنها لا تخلو من مقاصد أخرى، من بينها: التشبث بالهوية و الانتصار لها.
       قراءة في النصوص
ما تزال بذمتنا أسئلة، سنحاول الإجابة عنها في ما يلي، بالإضافة إلى تعزيز النتائج التي توصلنا إليها آنفا أو دحضها، ما دمنا قد اعتبرناها مؤشرات لتأسيس أفق الانتظار كما أشرنا إلى ذلك في البدء.
ماذا يحرقـ[ك ]ون؟
         استعاض الشارع المغربي عن مصطلح المهاجر السري أو غير الشرعي بلفظة الحراك[ق]ـــة، وهو اختيار له ما يبرره، نقرأ في محكيات الحراكة”كان كل من أطلب العمل عندهم يسألونني عن الأوراق. كنت قد أتلفت كل الأوراق عملا بنصيحة قيلت لي قبل مغادرة المغرب”  وفي “يوميات مهاجر سري” نقرأ “[عبد القادر الجزائري] بمجرد ما وصل إلى إسبانيا أحرق جواز سفره” . إننا أمام حرق مادي للهوية، مما يعني أن الحرق هنا ليس مجازا البتة، و يفيدنا هذا الحرق أيضا في القول إننا أمام سلوك احتجاجي على  تلخيص الهوية في الأوراق. هكذا إذا يصبح هذا الحرق ” شيكا ” على بياض يخول للمهاجر السري أن يتبضع أي جنسية شاء “عبد القادر يقول ضاحكا إنه في كل مرة يعتقل يعطيهم اسما وجنسية ما. مرة عراقي و مرة فلسطيني. وهكذا. و يضيف أنه جامعة دول عربية متحركة.” .
         إذا تحدثنا عن الحرق بمعناه المجازي، فالحرق يحضر أيضا بصيغة رمزية، كما هو الشأن عند رشيد نيني “في أواخر شهر غشت من سنة 1997 وصلتني دعوة للمشاركة في تغطية أشغال المؤتمر العالمي الأمازيغي الذي احتضنته جزر الكناري، قبل هذه الدعوة لم أكن أعرف شيئا حول المسألة الأمازيغية. كل ما كنت أعرفه هو أنني أمازيغي و أن هذا لا يختلف كثيرا عن أن تكون من أي جنس آخر لأننا في آخر المطاف كلنا ننتمي إلى الجنس البشري.أعتقد.[…] فالجريدة التي أردتها ثقافية كانت قد توقفت قبل أشهر من وصول الدعوة التي اختلط عليها الاسم الأمازيغي للجريدة بخط تحرير أمازيغي ما يمكن أن تصب فيه، فاعتقدوا أن «أوال» يمكن أن تكون مطبوعا أمازيغيا خالصا، فأتت الدعوة بناء على هذا الخلط فقبلتها تأكيدا لهذا الخلط وإصرارا عليه.” ، نلاحظ أن هذا الشاهد ينقسم إلى مقدمات يوضح فيها ملابسات الدعوة، وما شابها من خلط بين مقصدية الجريدة و اسمها، الذي يحيل إلى لسان إثني مغربي، ثم في آخر هذه المقدمات نصل إلى النتيجة، و هي القبول بهذا الخلط مع الإصرار عليه، إذا، نحن أمام حجة تحصيل الحاصل، فرب الجريدة كان يبحث عن مغادرة الوطن، و الشاهد عندنا قوله «كنت أبحث عن عمل قار. لكن أحدا لم يقبل بي. يقبلون فقط بتوظيف بنات سمينات يحررن مقالات مليئة بالحماقات (…) أصابني اليأس (…) المخرج بالنسبة إلي هو أن أذهب في رحلة طويلة عبر العالم.» ، و بتعبير مشابه قال “لم تكن لدي الرغبة في متابعة الدراسة في ليدز. كنت أكذب. ما كنت أبحث عنه هو مغادرة الوطن بأي شكل.” ، فالحرق في هذه الحالة رمزي للهوية؛ إذ عمد صاحبنا إلى حرق[ك] المدة المسموح له بها بقضائها في إسبانيا؛ أي إنه تجاوز الأيام المرخصة له بإقامتها هناك، ما يجعله مواطنا بدون هوية هناك. و لا تفوتنا الإشارة إلى موضوع ذي صلة بالهوية في هذه النقطة، ويتعلق الأمر بالتعدد الإثني بالمغرب؛ إن قراءة المؤتمر الأمازيغي وفق ما جاء في الشاهد، نستقرئ منه أننا أمام حجة المنحدر القدري؛ حيث إن الأمازيغية مظهر من مظاهر التعدد الثقافي بالبلاد، لكن قد تتحول إلى مظهر من مظاهر التأزيم السياسي وبث النعرات الإثنية، و يزيد تأويلنا رجاحة، ما ساقه نيني عن نهاية المؤتمر الأمازيغي “طالعت في لوموند خبرا صغيرا مفاده أن المؤتمر انتهى بمشاكسات كثيرة حول اختيار الرئيس الجديد للمؤتمر الذي تخللته انقسامات في وجهات النظر بددت حلم الأمازيغ في الخروج بخريطة وهمية يسوقون إليها قطعان ماعزهم ويرعونها دون وصاية من أحد.” ، ويبدو حنق نيني من هذه القضية واضحا، يعكسه معجم الشاهد: حلم الأمازيغ/ خريطة وهمية/ يسوقون قطعان ماعزهم/ يرعونها دون وصاية، كما أن هذا المعجم لا يكاد يخلوا من لفحات السخرية، التي حيوَنت الذات الإنسانية وجعلت منها قطعان ماعز تسعى لرعي جائر، وهذا يفضي بنا إلى القول إننا أمام حجاج بليغ في قالب سخري، يكشط عن وجهة نظر نيني تجاه المسألة الأمازيغية، بل ويحتج – إن صح تأويلنا – على إثارة هذه المسألة الإثنية، مبديا لااقتناعه بها، و لعل الشاهد الذي مر معنا من ذي قبل كفيل بتأكيد ما قلناه؛ أعني هذا الشاهد: (قبل هذه الدعوة لم أكن أعرف شيئا حول المسألة الأمازيغية. كل ما كنت أعرفه هو أنني أمازيغي و أن هذا لا يختلف كثيرا عن أن تكون من أي جنس آخر لأننا في آخر المطاف كلنا ننتمي إلى الجنس البشري.أعتقد.)، و لفظ الاعتقاد هذا، يفيد أنها وجهة نظره هو ولا يلزم بها أحدا، وحجته أنه مهما تعددت الإثنيات فإنها تنضوي تحت لواء الجنس البشري، إذا، لا فرق بين أن تكون من هذه الإثنية أو تلك.
         و مما مر نجرد التقابلات التالية:
الحارق   مقابل    المحروق
مهاجر سري                مهاجر شرعي
         تتأجج الرغبة في الهجرة، فيتحين المرشح أي فرصة سانحة، سواء أكانت شرعية أم غير شرعية للعبور إلى الفردوس المفقود. إن هذا التجاوز للقانون احتجاج على احتراف سياسة الحدود، فالأرض كان قبل اليوم ملكا مشاعا بين الجميع، يتنقلون فيه دون أوراق إقامة أو جواز سفر. و في هذا الصدد جاء في نص ” اتشيغيفارا يستربح ” للمبدعة زهرة زيراوي ” (…) و هي تخرج تقول له بفرنسية رامبو:
من يمنعك من أن تكون جزائريا؟
من يمنعني من أن أكون باريسية؟
الأرض كانت ملكا مشاعا
ألسنا نحن الذين احترفنا الحدود و الجغرافيات؟  
تقابل الهويات
         إن انتقال المهاجر من فضائه الأم إلى فضاء ثان، هو انتقال – لا محالة – من هوية إلى هوية أخرى؛ وطنا (مكانا ) و دينا و ثقافة و لغة. و هذا متغير ليس من السهل بمكان التكيف معه، مما يجعل الهوية تبرز بشكل جلي في هذه المرحلة ( مرحلة ما بعد العبور ). التي تحبل هذه المرحلة بالحجاج، والذي سنكشف عنه في حدود ما يخدم سعينا إلى إبراز تجليات الهوية ( الأنا/ الآخر).
         تتجسد صدمة الإنسان في جهل الآخر للذات الشرقية، فبالنسبة للإنسان الغربي فكل حقوق الوحشية والشر محفوظة للإنسان العربي، ويعزى ذلك إلى الحجاج المغالط الذي يتم تمريره عبر وسائل الاتصال السمعية والبصرية، دون إغفال الذاكرة الجمعية “قالت لي عندما أطلعتها على اسمي أنني أذكرها بالشرير الذي كان صحبة علي بابا وعصابته. ابتسمت و قلت لها أنني لست كذلك”  ، كما يقومون أيضا بتصوير الإنسان العربي تصويرا ممسوخا يظهره بأعضاء تناسلية جبارة؛ أي إنه إنسان لا يوجد في مخه إلا الليبيدو، إنه إنسان يختفي وراءه إنسان آخر حتى تظهر براءته  “الأفلام التي يقدمون في التلفزيون تصور الرجل العربي كأبله بلعاب سائل عند رؤيته للمرأة. وأحيانا كشخص ببطن مندلق ونظرة شريرة يقدم السم في شراب لشخص آخر . لذا فكرت دائما أن السينما هي آخر مكان يمكن أن نلجأ إليه للتعرف على الآخر” ، إننا أمام حرب دون سفك دماء، فضلا عن ما يمرره الإعلام من وسائل ملغومة، فإن الضمير الجمعي هو الآخر يكرس هذه الصورة ويجذرها “في بعض القرى النائية التي ذهبنا إليها للعمل في حقولها لا يكاد الناس هناك يعرفون شيئا عن المغاربة، كل ما يعرفونه يعود إلى الأساطير القديمة حول الموروس الذين يجوبون أرضهم (…) و كلها تروي تاريخا عجائبيا مليئا بالمغالطات.
وكل ما يعرفونه الآن عن المغاربة أنهم مجانين لأنهم يركبون القوارب فرارا من شيء ما. يعتقدون أن كل المغاربة الذين يشاهدون في الشارع أتوا على ظهر المراكب كما في الأزمنة السحيقة. أشرح لبعضهم أحيانا أن المغرب مثله مثل إسبانيا تماما. سوى أن إسبانيا توجد في أروبا والمغرب في إفريقيا” ، هكذا يصبح المهاجر السري مروجا لثقافته، ورسولا يسعى لمحو الميث المترسخ في ذاكرة الآخر، وتضميد الكدمات التي تركتها قنابل العنف اللفظي في ذاكرة الإنسان الغربي، الإسباني هنا تحديدا.
يمارس الخطاب المرتبط بالضمير الجمعي و بوسائل الإعلام، المسموع منها والمرئي، وظيفة حجاجية تضليلية تقوم على تشويه الآخر و مسخه – كما بينا ذلك – انطلاقا من إظهاره في وضعيات بشعة، ما يجعل السينما آخر مجال يمكن ارتياده للتعرف على الآخر على حد تعبير رشيد نيني، إنه أدرك خطورة الحجاج المضلل الذي تعتمده وسائل الإعلام، فأشهر هذا الموقف احتجاجا على العنف رمزي الممارس على الموطن.
         إذا كان الإعلام الغربي يعتمد الحجاج المضلل تجاه الإنسان العربي، فإن المهاجر اللاشرعي يلجأ إلى الحجاج المصوب أو لنقل المقوم؛ يقوم اعوجاج رؤية الإنسان الغربي للإنسان العربي والمبنية على حجاج مضلل، فيؤدي هذا الحجاج وظيفة تقويمية تصحيحية.
         يسعى الحراك إلى الانخراط في مجتمعه الجديد – الإنسان كائن اجتماعي بطبعه – لكن سرعان ما يصبح أبكما لعجزه عن التواصل مع الآخر باللغة التي يفهمها، والتي يريد أن يتواصل بها أيضا، فيصدم نقرأ في مرويات الحراكة “فأخذ قلما وكتب لي في يدي مائتي كلم، كتبها بالأرقام تسهيلا للفهم، كان ذلك أول موقف عاينت فيه كيف يمكن للغة أن تكون حاجزا حقيقيا” ، ولا تقف الصدمة عند اللغة، بل يصبح الجسد؛ أي السحنة صدمة أخرى تجعل منه إنسانا غير عادي، فضلا عن كونه غريبا “مجرد أنك شخص يحمل بشرة سمراء تهمة كافية لتوقيفك أمام الجميع وتفتيش جيوبك.ثم لترحيلك إذا لم تكن تحمل بطاقة إقامة” ، هكذا يصبح الحراك مدانا حتى تثبت براءته.
         المكان بدوره ليس رحيما “إحساس بالحزن يلفني و أنا أعبر الشوارع. تستطيع أن تقضي النهار كله سائرا في الطريق دون أن تلقي السلام على أحد. عندما تأتي لتعيش هنا يجب أن تكون قد قررت أن تعيش بجذور مقصوفة. مثل النبتة التي تنتزع من تربتها لتستنبت في تربة أخرى” ، إن الغربة كما يتبين من الشاهد ليس غربة اختيارية ، بل هي غربة إجبارية يؤكدها التقابل الموظف بين النبتة المنتزعة من تربتها لتستنبت في مكان آخر والحراك الذي أجبرته ظروف قاهرة على مغادرة الوطن. التقابل هنا صنع مثالا يصور لنا بشكل مكثف وإيحائي وضع المهاجر في الهناك، فلعنة السرية تفرض عليه أن يغدو مريدا ليس له إلا السمع والطاعة “جاء أحد المستخدمين و طلب مني أن أتبعه. سرت خلفه. قال لي أن أحمل المكنسة وأن أنظف مكانا سلطت عليه أضواء كثيرة الألوان. شعرت بالضيق. لا أحب أن أتلقى الأوامر من أحد. نظفت المكان بعصبية” ، حتى إنه ليختل ميزان القوة بين الحراك والحيوان؛ إذ يصبح هذا الأخير في المرتبة العليا والأول في المرتبة الدنيا “تذكرت الكلبة إتيل التي هاجمتني و مزقت كم سترتي الرياضية. لو كانت عضتني لما كان بوسعي أن أصنع شيئا ضدها. إتيل لديها أوراق هوية وبطاقة تخولها زيارات منتظمة عند الطبيب. أنا ليس لدي شيء من هذا” .
         و يتبين من هذه الشواهد أنها تضمر حجاجا ضمنيا؛ فالإحساس بغربة المكان في الهناك حجاج يثبت دفء الوطن، و الحميمية التي تربط الأفراد في الهنا ، على نقيض الضفة الأخرى ” تستطيع أن تقضي النهار كله سائرا في الطريق دون أن تلقي السلام على أحد “.
         تعرض هذه الشواهد علينا إشكال اندماج الحراكة – المغاربة – في عالمهم الجديد لسبب من الأسباب، يقول رشيد نيني “المشكلة التي تبدو بنظري جديرة بالدراسة هي مشكلة اندماج المغاربة في المجتمع الإسباني، نحن في الحقيقة أشخاص على درجة كبيرة من التعقيد. أنا أحيانا لا أفهم نفسي كثيرا. على مستوى الاندماج فالمغاربة يعتبرون الأفشل دائما. لأنهم يعتبرون ثقافتهم هي الأحسن دائما. لذلك يتصرفون خارج الوطن كما لو كانوا في الواقع داخله. وهذا يجعل الأنظار موجهة إليهم أكثر من غيرهم” ، إنه حجاج تحصيل الحاصل الذي يضمر تعلق المغربي – الحراك – بأهذاب وطنه.
         الغربة تدفع المرء إلى اختراق الخطوط الحمراء، و في هذا الباب ما يرويه لنا أحمد الجلالي “شيء واحد فعلته دون شعور لكن سرعان ما ندمت على ارتكابه: تلك الليلة كان الإسبانيون كلما هموا بشرب شيء أو أكله إلا و أخذوا يقرأون شيئا يشبه الأناشيد والتراتيل ثم ما يلبثون أن يضعوا أيديهم على صدورهم ذات اليمين وذات الشمال (التثليث). شعرت بالعزلة فبدأت أصنع مثلهم. يبدو أنني كنت المسلم الوحيد هناك” . الأمر لم يتوقف عند التثليث، بل تعداه إلى الانصهار كليا في بوتقة الآخر، نقرأ في محكيات الحراكة ما نصه “ارتحت لأنطونيو كثيرا و تجرأت أن أتناول معه كأس خمر في يوم رمضاني و العياذ بالله. شيئان جعلاني أقدم على ذلك الفعل المشين، أولا شعوري بالعزلة وسط أناس كلهم يأكلون، ثانيا لم تكن تعطينا المؤسسة الأكل إلا في الأوقات الثلاثة المعروفة وضمن جدول زمني مضبوط، لم يكونوا يدخلون في الاعتبار وجبة السحور. إذا لم يكن هناك من يصوم لأنهم نصارى. شعرت أن أنطونيو بدأ يسري في دمائي” ، إن الملاحظ في الشاهدين اللذين استدعيناهما في حديثنا عن الغربة و اختراق الخطوط الحمراء، المتمثلة – في الشاهدين – في ما هو ديني، والذي يحظى بالقداسة في المجتمع العربي، وذلك ما يشي به حقل معجمي يمكن أن نصطلح عليه حقل الندم والتحسر ( تجرأت… والعياذ بالله/ ندمت على ارتكابه “التثليث”)، هو تساند هذه  الحجج وتعالقها داخل موكب حجاجي، يبرز العلة الثاوية وراء التثليث و شرب الخمر في شهر رمضان، وهذه العلة هي ” الغربة ” لكن ليس أي غربة إنها ” غربة موحشة “، أما الغاية فهي تبرير فعل مشين، وذلك بالتوسل بالحجاج المركب؛ حيث إنه وظف حجاج التقسيم بتقديمه لحجاج يتفرع بعضه عن بعض، على نحو ما يتبدى في تناوله لكأس الخمر في يوم رمضاني؛ إذ إنه عد سببين: أولا الشعور بالعزلة، ثانيا عدم إعطاء المؤسسة الطعام خارج الأوقات الثلاثة المعروفة و دون أن نغفل عدم إدراجهم لوجبة السحور في قائمة الوجبات لحجة ثابتة، ألا وهي انتماؤهم للنصرانية، وقد جاءت الحجة الثابتة ذات وظيفة حجاجية تفسيرية داعمة، تعضد الحجج التي قبلها وتفسرها. وحجة الانهيار هي الأخرى حاضرة – في الشاهدين – “شعرت أن أنطونيو بدا يسري في دمائي ” إنه الاعتراف الضمني بالاندماج القسري في ثقافة الآخر.
         و بعد التكيف مع لعنة السرية، يستدعى الوطن إلى محكمة الموازنان ليوفى كل وطن ما كسب؛ إذ يضع المهاجر اللاشرعي الهنا في كفة و الهناك في كفة ثانية. الهنا متغلغل في التنشئة الاجتماعية للحراك، ما يجعله أسير هذه التنشئة في الهناك، يقول رشيد نيني “أحاول أن أشرح لعبد الوهاب أنه واهم عندما يستمر في تحليل الأمور بمنطق المواطن المغربي الذي تضطره إكراهات الحياة اليومية إلى البقاء حذرا من مغادرة البيت إلى أن يتمدد فوق سريره في الليل. لأنك هنا لن تكون مضطرا لحماية نفسك من جشع سائقي الطاكسيات أو من آذان مجالسيك في المقهى أو زملائك في العمل أو لا أعرف، لأنه هنا لا أحد يفكر في جعلك تسقط في مقلب (…) تستطيع أن تتحدث عن الهمبرغر وعن السياسة في نفس الوقت. ولن يفتح لك أحد محضرا في مكان ما ” ، إن الشاهد ينتقد واقعا موبوءا بقيم منحطة؛ الحرية المصادرة أو بالأحرى القمع، ثم اللامواطنة المتمثلة في جشع أرباب الطاكسيات وكذا التجسس، إننا أمام حجاج يدين التنشئة الاجتماعية المعطوبة للمواطن المغربي، الذي يتربى في كنف الخوف والمصادرة والنهم المادي، على عكس الإنسان الغربي (الإسباني هنا تحديدا ) المتمتع بالحرية الفردية والسياسية؛ حيث إن السياسة والهمبرغر مستويين، ويستطرد نيني موازنا بين الهنا والهناك “افتقدت الشرطي السمين الذي ينظر إلى محفظة النقود أكثر مما ينظر إلى أوراق السيارة. والبوليسي الوقح الذي يلعن أمك قبل أن يتفقد هويتك.
افتقدت سيارة الإسعاف المتراخية وزعيق بوقها المزعج وسائقها الذي يبدو باسما، و كأن رائحة الجثت تصيبه بالنشوة. افتقدت رؤية سائقين يتحدثان و يعطلان حركة المرور.(…) افتقدت نشرة الأخبار المملة والمذيع الثقيل الذي يتلوها. افتقدت أكاذيب السياسيين و المثقفين أولاد الكلبة” ، هكذا – وكما يبين الشاهد – ينتقد الحراك الوضع في الهنا، موازنا إياه ضمنيا بالهناك في جو حنيني، يتصدره فعل الافتقاد «افتقدت» والمفتقد هو الشرطي الذي ينظر إلى الحقيبة أكثر من أوراق السيارة، وسيارة الإسعاف المتراخية…إلخ، و ما هذه المفتقدات إلا قالب صُهر فيه التوق إلى الهنا. اجتماعيا دائما، يظل الهناك هو الأرحب والأرحم “يمكن أن تلاحظ بسهولة أنه لا أثر هنا لأي شحاذ. الشيوخ في دور العجزة ينتظرون النهاية بهدوء. وأصحاب العاهات تتكفل بهم الدولة.
إذن بمستطاعك أن توفر رأفتك لنفسك، فلا أحد هنا في هذه الساحة يوم الجمعة مساء سيطلبها إليك” ، لتظل حقوق الذل والإهانة محفوظة للهنا حتى إشعار آخر، فالسجن في الهناك يفضل المنازل في الهنا، ومما أورده الجلالي في هذا الصدد  “تبركنا بسجن ملقة، إنه فندق حقيقي وليس سجنا، فيه ملعب الكرة و ملعب التينس والأغطية والهاتف، بل إن السجناء هناك من حقهم أن يرفضوا الأكل إن تناولوا مثله في الأسبوع السابق (…) لدرجة أن الإنسان عندنا يفضل السكن فيه على الإقامة في واحد من الأكواخ التي نسكنها” ، وإذا قلنا إن حقوق الذل و الإهانة محفوظة للهنا، فإن واقع الإدارة المغربية في الهناك لا ينكر ذلك، يقول نيني “نزلت أمام قنصلية المغرب بمدريد. دخلت وفي نيتي أنني سأكون الزائر الصباحي الوحيد للقنصلية. لكنني اندهشت عندما دخلت قاعة الانتظار. مكيف الهواء لا يعمل. لذلك كانت القاعة تغرق في جو ثقيل” ، و في السياق ذاته (الموازنة) يوازن بين الشخصية الاعتبارية في الهناك والشخصية المعنوية في الهنا “مع أنني أشتغل بلا عقد فإن أجرتي محترمة. أربح خلال ثمانية أيام من العمل ما يعادل راتب أستاذ السلك الأول في المغرب خلال شهر” ، أمام هذه الفوارق التي عرضنا لها يصبح الهنا جحيما والهناك جنة، وذلك ما نقرأه في محكية نور الدين خيي “في إسبانيا رأيت الجنة و عندما كنت أعود إلى المغرب كنت كمن يعود إلى الجحيم” .
         إن قراءة – فاحصة – للشواهد التي مرت معنا تسير بنا نحو القول إن الحجاج مبني على التقابل التناظري “لما في ذلك من علامات بيان و عناصر إيضاح” ، و هو تقابل تناظري بين الهنا والهناك، يرد صريحا بذكر طرفي التناظر والمميز لكليهما، و يرد ضمنا بذكر أحد الاطراف، ويترك أمر الطرف الآخر للقارئ. 
         تأسيسا على ماسبق، يمكن القول إن مجال التقابل التناظري في النص يتمحور حول المجال الاجتماعي في علاقة الأفراد في ما بينهم، وفي علاقتهم بالمؤسسات الحكومية و غير حكومية، و هذا ما سنعمل على توضيحه في الجدول الآتي:
الأنا      مقابل    الآخر
الحذر طيلة اليوم منذ الخروج من البيت إلى العودة إليه.     مقابل    الاطمئنان.
أرباب الطاكسيات جشع      مقابل    أرباب الطاكسيات ليسوا جشعا
هناك من يفكر جعلك تسقط في مقلب.   مقابل    هنا لا أحد يفكر في جعلك تسقط في مقلب.
 لا تستطيع أن تتحدث عن الهمبرغر والسياسة في  الوقت نفسه.      مقابل    تستطيع أن تتحدث عن الهمبرغر والسياسة في الوقت نفسه.
الشرطي ينظر إلى محفظة النقود أكثر مما ينظر إلى أوراق السيارة.   مقابل    الشرطي ينظر إلى أوراق السيارة أكثر مما ينظر إلى محفظة النقود
سيارة الإسعاف: متراخية، بوقها مزعج، سائقها مبتسم.      مقابل    سيارة الإسعاف: مسرعة، جيدة، سائقها جدي.
السائقون يتحدثون ويعطلون حركة المرور.      مقابل    السائقون يحترمون حركة المرور.
نشرة الأخبار مملة والمذيع ثقيل.       مقابل    نشرة الأخبار مثيرة و المذيع خفيف.
البوليس يلعن أمك قبل أن يتفقد هويتك.مقابل    البوليسي لا يلعن أمك.
كثرة الشحاذين.     مقابل    لا وجود لأي شحاذ.
الشيوخ مرميون في الشوارع.مقابل    الشيوخ في دار العجزة.
أصحاب العاهات لا تتكفل بهم الدولة.   مقابل    أصحاب العاهات تتكفل بهم الدولة.
المنزل كوخ.       مقابل    السجن قصر
القنصلية المغربية سيئة.      مقابل    القنصلية المغربية سيئة
 
         إن ما أتينا على سرده في هذا الجدول، يهدينا إلى القول إننا أمام آلية حجاجية تمسح الطاولة، و تعمل على مناظرة الطرفين (الهنا والهناك)، فتنكشف الحجة القوية و الحجة الضعيفة، فتدمغ الأولى الثانية فيصل بذلك المحاجج l’argumentateur إلى مرماه، والمرمى في حالنا هذا هو تبيان قوة الآخر و تفوقه إنسانيا ومؤسساتيا، وبتعبير آخر يود أن يقول: إن هذا الوطن هو الذي نريد أن يكون لنا مثله، بل إنه يحتج على هذا الوطن الذي تتسم فيه علاقة الشعب بالمؤسسات بالأعطاب، والشيء نفسه تشهده العلاقة بين الأفراد في ما بينهم. و من ذا نبلغ القول إن الحجاج في الشواهد – قيد التحليل – تمشي على ساقين؛ ساق تمجيد الآخر (الهناك) والاحتفاء به والإبتهاج به، و ساق ثان يجلد الذات (الأنا/ الهنا) ويبخسها، و يحتج أيما احتجاج على وطن لم يحجب عنه طعم الغربة.
         هكذا يرخي الهناك على الهنا حجاجه- على لسان الحراكة-  فيفضحه، وذلك بتصيد نواقص الهنا ومناظرتها بالهناك. إذا، نحن أمام وظيفتين حجاجيتين؛ الوظيفة الحجاجية التمجيدية والوظيفة الحجاجية الاحتجاجية التبخيسية، احتجاج لا أدل عليه إلا هذه العبارة الخارجة من جوانية محترقة “هدوك الناس بزاف علينا” ، بالتهجين اللغوي l’hibridation تفضح الذات نكاية الواقع في الهنا ونتانته.
         إن ما عرضنا له سابقا، لا يحول دون القول إن المهاجر اللاشرعي معتز بوطنه أيما اعتزاز، ويرفض التكالب عليه، ومن ذلك ما ذكره لنا رشيد نيني “أحد الأصدقاء من الوفد المغربي ببرشلونة قال لي إن الصحافة البرتغالية تضامنت مع الشباب المغاربة. واقترحوا عليهم المكوث بالبرتغال مقابل راتب شهري رمزي. لكن الشباب المغاربة أبدوا تحفظهم . وكأنما تشمموا بحواسهم السياسية لا بأنوفهم، رائحة طبخة مبيتة. فأعرضوا عن هذا المعروف الذي لم يجازوا به في وطنهم أبدا، تعبيرا منهم عن تشبثهم بهذا الوطن، رغم قساوته” ، يستوقفنا في هذا الشاهد رفض المهاجرين – اللاشرعيين- التكالب على الوطن رغم كل الإغراءات، التي ستوفر لهم مقاما طيبا إلا أن هذا الرفض إن دل على شيء فإنما يدل على أن الرحلة إلى الهناك ليست رحلة لجوء اقتصادي فقط، بل هي رحلة إثبات الذات أيضا واستنشاق الكرامة المفتقدة في الهنا، وهذه الحجة هي الموسومة بالحجة بالنقيض. و إذا كانت القنصلية المغربية في الهناك غارقة في جو ثقيل لا تحمل لسمعة الوطن هما، فإن المهاجر السري سفير يحمل هم الوطن، و يسعى لتحسين صورته وتجويدها لدى الآخر “أتحاشى أكثر مرافقته [عبد الوهاب] في المصعد. ليس فقط بسبب الرائحة العطنة. لكن خوفا من أن يتوقف المصعد في طابق ما ويصعد أحدهم فيعتقد أن رائحة كل المغاربة هكذا. عطنة إلى درجة الغثيان” ، وكما يوضح الشاهد فالغاية هو صون صورة المغربي والعلة عطانة عبد الوهاب.
         رغم لعنة السرية التي تظل تدثر المهاجر اللاشرعي و تظلله، فإنه يرفض العودة إلى الهنا، متحديا غربته ولعنة السرية أيضا. و هو رفض مبني على أسباب شتى منها ما هو مبني على الأنفة وعزة النفس، ومن ذلك ما رواه عبد العزيز الفري عن سعيد الشرقاوي “يرى أنه من المستحيل أن يعود إلى الدوار لأن الذين هاجروا و عادوا غانمين ليسوا أحسن منه في شيء” ، ومنها ماهو مرتبط بالانبهار بالآخر الذي بلغ شأوا في التقدم والتطور، حتى إن هذا الانبهار غدا قاب قوسين أو أدنى من القداسة “أصبحنا نقدس الأجانب و العياذ بالله. حقيقة ، عندهم كثير من  الامتيازات المادية من مأكل وملبس و سلطات عندهم تعامل المواطنين بشكل قانوني، ليس هناك ظلم على هذا المستوى، خلافا لما حدث لي عندما وعدني المرشح المحلي بأن يجد لي عملا فور فوزه (…) نجح في الانتخابات المحلية والبرلمانية، وفي الأخير لم يف بوعده وخان” ، وفي الهناك تتحقق إنسانية الإنسان “يمكن أن أحتمل كل شيء،أن أموت أو أجن فذلك يهون. لكن أن يحدث لي ذلك في إسبانيا وليس في المغرب.لأنني إن حدث لي ذلك في هذه البلاد الأجنبية سأجد حتما من يهتم بي، بينما لا أحد سينتبه إلي في المغرب إن حصل لي مكروه” ، وفي هذه الشهادة نقرأ معجمين مختلفين الاهتمام و الانتباه، ففي الهناك اهتمام أما في الهنا بمعنى مبطن فلا يوجد إلا الإهمال، و سبة القوم هي الأخرى حاجز يحول بين المهاجر اللاشرعي والعودة إلى الهنا، كيف لا وقد جاء إلى بلاد العم سام حاملا أحلام الأسرة و آمالها في كف و أحلامه في الكف الثاني، فكيف سيبرر عودته بخفي حنين وقد عاد غيره من ذي قبل غانما، ومن ذلك ما جاء في محكيات الحراكة على لسان بنت صغيرة، لما تعرف بعد معنى أن تصبح حراكا “اذهب يا أبي إلى إسبانيا وعد بسيارة جميلة مثل سيارة فلان ولا تنس أن تأتيني باللعب الجميلة من هناك!” ، وعلى لسان الأبناء دائما نقرأ في الحراكة أيضا ” يا أبي إذا تعبت أو وقع لك مكروه عليك أن تتذكرني، ولكن ما دمت صممت على الحريك فلابد أن تقاوم “، أوامر ما على الحراك إلا ان يستجيب لها و إلا فإنه سيغدو مثلا يضرب في الفشل، هذا ما يمكن أن نصطلح عليه ” مدونة الشجب ” التي يستقبل بها كل حراك فاشل، بل يبلغ الأمر درجة إحساس الحراك – الفاشل – أنه قد جاء شيئا فريا فنظرة المحيط قد تغيرت تجاهه “رأيت أنني بين خيارات عديدة إما الموت أو الجنون أو الرحيل مجددا إلى أروبا. أحسست أن كل الناس ينظرون إلي كخائن”، موكب حجاجي يصب في اتجاه بين وواضح، ألا وهو الإصرار على البقاء في الهناك رغم قساوة الوضع، ففي الهناك ما ليس في الهنا من امتيازات مؤسساتية وإنسانية، و حتى من سولت له نفسه العودة تقف مدونة الشجب غصة في طريقه، وذا يدفعنا إلى القول إن الوظيفة الحجاجية في هذه الشواهد وظيفة حجاجية تشبثية بموقف البقاء في الغرب، وهذا ما اصطلح عليه روبريو بحجة تلازم الأشياء. ونعضد هذا الإصرار بشاهدين استحالت معهما الهجرة السرية إكسير الحياة “سأبقى أبحث عنه[الحريك/الهجرة السرية] ولو بقي في جسدي عرق واحد ينبض لأنني قمت حتى الآن بأزيد من 25 محاولة اضطررت خلال واحدة منها للسفر داخل ثلاجة ” ، صفوة القول “لوعة الحريك مثل التدخين لا تغادر الإنسان تماما” ، إننا أمام تقنية بلاغية ساحرة تعتمد التقابل لصناعة المثل، هكذا يصبح شغف الحريك مرادفا للإدمان على التدخين.
خاتمة:
         سعينا في هذه المقالة إلى الكشف عن تجليات الهوية في أدب الهجرة السرية، و لا ندعي في خاتمتها أننا بلغنا سدرة المنتهى. و قد كان منطلق تحليلنا تبني مفهوم الهوية بمكوناته الأربعة: الوطن، اللغة، الثقافة، الدين، و توصلنا إلى أن الهوية تتجلى في أدب الهجرة السرية في ما يلي:
       اختيار لغة الكتابة.
       حرق أوراق الهوية و تجاوز ( حرقها) حدود الوطن.
       اصطدام هوية الأنا بهوية الآخر.      
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: