مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصة قصيرة عَايْشة

قصة قصيرة عَايْشة
 
سعيدة عفيف
خاص بالموقع
.. وضعت قُلّتَي الماء الكبيرتين بِشِوالَيْ البردعة، بعدما ملأتهما، و بعد أن ارتوى حماري جيدا من الساقية المحاذية لمنبع الماء العذب. أمي تنتظر، لم تبقى قطرة ماء بالبيت، و لم يبق لي الكثير من الوقت لأقصد الحانوت .. بقيت أشغال خشبية من أمس تنتظرني لأنعمها بمزيد من الحك و بعد ذلك، أذهنها كما أوصاني الْمْعَلَّمْ.. الطريق ملتوية و بعيدة.. كنت أود أن أبقى قليلا للراحة هنا، أنعم بهذا السكون المجاني.. لكن الوقت يدهمني.. امتطيت الحمار. حرك أذنيه عاليا        و أصدر صوتا، لم يكن نهيقا بمعنى الكلمة.. كأنه لا يرغب مثلي في الرجوع بسرعة.  ربتُّ على عنقه، ففهم أني أرجوه أن يتحرك و مضينا..
–        ادِّينِي مْعاكْ فِينْ مَّا مْشِيتِي آلْحْبيبْ ادِّينِي مْعاكْ..
يحرك حماري أذنيه ثانية  فتنتظم خطاه، لا بد أن هذا الحمار شديد الذكاء، يسمع دندناتي فيمشي على خط مستقيم لا تزيغ عنه قوائمه.. أمسح ظهره  برفق و مساحة من عنقه مشجعا:
–        لا تهتم يا صاح، ما دمت تستجيب كعاقل سوف أعتني بك أكثر، أعدك..  
.. و حتى أولئك الذين أوسعوك صفات قدحية ربما هم الذين يعانون منها لا أنت.. لا تكترث، فأنت لم تحرن و لم تغضب يوما لأنني أعاملك جيدا.. ثم أنت تعبر عن رأيك دائما و لم أذكر يوما أنني فرضت عليك شيئا أو أكرهتك على ما لا تستطيع له حولا و لا قوة.. لست الحمار الذهبي طبعا لكنك حماري المميز.. يحرك أذنيه ثانية، فهو يفهم قصدي جيدا، فأمسح مرة أخرى بيدي على عنقه المستجيب أيضا، و نتقدم بحزم في الطريق..
وضعت الْقُلَّتَيْن بمكانهما المظلل تحت السقيفة بمدخل الدار. دعتني أمي لأكل شيء قبل الذهاب إلى الحانوت، و بعدها أعطيت للحمار تبنا بالقدر الذي يسد به رمقه هو الآخر.. و خرجت.
في طريقي لفت انتباهي تجمهر عدد من نسوة الدوار، و المَقَدَّم يقول كلاما ملوحا بيده عاليا، يمنة و يسرة، بينما النسوة يستمررن في لغطهن.. اقتربت أكثر. لابد أن الأمر له علاقة باستعراض ما أو بحفلة وطنية تنظمها السلطة المحلية بالمنطقة.. وعون السلطة يقوم بإعلام الجميع، و باستنفارهم للاستعداد.. للامتثال .. للحضور.. و بتهديدهم أيضا بعدم تسليمهم أوراقهم عند الحاجة، إن اضطر إلى ذلك..
انصرف المَقَدَّم. تَزمُّ عايشة شفتيها غيظا، و تَصْرِفُ من عينيها شررا على قفاه، ودت لو تَحوَّل مقصلة تفصل رأسه عن جسده..
–        اتْفُووو عْلىَ كَمَّارَا.. لَحَّاسِينْ الْكَا…. الله يخليك دِيمَا هَاكّاكْ
تلكزها إحداهن و تضع أصبعا على فمها مشيرة إليها بأن تخفض صوتها، إذ ما يزال المَقَدَّم غير بعيد عن تجمعهن.. لكن هذه الحركة زادت من غضب عايْشة:
–        لم يعد يهمني.. راح العمر و لم يبق شيء أخاف عليه.. أربع و عشرون   سنة خلت من الغناء و الرقص في الطرقات خلف سياج الاستعراضات، بالأوتوبيسات، بحفلات الأعياد الوطنية و غيرها.. لبَّيتُ النداء دائما على حساب نفسي  و أسرتي، ..عايْشة آجِي تْغَنِّي وْ تْشَطْحِي فَابُورْ.. عايْشة سيري تْغَنِّي وْ تْشَطْحِي فَابُورْ.. راقِصَة دْيَالْهُمْ… وِيلا بْغِيتْ غِيرْ شِي شَهادة دْيالْ الضّعْفْ (الإحتياج) كَتَطْلَعْ لِيَا روحِي مْعَ هاذْ الْحَيَوانْ…  و ماذا جنيت من كل ذلك بعد أن هرمت، و ماذا سيقع لي أكثر مما وقع.. و بماذا أعيل ذاك الهرم مثلي الذي لم يعد يقْوَ على الخطو أبعد من باب البيت.. حتى أنني لم أستطع أن أوفر له كرسيا متحركا.. و كل قايْد لا يفكر إلا في تركي إرثا للآخر الذي يليه.. و كأنني لا أشكو علة أو لم يَبْدُ من أحوالي ما يمكن إثارة انتباههم.. لم يعترفوا يوما و لو بشيء من الخدمات التي قدمتها طوال السنين الماضية.. لا يتذكرونني إلا عند الحاجة.. تعبت من كل ذلك…  وُ هَاذْ الْبَرْكَاكْ رَاهْ عَاقْلَة عْلَى النّْهَارْ اللِّي تْزَادَتْ فِيهْ امُّو وْ بَّاهْ  وُ مَا عَنْدوشْ الَوْجَهْ عْلاَشْ يَحْشَمْ
تصغي النسوة إليها و هي تشكو همها و همهن المشترك..  فكُلُّهُنَّ عايْشة .. يصل الأوتوبيس، تتقدم الزعيمة عايْشة، حاملة عروستها القصبية الموَشحة ب “تَكْشِيطَتِهَا” البالية إلا من خيوط ذهبية تتحدى الزمن الذي عفا عنها،  لتحافظ على لمعانها الكذاب من بعيد.. تضع رجلها على درج الأوتوببيس. تصعد         و تتبعها باقي النساء الملوحات بعرائسهن، حاملات بأكياس بلاستيكية قنينات الماء و ما يردون به اشتداد الجوع طيلة اليوم.. فيما يعلو صوتهن بإحدى الأهازيج الشعبية:
–        … وَ رَاهْ ادِّيتُو وْ رَاهْ ادِّيتُو يَا لاَلَّةَ عْلىَ زيِنُو رَاهْ ادِّيتُو..أَهَااااااهْ.
بعد لحظات قليلة، تبتعد الحافلة المتمايلة من فرط تكدس الراكبين، فأكمل خطواتي المتبقية إلى الحانوت                                                               
مراكش في 03/5/2012
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: