مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

عيناها نداء بعيد، وبسمتها حدائق..

عيناها نداء بعيد، وبسمتها حدائق..
 
القاص المغربي سعيد منتسب
كان يدرك منذ أن رآها لأول مرة أن روحه تنبعث منها. تسارعت خفقات قلبه، وغمره إحساس غامض بأنه يولد منها. شعر أنه يعرفها منذ زمن بعيد، وأنها المرأة التي ينتظرها منذ الأزل.. عيناها نداء بعيد، وبسمتها حدائق، وحرائقها وطن للملائكة..
شعر أنها تسللت من لوحه المحفوظ قبل أن يخلق الله الأرض وما عليها، وأنها كانت تسبغ عليه أنفاسه وأعماله ومتعه وأحزانه وخياله وأحلامه، وأنه ما خلق إلا ليراها تنشق من أضلاعه ترشح بالندى والالتماع..
لما رآها لأول مرة جالسة علي كرسي، حواسه انتبهت إليها، كأنها تعرفها منذ الأزل. شعر بألفة غريبة نحوها، ولكنه هش عليها ومضى في طريقه. قال في نفسه، ربما لن يراها مرة أخرى. لكنه بدأ يفكر فيها بجدية، وبدأت ملامحها تلح عليه وتوقظ فيه أحاسيس ظنها ماتت. هل سأراها مرة أخرى؟ وماذا لو كان ما رأيته مجرد حلم؟ هل رأيتها فعلا؟ وما أهمية ذلك؟ استغرب لمثل هذه الأسئلة التي بدأت تلح عليه.
ولما عادت في اليوم الموالي، بدأ موجه يرتفع، وبدأ كأنه يرتخي فوق شفرة حلاقة.. أحس أنه يموت فيها يحيى، وأنها الظل والشمس والأنفاس.
– هل تبلل حذاؤك؟
– نعم، وجواربي أيضا.. ولكن فرحي يصرخ..
– لهونا كأطفال.. جعلتني أرتفع عن الوجع.. أنا أحبك.. كنت دائما أحبك..
– ما من امرأة جعلتني أتحيز للريح سواك.. ما من امرأة أذاقتني الزوابع إلاك…
– وزوابع سيلفين، ألا تحبها؟
– زوابع سيلفين تتلبد الآن بين الغيوم. أما زوابعك فتغمرني بالشهوات..
آه يا سيلفين، يا ذعر الجوارح.. هل انتهى كل شيء؟ هل يكفي أن أطوح بك من أعالي القلب لأرديك قتيلة؟
منذ أربع سنوات أرديتني قتيلا.. جروحك لم تغادرني. أدرك هذا جيدا، وأدرك أن رائحة أشواقي إليك مأتم واسع.. هل يكفي أن أقول إنني، الآن، لا أتعبد في عينيك فقدا وشوقا، وأنني ما عدت ألاحق ظلك في عيون جميع النساء اللواتي صادفتهن، وأنني أقلعت عن عادة إدمان ظلك.
ما عاد ظلك يحميني من أشواقي إليك..
ما عاد في القلب متسع للخيبات و الخسارات والتقلبات..
هل بوسعي أن أقول إنني شفيت منك؟
هل بوسعي أن أقول إنني ما عدت رخوا أو مجنونا، وأن روعة جعلتك تنخفضين لترتفع، وتندحرين لتقبل على أفراحي بحدائقها وأزهارها ورائحة الحناء في سوالفها.
رائحة البحر الآن تملأ أنفي فتذكرني برائحة جسدك حين ارتطم بأجراسي الدفينة. كنت امرأة عارمة الشهوة. متوثبة كمهرة، مقبلة وحادة مثل خطيئة. والأرض تحت أقدامنا كانت ساكنة ومبتلة، ولكننا معا نحس أنها تنطوي على سرنا العظيم. معا نحس أنها تنطوي على شفتيك المكتنزتين..
ما إن غادرنا ضريح “سيدي عبد الرحمان” حتى لاحظت الطريقة التي تنظرين بها إلي. عيناك ملغمتان، ونهداك متحفزان.. قلت لك:
– هل أنت جائعة؟
– كيف عرفت؟
– عيناك تفضحانك؟
– لا أحب أن أبدو امرأة جائعة..
– جوعك يفرحني. ولكن اطمئني، فلن أفعل شيئا يؤذيك.. لن أحتلك..
– لست مساحة فارغة حتى تحتلني. أنا جيش احتلال لو تدري..
– أنت الآن تغررين بي. احذرني حماقاتي..
– مرحبا بحماقاتك وهبوبك واشتعالك. مرحبا بذراعيك. هيا عانقني ولا تتردد..
ولم أتردد. أرسلت يدي إلى نهدك الأيمن وتلقفته كخوخة في مقتبل القضم. وصارت أصابعي تتصاعد ببطء إلى العنق والشفتين ولحمة الأذن.
ظللت هادئة، وظلت يدي تتحالف مع الظلمة الحالكة وأطياف العشاق الذين كانوا ينثرون نيازك الشوق على الأمواج.
بغثة، ندت عنك استفاقة، فأغرقت شفاهك في وجهي..
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: