مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

التراث والحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري

التراث والحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري

الرباط: سعيدة شريف

يقدم كتاب “التراث والحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري” محطات مهمة في التاريخ الفكري والسياسي للمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، فيلسوف العقلانية الجديدة في الفكر العربي، الذي نجح في إرساء مشروع فكري نهضوي تنويري ضخم، وبصم الساحة الثقافية والفكرية المغربية والعربية بأفكاره ومشاريعه العلمية المتميزة، التي سعت إلى تأصيل الفكر العربي، وتوطيد العلاقة الجدلية بين التراث والحداثة، وفتح مجال للتأمل والحوار حول هذا الفكر بين المغرب والمشرق، بل ونقل بعضا من أسئلته ومشاغله إلى آفاق عالمية.
هو المفكر الذي جعل الحرية محور كل ما قام به في الدرس الجامعي والتأليف الفكري والعمل الثقافي، بعدما ترك العمل السياسي حتى تبقى الحرية مفتتح حياته ومنتهاها.
وفي تقديمه لهذا الكتاب الجماعي، الصادر خلال هذه السنة عن “دار التوحيدي للنشر والتوزيع” بالرباط، ذكر الكاتب المغربي محمد الداهي، المشرف على إعداد وتنسيق مواد هذا الكاتب، أن ما حفزه على إعداد كتاب جماعي عن المفكر الراحل محمد عابد الجابري هو أن هذا الأخير ليس من طينة المثقفين الذين ينظرون إلى المجتمع من عل، أو من برج عاج، وإنما اهتدى بقبس المثقف العضويـ الذي يجمع بين العمل الفكري والنضال السياسي، لكونهما يشكلان في نظره لبنة أساسية لدمقرطة المجتمع وتنميته ورقيه، كما أنه، كما قال الداهي، غالب الظروف الاجتماعية والتعليمية الصعبة لتحقيق مطامحه، وأعطى، بذلك، مثالا عن عصامية فذة، بحيث أضحى علما متألقا يشار إليه بالبنان.
ومن بين البواعث الأخرى، التي حفزت محمد الداهي على الاحتفاء بالمفكر الراحل محمد الجابري، كما أشار في تقديمه للكتاب، مناهضته الدائمة لكل أشكال الحيف والظلم والاستبداد، ومناصرته لكل ما يسعف الشعوب العربية على نيل الحرية والكرامة والاستمتاع بثمارها، خاصة أنه كان من دعاة تأسيس “الكتلة التاريخية”، التي تجمع كل الأطياف السياسية التواقة إلى إحداث “انقلاب تاريخي” لمقومة المستبدين والطغاةـ وترسخ ثقافة المشاركة وتداول السلطة، وأخلاقية النقاش والنقد والمحاسبة، هذا ناهيك عن “أصالة فكره، وتعدد جبهاته، ومعاركه، واجتهاداته، ودوره في توطين الدرس الفلسفي، وحسه الوطني والنضالي، ومقاومته لمختلف أشكال الحيف والاستبداد، وفضله في تكوين أجيال من الطلبة، وتحريك سواكن التراث العربي الإسلامي وتجديده”.
ويتوزع هذا الكتاب، الذي ساهم فيه مجموعة من الباحثين  والكتاب المغاربة والعرب، إلى تقديم لمحمد الداهي بعنوان “قطوف دانية” وثلاثة أبواب،
الأول تحت عنوان “مسارات وجبهات متعددة”، يضم فصولا تبين، في مجملها، مختلف الجبهات، والمسؤوليات، والمجالات، التي تفاعل معها الجابري في مختلف تجاربه في الحياة، سعيا إلى كسب مزيد من التجارب العلمية والثقافية والنضالية، وممارسة دوره الثقافي والفكري والتعليمي بمثابرة ونزاهة واستقامة، دفاعا عن التحديث السياسي، مستميتا في تسريع وتيرة الإصلاح الفكري والسياسي، وحريصا على الأداء الأكاديمي الرصين والمنتج.                  ساهم في هذه الفصول كل من كمال عبد اللطيف بـ”جبهات ومعارك”، ونور الدين أفاية “ما بين العقل وتعقل النقد، أو رهان المتخيل عند الجابري”، وعبد الرزاق بلعقروز “نيتشه والجابري”، وماهر عبد القادر محمد علي “محمد عابد الجابرى وتصورات مهمة فى فلسفة العلوم”، و”صورة المفكر محمد عابد الجابري في طفولته وشبابه” لعبد المالك أشهبون.
ويتمحور الباب الثاني من الكتاب، الذي يحمل عنوان “الفاعلية الحضارية والثقافية للتراث” حول سؤال التراث الذي شغل الجابري طيلة مشواره الفكري، إذ بذل جهودا مضنية لتذليل الوسائط من أجل تيسير اقتراب الباحثين من النص التراثي، وتحريره من قبضة من كانوا يحتكرونه ويعتبرون أنفسهم أوصياء عليه.  وشق طريقا ثالثا ينهض على الانتظام في مجال التراث، والانجذاب إلى أفق الحداثة، ويروم تحويل التراث إلى فاعل حضاري وثقافي يتفاعل مع العقل الكوني وإرهاصات المستقبل.                                                           ويضم هذا الباب المقالات التالية: “من أجل عصر تدوين عربي جديد” لمحمد المصباحي، و”التراث في فكر الجابري: الإشكال والمنهج” لمحمد وقيدي، و”سياسة التراث” لعبد السلام بنعبد العالي، و”مفهوم القطيعة مع التراث في فكر الجابري” لعلي القاسمي، و”كيف  نفهم القرآن  الحكيم؟” لنورالدين الزاهي.
في حين يجمع الباب الثالث المعنون بـ”التناظر والتحاج” مقالات: “محمد عابد الجابري وبروز المثقف النقدي في مغرب السبعينيات” لعثمان أشقرا، و”الحوار المعطل والنقد المعطوب” لإدريس جبري، و”في نقد القراءات المعاصرة للتراث” لعبد الغني بارة، و”محمد عابد الجابري وإعادة بناء القول الديني” ليحيى بن الوليد، و”استعادة الحاضر في المشروع الفلسفي عند الجابري” لعبد العزيز بومسهولي. وكلها مقالات تستحضر أهم النقاشات التي دارت بين الجابري ومثقفين آخرين ( عبد الله العروي، جورج طرابيشي، طه عبد الرحمن) حول مختلف ركائز مشروعه الفكري وأعمدته. وهو ما يبين جرأته الفكرية في إثارة قضايا جديدة ومستفزة، تفاعل معها البعض على نحو إيجابي، في حين حفزت آخرين على نقدها وبيان مواطن قصورها. وفي كلا الحالين كان فكر الجابري يتقوى ويتعزز لمواصلة مشاريعه التي حامت في مجملها حول أزمة العقل العربي وإمكانات إصلاح الأمة العربية ودمقرطتها.
يعد هذا الكتاب الجماعي الكتاب الثالث، الذي أشرف عليه ونسق مواده الكاتب محمد الداهي، الذي دأب منذ سنوات، حسب إمكانات النشر المتاحة، على الاحتفاء بكاتب مغربي قدم خدمات جليلة للثقافة المغربية، حيث بدأ بتخصيص كتاب جماعي عن الباحث محمد مفتاح صدر سنة 2009، ثم كتاب جماعي آخر عن الشاعر محمد بنطلحة صدر سنة 2011.
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: