مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع عبد الكريم برشيد: لماذا استقبل بنكيران متخمي الثقافة وليس بؤساءها؟

حوارمع عبد الكريم برشيد: لماذا استقبل بنكيران متخمي الثقافة وليس بؤساءها؟
 
حاورته سعيدة شريف

تقديم

يعد الكاتب والناقد المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد منظر الاحتفالية بامتياز في العالمي العربي، يواصل كتاباته النقدية والتنظيرية، حيث صدر له أخيرا كتاب جديد يحمل عنوان “فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي”، يحفر في أرض الفلسفة الاحتفالية، التي عليها أقيم المسرح الاحتفالي، ومسرحية بعنوان “سقراط قالوا مات”، التي يقدم فيها قراءة للحراك السياسي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي.
في هذا الحوار مع “الأخبار” يقدم المسرحي عبد الكريم برشيد موقفه من  المسرح “المبتذل”، ومن الانتقادات التي وجهت له بسبب رأيه في مسرحية “ديالي” للمخرجة نعيمة زيطان، المقتبسة عن نص أمريكي فيه محاكاة للعضو التناسلي للمرأة، كما يعبر عن رأيه في المسرح المدعوم وفي المسرح التجريبي بالمغرب، ويعتبر اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الحكومة بنكيران ببعض الفاعلين في المجال الثقافي بلا معنى،  ويتساءل عن سبب تداول بنكيران مع متخمي الفن المغربي حول مسألة الحرية والجرأة الفاضحة، وعدم تباحثه مع الفنانين المهمشين والمقصيين والمبعدين حول مسألة الحق في العمل، والحق في التغطية الصحية، والحق في كر امة الفنان.                                   

* تعرضت للكثير من الانتقادات بسبب موقفك ورأيك من مسرحية ” ديالي” التي اعتبرتها منافية للأخلاق، ألا ترى في ربط الفن بالأخلاق تقييدا للإبداع؟
** هو رأي كما قلت، مجرد رأي واحد وليس أكثر، وبهذا فهو ليس قانونا ملزما، وليس فتوى، وهو لم يمنع أحدا من أن يمارس حريته في التفكير والإبداع، وفي المقابل، فإنني لا أريد أن يملي علي أي أحد ـ أو أية جهة ـ ما أقول وما أكتب، وأن يمارس علي أي نوع من الوصاية، إن رأيي مختلف بالضرورة، وهو لا يشبه أحدا غيري، كما أنه ليس ملزما لأي أحد أو لأية جهة من الجهات، لأنه ليس تعبيرا عن سلطة ما، ولأنه لا يمثل إلا شخصا من الناس اسمه عبد الكريم برشيد.                              إن مثل هذه الانتقادات، وهي تزعم الغيرة على الحرية، تشكل انتهاكا واضحا وصارخا لحرية التلقي والمتلقي، كما أنها تصادر حرية الكلام وحرية المتكلمين، وتصادر الحق في الخلاف والاختلاف، فأنا الذي عشت أربعين سنة وأنا أكتب للمسرح، كنت دائما موضوعا للنقد الجارح، وكنت دائما أردد وأكتب المقولة التالية “قل كلمتك وامش إلى الأمام”. فمن حقي أن أكتب فقط، ومن حق الآخرين أن تكون لهم مواقفهم الشخصية في ما كتبت وأبدعت وفكرت، فما قلته هو جزء من منظومتي الفكرية والفلسفية. إنني لا أتصور أبدا أنه كان علي ـ وقبل التعبير عن رأيي الشخصي، أو ذوقي الشخصي ـ  أن أسأل كل الناس وكل الجهات النافذة، وأن أطلب من كل الأوصياء عن التفكير والتنفس والتعبير والذوق، بأن يسمحوا لي بهذا الرأي ـ أو بغيره ـ قبل أن أصرح به إلى الجرائد والمجلات.                                                                   هي صورة عبثية بكل تأكيد، أن يصبح رأيا محدودا، في هذا الحجم وبهذا الوزن، في مثل هذا التضخيم والتهويل، وأن يطوف الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية، وأن يصل لحد ( الشكوى) لرئيس الحكومة، ومن يدري، فقد يصل الأمر غدا إلى مجلس الأمن.                                                                    
* سبق وذكرت أن الأخلاق شرط لوجود فن حقيقي، ألا تعتقد أنك أعطيت للإسلاميين حجة لتقييد حرية الإبداع؟
** إنني لا أعطي شيئا، ولا أسمح لأي أحد أن يعطيني شيئا، والحرية في المغرب لا خوف عليها، لأنها ولدت مع الناس في هذا الوطن الحر، وهل لكلمة الأمازيغ معنى خارج معنى الأحرار؟                                                               هذه الحرية ليست كلمة من الكلمات فقط، ولكنها روح وجوهر هذا الإنسان قبل كل شيء، وهي موجودة في الدستور، وموجودة في قانون الحريات العامة، وموجودة في التعدد اللغوي والإثني والجهوي والسياسي والفكري لهذه البلاد، ولهذا فإنه لا معنى لهذا التباكي المسرحي على حرية الإبداع، والذي ليس بريئا بكل تأكيد، لأنه يخفي معنى الابتزاز، ابتزاز الجمهور والقراء وابتزاز السلطة السياسية أيضا، وهذا ما يفسر أن ينتهي كل هذا الصراخ وهذا الضجيج وهذا التمثيل الهزلي عند باب رئيس الحكومة، وغدا سوف ترون أن هؤلاء البكائين سينالون ثمن بكائهم على حرية الإبداع الفني، مع أن أغلبهم لا علاقة له بالإبداع الحق.                           أما بالنسبة لعلاقة الفن بالأخلاق فإنني أقول ما يلي: إن الأخلاق لا تعني الدين بالضرورة، لأن الأساس هو أنها فلسفة قديمة قدم الإنسان والتاريخ، وأن الأساس في هذه الفلسفة هو العقل، وهو المنطق، وهو التوازن النفسي، سواء بالنسبة للأفراد أو المجتمعات أو للدول أيضا، كما أنه الجمال والتناسق، وأنه الحق والحقيقة، وأعجب لهؤلاء الذين يعادون الأخلاق، ولكنهم ينادون بتخليق الحياة السياسية، ويرفعون شعار إسقاط الفساد، ويحاربون الرشوة، أليس كل هذا من الأخلاق؟ ولماذا هذا الكيل بمكيالين؟ مكيال السياسة المتخلقة ومكيال الفن الذي بلا أخلاق؟ أليست الديمقراطية ـ في مستواها السلوكي ـ أخلاقا؟ أليس جوهر التربية هو الأخلاق؟                                                                                   إنني أرى أن ما عشناه في السبعينيات من القرن الماضي، خصوصا في مجال المسرح، نعود اليوم لنعيشه من جديد، وكأن هذا التاريخ واقف لا يتحرك، لقد كانت هناك فئة عريضة تستهجن فكرة أرسطو في كتابه “فن الشعر”، وذلك بخصوص الوظيفة التطهيرية للفن المسرحي، وكانوا بهذا ضد التطهر النفسي والفكري والوجداني، وكانوا دعاة للقبح والوسخ واللافن، وأرى أن التاريخ يعيد اليوم نفسه، ولكن بعناوين مختلفة، وبشعارات مغايرة، وبمزاعم باطلة ومضللة.
* أصدرت بيانا انتقدت فيه من يستغلون البورنوغرافيا في المسرح، ودعوت إلى الاهتمام بالمسرح الحقيقي، فما هو المسرح الحقيقي برأيك؟
** يعرف الجميع بأنني رجل مسرح، وتعلم كل الدنيا أن المسرح هو المسرح وليس غيره، أي أنه فن وفكر وعلم وصناعة مركبة، وبأنه رسالة إنسانية قبل أي شيء، وبأنه مؤسسة للتعليم والتثقيف والتربية وللترفيه البريء، وبأنه بهذا ينتمي إلى فلسفة الجمال أو إلى علم الجمال، وبأنه موعد في المكان العام لتطارح القضايا العامة، أو لاقتسام الإحساس العام، وهذا ما لا يمكن أن تكون له أية علاقة بالبورنوغرافيا، والتي هي فعل سري، وأنها مرتبطة بالأماكن المشبوهة والمغلقة والمظلمة، ومتى كان المسرح خاصا ومغلقا وأحاديي الموضوع والمقصد؟   المسرح لا يخاطب الجسد وحده، ولا يختزل هذا الجسد في الوظيفة الجنسية دون غيرها، ولا ينزل بهذه الغريزة إلى المستوى الحيواني والوحشي، وإنني أقول هذا بصفتي مبدعا وناقدا وباحثا ومؤرخا للمسرح، وبصفتي مناضلا في معاركه الوجودية والفكرية والجمالية.                                                                  الفن الحقيقي هو الفن الذي لم يلحقه الزيف، والذي لم يشوهه المشوهون، والذي لم يدخله المتطفلون، والذي له هويته وبصمته، وله بنيته وأصوله، وله أهدافه ومقاصده الإنسانية النبيلة، وله فكره وجمالياته، ونعرف أن هذا الفن قد تلحقه الأعطاب، وقد تصيبه الأمراض، وذلك عندما تدخله الأجساد الغريبة، وهل يمرض الجسد البشري إلا عندما تدخله الكائنات الغريبة، والتي هي الميكروبات والفيروسات والطفيليات الجرثومية؟ ونفس الشيء يمكن أن نقوله على الفن، فهو لا يكون حقيقيا إلا عندما يكون هو هو، ولا يكون غيره، أو يكون فيه أشياء من غيره. نعرف أن هذا الزمن هو زمن الفوطوكوبي، وهل النسخة المضاعفة والمصورة هي نفسها النسخة الأصلية الحقيقية؟ وهو زمن الكولاج أيضا، وهو زمن القطع واللصق، وهو زمن صناعة النجوم في ساعات قليلة أو في دقائق معدودات، وهو زمن تزييف العملة في سوق العملة، وهو زمن السوق السوداء، وهو زمن تزييف القيم الجميلة والنبيلة أيضا، وهو زمن السرقة والانتحال وتزييف الآداب والفنون والصناعات المختلفة.              
* وما تقييمك للممارسة المسرحية اليوم، خاصة بعد المعارك التي خاضها المسرحيون في مواجهة وزير الثقافة السابق، والتي تولدت عنها خطة وطنية لتأهيل الممارسة المسرحية، وإطارات ثقافية جديدة؟
** هناك شيء واحد لا يمكن أن نختلف عليه اليوم، وهو أن راهن المسرح المغربي لا يسر عدوا، ولا يسعد حبيبا، ولكن يبقى الاختلاف في توصيف هذه الحالة الغريبة، وفي تسميتها أيضا، وفي تفسير هذا الذي يجري ويدور، وهل يتعلق الأمر بخلل بنيوي، أم أنه مجرد عطب طارئ؟ ولماذا يكثر المسرحيون ويقل المسرح؟ ولماذا يشيع الأتباع ولا يحضر الإبداع؟ ولماذا يختصر هذا المسرح في الدعم المالي وحده؟ ومتى كان المال يصنع مسرحا؟ ولماذا يهرب الجمهور من هذا المسرح؟ ولماذا لا يدعمه كما يدعم كرة القدم مثلا؟                     هذا الوضع، كان دائما محل انتقاد من طرف ثلة قليلة من المسرحيين المغاربة، ولكل السواد الأعظم منهم ـ وخصوصا في عهد الوزير الأشعري ـ قد دافعوا عن الأخطاء في زمن الأخطاء، واقتاتوا من الأعطاب، وكانوا مع الفوضى، وكانوا مع العبث والعابثين في هذا المسرح، ونتيجة لهذا التواطؤ ـ بين الإدارة وموظفيها ومسرحييها المنتفعين ـ وتصحيحا لهذا الوضع الشاذ، فقد تأسست نقابة مسرحية جديدة، وتأسس اتحاد للنقابات الفنية، وتم إدراج كثير من الأسماء ومن الفرق المناهضة للفساد في اللائحة السوداء، وعرف المسرح المغربي عشرية سوداء مظلمة، وسادت الزبونية والحزبوية الضيقة في أسوأ مظاهرها، وتم إقصاء أسماء كثيرة في المسرح المغربي، ولقد كان اسمي الشخصي على رأس هذه القائمة ولا فخر.                                                                                             واليوم، وفي ظل هذا المغرب الجديد، فإن الأمر يتطلب القيام بحركة ثقافية تصحيحية حقيقية، ويتطلب إعادة الاعتبار للمسرح المغربي، وللنص المسرحي المغربي، وللعبقرية المغربية، وللاجتهاد المغربي، أما هذا الذي تقولين عنه بأنه خطة وطنية لتأهيل الممارسة المسرحية المغربية، فإنني أخبرك بأنه لا علم لي به، وإنني أعرف ـ تماما كما يمكن أن يعرف كل الناس ـ بأن مثل هذه الخطة الوطنية، ولكي تكون فعلا وطنية، فإنه ينبغي أن تصدر عن هيئة وطنية، أو عن ندوة وطنية، أو عن يوم دراسي وطني، أو عن مناظرة وطنية، أو عن هيئة عليا للمسرح، أو عن لجنة وطنية تقوم بإعداد مسودة هذه الخطة، إعدادها فقط، أما المصادقة عليها، فإن ذلك موكول للجسد المسرحي في كليته العامة والشاملة، وهذا ما لم يحصل، وأية محاولة لفرض أي شيء، في مجال هذا المسرح، والذي هو أقدم مدرسة لتعليم الديمقراطية، فإنه سيكون استبدادا، وسيكون قفزا على روح الدستور المغربي الجديد، وسيكون خروجا عن دولة الحق والقانون وعن  دولة المؤسسات.
* وماذا عن تجربة الدعم في صيغته الجديدة؟
** إنني أرى أن هذا الدعم حق، ولكن هذا الدعم أريد به الباطل، وكان وسيلة ظاهرة لغايات خفية، ولو أنه كان دعما حقيقيا للمسرح لوجه المسرح، لانتعش هذا المسرح، شكلا ومضمونا، ولعرف تطورا حقيقيا، ولكانت له نتائج إبداعية ملموسة على الساحة المسرحية المغربية، واليوم، يتبين من هذا التردي المسرحي، أنه كان دعما  لبعض الجيوب فقط، وأنه كان ريعا غير معلن، ولقد استفادت منه بعض الأسماء المعدودة على رؤوس الأصابع، في حين أن أغلب المسرحيين المغاربة ظلوا يعانون البطالة الفنية، ويعانون من التهميش والإقصاء، ويعانون الفقر والمرض، ويموتون في ظروف سيئة جدا، ولقد طالبت دائما، وأطالب اليوم أيضا، بتكوين لجنة برلمانية للكشف عن ملفات الدعم المسرحي، وعن ملفات دعم الكتاب، وعن كل الملفات التي فيها أموال عمومية.                                                أما بالنسبة للتجربة الوزارية الجديدة، مع الوزير الجديد، فإنني أرى أنها من الممكن أن تكون أحسن من سابقاتها، وأن تزرع شيئا من النظام في هذه الفوضى التي عرفها المسرح بشكل خاص، وعرفها المجال الفني والثقافي بشكل عام.
* وهل ترى في الأعمال المسرحية التجريبية الجديدة أفقا للإنتاج المسرحي المغربي؟
** إن التجارب المسرحية المغربية الجديدة، والتي هي أعمال تجريبية في أغلبها، لها أهميتها وقيمتها بكل تأكيد، وهي تعبر عن الجيل الجديد، وتعبر عن مرحلة تاريخية جديدة، وتعبر عن حساسية فنية جديدة، ولكي تلعب هذه التجارب دورها الحقيقي، فهي ملزمة بأن تعي الحقيقة الأساسية والحيوية التالية، وهي أن الإبداع يتجدد أساسا بالتراكم، ويتحقق بالاتصال وليس بالانفصال، ويتطور بالجدل وبالحوار وليس بإبعاد وإقصاء التجارب الأخرى المختلفة والمخالفة، إن القديم الأدبي والفني لا يموت أبدا، والأب الفكري والروحي ـ وخلافا لتلك الإشاعة الغربية الساذجة ـ لا يمكن أن يموت أيضا، إن القديم هو دائما موضوع إبداعي يتحدى، وهو يفرض محاورته ومنازلته فكريا وجماليا، ومن الغباء رفض الحوار في المسرح، والذي هو أساسا فن وفكر وعلم الحوار. ومن المؤكد أن في هذه التجارب المسرحية الجديدة مواهب إبداعية حقيقية، وذلك لأن المواهب وحدها لا تكفي، وهي في حاجة إلى شيء من الثقافة الفكرية والأدبية والجمالية العالمة، وأن تكون هذه الثقافة عميقة وعامة وشاملة ومتنوعة، هذا بالإضافة إلى أن تكون أعمال هذه التجارب المسرحية مغربية أولا، وأن تكون كونية ثانيا، وأن تسعى نحو الكونية انطلاقا من المحلية، وأن تكون أكثر واقعية، وأن تكون أكثر قربا من ثقافة الجمهور، ومن وعيه، ومن همومه واهتماماته، وأن تتصالح مع هذا الجهور، وأن تعيده إلى بيته الحقيقي، وإلى مسرحه الذي يشبهه.
* ما جديدك على مستوى التنظير للاحتفالية في المسرح المغربي والعربي؟
** ما يعرف عني، مغربيا وعربيا، هو أنني احتفالي حتى النخاع، وأن هذه الاحتفالية هي أساسا رؤية وفلسفة، وأنها سلوك أخلاقي ألتزم به، وأنها منهج في العيش والحياة، وأنها أسلوب في الكتابة الأدبية والمشهدية معا، ولعل أهم ما يميز هذه الاحتفالية هو أنها متجددة دائما، وأنها متحركة في الزمن المتحرك، وهذا ما يبرر أسماءها المتعددة، فهي المسرح الاحتفالي، وهي الواقعية الاحتفالية، وهي جماعة المسرح الاحتفالي، وهي الآن ـ في عمرها الحالي ـ تحمل اسم الاحتفالية المتجددة. ففي هذه السنة، أصدرت كتابا جديدا عن “دار توبقال للنشر”، وهو يحمل عنوان “فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي”، والكتاب محاولة للحفر في أرض الفلسفة الاحتفالية، والتي عليها أقيم المسرح الاحتفالي، وعليها يمكن إقامة الأدب الاحتفالي والفن الاحتفالي أيضا، والكتاب محاولة لمقاربة الرؤية الاحتفالية ـ فكريا وفلسفيا ـ وذلك باعتبار أنها رؤية عيدية قبل كل شي، رؤية تختلف عن الرؤية العدمية وعن الرؤية العبثية وعن الرؤية الفوضوية وعن الرؤية الأيديولوجية المتحجرة. وفي شهر يناير، من نفس هذه السنة ـ 2012 ـ وبمناسبة انعقاد فعاليات مهرجان المسرح العربي بعمان، أصدرت ثلاثة بيانات تحت عنوان واحد هو ” بيانات عمان للاحتفالية المتجددة”. وبالإضافة إلى كل هذا، فإنني لا أكف لحظة عن التفكير ـ وإعادة التفكير ـ في المشروع الاحتفالي الكبير، والذي هو مشروع العمر بالنسبة لي.
* عرف اللقاء الذي جمع بين رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران وبعض الفاعلين في القطاع الفني والثقافي، انتقادات واسعة من طرف بعض النقابات المهنية في المسرح، فما رأيك؟
** هذا اللقاء يظل بلا معنى، وإن كان له معنى، فإنه لن يكون أي شيء آخر سوى الابتزاز، أو هو الاستجداء باسم الفن، وباسم حرية الفن، مع أن الأصل في الفن دائما، أنه حرية أو لا يمكن أن يكون، ونعرف أن هذه الحرية يخلقها الإبداع الحر، وتوجدها الذوات الحرة، وأنها لا يمكن أن تتحقق بقرار سياسي فوقي، ولهذا فإنه يبقى من الضروري أن نتساءل: ماذا يريد هؤلاء بالتحديد؟ وإذا علمنا أن أغلب هذه الأسماء المتمسحة بأعتاب رئاسة الحكومة هي الأكثر انتفاعا بالمال العام، سواء في المسرح أو في السينما أو في الإشهار، فإننا سندرك بأن المطلوب هو المزيد من المنافع، وذلك على حساب بؤساء الفن المغربي، والذين يتعففون عن طرق الأبواب العالية، ويستحون أن يتسولوا بالفن والفكر والثقافة.                          وإنني أتساءل: لماذا لا يستقبل رئيس الحكومة بؤساء الثقافة المغربية، وما أكثرهم، ولماذا يبحث مع متخمي الفن المغربي مسألة الحرية ومسألة الجرأة الفاضحة، ولا يبحث مع الفنانين المهمشين والمقصيين والمبعدين مسألة الحق في العمل، ومسألة الحق في التغطية الصحية، والحق في كر امة الفنان؟                                     إنني أعتقد أن من تداعيات هذا اللقاء ـ في المستقبل المنظور ـ أن تزداد الهوة اتساعا بين المحظوظين في الفن، وبين الذين يبحثون عن فرصة للعمل ولا يجدونها، وبين الذين لهم أسماء لامعة أو ملمعة، والذين يشتغلون في الظل وعلى الهامش، والذين يوجدون في الأقاصي المبعدة والمجهولة من هذا الوطن.
* هل لديك تفاصيل عن هذا الموضوع، أو تم إشراكك فيه؟
** ما أعرفه هو نفس ما يعرفه كل الناس عن الموضوع، وهو نفس ما تناقلته الصحافة المغربية، وأرى أن الأمر أكبر وأخطر من إشراك هذا أو إشراك ذاك في الموضوع، فالأساس في الفن أن تطرح القضايا العامة دائما في الفضاءات وفي اللقاءات العامة، وأن يكون الفن خدمة عامة أيضا، وأنه لا يمكن بحثه إلا بشكل عام، وذلك في إطار الوضوح والتشارك والحوار والشفافية، وليس داخل المكاتب المغلقة، وتحت ستار النوايا الغامضة والملتبسة والخفية والمهربة، وعندما يستقبل رئيس الحكومة هذه الفئة الصغيرة من الفنانين، فإن هذا لا يمكن أن يكون له إلا أحد المعنيين التاليين، أو هما معا: إما أن بقية الفنانين الآخرين ليسوا فنانين، أو أنهم ليسوا مغاربة، وهذا شيء خطير بكل تأكيد، وذلك في مغرب نريده عادلا ومنصفا لكل أبنائه.
* وكيف يمكن برأيك النهوض بالثقافة والفن بالمغرب؟
** الأمر سهل جدا، يكون ذلك بإعطاء أمر تدبير الفن للفنانين، وإعطاء أمر تدبير الثقافة للمثقفين، ويتحقق بتحقيق الديمقراطية الثقافية، بين الجهات أولا، وبين التجارب ثانيا، وبين الأسماء العاملة والفاعلة في الحقل الثقافي والفني ثالثا، وألا يتم اختزال الفن المغربي في “كمشة” من الفنانين، والذين لهم غطاء حزبي ثقيل، أو لهم غطاء إعلامي وازن، ومن تبعات هذه السياسة الظالمة في الفن المغربي أن نجد اليوم مجموعة كبيرة من الفنانين الموهوبين الحقيقيين تهاجر إلى التلفزيونات العربية، و(تحرك) إلى القنوات العربية، لتحقق هناك ما لم تستطع أن تحققه في وطنها، ويؤلمني أن أقول بأن هناك في مجال الفن ظلم كبير، وهناك (حكرة) وهناك أبارطايد ثقافي غريب وعجيب، وهناك فساد ومحسوبية وزبونية وفئوية ضيقة، وأرى أن المغرب الجديد لم يلتفت بعد لهذا الفساد، ويبقى أن كل شيء، في هذا المغرب يتحرك إلا مجال الثقافة والفن، فهو وحده الحائط القصير.
محطات:
1943
 ولد عبد الكريم برشيد سنة 1943 بمدينة بركان شرق المغرب
1971
حصل على الليسانس في الآداب بجامعة فاس
1975
صدور مسرحيته “ابن الرومي في مدن الصفيح
2001
حصل على الماجستير عن أطروحته “الاحتفالية وهزات العصر” بجامعة المولى إسماعيل بمكناس
2005
صدور مسرحيته “الحكواتي الأخير
2012
صدور كتابه “فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: