مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

رثّاءات العرب: من أمامهنَّ لظى ومن خلفهنَّ لظىالشعر مواجهاً الموت

رثّاءات العرب: من أمامهنَّ لظى ومن خلفهنَّ لظىالشعر مواجهاً الموت
 
شـهـيرة أحـمــد
لا أعرف سبباً أكيداً يُطمَئَنُّ إليه يفسر لماذا قالت الشاعرات العربيات القديمات في الرثاء أكثر من أي غرض آخر، ولا أدري إلى أي حد يصح التعلل بالعاطفة الجياشة التي ترتبط بالتكوين النفسي للمرأة والعمق العاطفي الذي يميزها أو طبيعة تكوينها. ربما يفسر هكذا ظاهرة أن يكون الرثاء غرضاً من الأغراض الشعرية المقبول للمرأة أن تقول فيها الشعر. لكن ما لا يحتاج إلى تفسير ولا تسويغ لشدة وضوحه هو العاطفة الصادقة والمشاعر المتدفقة والعمق الإنساني والحزن النبيل الذي يتجلى في نظمهن وشعرهن. إنهن يقلن الشعر وأكبادهن تحترق على حد تعبير ذلك البدوي الذي سئل ذات مرة: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ فقال: لأننا نقول وأكبادنا تحترق.
هل كانت بكائيات الخنساء وأخواتها من الشاعرات اللواتي وَلِعنَ وبَرعنَ في المراثي الشعرية أو شعر الرثاء نوعاً من التفريغ الانفعالي يأتي على سبيل التطهُّر أم أنهن ارتقين بهذه المشاعر ليصغنها شعراً وجدانياً شفيفاً يسيل كماء رقراق، ونسجنَ منها حلة قشيبة تنطوي على الحكمة والجمال والتدبر العميق؟.
ثمة في شعر بعضهنَّ ما يجيب عن أسئلة كهذه بفصاحة شعرية تستحق النظر.
امرأة في قلب المحنة
هذه جليلة بنت مرة الشيباني زوجة كليب بن ربيعة وأخت جساس قاتله، التي عاشت محنة قاسية تركتها مصدعة القلب والعقل، موزعة بين أخيها وزوجها. وفي قصيدتها التي ترثي فيها زوجَها كُليْبًا، تفجع مريع صبته في قالب من الألفاظ الشجية التي تستقر في قلب القارئ فيتحسس عظم المحنة التي مرت بها هذه المرأة، وما تقاسيه من عذابات جعلتها تجد اللظى من خلفها ومن أمامها… إنها تكتوي بنيران الحزن أنى اتجهت وتتفكر في بيتها وقلبها اللذين تهدما. وتتجلى في القصيدة عاطفة موّارة، جياشة، صادقة.
ولعل ما تتركه القصيدة من أثر في نفس القارئ/ السامع هو ما دفع ابن رشيق ليقول عنها في “العمدة”: “فانظر إلى قول جَليلة بنت مُرَّة ترثي زوجَها كُليْبًا، حينَ قَتَلهُ أخوها جسَّاس، ما أشجَى لفظَها، وأظهرَ الفجيعة فيه!، وكيف يُثير كوامِنَ الأشجان، ويقدح شَرَرَ النِّيران:
يابْنـةَ الأقــوامِ إن لُّمْـتِ فـَلا
تَعْجَلـي باللَّـوْمِ حتَّـى تَسْأَلِـي
فَـــإِذَا أَنـــتِ تَبَيَّنْــتِ الَّتــي
عندها اللَّومُ فَلُومِي واعذِلِي
إن تَكـُنْ أخـتُ امـرِئٍ لِيمَــتْ
علَى جَزَعٍ مِنها عَلَيهِ فافْعَلـي
فِعلُ جَسَّاسٍ علَى ضنِـّي بِـهِ
قاطـعٌ ظَهْـري ومُـدْنٍ أَجَلــي
لَو بعَينٍ فُدِيَتْ عَيْنـي سِـوَى
أختهـــا وانفقــأَتْ لَـمْ أحْفِـلِ
تحمِلُ العينُ قذَى العينِ كما
تَحمِــلُ الأُمُّ قـذَى ما تَفْتَلــي
إنَّنــــي قاتلـــــةٌ مَّقتولــــةٌ
فَلعـــلَّ اللــهَ أن يرتـــاحَ لِــي
وتواصل في حس نشائدي وصف ما يعتريها من العذاب، وتطول القصيدة مخرجة ما تزخر به تعاريج القلب من مرارة الفقد وناره المتأججة إلى أن تقول:
مسَّنـي فَقْـدُ كُلَيْـبٍ بِلَظًــى مِن ورَائي ولَظًى مُّستَقْبِلِي
لَيسَ مَن يَبْكِي لِيَومَينِ كمَـنْ إنَّمـــا يَبْكـي ليــومٍ ينجَلِـي
دَرَكُ الثَّائــرِ شافيـــهِ وفـــي دَرَكـي ثــأرِيَ ثَكْــلُ المثكـلِ
لَيتــهُ كـان دَمــي فاحتلبــوا دِرراً مِنـهُ دمـي مِنْ أَكْحَلـي
ويستمر حبل الرثاء مع شاعرة أخرى مبدعة هي الخرنق البكرية العدنانية. وهي أخت طرفة ابن العبد لأمه. قتل زوجها في يوم قلاب (من أيام الجاهلية)، فرثته ونظمت الشعر في رثاء قتلى قومها وأخيها طرفة. وفي شعرها مسحة من الحسرة على الميت الذي غاب، وقدرة على صياغة سماته الشخصية والتفاخر بمناقبه وتعداد فضائله في شعرية تصويرية قوامها الصورة والتشبيه:
ألا ذَهَبَ الحَلاَّلُ في القَفَرَات
ومن يملأُ الجفناتِ في الحجراتِ
ومن يرجعُ الرمحَ الأصمَّ كعوبهُ
عليهِ دماءُ القومِ كالشقرات
لكنها حين توغل في الشعر تتخفف قليلاً من حزنها وتدخل في الفخر مستحضرة مناقب قومها بنو أسد:
سَمِعَتْ بنُو أسَدَ الصيَاح فَزَادَهَا
عِنْدَ اللِّقَاءِ مع النِّفارِ نِفارا
ورأتْ فوارسَ من صليبة وائلٍ
صُبُراً إذا نَقْعُ السَّنَابكِ ثَارَا
بيضاً يُحَزِّزْنَ العِظام كأنما
يُوقِدْنَ في حَلق الَمَغاِفِر نارا
وعلى عادة شعراء الجاهلية في الوصف والفخر فهي تصف قومها بالشجاعة وطيب المحتد وكرم الأصل، وبأنهم مثل السمّ على أعدائهم لمهارتهم في النزال والطعان وفنون الحرب:
إنْ يشْرَبُوا يَهَبُـوا وإن يَـذَرُوا يَتَواعَظُـوا عَـنْ مَنْطِـقِ الهُجْرِ
قومٌ إذا ركبوا سمعتَ لهمْ لَغَطــاً مـن التَّأْيِيْــهِ والزّجــر
حكمة ناقصة!
تعلن بعض الأشعار التي تركتها الشاعرة جنوب بنت علان الهذلية، أخت عمرو ذي الكَلْب، وهي كلها في الرثاء عن شاعرية متفلسفة وحكيمة. ففي شعرها تختلط الحكمة بالتأمل في الحياة والموت، بالفخر والوصف والتوجع. وهي تجتهد في الإتيان بالصور الشعرية التي تستحق التوقف كما في قولها (تَمشي النُسورُ إِلَيهِ وَهِيَ لاهِيَـةٌ/ مَشيَ العَذارى عَلَيهِنَّ الجَلابيبُ)، ومما يجرح الروح في هذه القصيدة تلك الإشارة إلى سبي النساء (المُخرِجُ الكاعِبَ الحَسناءَ مُذعِنَةً/ في السَبيِ يَنفَحُ مِن أَردانِها الطيبُ)، وهي ضريبة الحرب الأكثر فداحة التي تدفعها المرأة من دون أي ذنب سوى أنها أنثى، لكنها شريعة ذلك الزمان الذي كان يرى في السبي رجولة وشجاعة وانتصاراً، وهذا ما رمت إليه الشاعرة غافلة عن كون هؤلاء السبايا هنَّ أيضاً سيصبحن مثلها باكيات وربما يقلن الشعر رثاء على من فقدنهم. وربما يقول قائل: ليس من العدل أن نطلب من الشاعرة أن تتخذ موقفاً كهذا في تلك الظروف وذلك الزمان وذلك المجتمع، وفي هذا الكثير من الصواب. لكن من الصواب أيضاً استحضار مواقف لشعراء تقدموا على ذلك المجتمع في طرحهم الشعري، وفي مواقفهم الحياتية. لقد انساقت الشاعرة للسائد المألوف ولم يكن همها سوى تبيان فروسية أخيها، وفي هذا خذلتها الحكمة ولم يأخذها التأمل إلى حيث كان ينبغي أن يأخذها، فجاءت حكمتها ناقصة:
كُلُّ اِمرىءٍ بِطِوالِ العَيشِ مَكذوبُ
وَكُلُّ مَن غالَبَ الأَيّـامَ مَغلوبُ
وَكُلُّ حَيٍّ وَإِن طالَت سَلامَتَهُ
يَوماً طَريقُهُم في الشَرِّ دُعبوبُ
وَكُلُّ مَن غالَبَ الأَيّامَ مِن رَجُلٍ
مودٍ وَتابِعُـهُ الشُبّانُ وَالشيبُ
بَينَنا الفَتى ناعِمٌ راضٍ بِعيشَتِـهِ
سيقَ لَهُ مِن دَواهي الدَهرِ شُؤبوبُ
أَبلِغ بَني كاهِلٍ عَنّي مُغَلغَلَةً
وَالقَومُ مِن دونِهِم سَعيا وَمَركوبُ
أَبلِغ هُذَيلاً وَأَبلِغ مِن يَبَلِّغَها
عَنّي رَسولاً وَبَعضُ القَولِ تَكذيبُ
بِأَنّ ذاَ الكَلبِ عَمراً خَيرُهُم نَسَبـاً
بِبَطنِ شَريانَ يِعوي عِندَهُ الذيـبُ
الطاعِنُ الطَعنَةَ النَجلاءَ يَتبَعَهـا
مُثعَنجِرٌ مِن دِماءِ الجَوفِ أُثعوبُ
والتارك القرن مصفـراً أنامله
كأنه من رجيع الجوف مخضوب
تَمشي النُسورُ إِلَيهِ وَهِيَ لاهِيَـةٌ
مَشيَ العَذارى عَلَيهِنَّ الجَلابيـبُ
المُخرِجُ الكاعِبَ الحَسناءَ مُذعِنَـةً
في السَبيِ يَنفَحُ مِن أَردانِها الطيبُ
فَلَم يَرَوا مِثلَ عَمرٍو ما خَطَت قَدَمٌ
وَلَن يَرَوا مِثلَهُ ما حَنَّـتِ النِيَبُ
فَاِجزوا تَأَبَّـطَ شَـرّاً لا أَبالَكُم
صاعاً بِصاعٍ فَإِنَّ الذُلَّ مَعتوبُ
لكن الشاعرة في قصيدة أخرى تتمنى لو أن أخاها لم يغزُ فهماً ولم يهبط بواديها لكن “ليت” لا تنفع ولا تضر بعد أن وقعت الواقعة أو وقعت الفأس في الرأس كما يقال.
ملكة الرثّاءات
كانت الخنساء تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السلمية الشهيرة بالخنساء رثاءة من الدرجة الأولى، وهي الشاعرة الوحيدة التي وجدت لها مكاناً في كتاب ابن سلام الجمحي “طبقات الشعراء”. وقد عدت قصائدها في رثاء أخيها صخر من عيون القصائد على هذا الصعيد، وهي من الشاعرات المخضرمات اللواتي عشن في الجاهلية وأدركن الإسلام، تقول في رثاء أخيها صخر:
قذى بعينيك أم بالعين عوار
أم أقفرت مذ خلت من أهلها الدار
كأن عيني لذكراه إذا خطرت
فيض يسيل على الخدين مدرار
تبكي لصخر هي العبرى وقد ولهت
ودونه من جديد الترب أستار
تبكي خناس فما تنفك ما عمرت
لها عليه رنين وهي مفتار
تبكي خناس على صخر وحق لها
إذ رابها الدهر إن الدهر ضرار
بكل هذه اللوعة التي تفري كبدها وتأكل روحها ترسم الخنساء صورة لأخيها المرثي، شمائله وسماته التي جعلته سيداً في قومه كما هي عادة الشعراء إن افتخروا أو مدحوا أو رثوا، لكنها تضيف إلى هذه الصورة شيئاً من حرارة الروح ونار الشوق التي تضطرم في أعماقها. هي تضفي على الشعر لبوسات روحها التي تتقلب على نار الحزن المشتعلة في قلبها والتي لا ينفع فيها بكاء ولا دمع ولا شعر يرثي الأخ الحبيب المفتقد. ورغم ما في قصائدها من الحزن والألم والتفجع وحرارة الفقد إلا أنها تنام على حكمة كثيرة وعمق رؤيوي يظهر في نظرتها إلى الحياة وتصاريفها مع البشر:
إن الزمان وما يفنى له عجب
أبقى لنا ذنبا واستؤصل الرأس
أبقى لنا كل مجهول وفجَّعنا
بالحالمين فهم هام وأرماس
إن الجديدين في طول اختلافهما
لا يفسدان ولكن يفسد الناس
وتظهر آثار الحكمة وبعد النظر في تفكرها فيما يستجد حولها، وتدبر الأحوال لتفسير الموت، هذا الحدث الرهيب الذي لا يكف عن الحدوث، هذا القدر الذي لا بد منه، ثم توظيف ذلك للتأسي وطلب السلوى والعزاء:
كل امرئ بأثافي الدهر مرجوم
وكل بيت طويل السمك مهدوم
لا سوقةً منهم يبقى ولا ملكٌ
ممن تملكه الأحرار والروم
ولأنها عاشت جزءاً كبيراً من حياتها في الجاهلية، وكتبت الشعر في تلك المرحلة، فإن قصيدتها تتموقع أسلوبياً ضمن القصيدة العمودية، ويتوفر شعرها على الخصائص الفنية التي تسم القصيدة الجاهلية من جزالة وقوة وجمال في التشبيه وحسن السبك والصياغة وبلاغة البيان والتعبير واستخدام الصور البلاغية المختلفة.
والخنساء في معظم قصائدها تبدأ بمخاطبة عينيها خلافاً لما درج عليه مجايلوها من الشعراء بالوقوف على الأطلال والتغزل بالحبيبة، ومن بين النقاد والباحثين من اعتبر ذلك من ملامح التجديد في قصيدتها التي انفكت من أسر المطلع الطللي لتجترح مطلعاً مغايراً يترجم حالتها النفسية وشعورها الداخلي. والعين التي تخاطبها الخنساء ليست سوى العين التي تذرف الدمع على المفقود. العين المطلوب منها أن لا تكف عن البكاء لأنها لو بكت طول العمر فلن تفيه حقه، ومن مطالع قصائدها: “يا عين مالك لا تبكين تسكابا”، و “يا عين جودي بدمع منك مهراق”، و “يا عين جودي بدمع منك مسكوب”، “قذى بعينيك أم بالعين عوار”، و “أعينيّ جودا ولا تجمدا”، و “ألا ما لعينيك لا تهجع”، “يا عين ابكي فارسا”، و”يا عين إبكِ بدمع غير نزاف”، وغير ذلك من الاستهلالات التي صدرت بها قصائدها.
ولا تذكر العين في شعر الخنساء إلا مقترنة بالبكاء والدمع والسهر والأرق والشوق والحنين، وهي كلها لحمة قصائد الشاعرة وسداها، ففي هذه الحديقة الشعرية تتنقل ومنها تقطف وفي أفيائها تنسج صورها الفنية الجميلة:
إذا القـوم مـدُّوا بأيديهـم إلـــى المجــد مــدَّ إليـه يــدا
وإن ذكــر المجــد ألفيتــه تـــأزر بالمجـــد ثـــم ارتـــدى
وتقطف أيضاً هذه القطفة الرائقة صورة ومعنى:
يا عين جودي بدمع منك مدرار
جُهْدَ العويلِ كماءِ الجَدْولِ الجاري
وتتنوع في قصائد الخنساء فنون البلاغة، حيث نجد الاستعارة والتشبيه وصيغ المبالغة وغير ذلك مما يكسب الشعر جمالياته. ومن تشبيهاتها ما صار عَلماً ومضرب المثل في جماله وفرادته، يستعيره الكتاب والشعراء للتعبير عن مقاصدهم الشعرية المتجددة، من ذلك قولها:
وإن صخــراً لتأتــم الهــداة به كأنــه علــمٌ في رأسـه نـارُ
لقد عاشت الخنساء بين حالتي فقد مريعتين لكن سلوكها في كل منهما اختلف بشكل كامل. حالة الفقد الأولى كانت بموت أخويها معاوية وصخر اللذين بكتهما بدمع هتّان، ونظمت في حبها لهما وشعورها بالحزن لغيابهما جملة من أجمل قصائد الرثاء في الشعر العربي لغة وصورة وبنية وغزارة وصدق عاطفة ورقة إحساس. أما حالة الفقد الثانية فهي فقد أبنائها الأربعة الذين استشهدوا في معركة القادسية ولم تزد حين بلغها نبأ استشهادهم أن قالت: “الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأسأله أن يجمعني معهم في دار مقامته”.
شتان بين فقد و… فقد!، وما أشد اختلاف الليلة عن البارحة في نظرة الخنساء إلى الموت. في الأولى باحت وصاحت وناحت وسحت دمعاً سخياً لم يشف غليلها ولم يترجم ما يمور في روحها من ألم مرعب.. وفي الثانية صبرت واحتسبت وتلفعت بالأمل ولبست ثوب الرجاء رغم أن الخطب جلل والمفقودين أربعة من فلذات الكبد. ولم يكن لهذا التغيير النوعي والانقلاب العظيم في شخصية هذه الشاعرة المبدعة شعراً وسلوكاً أن يحدث لولا الإسلام.
أجل.. إنه الإسلام الذي غير رؤيتها للموت والحياة، وجعلها تستقبل الحدث الثاني بإيمان وهدوء بعد أن تفجعت في الأول حتى أدمت قلوب من سمعوها بل حتى قلوب قصائدها.
وثمة خنساء ثانية لكنها من شاعرات الجاهلية هي الخنساء بنت ابي سُلمى، وهي أخت زهير بن أبي سلمى. شاعرة لم تترك سوى بعض الأبيات في رثاء والدها يختلط فيها الحزن بالاستسلام لعارض الموت الذي لا تنفع فيه التمائم ولا العقد لأن مشيئته نافذة، وهي الحكمة الثاوية التي تقرأها بعين الشاعرة. تقول:
ولا يغنـي توقّـي المرء شيئا ولا عقـدُ التميـم ولا الغضـار
غـدا لاقـى منيَّتـه فأمســى يُسـاق به وقـد حـقَّ الحــذار
وثمة خنساء ثالثة هي خنساء بنت أبي الطراح، وخنساء رابعة هي خنساء بنت التيجان وهن من شاعرات صدر الإسلام.
قصيدة أوقفت القتل
وهذه شاعرة من المخضرمات، عاشت في الجاهلية وأدركت الإسلام وهي قتيلة بنت الحارث بن علقمة، وقُتَيْلة (بالتصغير) هي (أخت) النضر بن الحارث بن علقمة، كما جاء في سيرة ابن هشام. أسر أخوها النضر في وقعة بدر، فأمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) به فقتل، فرثته بقصيدة مؤثرة تركت في نفس النبي “صلى الله عليه وسلم” أثراً شديداً ونهى عن قتل أسرى قريش بعد النضر. أسلمت بعد ذلك وحسن إسلامها، وعدّت من الصحابيات وروت الحديث، وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب “رضي الله عنه”.
تعتبر قتيلة شاعرة متقدمة لكن ما وصل إلينا من شعرها قليل كما هي الحال مع الشاعرات الأخريات، ومن يقرأ قصيدتها يشعر بما يشبه سريان تيار من الكهرباء لما فيها من حزن وتوجع وألم، خاصة حين تستحضر تلك الوحشة الهائلة التي يتركها الفقد في الروح، حين يسأل الميت ولا يجيب:
يَا رَاكِبًا إنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ
مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ
أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً
مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ
مِنِّي إلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً
جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ
هَلْ يَسْمَعَنِّي النَّضْرُ إنْ نَادَيْتُهُ
أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لَا يَنْطِقُ
أَمُحَمَّدُ يَا خَيْرَ ضَنْءِ كَرِيمَةٍ
فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرَّقُ
مَا كَانَ ضُرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا
مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ
أَوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفِقَنْ
بِأَعَزَّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ
فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرَّتْ قَرَابَةً
وَأَحَقُّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ
لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ
صَبْرًا يُقَادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَبًا
رَسْفَ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ عَانٍ مُوَثَّقُ
قال ابن اسحاق قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَيُقَالُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الشِّعْرُ، قَالَ: لَوْ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ.
لكن هذه الشاعرة مختلف عليها لدى مؤرخي الشعر وشعرائه، فثمة من يرى أنها ليلى (بنت) النضر بنت الحارث بن كلدة، وأن النضر الذي رثته هو أباها وليس أخاها، وقد أوردها محمد العريس صاحب موسوعة شعراء صدر الإسلام والعصر الأموي باسم ليلى بنت النضر وأورد بيتين من القصيدة السابقة.
في رحاب الإسلام
في أفياء الإسلام وتحت ظلاله، نمت مواهب شعرية نسائية وأورقت، وآتت أكلها في أكثر من مناسبة. نافحت عن الإسلام وهو يخوض الحروب ضد الشرك والكفر، ورثت النبي عندما اختاره الرفيق الأعلى إلى جواره، وافتخرت بالشهادة بدل الفخر بالعصبيات القبلية القديمة، وارتوى شعرهن من منابع الإسلام وفلسفته وتعاليمه وهديه، فابتعدن عن الفخر والهجاء والغزل الفاضخ مؤثرات التلميح لا التصريح في حال الغزل العفيف، وغيرها من أغراض الشعر التي هذبها الإسلام.
وتورد معاجم الشعر والشعراء أسماء شعرية نسائية كثيرة في عصر صدر الإسلام من بينهن أروى بنت عبد المطلب، عمَّة النبي (صلى الله عليه وسلم)، التي كانت تعضد النبي وتنصره، ولما توفي رثته بهذه الأبيات التي يبرز فيها أثر الثقافة الإسلامية واضحاً، فلا فخر بالأنساب والأحساب والقبائل، بل حزن شفيف مقرون بالإيمان والرضا بقضاء الله وقدره والاعتقاد بأن الموت حق:
ألا يَا رَسُولَ اللَّهِ كنت رجاءنا
وكنت بنا برا ولم تك جافيا
كأن على قلبي لذكر مُحَمَّد كيّ
وما خفت من بعد النَّبِيّ المكاويا
أفاطم حي الله رب مُحَمَّد
عَلَى جدث أمسى بيثرب ثاويا
فدى لِرَسُولِ اللَّهِ نفسي وخالتي
وأمي وعمي قصرة وعياليا
فلو أن رب الناس أبقاك بيننا
سعدنا لكن أمره كَانَ ماضيا
عليك من الله السلام تحية
وأدخلت جنات من العدن راضيا
وقالت في رثاء أبيها عبد المطلب:
بكـت عينـي وحـق لهــا البكــاء علـى سمح سجيته الحياء
علـى سهــل الخليفــة أبطحــي كريـم الخيـم نيتـه العلاء
على الفياض شيبة ذي المعالي أبيك الخير ليس له كفـاء
ومن الشاعرات الهاشميات الصحابيات أيضاً أم حكيم، وتعرف بالبيضاء، وهي بنت عبد المطلب بن هاشم أي عمة الرسول “صلى الله عليه وسلم”، ولها شعر في رثاء أبيها:
ألا يا عين جودي واستهلي وبكّي ذا النـدى والمكرمـات
عقيل بني كنانة والمرجـى إذا مـا الدهـر اقبـل بالهنـات
ومنهن أيضاً أسماء بنت أبي بكر الصديق التي عرفت بـ (ذات النطاقين)، وهي أم عبد الله بن الزبير الذي صلبه الحجاج وقصتها معه معروفة. شاعرة غلب على سيرتها الجانب الديني ومما قالته في رثاء زوجها الزبير بن العوام الذي قتله عمرو بن جرموز يوم الجمل:
يا عمـرو لــو نبهتــه لوجـدته
لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمك إن قتلت لمسلماً
حلـت عليـك عقوبة المتعمد
وفي هذا الشعر يتضح عمق العاطفة الدينية وتأثيرها عليها، بحيث أنها لم تولغ في هجاء قاتل زوجها بل اكتفت بتذكيره أنه قتل مسلماً متعمداً وسينال عقوبة ذلك.
ومنهن أيضاً رقية بنت عبد المطلب بن هاشم، عمة الرسول “صلى الله عليه وسلم” وقالت فيه:
أبنــيَّ إنــي رابنــي حجـــر يغـدو بكفـك حيثمــا تغــدو
وأخـاف أن تلقـى غويهــم أو أن يصيبـك بعـد من يعدو
ومن الشاعرات اللواتي عشن في صدر الإسلام: أم هيثم الكلبية، وأم النحيف، وأم قبيس الضبية، وأم فروة، وأم عمرو بنت وقدان، وأم الصريع وهي أم الصريح الكندية، أم العريان التي رثت الإمام علي بن أبي طالب، وأم شغيم البلورية، أم خلف الخثعمية، ام خالد الخثعمية، بنت بهدل وهي ابنة قرفة الطائي ولها رثاء في أبيها، وبنت الحمارس وبنت الخس وتكتم بنت هلال وثلاثتهن اشتهرن بالرجز، وعمرة بنت مرداس وهي بنت الخنساء، وعمرة بنت دريد، وفريعة بنت همام أم الحجاج بن يوسف الثقفي، والفارعة بنت شداد، وليلى العنبرية وميسون بنت جحدل الكلبية، ووجيهة بنت أوس، ونعم امرأة شماس بن عثمان الذي أصيب في معركة أحد ورثته رثاء حاراً:
يا عين جودي بفيض غير أبساس
على كريم من الفتيان أباس
أقول لما أتى الناعي له جزعاً
أودى الجواد وأودي الطاعم الكاسي
وهذه صفية الباهلية التي قالت شعراً جميلاً في رثاء أخيها:
كنا كغصنين في جرثومة سمقا
حيناً بأحسن ما يسمو له الشجر
حتى إذا قيل قد طالت فروعهما
وطاب فيّاهما واستنظر الثمر
أخنى على واحدي ريب الزمان وما
يبقى الزمان على شيء ولا يذر
كنا كأنجم ليل بينهما قمر
يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
وفي القائمة فاطمة الخزاعية، وهي صحابية وابنة الشاعر الأحجم الخزاعي ولها شعر رقيق ترثي فيه أبيها:
قد كنت لي جبلاً ألوذ بظله
فتركتني أضحي بأجر وضاح
وإن دعت قمرية شجناً لها
يوماً على فنن دعوت صباحي
ومن نافل القول إن النماذج الشعرية السابقة توضح ما طرأ على الشعر من تغير في القيم والمضامين، فمع مجيء الإسلام وانتشاره تغيرت منظومة القيم المجتمعية التي كانت سائدة في المجتمع، وقد وصل هذا التغيير إلى الشعر أيضاً، فتغيرت بعض أغراضه وظلت أغراض أخرى مع تعديل في طرق التناول وأساليب القول. وذلك تبعاً لمدى تأثر الشاعر بالدين الجديد وكتابته في ضوء هديه الحنيف.
ويمكن العثور على تجليات الدين الإسلامي كأوضح ما يكون في رثاء الشاعرة أم عمران لولدها عمران بن حطان الخارجي حيث الألفاظ الإسلامية واضحة مثل: الله والدعاء والسر والعلانية والشهادة وغير ذلك:
الله أيد عمراناً وطهره
وكان عمران يدعو الله في السحر
يدعوه سراً وإعلاناً ليرزقه
شهادة بيدي ملحادة غدر
ولى صحابته عن حر ملحمة
وشد عمران كالضرغامة الهصر
لقد استمر الرثاء في صدر الإسلام وكتبت الشاعرات على ما كان معروفا عند الجاهليات وإن تغيرت مناقب التأبين وتبدلت شمائلها فأصبح المرثي يتصف بالتقوى والإيمان والخير والبر والرحمة والهداية والطهر وغيرها مما يلتصق بالإسلام وقيمه
اقرأ المزيد : المقال كامل – الشعر مواجهاً الموت – جريدة الاتحاد الإماراتية 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: