مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الشيخ عبد العزيز التويجري رجل الدولة وعاشق الأدب والتراث والثقافة

الشيخ عبد العزيز التويجري رجل الدولة  وعاشق الأدب والتراث والثقافة
 
أحمد بابانا العلوي
خاص بالموقع
“1”
إن الدارس لشخصية عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري (1918-2007) سوف يكتشف شخصية، متميزة، وعريقة، ومؤثرة في مجتمعها وعصرها..
وقبل الشروع في عرض بعض ملامح هذه الشخصية النجدية الفريدة..، وما اتسمت به من خصائص النبل والأريحية، وما قدمته من أعمال، خدمة لبلدها وأمتها، سواء في مجال  السياسة والفكر  أو الأدب…
لابد من التأكيد على مسألة هامة، تتعلق بالمباحث التي تتناول التراجم، إنما ترمي إلى الكشف عن خصائص الشخصية، سواء كانت فكرية أو سياسية أو أدبية، وفهم مكوناتها النفسية والتعرف على النفس الإنسانية وما تنطوي عليه من أقوال العبقرية والعظمة…
ويجب أن تكون الصورة، صادقة في مجملها، وتفصيلها، فليس الغرض تجميل الصورة الذي يزيف حقيقتها، وإنما القصد إجلاء الأفكار التي تحيط بأطوار الشخصية مما يساعد في إدراك أبعادها وتجلياتها..
فمن علامات العظمة، أنها تبعث كوامن الحياة، ودوافع العمل، في الأمة و رجالها، ومن ثم فإن، تراجم العظماء هي معرض الأصناف عالية من المنجزات المؤثرة في حياة الأمم..
وسوف نبحث في مسارات عبد العزيز التويجري، ليس بوصف وإبراز لخصائص الشخصية، ومزاياها، ولكن من أجل أن ننفذ إلى أعماقها، ودخائلها…
“2”
عمل التويجري مع ستة ملوك، وتقلد خلال عمره المديد مناصب رفيعة، في الدولة السعودية، بحيث عين نائبا لرئيس الحرس الوطني، وكان عضوا في مجلس الأمن الوطني، وعضوا في المجلس الأعلى للدفاع المدني، ونائبا لرئيس إدارة مكتبة عبد العزيز العامة.
ومنذ انطلاق المهرجان الوطني للتراث، والثقافة ( الجنادرية) الذي ينظمه الحرس الوطني، سنويا حرص على الإشراف على  برامجه، ومنتدياته الثقافية..
يقول الكاتب فؤاد مطر بأن التويجري تألق كمستشار ومفكر وبات يحيط، بخصوصية القرار السعودي، وكيف يصاغ بوصفه، شخصية،مشاركة، في صناعة القرار الاستراتيجي..
كانت تجربته الحياتية ومنهجه الثقافي، ومعارفه التي نشرها خلال رحلته الطويلة:” تمتزج فيها الأخلاق بالإدارة، والحكمة، بالقرار، وتتلاقى، فيها، القيم، والمبادئ في تطبيق النظم واللوائح، فاستطاع أن يؤنسن الإدارة والثقافة والفكر،والأدب، بمواقفه المشهودة…”(1) كانت اهتماماته بالتراث، والأدب، والثقافة، تندرج ضمن تطلعه إلى تطوير الشأن الثقافي.
كان منبهرا بالملك عبد العزيز وملحمته، وقد ألف كتابه عن شخصية الملك عبد العزيز:(لسراة الليل هتف الصباح، الملك عبدالعزيز- دراسة وثائقية-1997.
وكان منبهرا بالمتنبي، الذي ألف عنه كتابه(في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء-1982) كما كان معجبا بأبي العلاء وعبر عن ذلك في كتابه(أبا العلاء ضجر الركب من عناء الطريق-1982) وكان منبهرا  بالعلم والعلماء،  وبالطب وإنجازاته، وبالفضاء والكون وسعته، وبالقرآن وإعجازه…
كان محبا للمعرفة، علم نفسه، بنفسه، يقرأ كثيرا مما وسع مداركه ومعارفه، يقول عن نفسه في كتابه ( لسراة  الليل هتف الصباح):
“إني من مواليد المجمعة، منطقة، سدير، في قلب، نجد مات أبي، وعمري ست سنوات، وفي أيامنا البسيطة، تلك، كان لمجتمع القرية، فضائل، لا يشعر، معها اليتيم، والصغير، بإحساس، مرارة، اليتم، كل القرية أهلنا، أسرتي، تتساوى، وتتآخى، مع جميع، اسر القرية، في حب ووئام استلمت عملا رسميا، وعمري، يقارب الثامنة عشر ومن ذلك اليوم، وعملي، متواصل في خدمة الدولة، ثقافتي، اكتسبتها، من تجربتي، في الحياة، وبما،  تيسر لي قراءته،من كتب، جيبي خال من الشهادات، فالحياة، معلم والناس معلم، والتاريخ وأحداثه معلم.”(ص 10-11).
ويقود في كتابه منازل الأحلام الجميلة(1983):” إن أول ما تعلمته، في مجتمعنا، البدائي الصغير،  أن نبقى، دائما مع جذورنا وقريبين، من هذه الجذور، لانجنح بعيدا عنها، في وجداننا، بحيث لا يصيبنا الغرور، والتعالي عليها فتخرج منا، مكارم الأخلاق، وجودة المعدن.”
أما كتابه حاطب ليل ضجر (1987) فيقول الدكتور زكي نجيب محمود بأن هذا الكتاب رحلة في ساحة الذات، رحلة يكتبها رحالة بنفسه عن نفسه، نبضة من حياته  وما تركت فيه من أثر، إنما هو ضرب، جديد، من السيرة الذاتية يوحى بالصدق الذي لا تصنع فيه ولا تكلف..
إن من علائم الأدب الأصيل، أنه يدمج الذات والموضوع دمجالا يجعل بينهما انفصالا…(2)
في خواطره التي تضمنها هذا الكتاب، وقفات يتأمل فيها الكون الفسيح، الذي هو مفتون ومبهور بعظمته…
يمتطي أدوات فطرته وهي الشعور والإحساس،والوعي والعقل والفكر، تلك هي الرواحل والمطايا..
يريد أن يصلي صلاة العقل والروح، لا صلاة الشبح الذي يتحرك وكل شيءفيه نائم، لم يستيقظ على المعنى العظيم لفريضة الصلاة…(3)
فهو بدوي، هائم مع جماله، في قلب الصحراء، فار من فلسفة هذا أوذاك، مقيم مع مطاياه، يستقي له الغيث..
وقد يضلله السراب فيهيم وراءه،  ثم يسأل أين الظالمون؟ وأين حاشيتهم؟ وأين فلسفتهم الظالمة؟ هل ماتت يوم ماتوا؟ أم أنه سلوك يسلمه هذا لذاك؟(4)
ويسترسل  في هذه التأملات، فيرى بأن في أعماق كل إنسان، جيوش لا حصر لها من التناقضات، ومن الرغبات ومعركة الإنسان ،مع نفسه، ومع هذه الجيوش، ليست كمعركة قائدا انتصر في التاريخ البعيد أو القريب، إنما الانتصار أن يستطيع الإنسان الانتصار بقيادة قلبه وعقله..
إن أرباب فلسفة الرفض والتنكر للطبيعة، والفطرة ليسوا في تقديري مكافحين، ولا مكابدين، إنهم ضمور أنكر الفطرة وتنكر للطبيعة وعقالأمانة، فلا مكانة لمن يتنكر لهذه الحقيقة.(5)
إن من لا يتساءل ولا يتأمل في هذا الكون البديع  ولا يكدح وراء تساؤلاته، لا يستطيع  إدراك الثوابت التي يلحقها التغير..
إن ربابة البدوي، وخيمته، وجماله، وغدير الوادي  وظباء، الفلاة، في يوم الربيع تحميه من السام والقلق؛ والضجر، ومن زيارة المدرسة النفسية..(6)
وبالتالي فإن هندسة البناء الذاتي هي أرقى هندسة وأعظم مادة وأكرم لبنة..
ويحكى أنه في حوار له مع أحد رجالات الغرب، حدثه عن العرب ورسالتهم الحضارية، وإسهاماتهم في العلوم والفنون..
  فكان رد الرجل الغربي: كلنا مرت به أحلام جميلة جدا. ولكن الحلم الجميل أيبقيالإنسان جميلا، وحضاريا وإنسانيا، لأنه حلم حلما صبوح الوجه في زمن بعيد؟
سأله عن ما يعنيه؟
فأجاب، أعنى من أنتم في هذا العصر، ومن تكونون؟ إن الحقيقة المرة، أن الغرب، والشرق، ينظرون إليكم على أنكم لا تزالون رعاة إبل، لا رعاة بشر..
الغرب ينظر إليكم على أنكم آبار نفط، وليس غير، عملة إذا نفدت، نفد منكم كل شيء..
كلام الرجل الغربي كان موجعا وصادما للمحاور، فعلق عليها بقوله:” خاض خوضا كدر المياه، وأغرقني في عذاب، ما بعده، عذاب..(7)
هذه بعض الصور الأدبية والخواطر التأملية تعبرعن التجربة الشعورية للأديب التويجري، يقدمها لنا في صور موحية، ساحرة، أخاذة، بجمالها، نافذة إلى أعماق النفوس، محركة للمشاعر والأحاسيس…
إن العمل الأدبي في أوفى دلالاته وخصائصه الفنية إنما هو تعبير على تجربة شعورية في صورة لفظية موحية، مثيرة للانفعال الوجداني في النفوس، وهذا هو شرط  العمل الأدبي وغايته، ضمن هذا الإطار تندرج الرسائل الأدبية للتوجري..
فهذه الرسائل حافلة بسوارح النفس، التي ملت المقام وضجرت، ثم ، تداعت في غير انتظام على فم القلم..
ويقول صاحب الرسائل لمن سيقرأه قد يراني أولا يراني متواريا، خلف، جدار نفسية.
أن يكون لي قارئ لا أبنية على فلسفة، ولكن بقدر طاقتي حاولت أن أبني على هذه الأوراق، صورا أثقلت كاهلي، فقلت لها تحولي عنه، إلى خارج البيت الذاتي فمن لا يرم أثقاله، وهمومه عن عاتقه، فقد يتآكل في ذهنه، وعقله، وتفكيره..(8)
إن قراءتي في كتاب هذا الكون وفي كتاب الإنسان الذي أنا حر ف، من حروفه، كل ذلك، يستعجلني أن أكتب هذه الرسائل..(9)
ما أردت بهذه الرسائل غير الصلاة في محرابها..
أمنيات، تذبذبت في فضاء الأماني ثم تبعثرت هذه الألفاظ فوق الورق…( 10)
فوق هذهالرسائل أتجافىالرياح التي تهب، داخل، ذاتي، فأنقل خيمتي، في كل لحظة، من مكان إلى آخر، أشعر، أن الرياح هادئة فيه، لعلي، لا أجور، في رسائلي على نفسي..
هذه الأوراق، ليست من ثمار الشجرة الناضجة، التي تملأ فم السؤال وتتركه  حالمابالجواب على صدر هذه الرسالة إلى أن يأتي الفقيه أو المفكر، فيوقظه من منامه على الصباح، ولن يظهر هذا في إنسان أكل السبع مطاياه!!(11)
في هذه الرسائل أغدقت عليه الحياة، من ثرائها وزينتها، فإذا وقع التناقض في هذه الكلمات، فلأني أشعر بتهدم  رهيب، في بنائي الذاتي، فأتحسس طريقي، وسط الخرائب، والأنقاض، فما هذه الكلمات التائهات والشاردات من رعب الحياة..
إن قلمي، يرتعش، من الخوف، ويتجافى، عن استقبال الكلمات، خوفا، من حضارة القرن العشرين، وهي حضارة طالت رقبتها وجارت، وليس بعيدا أن يقطعها سيف العدل، والقصاص، وإن هربت فوق النجوم(12).        “3”
إن الخيط الناظم لكتابات التويجري يتمحور حول ربط الذات بالموضوع، والجمع بين القيم الشعورية، والقيم التعبيرية فكتابته إنما هي تعبير عن تجربته الشعورية بمعنى  أن الكتابة ما هي إلا ثمرة للانفعال بالتجربة الشعورية…
وقد تميزت كتابته بطابع تأملي، تجلت في خواطر تأملية تصور رؤية الأديب للكون والحياة، كما تعبر عن ما يعتلج في نفسه من أحاسيس، وليس الطابع الشخصي أسلوب تعبير فحسب، ولكنه قبل ذلك طريقة شعور..
وكل أدب هو أدب ذاتي، في الحقيقة باعتبار أنه يجمع بين طريقة الشعور وطريقة التعبير..
نحن مع التويجري في عالم البداوة بحيث تحضر بشكل بارز معالم هذا الفضاء وقيمه:”الجمال والغدير، والخيمة والربابة، والصحراء”.
ورسائل التويجري الأدبية، تعبر عن سفر مستمر في فضاءات وتضاريس، هذا العالم الغني بقيمه الشعورية، والتعبيرية…
ويعبر التويجري عن هويته البدوية في كتابه ( أبا العلاء ضجر الركب من عناء الطريق) بقوله:” أنا بدوي منازلي أودية نجد، ما بين اليمامة، والدهناء، تركت، جمالي وخيامي في قلب الصحراء تحن فيها الأنثى لحاشيها ويحن الجمل لراعيه، يشمشم الخيمة، ويثنى ركبه، على بابها، ظنا منه ان البدوي والبدوية داخل الخيمة يعدان نفسيهما، للرحيل إلى قفارأمطرها الغيث، فخالتها قطعان البادية”.
إنه يغوص في أعماق الذات، ويبحث في تلافيف الذاكرة عن الذكريات والأحداث، خوفا على تراثه، من أن يطويه النسيان، لأن من تخذله ذاكرته، يفقد وعيه للأشياء..
ويعبر عن هذه الخشية بوضوح في المقطع التالي:” لا أدري كيف أختار لنفسي في قلب الصحراء الواسعة مضربا لخيمتي فخوفي من الرياح الهوج وسط العاصفة يهدم خيمتي كلما أقمتها في ذهني. وإذا تهدمت خيمة الذهن فماذا يبقي للإنسان في أسفاره مع الحياة، من عثرات الطريق الطويل؟
ثم يضيف “معذرة إذا لحقت بي في كل رسالة من رسائلي صورة من صور الصحراء، فهي التي ألقت على جداري الذاتي  صورا ، لم تستطع هذه الحضارة أن تمحوها أو تهدم الحائط الذي هي عليه فللصحراء روائح من الذكريات الجديدة يوم نمر بها في منعطف الوادي أو في سفح الجبل أو أعلى جناح الروض تساءلنا..
أبقى لنا في أودية الصحراء، فسحة من العمر للبقاء معكم؟ أم نقول لراكبة الجمل، لا تنيخي جملك على عصر ليس فيه حاتم الطائي، ولا عروة، بن الورد ولا لقيس وليلاه…؟(13).
يطرح هذا البدوي العريق أخطر الأسئلة، ويسائل  كل التجارب ومشاهداته، في الكون والحياة، ويقف متأملا  مناطحة الرؤوس بالأفكار والنظريات..
وقد حمل يراعه وذلل هواجسه وظنونه، حتى لا تضيع القصص والعبر، وتدفن الحقيقة في سريرته، وسط الأحجار والأتربة..
فهو يشعر، بأن ضالة الإبل تائهة في نفسه، حاملة معها أخبار الرحلة،  تحثه في البحث، عنها، في مجاهل النفس، وتدعوه إلى فتح باب تعبر منه ذكريات طال رقادها في أعماق النفس، لا يريد أن يجنح به الخيال وراء السراب، فتضيع، وتتبدد مشاعره، وتختنق روحه..
خلال رحلته في دهاليز الحياة ومنعرجاتها، يقف عند الأحداث والصور، مستنطقا، ومتسائلا:
•             كم من رقبة مدت عنقها، وتطاولت على رقاب الآخرين، كتطاول النعامة، تسير في خيلاء وسط صحراء،خالية، من الصياد…
ورأينا سيف القدر، يبترها، من جذعها، فتسقط على تراب الأرض، لا على هداية من قال للخائف ( هون عليك إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد!!)(14)
•             سجل قصتي، هي الصحراء، قبل أن تدفنها الرمال، وقصص البدويات والصحراء قصص لا يلحق به قلم شاخت الذكريات في ذهن حامله، وتعثرت الصور في خاطره، وهل إذا سجلها فلم من أقلام الصحراء، في يد بدوي من قبائلها، يبقى أحد يقرأه؟ لا أدري، ولكن، لن نودع الصحراء وتودع ذكرياتها يوم رحلنا على هودج هذه الحضارة، وجملها، ففي قفار الصحراء ربيع من مكارم الأخلاق فالحق به خريف (ولا صيف  ولا ربيع) ورثه نزيل الصحراء، من آباء له وأمهات عبر الأزمنة.
•             إذا عوى ذئب مسه الجوع ذبح له البدوي شاته قائلا له: لا يجاورني جائع وإن كان ذئبا….(15)
•             أذرف الدمع غزيرا على الصحراء، وأيام الصحراء؟ على أيام امرئ القيس، وعروة بن الورد، وطرفة بن العبد؟
•             والضمير هل جفت، شجرته اليوم في صحراء الإنسان، ولم تعد مورقة تظلل المتعبين؟(16)
•             أكثر البشر، ظنوا، أن العقل، وأن الوعي، وأن الذهن هم من أثاث الجامعة، وهو ظن، رسالتي أن أنبه إليه، فالجامعة ليست إلا الدرجة الأولى، من السلم، يصعد، عليه الشاب الطموح والموهوب و ما هو أهم من الجامعة، هي الثقافة العامة، التي تطل به على التاريخ، وعلى الكون، وعلى الإنسان، وعلى الدين، وعلى كل ما هو قائم، ومتعثر في هذه الحياة.(17)
•             نحن اليوم، لا حصان ، لنا، ولا كتاب، فالحصان العربي، والكتاب العربي، والعز العربي، مشوا في اليوم البعيد، ثم عادوا من قرطبة وتركوا كل شيء، خرائب هناك. ما أكثر فجائعنا! من المسؤول عن هزائمنا؟ أطرح السؤال هنا وأتركه معلقا، في حلقة زمن، واسعة..
•             سراج حاولت أن أوقده، من بعيد وكلما أوقدته انطفأ لأنه  لا وقود داخله يضيء.
والسراج العربي ما أكثر المخلصين، له ، والمحاولين إضاءته، ولكن الأفواه الأكثر تطاردهم فتطفئه، في كل الوطن العربي.(18)
ما عرضناه من مقاطع وشذرات تشكل باقة من الآراء و الأفكار والصور الأدبية، التي تدل على ذهن متوقد وذوق خاص، وأسلوب متميز، تشع منه شحنة من الصور والظلال والإيقاع، تتناسق مؤدية وظيفة تعبيرية في العمل الأدبي تكون فيها الألفاظ دالة على المعاني الذهنية..
تختزن كتابات التويجري الأدبية أفكاره وآراؤه المستمدة من تجربته الشخصية، وبيئته البدوية الصحراوية، كما تزخر أعماله الأدبية بالصور الفنية، والتراكيب، البلاغية والجمالية ومن هذه العناصر يتشكل العمل الإبداعي الذي ينبض بالفكر والرؤى والمعاني المعبرة عن حقيقة الحياة بتجلياتها العديدة…
ولاشك أن الدارس  المدقق أو القارئ المستوعب لرسائل الشيخ عبد العزيز التويجري وتآليفه العديدة، سوف يخرج بخلاصة توقف عندها الكثير من الأدباء والكتاب والمفكرين الذين شهدوا مجالسة الأدبية أو كتبوا عنه،  تجمل في أن الرجل كان له ذوق خاص وأسلوب متميز وكان شديد الإعجاب بالفروسية  وبفرسان الجزيرة العربية، وقد دون في رسائله الكثير مما يحكى عن شهامتهم ومروءتهم وكرمهم ونبلهم وأريحيتهم…(19).
“4”
كان لتويجري مجلس، أدبي، وفكري( صالون أدبي)  يتنقل معه إلى مكان، تواجده ، في إجازته الصفية ( في القاهرة أو لندن، وجنيف) ويحضر في هذه المجالس، الثقافية، والفكرية والأدبية، رموز الفكر، والسياسة والثقافة في العالم العربي الذين يحرصون علىحضور مجالسه…
وعن رحاب هذه المجالس الأدبية يتحدث الأديب الراحل طيب صالح:” لا أظن أحدا في هذا العصر، شاعرا أو ناثرا وقف على أطلال العالم القديم، في نجد، ذلك العالم الذي  تقوضت أركانه تحت وطأة التقدم، والعمران، كما وقف الشيخ عبد العزيز التويجري، وما من أحد بكى، بكاءه، ولا رثى، رثاءه، ليس لأنه، لا يؤمن بالتقدم، والعمران فهو في أحاديثه وكتبه، مقتنع بفوائد العلم متحمس للتغيير، مسحور، بإنجازات الحضارة..
ولكنه وعى بحسه المرهف، أن كل ربح وراءه خسارة وكل إنجاز، يصحبه ضياع وأن العالم القديم، كان على علاته، عالما أليفا ودودا…(20)
ويقول بأن خصائص أسلوب الشيخ عبد العزيز، تتميز بصفاء اللغة،وحرارة التعبير، وسبحات، الخيال، وفضاءات فكر طريف، تلمع فجأة، بين السطور..
أرسل الشيخ رسالة إلى الأديب، يدعوه إلى مجلسه، أحس الطبيب صالح، للوهلة الأولى، أن الرجل غير عادي، ويستحق أن يسعى الناس إليه..
“إن الكاتب يخاطب الناس جميعا، ولكنه يكتب بصفة خاصة، لأناس مختارين، قد لا يعرفهم، ولكنه، يعلم أنهم إذا سمعوا أرهفوا السمع، وإذا نظروا دققوا النظر وإذا ناداهم، صوت، محب، استجابوا له، بمحبة، دون قيد، ولا شرط…
عالم الكتابة موحش، وهذه الأرواح المجندة والأصوات المتآلفة، المتواصلة، تخفف، من وحشته، و تهون، ولو قليلا، من أحزان حامل القلم(21)
ويسترسل قائلا: وإذا أنا في مجالس الشيخ في الرياض الرجل(كسيف، أقرب إلى النحول، أسمر مشرب)، يبتسم، ولكن، لم يغب عني أنه مثقل بالأحزان، ولكنها أحزان نبيلة..
حيوية، وأريحية قلبه، يخرج من بين أضلاعه، و يسابقه، بدنه ، ليلقاك مرحبا، يسحبك سحبا ويدنيك من مجلسه، ويبذل لك من نفسه، كأنكالوحيد لديه..
أعجبتني داره وهي مجموعة دور، حول حوض سباحة قلت له ذلكفقال: هذه، من علامات الساعة فسألته لم ذلك؟ فقال:” ألا تعرف الحديث الشريف، أن من علامات الساعة، أن يتطاول الحفاة العراة، رعاة الإبل في البنيان؟
يهون الشيخ، من شأن نفسه، ويؤكد لكل من يلقاه، بأنه جاهل لم يدخل مدرسة، ولم يتعلم في جامعة(22).
رٍأيته يتحدث إلى جمع من أساتذة الجامعة الأمريكيين، بدأ حديثه بالتأكيد على جهله، ثم توقف محلقا في آفاق شاسعة متنقلا من السياسة إلى الأدب إلى التاريخ، يمس  برفق  مكان سوء الفهم لديهم ويصحح ما علقبأذهانهم من تصورات خاطئة عن العرب والمسلمين بمهارة ، تثير الإعجاب…
بعد أن فرغ من حديثه، شكره أكبر الأساتذة، سنا، وقال له، قلت أنك جاهل، وأننا العلماء، ولكن صدقني، إنك أنت الأستاذ، ونحن الجهلاء، لقد شعرنا، أثناء حديثك، أننا تلاميذ، نجلس، بين يدي، أستاذ.(23)
يعتبر الشيخ عبد العزيز نفسه تلميذا، للمتنبي، أنزل نفسه، بمنزلة التابع، يقتفي أثره، يحاوره، ويوافقه، ويخالفه، يحبه ويحاول الفكاك، منه ولكن هيهات، فكل، من وقع في أسر المتنبي، أصبح أسيرا…
– قلت له كان المتنبي، يسعى لا يمل السعي، وراء الرفعة والسلطان؟ وكأنك تريد أن تكون المتنبي وسيف الدولة، في آن واحد.
ولكني أيقنت، أن الشيخ، لا يطمح مثل هذا الطموح، وأن تقفيه، اثر المتنبي كان بمثابة، جري، وراء أطياف العالم الذي ألفه، وأحبه، في طفولته، وصباه، ثم ضاع منه إلى غير رجعة…
لذلك فهو امتداد لكل الشعراء، الذين، مروا بهذه الديار، ووقفوا على أطلالها، وناجوا أطياف محبوباتهم على كثبانها، وأوديتها، وجبالها.(24)
أصدر الشيخ التويجري أربعة عشر كتابا وقد أثنى على كتاباته كتاب كثيرون، من بينهم علماء أجلاء، أمثال الدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور حسن ظاظا، والدكتور مصطفى هدارة..
كان الشيخ محبا للحوار، بالمعنى الشامل للحوار، حيث الأفكار تغدو وتروح يسيرة،  خالية من التوتر، وكتبه، هي في بعض وجوهها، محاورات، مع المتنبي وأبي العلاء، و البترول والصحراء، والتاريخ، والحاضر، والمستقبل…
ظل محتفظا بصفاته الأولي، ودهشته، وجموحه، البكر، لم تختلط عليه الأمور، ولم تعكر صفاءه الأفكار والنظريات المصطنعة..(25)
له قدرة فائقة على النفاذ إلى صميم الأشياء، يأخذ مما يناسب طبعه ويتماشى مع سجيته المبدعة، ثم يخلط كل ذلك مع مشاهداته، وتأملاته، وخبرته، بالناس والحياة، في بوتقة عقلة النافذ الذي يعيد صياغة كل شيء وفق قيمه ومثله العليا، العربية الإسلامية…
كانت شخصية الشيخ عبد العزيز التويجري، شخصية عريقة متوهجة، تضيء ما حولها، وتشيع روح التواصل والتفاعل الخلاق..
الهوامش
1)            جريدة الرياض العدد 14206/7/05/2007
2)            عبد العزيز التويجري- حاطب ليل ضجر- ط 1-1987-ص 10
3)            المصدر السابق=ص30
4)            م.س= ص52
5)            م .س= ص56
6)            م.س= ص 57
7)            م .س= ص151
8)            م.س= ص 21
9)            م.س = ص23
10)م.س= ص53
11) م.س = ص 32
12)م.س = ص60-61
13) م.س = ص64
14) م.س = ص143
15) م.س = ص 106
16) م.س= ص 97-98
 17) م.س = ص90
18) عبد العزيز التويجري- في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء المكتب الجهوي الحديث، ط..1982- ص 72.
19) د- آمين سليمان سيدو: عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، حياته وآثاره وما كتب عنه-/ ط1- الرياض-2010.
20) طيب صالح- مختارات- دار  نجيب الرايس – ط  1- 1989- ص 11.
21)ن-م- ص 12.
22) ن- م -ص 13.
23) ن- م -ص 14.
24) ن- م -ص 15.
25) ن- م -ص 131.
 
 
 
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: