مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

هل هناك جنات عدن تجري من تحتها الأنهار؟حوار مع جون دوليمو

هل هناك جنات عدن تجري من تحتها الأنهار؟حوار مع جون دوليمو
 
بقلم: كارولين برون  
ترجمة : حميد زناز
جون دوليمو، مؤرخ شغل في الكوليج دو فرانس كرسي “تاريخ الذهنيات الدينية في الغرب الحديث”، اختصاصي في تبلور الوعي الديني الأوروبي في عصر النهضة أساسا، عضو الأكاديمية الفرنسية. من مؤلّفاته الغزيرة “تاريخ الجنّة” في ثلاث أجزاء، و”الكاثوليكية من لوثر إلى فولتير”، وآخرها “في البحث عن الفردوس” سنة 2010.
نظرت الديانات التوحيدية خلال فترة طويلة إلى بداية التاريخ الأرضيّ على أنّها حالة فردوسية. كانت تهيكل المجتمع رؤية متفائلة للغاية؟
نعم وقد حاولت أن أتابع هذا الحنين إلى الفردوس على المدى الطويل وهي الفكرة العزيزة على المؤرخ بروديل. في مرحلة أولى، كانت البداية تُتصوّر وتُفهم على أنها سعادة. ويشمل سفر التكوين كلّ خلق العالم وفي النهاية خلق الإنسان. ويحدث ذلك في “جنّة” وهي كلمة تعني “حديقة” من حيث الاشتقاق في الفرنسية. فبلاد عدن هي في الواقع حديقة مثيرة للإعجاب يتمتع فيها آدم وحوّاء بجمال مثالي، ولا ينال التعب منهما مهما بذلا من جهد فضلا على أنهما يعيشان بلا خطايا وعلى مقربة من الله. لا يموتان، ويعبران إلى الحياة الأبدية دون مكابدة أو عذاب. ولكن ها هما يرتكبان الإثم ويطردان من الجنّة ويقدّر عليهما الموت. وهكذا إذن أوصدت أبواب الجنة بحائط من نار عظيم ومنع دخولها بسيف ملاك.
 لئن استحال الوصول إلى بلد السعادة الأرضي المثالي، ماذا عن الاقتراب منه؟
بقي الرجاء مترسّخا جغرافيا لمدة طويلة. وهكذا انتشرت فكرة إبان العصور الوسطى تقول بوجود أراضٍ في مكان ما من الشرق على حافة الجنّة الأرضية. لا يمكن ولوج الجنة أبدا بيد أنه يمكن الاقتراب منها دون شك. وهكذا تم وضع أسطورة “مملكة الأب يوحنا” وهو اختلاق تاريخيّ إذ لم يوجد هذا الملك إطلاقا، لكنّه هو وبلده الأسطوري الرائع جعلا الناس يحلمون! وتحوّلت مملكته في مخيال الناس إلى بلد الخصب والنعيم حيث أنهارٌ آتيةٌ من الجنّة الأرضية تجرف في مسارها خيرات آتية بدورها من أعالي الأنهار. وقد ظلّ الناس يؤمنون بوجود مملكة الأب يوحنا حتى القرن السادس عشر الميلادي.
ألم يقلص اكتشاف أراض جديدة من حقل الخيال الفردوسي؟
لا بالعكس، أرى علاقة بين الحنين إلى الجنة الأرضية ورحلات الاكتشاف الكبرى. فنحن نعرف أن كريستوف كولومبس كان يريد الوصول إلى الهند والصين من الغرب فوجد نفسه في أمريكا. كان يأمل أن يجلب الخيرات من الشرق الأقصى لتكون المال الضروري الذي يعين ملك إسبانيا على استرداد مدينة القدس والأماكن المقدسة. بيد أنه حينما اكتشف مصبّ أورينوكو حيث تتجمّع كميات هائلة من المياه العذبة، ظنّ أنه قريب من الجنة الأرضية، والتي كانت مشهورة بكونها منبع كل مياه الكون العذبة! ومن هنا قوله الذي يؤكد أنه إذا استطاع أحدهم – بموافقة ربانية – أن يصعد الأورينوكو سيصل حتى الجنة الأرضية وخيراتها. وكان لأمريغو فيسبوتشي وهو أحد من ساروا على دربه نفس الشعور وهو يمرّ بمحاذاة السواحل البرازيلية إذ صرّح: “وأنا شخصيا أعتقد بأنني قريب من الجنة الأرضية”. وقد سحرته في هذه الأماكن “الأشجار بعددها اللامتناهي وكثرة الطيور وتنوّعها’’. ومن بينها الببغاوات التي ستلقب قريبا بــ”طيور الجنة”. وهناك سببان لتفسير مماثلة هذا الطير بحيوان فردوسي: أوّلا هو يُعمّر طويلا جدّا – يعيش أكثر من مالكه في أغلب الأحيان – وثانيا هو يتكلم. وفي الجنة الأرضية تتكلم الحيوانات.
تُبيّن في كتابك الأخير أن الجنة الأرضية قد حُدّدت تارة كمكان وأخرى كحالة مستقبلية.
نعم..الروايات المتعددة للعهد الذهبي هي التي تصورت الجنة الأرضية على أنها ألف عام من السعادة في المستقبل. في اعتقادي كان من بين الأجيال المسيحية الأولى كثير من الألفيين (المؤمنين بعهد المسيح الذهبي الذي يدوم ألف عام) خصوصا القديسة إيريني، ترتوليان ولا كتانس ، معلم ابن قسطنطين. وبعد ذلك انفصلت الكنيسة عن “نظرية الالفية” تحت توجيهات القديس أوغسطين. ولكن عاد إلى الظهور مع جواكيم دو فلور، راهب عاش في جنوب إيطاليا في القرن الثاني عشر. والذي أعاد الحياة لتلك الفكرة القائلة بزمن سعادة على الأرض يكون بمثابة الوسيط بين تاريخنا المضطرب ونهاية العالم. ويحدد بداية مرحلة السلم التي تشهد مجيء السعادة التـأملية والتي تشع فيها الروح والرحمة في قلوب كل البشر.
وما هي التصورات الطبوغرافية الأخرى عن الجنة بغض النظر عن جنة عدن؟
 عرف الفكر اليهودي- المسيحي مرحلة هاجرت فيها الجنة التي كانت في البدء أرضية نحو السماء شيئا فشيئا لاسيما من خلال الاعتقاد بوجود مكان وسط تستريح فيه الأرواح قبل البعث العظيم. ومن خلال هذه الإضاءة ينبغي فهم وعد المسيح للص الطيب الذي صلب في نفس الوقت معه: “ستكون اليوم معي في الجنة”. ومعنى هذا الوعد الذي كثيرا ما فهم خطأ هو: ستكون اليوم بالذات في المكان الذي ينتظر فيه المنصفون ساعة البعث”. وبعد ذلك يتحدث القديس يوحنا عن “السماء الثالثة”. ولكن لن تتأخر العصور القديمة المتأخرة ثم القرون الوسطى في إدماج الجنة النهائية داخل نظرية نشأة الكون الموروثة عن أرسطو والمدققة من طرف الجغرافي اليوناني بطليموس (القرن الثاني قبل الميلاد). توجد الجنة في تصور القرون الوسطى في السموات العلى والتي هي بدورها متكونة من مجالات متتالية. وفي القمة، فوق كل المدارات، تتربع “جنة الخلد” حيث حصرت الميثولوجيات قديما مسكن الآلهة. ويصبح لدى المسيحيين “البيت الثابت للربّ والملائكة والمصطَفين.” وحسب هذا التصميم بنى دانتي تصوره لـ”فردوسه”.
ينبثق تصور الكون انطلاقا من هذه النظرة الدينية. فما تحت القمر، كانت كل المادة الجوهرية متكونة من أربعة عناصر: الأرض، الماء، الهواء والنار. وتشكل العناصر الثلاثة الأخيرة طبقات متحدة المركز حول الأرض. وكان كل الطوق المشكّل لما تحت القمر ميدانا للتغيرات والتعديل: كان العالم هنا عالما متحركا خاضعا للفساد. وعلى العكس فابتداء من القمر نصل إلى المجالات البلورية الشفافة وإلى عالم الصفاء الذي لا يعرف الفساد: هنا الحركة دائرية، وأقصد أنها مكتملة كالشكل الكروي.
هو ذلك التصوّر للآخرة الذي سيضعه كوبرنيكوس وغاليلو في مأزق؟
نعم، لقد حطما بشكل بسيط ونهائيّ كل منظومة الاعتقادات الكوسموغرافية (المتعلقة بمظهر الكون وتركيبته) والميتافيزيقية التي كانت مقبولة حتى ذلك الوقت! لقد كان الأمر بمثابة ثورة ثقافية حقيقية. أولا ذهب العالمان ضدّ الحسّ العامّ حينما قالا بعدم دوران الشمس حول الأرض وإنما العكس. إذا لم نعد نؤمن بما نرى، أليس من الحريّ بنا أن نشك في كلّ شيء؟ وبعد ذلك اكتشف غاليلو شوائب على الشمس وجوبيتر وفينوس. وإذن فالفساد يطال حتى المجالات العليا؟ وهكذا لم يعد موجودا ذلك الحدّ الذي اخترعته القرون الوسطى بين عالم أرضيّ وعالم سماويّ. فلم يعد هناك قطيعة بين دائرة الصفاء ودائرة الفساد وإنما بين عالم مرئيّ محسوس وعالم غير مرئيّ متخفِّ. وهذا يعني إعادة نظر في كثير من الأشياء! ودون أن ننسى أنّ نيوتن قد تمكّن من تفكيك الضوء بينما كان معتبرا كإشعاع من الله لا غير. وحينئذ أصبح كل البناء الجغرافيو-ديني للسماء محلّ إعادة تفكير.
ومع ذلك لا تزال تدور فكرة الجنة بعد غاليلو؟
أقول بالأحرى إن الأرض هي التي لا زالت تدور وليس الجنة إذ أصبح من الصعوبة تخيّلها. وقد سبق للوثر أن كتب: “مثلما لا يعرف الأطفال في بطون أمهاتهم إلا الشيء القليل عن مولدهم، فكذلك لا نعرف سوى القليل عن الحياة الأبدية”. أما فيما يخص تعاليم مجلس ترينت فنقرأ: من المستحيل أن نفهم اليوم عظمة تلك الأمور (الجنة) إذ لا يمكنها أن تظهر لعقولنا. ينبغي أن نكون قد دخلنا في بهجة الربّ، وعند ذاك نكون كالمغمورين والمجللين من كل جهة بتلك البهجة وتكون رغباتنا قد تحققت كلها”.
 هل تجاوز تجسيد الجنة هو طريقة ما للتوفيق بين العلم و الدين؟
بل هو السبيل الوحيد الممكن!
ثم أخذت المشعل ديانة التقدم.. 
ولدت فكرة التقدم في القرن الثامن عشر واتضحت معالمها مع الفيلسوف ليبنتز ثم سيطرت إبان القرن التاسع عشر. ومع تقدم التعليم والتثقيف والعلم سيأتي التقدم الأخلاقي الذي سيحسّن الحياة على وجهه هذه الأرض، كما نأمل. أتذكر أنّ بيار لورو، الرجل الذي نحت كلمة “اشتراكية”، قد كتب : “ستتحقق الجنّة على الأرض”. وكان الوضعيون ينظرون إلى أنفسهم، هم أيضا، على أنهم من عوامل التقدم على الأرض وهو تقدم كان لديهم كشكل من أشكال الدين. وقد بشّرت الماركسية بدورها بالسعادة التي ستكتشفها الإنسانية بفضل المجتمع اللاطبقي. وفي النهاية ربما يكون الفكر المادي واحدا من التحولات المتعلقة بتصوّر الجنة الأرضية والحنين إليها.
 المصدر:
Le Nouvel Observateur, Hors-série, Janvier-Février 2011
Jean Delumeau

عن الأوان

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: