مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصتي مع (مينسك)* قصة قصيرة

قصتي مع (مينسك)* قصة قصيرة
 
عبده حقي
كان قطار(مينسك) يمضي بنا شمالا .. إلى شماله الصقيعي .. شماله القفر.. كان يسيربنا رأسا مثل الريح .. لايلوي .. لايحط .. لاقاطرة له تفكرفي التوقف ..
هوإذن قطاربلامحطات تذكرنا على الأقل بأننا بشر.. وأننا مسافرون فوق هذه الأرض مثل كل البشر.. وأننا جديرون حتى بأن نستريح من الهديروالصليل لحظة… نستريح لكي نرنوإلى ملامح إغترابنا في مرايا مقصوراته التي كسرها النسيان .. نشرب من نخب الوقت .. نقرأ جرائدنا المنسية التي أجلناها إلى لحظة توقف محتملة
كنا متقابلين نتبادل نظرات بلهاء وابتسامات صفراء بعضها مثل الرياء وبعضها بيضاء مثل راية السلم وبعضها حمراء مقيتة ينزمنها دم لثة الأسنان … وقطارنا كان يمضي شمالا باتجاه الربع الخالي من المنافي الجامدة.. يمضي كما أراد .. لاكما نريد لأن قدرنا كان أن يمضي كما أراد .. شمالا باتجاه الربع الصقيعي الخالي حيث نتلفع في قشعريرات الإغتراب ونبكي خطواتنا التي تتعثرفي الأرض اليباب .. تعوي من حولنا ثعالب غابات (مينسك)
الخرساء
وزمن قطارنا مازال كما هويمضي شمالا .. كنا نحسه جميعا زمنا ثقيلا .. شبيها بطقس الضغط الجوي .. شبيها بجلد الدجاج المدسوس تحت معاطفنا الغوغولية الرثة .
ـــ كنت المسافرالوحيد بينهم .. بسحنتي الإفريقية السمراء .. قلت في نفسي : ماحيلتي كي أنعتق من هذا السفرالقدري الموغل في تخوم الشمال الروسي .. أخرجت من حافظتي كتاب أنطوان ماكارانكو(القصيدة التربوية) وألفيته مثل قطعة ثلج .. حشرت أنفي بين دفتيه .. فجأة سمعت ضجيجا بروليتاريا قديما .. ضجيج أقرب إلى سعال عمال المناجم منه إلى مرضى الربوعندنا في المدن الساحلية .. كانواعمالا بسحنات معفرة بأدخنة التكريروتفاهة التكرارالقاتل في الغيران العميقة .. نسيت أنني سائح عربي في (مينسك) فخلت أنني كادح مثلهم .. إهتزت المقصورة .. مقصورة قطارنا القدري القديم فخيل إلي أنني أنزل أسانسيربئرالمنجم ــ أعني مقبرتنا الجماعية ـــ قدم لي المراقب قبعة صفراء لها مصباح واحد مثل عين واحدة كرأس الغول .. فجأة قفزأحد البروليتاريين إلى حاوية القاطرة الواقفة على سكة المنجم ، وكان هديرالقطار في رأسي مازال يذكرني بالشمال وقاطرة المنجم تمضي بنا إلى عتمة الأعماق وفي لحظة نسيت سفري .. نسيت أنني سائح مغربي .. نسيت القطاروالرفيق (أنطوان ماكارانكو) .. ولم أدركيف صرت أشقرا مثله .. أعني مثلهم .. أشقرا حد القرف .. مفرطا في البياض .. مثل بيضة مسلوقة .. وشعرت برئيس المنجم يلكزني في ظهري بعصا رايته الحمراء كي أسرع في التنقيب بالحفارالكهربائي :
ط ..ط ..ط ..ط ..ط ..ط ..ط
وأنا أرتعد .. أهتز.. أرتعد .. وكتفاي يهتزان إلى درجة إنتابتني غيبوبة . والرئيس من خلفي بشاربه الأصفرالمعقوف ولازمة نشيده الصقيعي (هيا أسرع .. أسرع .. إلحق بالجماعة)
نططت كالقرد ووقعت على قاطرة الحاوية وكان صريرها الحديدي يتصادى في الكهف المنجمي أعني في كهف نفسي الجواني .. وفجأة صعدت إلى صدري كحة حارة مثلما يحدث للمتقاعدين عندنا وهم يلعبون (الكارطا) وينشقون (طابا ).. وانخرطنا جميعا في سعال بروليتالي طبقي … كان سعالنا يشبه نشيد فيلق شيوعي منهك ومتعب هيجت سعاله أغبرة بارود المقالع … وفجأة .. آه .. هذه الكلمة (فجأة) مرة أخرى تشبه نكبة الحياة .. تدمغني مرة أخرى كالقدر.. المهم قلت فجأة زعقت عجلات القطاروتهيأ لي وأنا بين الغفوة والصحوأن الحاوية توقفت .. إنتشلت رأسي من بين دفتي كتاب (أنطوان ماكارانكو) وكم كانت دهشتي أعظم من دهشة الولادة حين رأيت عبرنافذة القطارجنائن النخل ترتد إلى الخلف في رقصة فولكلورية بديعة .. حيث الشمس تتعرى مثل ملكة الجمال على شاطئ مغربي أدركت حينها أن قطارنا يمضي جنوبا .. جنوبا .. جنوبا .. لقد أفقت .. إذن من دون شك كنت أحلم يا (ماكارانكو)
ـــ مينسك : مقاطعة في روسيا
ـــ عالم تربوي روسي  
Advertisements

3 comments on “قصتي مع (مينسك)* قصة قصيرة

  1. yours1234
    21 ديسمبر 2012

    نصوصك أستاذي رائعة كالعادة و ان كان الصقيع يملأ الفضاء القصصي فكلماتك تحمل الى الحلم و الدفء تحياتي و تقديري
    _ سعيدة عفيف.

  2. شكرا استاذ موسى بن غبريط

  3. موسى بن غبريط
    17 ديسمبر 2012

    نص أدبي جميل يزدحم بالأبعاد المختصرة لفضاء صقيعي تخترقه صافرة قطار يلتهم المسافات الطويلة حاملا معه عالما من الأحلام والامال نحو مدينة تشع نورا بفضل سواعد العمال انه سفر يشبه الكتابة في بياض الثلج وتشكيل كاليغرافي لصور وأصوات ووجوه تمر سريعا في لحظات السفر تحية للأديب عبده حقي

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: