مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

فلسفة الثورة

فلسفة الثورة
 
بقلم: رياض حمَّادي   
المتحمسون لفكرة العنف الثوري ضحايا للمنطق الثوري القديم حيث كان المجتمع “محكوماً بالسيف والسوط. لا يعرف الانتخاب إلا نادراً. ولذا كانت الحركة الاجتماعية عنيفة وبطيئة. حيث يثور المحكومون بالسيف فيقابلهم الحكام بسيف مثله ويبدأ التطاحن الدموي إثر ذلك. “وعليه لابد من تضافر سلاحين كما يقول علي الوردي، سلاح السّيف وسلاح القلم” فلم تنجح ثورة في التّاريخ من غير أقلام قويّة أو ألسنة تدعو إليها وتنشر مبادئها بين النّاس. فالسّيف وحده لا يكفي لتدعيم مبدأ من المبادئ الثورية. فإذا لم تتبدل القيم الفكرية ويخلع النّاس عن عقولهم طابع الخضوع والجمود عجز السيف عن القيام بثورة ناجحة”. (1)
كان العنف هو الوسيلة السائدة للمجتمعات في حركتها نحو التغيير والثورة، واستمرار هذه الوسيلة حتّى الآن – في سوريا وقبلها ليبيا، واليمن إلى حدّ ما – يشير إلى عدم شيوع وسائل التغيير السلمية الديموقراطيّة – صناديق الاقتراع والعصيان المدني. يمكن عزو ذلك إلى تزوير الانتخابات من قبل الأنظمة الفاسدة في حالة الانتخابات “الديموقراطية الصورية” أو لعدم السّماح لقوى التجديد السلميّة بالإفصاح عن نفسها بطرق سلمية هادئة. ويبقى العصيان المدني وسيلة أخرى إضافية فعالة لم تفلح الشعوب العربية في استخدامها وربّما يعود ذلك إلى شيوع فكرة العنف كوسيلة للثورة وغياب أو عدم شيوع الأفكار الثورية السلمية والفكر الحر بين الثوار. يحدث هذا مع الإقرار بوجود فتاوى فقهية سائدة لا تبيح العنف كوسيلة لتغيير الحاكم الجائر فكان الأحرى أو المتوقع أن تساعد وتُحرض تلك الفتاوى الدينيّة جموع المؤمنين أو المواطنين للبحث عن وسائل أخرى سلميّة لتغيير الحاكم عوضاً عن وعظهم بالرّضا والصّبر على جور هؤلاء الحكام .
القارئ لتاريخ الحكم العربي الإسلامي يعرف أن أغلب الحكام يدركون بأن الفكر الحر وسيلة من وسائل التغيير أنجع من وسائل العنف، ففي حالة العنف جابه الحكام العنف بعنف مثله أو أشد، ولمجابهة الفكر الحر فقد “منعوا كل جدل أو تفكير حر مخافة أن يؤدي هذا الجدل إلى الشك في التقاليد “المقدسة” وإلى الاعتراض على الحاكم الظالم لعلمهم بأن الجمود الفكري والخضوع للسلطان أمران مترادفان فقالوا “من تمنطق فقد تزندق” و “ومن خرج على الحكام فقد كفر”. (1) نفهم من هذا أن العنف كوسيلة لتغيير الحكام ستظل ظاهرة طبيعية مرافقة لأي ثورة في المجتمعات التي لا تستطيع أن تبدل حكامها بوسائل سلمية ديموقراطية ما لم ينتشر الفكر الحر وتسود الأفكار السلميّة الديموقراطية.
وسائل تغيير الحكام قديما وحديثا
جاء الإسلام بنظام جديد للتغيير ولإدارة شؤون الدّنيا وللفصل بين النّاس في أمورهم الدنيويّة تمثل في مبدأ “الشورى”. لكن هذا المبدأ – ككثير من غيره من المبادئ الثورية التي أحدثها الرسول – بقى مفهوما نظريا ولم يجد طريقه للتطبيق على نحو عملي إلا في حياة الرسول وسرعان ما غُيب بعد موته فعاد الصحابة وهم تحت سقيفة بني ساعدة لأعراف البداوة والعصبية وقوانينها في التغيير والاستيلاء على السلطة بالقوة والغلبة وبأسلوب يبدو شوروياً في الظاهر يسمى “المبايعة” والذي غلب عليه الإكراه في كثير من الأحيان.
عاد مبدأ “الشورى” على يدي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، لكن الناظر في مجلس شورى عمر يدرك إلى أي مدى أساء عمر لمبدأ الشورى حين جعل أعضاء مجلسه مقتصراً على القرشيين متجاهلاً الأنصار وبقية مراكز القوى التي ما كان له أن يغيبها لولا طغيان مبدأ العصبية والعشائرية وقيم القبلية. تلك القيم التي أتى الإسلام ليقضي عليها أو ليحد منها ويستبدلها بقيم العدالة والمساواة والأُخُوة. ثم ما لبث أن مات مبدأ الشورى وعلى نحو نهائي على يدي معاوية بن أبي سفيان حين جعل “التوريث” وسيلة لتداول السلطة استمرت حتى منتصف القرن العشرين تخلل هذه المدة ثورات كانت تأتي بأسر حاكمة مكان أخرى تتبع نفس نمط التوريث ولما ألغيت الخلافة وانتهى الاستعمار الأجنبي حل “الانقلاب” و “الاغتيال” كوسيلة لتغيير الحكام ثم “الاستفتاء” لتأبيد أمد حكمهم. وكانت القاعدة استبدال حاكم طاغية مكان آخر مع بعض الاستثناءات التي حولت قليل من الانقلابات إلى ثورات نتيجة لبعض الآثار الإيجابية التي أحدثتها لاحقاً.
وكان مقررا للتوريث أن يعود كوسيلة لتداول السلطة – من خلال “الانتخابات الصورية” أو صناديق الاقتراع – حتى في الجمهوريات التي تحول دساتيرها دون ذلك. فطُبق في سوريا وكان مقررا له أن يطبق في ليبيا ومصر واليمن وغيرها من الجمهوريات العربية لولا ثورات “الربيع العربي”.
بهذا الاستعراض السّريع لوسائل تغيير الحكام المعتمدة عربيا وإسلاميا نَخلُص إلى أن العرب والمسلمين لم يختبروا أية تجربة ديموقراطيّة حقيقية في تغيير الحكام. فهل سيكون “الربيع العربي” وسيلة جديدة لتغيير الأنظمة شكلاً ومضموناً أم سيكون كغيره من الوسائل السابقة أداة لتغيير الشكل دون المضمون؟
وقود الثورات
يعتقد البعض من المتحمسين المثاليين من الثوار بأن ما يصنع الثورة هو حجم التضحيات التي يقدمها المؤمنون بها: عدد الشهداء وكمية الدم والعرق والدموع والأطراف المبتورة والعيون المفقوءة إلى آخر التضحيات المادية. لكن هذه التضحيات مهما عظمت ليست أكثر من مقدمات أو مدخلات تقليدية هي بمثابة وقود للثورات في عهودها الكلاسيكية يسبقها مدخلات أو مقدمات أكثر أهمية تتمثل في الوعي والفكر الثوري الذي ينير طريق الثورة ويصبح معها لون الثورات الحديثة برتقالي سلمي بعد أن كان أحمر قانٍ
وفي كلا الحالتين لا يكون الحكم على نجاح الثورات بالمقدمات بوقودها البشري والفكري فقط بل في النتائج التي تفضي إليها الثورة ونسبة ما تحققه من أهداف. فليس شرطاً أن تأكل الثورة أبناءها وليس مهماً أن تقدم قربانا لها لتنجح أو لتفشل. وليس مهماً أن تكون ثورة برتقالية أو قرمزية أو بلا لون. المهم هو تحقق الأهداف التي خرجت من أجلها. ويقاس نجاح الثورة أو فشلها بنسبة تحقق تلك الأهداف. وفي غالب الثورات العربية يتمّ صياغة تلك الأهداف على هيئة بنود مكتوبة غالبا بعد تحقّق البند الأول منها مثل “القضاء على الاستعمار” في سياق الثورات الكلاسيكية أو “إسقاط النظام” في سياق ثورات “الربيع العربي” وفي كلا السياقين لا يلتفت الكثيرون إلى إمكانية استبدال استعمار خارجي بآخر داخلي أو استبدال نظام قديم بآخر جديد مع بقاء نفس المضامين.
تعتبر المغامرة والحماس والإجماع أو شبه الإجماع عناصر مهمة لأي ثورة لكنها ليست وحدها الكفيلة لضمان نجاحها وينقصها المكونات الفكرية أو البرمجية وتتمثل في ضرورة توفر “فلسفة الثورة”: فكرها الذي ينير لها طريقها. فالثورة التي يقوم بها مليون أو مليوني ثائر دون تنظيم ودون التمكن من إقناع حزب الصامتين، فضلا عن إقناع المؤيدين للنظام بعدالة قضيتهم، والثورة التي ليس في رصيدها من عوامل النجاح سوى خبر تناهى إلى أسماعهم عن نجاح ثورة في تونس وأخرى في مصر وكأن مفهوم الثورة لم يكن من قبل، والثورة غير المكتفية ذاتياً وداخلياً بسواعد أبنائها وتمويلهم، التي تكون عوامل نجاحها، فبقاؤها وصمودها مرتبط بالدّعم الخارجي، هي ثورة في مهب الريح. فلا يوجد ثورة أتاها الأمل من الخارج إلا وفشلت في تحقيق أهدافها. فقد أسهم المجاهدون العرب في طرد الاحتلال السوفييتي لكنهم كانوا أداة لدخول المحتل الأميركي، وأتت المعارضة العراقية على ظهر دبابة أميركية فرحل صدام ولم ترحل الدبابة والسيطرة الأميركية. حتى التدخل المصري العربي لصالح ثورة 1962 اليمنية لم يفلح في التخلص من جذور الملكية الإماميّة. وفي التاريخ مزيد من الأمثلة
الفكرة الثورية يجب ألا تنتصر بالعنف
الذي يلفت نظر الثورة – أو الثوار – إلى خطورة تبديل الشكل مع بقاء المضمون هم فلاسفة الثورة أو مفكروها. ففي سياق ” الثورة السورية ” الحديثة – على سبيل المثال – توفر لها مفكرون “مؤيدون” وآخرون “معارضون”. مع التسليم بأن كلا الفريقين يضعان مصلحة سوريا أولاً، لكن شتان بين مفكر عقلاني – “معارض” و “متشائم”- عينه على المستقبل وينظر للعواقب من خلال النظر في معطيات الواقع المعقد وإشكالياته وبين مفكر آخر – “مؤيد ومتفائل” – عينه على المستقبل أيضاً لكن يحدوه الأمل وتغلبه الحماسة فيغفل تأمل المشهد المعقد على أرض الواقع أو يسيء تفسيره أو تحليله.
أدونيس نموذج للنقاد والمفكرين الذين صُنِّفوا على أنهم يقفون موقفا معارضاً من الثورة السورية وذلك من خلال النظر في رسالتيه المفتوحتين لكل من الرئيس بشار الأسد والمعارضة. لكن بعد مرور مدة ليست بالقصيرة على الرسالتين والأحداث المؤلمة في سوريا ندرك إلى أي مدى كان يمكن أن يسهم فكر أدونيس وغيره من المفكرين في تجاوز أو تفادي الكثير مما حدث ويحدث هناك لو لم يصم كلا الطرفين – نظام ومعارضة – أذنيه لشروط أدونيس التنويرية لضمان نجاح الثورة وتفادي تكرار اجترارها لمضمون النظام السابق.
يقول أدونيس موجها خطابه للمعارضة:
“كل تغيّر في أي ميدان لا يمكن التعويل عليه، إذا لم يكن صادراً عن إعادة نظر جذرية، وعلى نحو شامل، في هذا الأساس. هذا، إذا كانت الغاية من التغيير بناء مجتمع جديد، لا مجرد اختزال يتمثل، على الطريقة التقليدية السياسية في “الإطاحة بالنظام سريعاً وبأي ثمن”. المعارضة، خصوصاً في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ العرب، إما أن تكون على مستوى التاريخ والمستقبل: عملاً لبناء مجتمع مدني إنساني جديد، وإما أن تندرج في سياق المعارضات التقليدية: الاكتفاء بتغيير النظام القائم، سياسياً.”
ويستهل رسالته المفتوحة للرئيس بشار قائلاً:
” السيد الرئيس، لا يصدّق العقل ولا الواقع أنّ الديموقراطية سوف تتحقق في سوريا، مباشرة بعد سقوط نظامها القائم. لكن بالمقابل، لا يصدق العقل ولا الواقع أن يظلّ النظام العنفي الأمني في سوريا قائماً. وذلك هو المأزق من جهة، لا تنشأ الديموقراطية في سوريا، إلا بعد نضال طويل، وإلا ضمن شروطٍ ومبادئ لا بدّ منها. لكن، لا بدّ من التأسيس لذلك، ومن البدء، الآن لا غداً. من جهة ثانية، بغير الديموقراطية، لن يكون هناك غير التراجع وصولاً إلى الهاوية”.
تكمن الإشكالية كما رآها البعض في تعويل أدونيس على النظام الديكتاتوري القائم في تأسيسه للديموقراطية الحقيقية وقد قضى عقود من حكمه في تقويضها. وهي إشكالية ذات بعدين، بعد يكمن في النظام، ليس في استحالة تأسيسه لديموقراطية حقيقية بل في عدم رغبته في ذلك. والبعد الآخر يكمن في المعارضة التي تفتقر للشروط أو للبنية الثقافية والاجتماعية القبلية اللازمة لتأسيس الديموقراطية وفي غياب مفهوم الحرية كمرجعية في برنامجها الثوري. أعتقد بأن أدونيس حسب المسألة زمنيا على ضوء المثل القائل “اختر أهون الشرين” أو أقصر الطرق للتأسيس للديموقراطية فقضى بإمكانية استجابة النظام لندائه العاجل أقرب من إمكانية استجابة المعارضة. بمعنى آخر تأسيس الديموقراطية لا يحتمل مزيدا من الانتظار وأن الوقت لا يسمح للتأسيس لها من خلال استلهام التجربة الغربية في الديموقراطية، فذلك يتطلب زمنا ليس بالقليل وأن الأولى والأجدر فرضها أو التأسيس لها من فوق. من جهة أخرى يرى أدونيس بأن القادم الجديد محمولا عبر سفينة “الربيع العربي” نقيض للديموقراطية وبالتالي سيعمل على تقويضها لا التأسيس لها. والأهم أن الفكرة الثورية والديموقراطية لا يجب ولا يمكن أن تمر من خلال بوابة العنف.
نموذج لمفكر سوري آخر هو جورج طرابيشي كان قد سبق أدونيس والربيع العربي بزمن في التحذير مما هو قادم حين كتب: “إن المجتمعات العربية تدفع اليوم غاليا ثمن تغييب البورجوازية وإفقادها اعتبارها الإيديولوجي، ليس فقط على شكل أنظمة سلطوية فوقية تنزع إلى تأييد نفسها في “جمهوريات وراثية” بل كذلك على شكل حركات شعبية تحتية، واعدة أو منذرة بشموليات من نوع جديد وأكثر جذرية بما لا يقاس في القطع مع الديمقراطية وقيم الحداثة. ففي ظل غياب البديل البورجوازي، فان المعارضة الشعبية للديكتاتوريات القائمة لا بد أن تأخذ شكل صعود محتوم لمد الأصولية، ولاسيما في الشروط العينية للعالم العربي الذي يتحكم في مقاديره، منذ لا يقل عن ثلاثة عقود، التوظيف الإيديولوجي والثقافي للدولارات النفطية لصالح الأصولية الإسلامية”. (2)
سنستكمل رحلتنا لاحقا ومطولا مع طرابيشي للتعرف على شروط التأسيس للديموقراطية والدّولة المدنية ولنقف عند سياسي ومفكر يمني هو الدكتور ياسين سعيد نعمان كنموذج لمفكر أضاء طريق الثورة اليمنيّة بكتيب صغير الحجم عظيم القيمة سماه “إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة” حمَّله خلاصة فكره لمسار ثورات تاريخية جعلت من العنف مدخلاتها الوحيدة فلم تحصد كمخرجات سوى العنف واستبدلت نظام قمعي بآخر من طينته. وهو في تنويره للثورة الحق يقول بالثورة السلمية لكن ولأن هذا الفكر على مستوى التنظير لا على مستوى الشعارات أو المسار السياسي قد تأخّر إلى حدّ ما – فبراير 2012 – وكذا عدم حضوره في أذهان أغلب الثوار، فقد تخلل العنف – المحدود – سياق الثورة اليمنية.
يقول نعمان تحت عنوان ( الفكرة الثورية يجب ألا تنتصر بالعنف ): “المزاج الثوري بطبيعته يعج بعناصر العنف مما يجعله مؤهلاً وميالاً لممارسته ما لم يتمكن العامل السياسي والثقافي للثورة من تكوين منظومة ضبط قيمية قوية في ميدان الفعل الثوري وبين الجماهير، وعلى مستوى رفيع من الثقة والتفاهم بين أطراف هذه العملية تمنع المغامرة بصورها المختلفة وتحد من نزعات التفرد والانتقام. “وأن” الحركات الشعبية والثورات والعمليات الاجتماعية المصاحبة ما لم تنضبط للقيم التي تميزها عن “الخصم” الذي ثارت عليه فإن عنفوانها قد يقودها إلى طريق العنف واستخدام أدوات ذلك الخصم نفسها بما في ذلك ثقافته وخطابه”.
السياسة في حالة الثورة اليمنية سبقت الثورة – أو سرقتها وفقا لتعبير البعض الغاضب ممن يحبذون طابعها العنفي ويجهلون عواقب هذا الخيار – بالرغم من جدل خروج الأخيرة قبل الأولى أو إخراج الأولى للأخيرة إلى ساحاتها. فكانت النتيجة أن “استطاع المسار السياسي أن يحمي الثورة بأن جسد بالملموس طابعها السلمي، وكشف بالمقابل الطابع القمعي للنظام وهو ما كان له أثره البالغ على الموقف الدولي في الضغط على النظام للسير في طريق نقل السلطة والتغيير”. (3)
هناك من يقول إن حجم ونوع التنازلات التي قدمها المسار السّياسي اليمني المعارض لا يتناسب وحجم التضحيات التي قُدمت على الأرض من قبل الثوار لكن نعمان يرد بأن تلك التنازلات حددتها طبيعة الخيار السلمي للثورة والمضي به حتّى النّهاية وأن البديل له كان الوقوع في فخ العنف وهو مطلب النّظام الذي حاول جر الثورة إليه مراراً. لكن ما لم يذكره نعمان أن نجاح الثورة السياسية في تحقيق أهدافها مرتبط بنجاح الثورة الفكرية. بكلمة أخرى، الوعي بإشكاليات التأسيس للديموقراطية وللدولة المدنية مقدمة ضرورية لنجاح أهداف الثورة وهذا ما لم يتوفر للثورة اليمنية كما سنرى من خلال استعراض تلك الإشكاليات.
هذه الفلسفة الثورية التي تهدف إلى القضاء على العنف بأساليب سلمية وتحرص على بلوغ الأفكار الكبرى ذات البعد الإنساني بوسائل مغايرة لأساليب النظام الذي ثارت عليه عبَّر عنها وحذر منها الكثير من المفكرين والفلاسفة بأساليب مختلفة منهم إميل سيوران حين قال إنّ “الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة، تتحول إلى ما هو عكس الاختمار والولادة فتكف عن كونها ثورة وتقلد ملامح النظام الذي قلبته، وكذلك أجهزته وطريقة عمله. وكلما بذلت جهدا من أجل ذلك زادت في هدم مبادئها والقضاء على حظوتها “. كما عبر عنها نيتشه بأسلوب لا يخلو من الطرافة حين قال إنّ “انقلاب الأفكار لا يليه مباشرة انقلاب المؤسسات، فالأفكار الجديدة تسكن ولوقت طويل بيت الأفكار السابقة المقوضة، لا بل تعنى به إذ ليس لها مكان تنام فيه”. وكأنهم يحذرون جميعاً بأساليب مختلفة من مغبة تقليد الثورة لمضمون من تثور عليهم.
طالما أنّ التّعريف الحقيقي للثّورة أياً كانت فلسفتها يكمن في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها ففي هذه الحالة ستفقد الكثير من ثورات “الرّبيع العربي” معناها، ذلك أن هدفها المرحلي الذي تمثل في شعار “الشّعب يريد إسقاط النّظام” لم يتحقّق منه سوى جزء يسير في حين أنّ هدفها النّهائي المتمثل بإقامة الدّولة المدنيّة ما زال في طور الحلم
الحال أن النّظام السياسي في اليمن لم يسقط تماماً ببقاء رأس النّظام حراً طليقاً ومحصناً ويمارس العمل السياسي بأشكال شتى هو وبقية أفراد أسرته الذين يسيطرون على جزء كبير من السّلطة بما يمتلكونه من ثروات منهوبة ونفوذ عسكري. فيما جزء آخر من النّظام القديم مسيطر فعلاً على الثورة كضريبة طبيعية لانضمامه إليها. وعلى فرض تمكن “ثورة الفرصة الأخيرة” أو قادة المسار السياسي السلمي من الإطاحة التامة بأقنوم النظام الأسري فهناك أقانيم أخرى تمثل إشكاليات في طريق الثورة والديموقراطية والدولة المدنية
ليس من المنصف الحكم على نتائج أي ثورة من خلال عمرها القصير فتقييم كهذا يستدعي التريث خمس سنوات على الأقل. لكن بما أن الهدف المرجو من الثورة كمحصلة نهائية أو هدف أخير هو إقامة “دولة مدنية” تكون فيها المرجعية لسلطة الدولة ويكون الكل فيها أمام القانون سواء وتسودها قيم الحرية والعدالة الاجتماعية فبوسعنا الحكم على فشل الثورة منذ الآن ليس فقط من خلال غياب مفهوم الدولة المدنية لدى حزب الإصلاح – وهو أكبر الأحزاب المعارضة في اليمن وفي تكتل اللقاء المشترك المعارض الذي يشارك في نصف الحكومة اليمنية اليوم – أو من خلال تأجيل البت في هذا المفهوم لما بعد انتخابات 2014 كما جاء على لسان اليدومي – أحد القادة المؤسسين لحزب الإصلاح – في لقاءه مع قناة الجزيرة، لكن أيضاً من خلال اعتبارات أخرى قائمة على أساس أن إسقاط النظام ممثلاً بأقنوم الزعيم ليس إلا مشكلة قابلة للحل أو خطوة أولى تعد يسيرة إذا ما قورنت بإشكاليات أخرى أشدّ رسوخا وتجذراً – تقف في طريق الثّورة وهدفها المتمثل في إقامة دولة مدنية – ويستدعي إسقاطها في سبيل تحقيق “الدّولة المدنيّة”.
هناك عاملان أسهما في نجاح ثورتين من ثورات “الرّبيع العربي” وأعني بهما الثورة التونسيّة والثورة المصرية وأعني بالعاملين خلوهما من العنف والعنف المضاد وعدم انضمام رموز من النظام القديم إلى سفينة الثورة. والذي أسهم في ترسيخ هذين العاملين الطابع المؤسساتي للدولة في ظل نظامها القديم. في حين فشلت ثورتين في تحقيق هذين العاملين هما الثورة الليبية والثورة السورية ونجاح الثورة الليبية في إسقاط النظام لا يعد دليلاً على نجاح تحقيق أهدافها حتى الآن. وفي حين فشل نظام علي صالح في اليمن إلى جر الثورة إلى فخ العنف والحرب الأهلية فقد نجح في ترحيل جزء منه لينظم لركب الثورة وجزء آخر يساهم مناصفة في حكم اليمن اليوم. نجاح نظام بشار الأسد في جر المعارضة إلى فخ العنف كان سببا من أسباب تأخير سقوطه مثلما كان العنف سبباً في تأخير سقوط القذافي لولا التدخل العسكري الدولي.
إشكاليّات الديموقراطيّة والدّولة المدنيّة
شعار “الدّولة المدنيّة” هو السّائد كهدف بعد “إسقاط النّظام” في ثورات “الرّبيع العربي” لكن هل سيحظى هدف “الدّولة المدنيّة” بنصيب من التّطبيق العملي على أرض الواقع؟
المشكلة والإشكاليّة:
“المشكلة هي بالتّعريف كلّ مسألة يمكن حلّها والإجابة عنها بعد الدّرس والتقصي بطريقة علميّة أو برهانيّة. لكن الإشكاليّة بالمقابل هي كل مسالة أو مجموعة مسائل تكتنف الإجابة عنها صعوبات وتبدو قابلة لأجوبة متعددة، بل وأحيانا متناقضة، هذا إن لم تستوجب أصلاً تعليق الحكم بانتظار توفر شروط أفضل للإجابة. باختصار، لنقل إن الإشكاليّة – بخلاف المشكلة – لا تتحرّى عن جواب، بقدر ما تعنى بصياغة السّؤال وبسوقه إلى مجال الوعي وبالتّحريض على البحث عن جواب أو بالأحرى عن أجوبة”. (2)
أولاً – القَبَلية والمذهبيّة والطائفيّة
مع أن كثير من القبائل اليمنيّة أسهمت في نجاح الثّورة – مثلما أسهمت في نجاح ثورات سابقة – إلا أن انضمام هذه القبائل للثورة لم يكن دافعه إيمان شيوخها بمبادئ الثورة أو السّعي لتحقيق أهدافها بقدر ما كان حسابا لمصالحهم ومكاسبهم الشخصيّة أو القَبَلية منها. يرادف إشكاليّة القبليّة والمذهبيّة في اليمن الطائفيّة في بلدان عربية أخرى. والقبيلة في اليمن تحظى بتبجيل كبير من قبل قطاع كبير من النّاس – هم قوام الدّولة المدنيّة – فضلا عن كثير من النّخب الحزبيّة والسياسيّة و”المثقفة” التي تطالب بدولة مدنيّة في نفس الوقت الذي تبجل فيه القبيلة أو تقتات على وجودها
تكمن خطورة القبيلة في تشكيلها دول داخل الدّولة بما تملك من نفوذ وسلاح ومقومات عسكريّة وتمويل من الخارج وكذلك في تمدد نفوذها وسطوتها في النّسيج اليمني لدرجة أن يقترح أو يتمنى البعض – من سكان المناطق التي لا تعيش في ظل نظام قَبَلي أو مشيخي – اختراع القبيلة أو العودة إليها في حال اندثارها هناك. جانب آخر من مشكلة القبيلة يكمن في إنكار وجودها وادعاء أن الشعب اليمني “شعب غير قبلي وأنّه شعب متمدّن”بطبيعته” كما جاء على لسان اليدومي في نفس اللقاء مع قناة الجزيرة وكما عبر عن ذلك أكثر من “مثقف” رداً على هيكل عندما اختزل ثورة اليمن بأنها “قبيلة تريد أن تتحول إلى دولة”.
ثانياً – العسكر
العسكر مكون أساسي من مكوّنات النّظام القديم. هؤلاء أيضاً حجزوا مقاعدهم في سفينة الثّورة. والمشهد الواقعي يبين أنّهم لا ينوون التّنازل عن مواقعهم ويسعون لترتيب مقاعد السّياسة ليكون لهم نصيب مهم من كعكة “النّظام الجديد” وهو ما يعده البعض التّمهيد لحكم عسكري بواجهة مدنيّة. وقد يكون من السّهل التغلب على هذه الإشكاليّة وعدها مجرد مشكلة لو لم يكن قطاع مهم من الجماهير يؤمن بأهميّة القائد الفرد وبأهمية بروز العسكر على رأس السّلطة السياسيّة واعتقادهم بأن الحل يكمن في “ديكتاتورية عسكرية” تكون قادرة على فرض سلطة الدولة وهيبتها أمام الجميع.
ثالثا – الأيديولوجيات
يميل البعض إلى نزع اللون عن ثورات الربيع العربي ويضفي عليها صفة ولون الماء أو أنها ثورات بألوان قوس قزح منزوعة الأيديولوجيا. أعتقد بأن هذا القول يغفل حقائق مهمة مثل خروج المظاهرات أيام الجمع ومن الجوامع وبشعارات غالبيتها دينية ثم فوز اللون الأخضر / الإسلاميين في الانتخابات وغيرها من الشواهد التي تعطينا إشارات إلى لون الثورة السائد. كما أن القول السابق يتجاهل أو يتناسى أن مثل هذه الأطياف المتنوعة شاركت في صنع الثورة الإيرانية وصرنا نعلم اليوم من قطف ثمارها في الأخير.
تحقيق “الدولة المدنية” على أرض الواقع القَبَلي من قبل أحزاب لها خلفيات أيديولوجية – دينية، يسارية، قومية، مذهبية – أمر ليس بالمستحيل ولكنه في نفس الوقت صعب المنال إذا ما أضيف هذا العائق الأيديولوجي إلى العوائق الأخرى سالفة الذكر. يمكن أن ننظر لهذه الإشكالية من منظور إيجابي يقول أن التعدديّة والتنوّع يثري الحياة السياسيّة والاجتماعيّة ويصبح حلا أكثر منه مشكلة أو إشكاليّة. يحدث هذا حين يتجاوز المنتمون لهذه الطوائف، أو المتبنين لتلك الأيديولوجيات الطائفة أو المذهب أو الأيديولوجيات ليلتقوا حول مشروع علماني أو مدني واحد. والحاصل هو العكس حيث التمترس حول القبيلة والمذهب والعقيدة والأيديولوجيا.
تأجيل اليدومي الإجابة عن سؤال مفهوم حزب الإصلاح للدّولة المدنيّة لا يعني جهله بمفهومها بقدر ما يعني عدم إيمانه بها وفقا لمفهومها المتعارف عليه أو طموح حزبه لتعريف آخر لمفهوم الدّولة المدنيّة أو لشكل آخر “ديني” للدّولة وهو أمر طبيعي كون المتحدّث قيادي في حزب أيديولوجي إخواني. وقد يكون تأجيل الجواب قائم على انتظار ما قد تأتي به رياح السّياسة أو “حكمة الله” في الشهور القادمة وهو نوع من التّواكل السّياسي ليس بغريب أيضاً أن يأتي من قيادي متديّن يؤمن بأن “بقاء علي عبدالله صالح في اليمن – في الظروف الرّاهنة – لحكمة يعلمها الله” كما صرح في ذات اللقاء.
رابعا – الأكثريّة والأقليّة:
المشهد اليمني يشير إلى أن هناك أقليّة مدنيّة من خلفيات ثقافيّة متعدّدة ومتنوّعة تؤمن وتطمح إلى تحقيق هدف الدّولة المدنيّة في مقابل أكثريّة تؤمن بمرجعيات أخرى بديلة للدّولة متمثلة في القبيلة والعشيرة والعقيدة والمذهب. إشكاليّة غياب الإجماع أو شبهه تضاف إلى بقيّة الإشكاليات الأخرى التي تعترض طريق الدّولة المدنيّة.
واقع الحال العربي يبين أن “الأكثريّة ليست أكثريّة حزبيّة أو كتلوية ينعقد وينفرط داخل البرلمان بل هي أكثرية مجتمعيّة دائمة توصف بأنها إسلاميّة أو مسيحيّة سنيّة أو شيعيّة عربيّة أو بربريّة أو كردية ( قبلية أو عشائرية ). ومثل هذا التصوّر السّكوني المؤقنِم لمفهوم الأكثريّة والأقلية من شأنه أن يتأدى في الممارسة الانتخابيّة إلى تصويت جماعي إجماعي ينتصر فيه الناخبون لمرشحهم من دينهم أو طائفتهم أو إثنيتهم (أو قبيلتهم أو عشيرتهم). (2)
خامسا – الثّمرة والبذرة
أعيد طرح سؤالي طرابيشي عن إشكاليات الديموقراطيّة في سياق الحديث عن إشكاليات الدولة المدنيّة أيضاً:
هل الديموقراطيّة شرط مسبق أم هي نتيجة وحصيلة لتطوّر مجتمع بعينه؟ وهل هي ثمرة يانعة برسم القطف أم هي بذرة برسم الزّرع؟
قد يمكن فرض “العلمانيّة” – أو المدنيّة بصيغتها الملطفة – على نحو هرمي من خلال سلطة الدّولة أو قائدها المؤمن بضرورتها كما يقترح أدونيس في رسالته لبشار الأسد. وفي حال توفرت هذه السلطة أو ذاك القائد الملهم يبقى أمر بقاء هذه الدولة “المدنية” محفوف بالمخاطر والانهيار كون الدّعامة الرئيسيّة لشيوع مفهوم الدّولة المدنيّة هو وعي الأكثريّة بأهميتها فهم من سيدافعون عنها في وجه المخاطر التي تتهدّدها. ذلك أن الديموقراطيّة والمدنيّة بذرة برسم الزّرع لا ثمرة يانعة برسم القطف وأن الأفكار العظيمة لا يكفيها إيمان العظماء بها أو من يقفون على رأس هرم السلطة فقط بل وإيمان النخب المثقفة والأكثريّة من عموم الشّعب.
الوعي الجماعي بهدف أو أهداف الثورة مهم في نجاح هذا الشّعار وتطبيقه عمليا. والحال أن جميع القوى الطوائف المذاهب والأحزاب تكاد تكون مجمعة على هدف “إسقاط النظام” أما مشروع أو هدف “الدولة المدنية” فلدى كل جماعة مشروع دولة يختلف عن الأخرى والمشروع الأكثر حضوراً بين هذه المشاريع هو مشروع “الدولة الدينية”. وعلى أقل تقدير قد تتفق هذه الأطراف على مسمى “الدولة المدنية” لكن لدى كل طرف تعريف أو مضمون مختلف إن لم أقل مناقض لطبيعة تلك الدولة كما تفهما الأطراف الأخرى
يمكن القول باختصار أن الثورات في البلدان الطائفية المذهبية العرقية القبلية والعسكرية قد تنجح في تحقيق هدف “إسقاط النظام” لكنها تفشل في تحقيق هدف “الدولة المدنية” التي قامت من أجلها ذلك أن حلفاء الأمس واليوم يصبحون أعداء الغد ففي ذهن كل واحد منهم مشروع دولة يختلف عن الآخر.
سادسا – غياب أو تغييب البورجوازيّة
يرى طرابيشي أن غياب أو تغييب البورجوازيّة يمثل إشكاليّة كبرى في طريق تحقيق الديموقراطيّة حيث يقول إنّ “الديموقراطية وإن لم تتواجد حيثما تواجدت البورجوازيّة فإنّها تغيب حيثما غابت ونحن هنا بإزاء قانون إن لم يكن بالمعنى الطبيعي، فبكل تأكيد بالمعنى التّاريخي. ومن خلال استعراض الأمثلة التاريخيّة لتجارب الاشتراكيّة السوفيتيّة والعالم الثّالث، لنا أن نحكم بأنّ جميع المحاولات لبناء ديمقراطية في ظل تغييب البورجوازية قد باءت بالفشل. وبما أن الماركسية هي صاحبة اليد الطولي في إفقاد البورجوازية اعتبارها التاريخي فلنستعن إذاً بالمعجم الماركسي لنقول أن البورجوازية هي الحامل الطبيعي للديمقراطية وبانعدامه تنعدم”. (2)
سابعا – الخصم أو العدو الخارجي
مشروع الدولة المدنية في اليمن – على سبيل المثال – قُتِلَ بمقتل الرّئيس إبراهيم الحمدي – في أواخر سبعينيات القرن العشرين – ودُفن معه. لكن من حسن حظنا المعاصر فإن إحياء الموتى أو بعثهم أصبح ممكنا لكن ليس بعيسى ومعجزاته ولا بالله وقدراته فعملية الإحياء والبعث الحداثية لم تعد تتطلب المعجزات في وقتنا الحاضر بقدر ما تطلب الوعي بالبنية الفكرية التي تقوم عليها. قتل الحمدي دليل كافٍ على أن المشاريع العظيمة تجهض بقتل أصحابها عند غياب الدعم الجماهيري لها. الأصابع تشير إلى أن العدو الخارجي الذي يوصف بأنه “دولة شقيقة” هو من أمر بقتل الرئيس الحمدي وهو من وقف وما زال كمشكلة – وليس كإشكالية هذه المرة – ضد أي مشروع نهضوي في اليمن
الذين قتلوا أو أجهضوا مشروع الدولة المدنية التي أرسى قواعدها الرئيس الحمدي هم أنفسهم من يصنعون تاريخ اليمن اليوم أو يسهمون بالنصيب الأوفر من هذا التاريخ وهم المملكة السعودية وشيوخ القبائل وشيوخ الدين وقواعدهم. فكيف لهؤلاء أن يؤيدوا مشروع الدولة المدنية كما فهمها الحمدي أو كما يعرفها قاموس السياسة ؟
ثامنا – إشكاليّة الصندوقين
أقتبس ما ختم به طرابيشي إشكاليات الديموقراطية بإشكالية “صندوق الاقتراع وصندوق جمجمة الرأس” وهي إشكالية ذات طابع ثقافي وتعتبر أهم إشكالية من وجهة نظري: “فالديموقراطية هي في التحليل الأخير ثقافة ومنظومة قيم متضامنة. وفي مجتمع لم ينجز تحديثه المادي والفكري ولم يستكمل ثورته التعليمية فإن الموضع الأول لتظاهر الديموقراطية ليس في صناديق الاقتراع وحدها بل كذلك وربما أولاً في الرؤوس. فالديموقراطية لا يمكن أن تكون نظاماً فصاميا
 فهي لا يمكن أن تكون نظاماً للحكم بدون أن تكون نظاماً للمجتمع. وليس لها أن تسيِّر العلاقات بين الحكام والمحكومين بدون أن تسيّر العلاقات بين المحكومين أنفسهم. ومع أنها بالتعريف نظام للدولة فإنها بالجوهر نظام للمجتمع المدني. مع ذلك لا وجود لديموقراطية سياسية بحتة. فالديموقراطية هي بالأساس ظاهرة مجتمعية والمجتمع هو في المقام الأول نسيج من العقليات. ولئن تكن الحرية الديموقراطية تنتهي لا محالة إلى صندوق الاقتراع فإن الصندوق الأول الذي تنطلق منه وتختمر فيه هو جمجمة الرأس. وإن لم يتضامن صندوق الرأس مع صندوق الاقتراع فإن هذا الأخير لن يكون إلا معبراً إلى طغيان غالبية العدد. ولئن يكن الانتخاب أهم آليات الديموقراطية فإن الآلية الانتخابية نفسها غير قابلة للاشتغال دون زيت. وزيت الآلية الانتخابية للديموقراطية هو ثقافتها.
 ولنملك الجرأة على أن نعترف: فلئن تكن الأنظمة العربية القائمة تقيم العثرات أمام الآلية الديموقراطية فإن المجتمعات العربية الراهنة تقيم العثرات أمام الثقافة الديموقراطية. فالأنظمة العربية لا تتحمل انتخاباً حراً ولكن المجتمعات العربية لا تتحمل رأياً حراً. ومجتمع يريد الديموقراطية في السياسة ولا يريدها في الفكر ولا على الأخص في الدين ولا بطبيعة الحال في العلاقات الجنسية هو مجتمع يستسهل الديموقراطية ويختزلها في آن معاً. ومن الاستسهال – كما من الاختزال – ما قتل! (2)
يمكن في الأخير إيجاز نظرية الثورة فكرها أو فلسفتها في نقاط سريعة مختصرة بالقول أن:
الشرط الأول لإحياء مشروع الدولة المدنية يكون بالوعي بالإشكاليات سالفة الذكر والسعي للبحث عن أجوبة ممكنة لها. يلزمنا هنا الترويج أو التنوير لفكر عدم وجود تعارض جوهري بين قيم العلمانية وجوهر المدنية وبين قيم ومنهج الأديان في سعيها لاستخلاص الحلول. وهي عملية قد تتطلب عشرات السنين وكل المؤشرات تدل على أننا ذاهبون نحو دولة دينية لا تريد تطبيق مضمون الدّين ومنهجه روحه وجوهره بل تريد تطبيق مظهره أو شكله الخارجي المتمثل في الطقوس وتطبيق الحدود وتحقيق قدر من التنمية على حساب الحريات.
كل ثورة لا تنتقل بالمجتمع انتقالا جذريا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، هي ثورة قاصرة، ولا يصدق عليها مسمى ثورة، حتى لو أسقطت نظاما وأقامت آخر.
شهد التاريخ العربي والإسلامي الكثير من الثورات أو الانقلابات – استبدال نظام حاكم أو طاغية محل آخر – لكن لم يؤدي أياً منها إلى ثورة فكرية اجتماعية تجعل من الحرية والتعددية مرجعيتها الأساسية.
هناك علاقة وطيدة بين الحريّة والمسؤوليّة فالحريّة تعني المسؤوليّة والشّعوب العربيّة تميل إلى أن يكون سيدها هو المسؤول الوحيد عن مصيرها ولذلك تفضل العبودية على تحمل المسؤولية. وما ينطبق على العبوديّة بشقها السياسي ينطبق على العبوديّة بشقها الدّيني حيث يشكل رجل الدّين – الشيخ المفسر الفقيه –المرجعية الأولى والأخيرة والبديل المريح لعملية التفكير وإجهاد العقل. وربما لهذا علاقة بتقدم الغرب فالفصل الذي حدث بين الدين والدولة هناك هو في الواقع فصل بين المسؤوليات وتحمل رجل الشارع لمسؤولية وجوده وتحمله لأعباء الحرية تلك الأعباء التي يفر منها رجل الشارع العربي ويلقيها على كاهل السياسي ورجل الدين. وشعار الأغلبية في هذا الأمر ما زال قائماً وهو أن “الإصلاح مهمة الإمام حصراً أما الشعوب فدورها يقتصر على الدعاء لمن غلب تسليما بالحتمية التاريخية وبالجبرية الدينية”.
الهوامش:
(1) علي الوردي – وعاظ السلاطين
(2) جورج طرابيشي – هرطقات 1
(3) ياسين سعيد نعمان – إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: