مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

تساؤلات مشروعة في كتاب (استعادة ماركس) جدل الحقيقة والوهم

تساؤلات مشروعة في كتاب (استعادة ماركس) جدل الحقيقة والوهم
  
عباس خلف علي
اهتم كتاب (استعادة ماركس)  للروائي سعد محمد رحيم- الذي صدر عن مكتبة عدنان/ العام الحالي- بشخصية كارل ماركس، هذه الشخصية التي لعبت دورا مهما في قراءة التاريخ الرأسمالي وتنبأت له بالتحلل والإذابة آجلا أم عاجلا. ترى ما هي الأسس التي دفعت به إلى هذا التنبؤ في إخفاق الرأسمالية؟وهل هي فعلا ستكون في نهاية المطاف معطلة ومعطوبة؟وإذا كان ماركس يدرك أن الرأسمالية تمتلك من المهارات ما يجعلها تتمتع بفن المناورة والتكتيك في صنع الستراتيجية،كيف إذن يمكن مواجهة هذه الطبيعة الرأسمالية غير الساكنة.إنها مجرد أسئلة تخوض في غمار الحقول المتشعبة التي زاولها ماركس وله فيها آراء ورؤى مثل: الإنسان هو عالم البشر ، هو الدولة وهو المجتمع، انه عالم أنتج الدين وعيا مقلوبا للعالم لأن العالم ذاته مقلوب، مناديا بضرورة التحرر السياسي والتحرر الإنساني، يقول.. عندما يدرك الإنسان قواه الذاتية وينظمها كقوة اجتماعية عندئذ فقط يكتمل انعتاق الإنسانية، فسر طبيعة العبودية المأجورة في ظل النظام الرأسمالي،اعتبر التاريخ كله تاريخ صراعات طبقية والبروليتاريا لا تستطيع تحرير نفسها  من الطبقة المستغلة البرجوازية إلا بتحرير المجتمع كله، فأن الشغيلة إلى جانب العمل الضروري لبقائهم مرغمين على إنتاج وسائل العيش إلى مالكي وسائل الإنتاج فالتاريخ ليس له ذات، بل المحرك هو الصراع الطبقي وإن التشكلات الاجتماعية وتكوين معرفة (علمية ) عنها لا تتحدد  بالطبيعة الإنسانية هي علاقة الإنتاج التي تشكل وحدة مع البنى التحتية .
الكتاب يعكس صورة ماركس في عدة أوجه، الذاتية، الفكرية، الثقافية، المعرفية، الإنسانية، الدينية، الايديولوجية، التاريخية، الاقتصادية، يتقصى من منفاه أو من مكان اضطهاده وجوعه وتشرده تشكلات موسوعته في –رأس المال – التي تنطوي على تحليلات جوهرية لحركة الاقتصاد والإنسان والسياسة، ورصد التفاصيل ودقائق الأشياء التي تدخل في إضاءة المسائل الغامضة أو الناقصة في الفكر البرجوازي .
لا يخفى تأثره  ب (فيورباخ) في نظراته التجريدية إلى التاريخ وفلسفته في نقد فلسفة الحق عند هيجل الذي يمجد الدولة من دون أن يهتم بمفتاح التطور التاريخي الذي يكمن في دراسة المجتمع  ،يقرأ الفلسفة المادية عند ديكارت وجون لوكان وكتب  عن بؤسها الذي أرسى فيه دعائم الفكرة الأساسية للمادية التاريخية  .
المفارقة أن رؤية ماركس في ثورة البلدان المتقدمة صناعيا لتغيير علامات الإنتاج الرأسمالية إلى الاشتراكية لم تتحقق ..كما أن انفجار المتناقضات في البلدان الرأسمالية أيضا ظل مجرد توقع، إذ أن تلك البلدان قامت بشبه الترويض لإنسانها وإدخاله ضمن أنساق اللعبة الاحتكارية وتفرعاتها المراوغة،الكتاب لا يخلو أيضا من تساؤلات ضمنية عن جدوى استعادة ماركس،هل بمقدور الماركسية طرح حلول حقيقية لمعضلاتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
 وإلى أي مدى تستطيع الماركسية التلاؤم والتكيف مع العولمة في واقعنا الحالي وافقها المنظور، وهل بإمكانها تقديم بديل تاريخي وكوني للعولمة الرأسمالية بموجهاتها الأيدلوجية.
في الحقيقة هذا جوهر الموضوع الذي لا يخلو من معارضين له  ،يقول فوكو ان فكر ماركس في القرن التاسع عشر أشبه بالسمكة لأنه يعجز عن التنفس بعد القرن الذي شهد ولادته ووفاته ثم حلل أنظمة الفكر داخل ثلاثة حقول تشكل أوجه الحياة البشرية، اللغة والاقتصاد والبيولوجيا، ورأى في فكر ماركس ودريدا في أطياف ماركس ومن خلال منهجه التفكيكي أن يقودنا إلى أن كتاب –رأس المال – لماركس يعد كتابا مدمرا في جوهره لأنه يدخل طريقة من طرق التفكير النظري فلا العلم ولا الفكر يخرجان سالمين في الواقع من كتاب ماركس .
ثم يتطرق الكتاب حول تجنيد الرأسمالية لمؤسساتها البحثية بعد انتهاء الحرب الباردة لنرى مقولة فوكوياما  الأميركي الجنسية من أصل ياباني في كتابه – نهاية التاريخ والإنسان الأخير-  لو لم يكن هناك عالم ثالث لكانت الماركسية ماتت بالتأكيد.. ولكن الفقر المدقع هو الذي نظرت إليه الماركسية بأنه جاء بفعل الاستعمار وهذا ما جعل شكل من الماركسية مازال حيا في العالم الثالث .
يركز الكتاب بصورة أو بأخرى  على  المحتوى المضموني والفكري  للبيان الشيوعي الذي صاغ مفرداته أنجلس وماركس بوصف العبارات الجازمة القاطعة التي وردت فيه تعكس ثقة عالية بالنفس واعتبره ماركس بأنه الشبح الذي لا يمكن أن يزول …وقارنه بشبح  هاملت شكسبير، كوجود أساسي لا يمكن محوه أو شطبه من الذاكرة الحية لتفاعله الدائم معها .
أما بصدد اخفاق ماركس في تأشير اللحظة التاريخية لانهيار الرأسمالية وتغيّر علاقات الإنتاج، يؤكد الكتاب من أن ذلك لا يعني أن لا وجود للحظة تاريخية مؤاتية في نقطة ما من المستقبل، وهو كان يدرك أن الرأسمالية قد تكون واعية لقوانين حركتها وتناقضاتها، وبما أنها نظام اقتصادي مرن  فقد تنجح في استثمار وعيها و ذلك للحيلولة دون تفجير المتناقضات.
وبطريقة مثالية يعرج بنا الكتاب إلى ثلاثة  أشبـاح ..
ثلاثة نصوص ، يختلف شبح البيان الشيوعي عن شبح هاملت  دورا ووظيفة ..فيما يحث شبح شكسبير على فعل داخل النص، فان شبح ماركس وأنجلس يحث على الفعل وبفعل خارج النص وشبح دريدا قاسم مشترك بين الاثنين ..
هاملت في مدلوله الشكي  ودريدا في بعده اللا يقيني، فهل يمكن أن نعتبر البيان طرفا  في هذا المعنى ؟
ثم ينتقل الكتاب لمرحلة مابعد الماركسية التي بقي النقاش فيها مفتوحا لأفكار كاوتسكي ولينين وغرامشي ولوكاش وغيرهم، فيرى في لوكاش مؤسس نظرية علم الجمال الماركسي والرواية التاريخية تضعه في مقدمة أعلام النقد الروائي وفي غرامشي   مستحدث المفاهيم في الفكر الماركسي مثل مفهوم الهيمنة الثقافية ومفهوم المثقف العضوي ومفهوم المثقف التقليدي وفي سارتر الذي يعده الكتاب واحدا من أكثر المفكرين الغربيين في حقبة الحرب الباردة التباسا وإثارة للجدل في علاقته بالماركسية وبالتجارب الاشتراكية.
وفي هذا السياق تأتي مدرسة فرانكفورت، لقد مارس أقطاب هذه المدرسة  النقد الجذري لإرث التنوير وركزوا  على عكس توجهات الماركسية التقليدية على فعل البنى الثقافية التي تمارس هيمنتها على حركة المجتمع.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: