مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

واسيني الأعرج: الجزائر والمغرب يتوفران على خزان كبير من الفقر

واسيني الأعرج: الجزائر والمغرب يتوفران على خزان كبير من الفقر
 
حاورته سعيدة شريف
ينتمي الروائي الجزائري واسيني الأعرج إلى جيل التجريب في الرواية العربية، استطاع منذ الثمانينيات إلى الآن من خلق عالم روائي خاص به، عالم يمتح من التراث السردي العربي، والتاريخ، والقضايا المجتمعية، فقدم إلى القارئ العربي والغربي 17 رواية خلقت له شهرة ومكانة لدى القراء، استطاع من خلالها خلخلة مجموعة من اليقينيات، التي آمن بها الجيل التأسيسي الذي سبقه، ومن بين تلك الروايات نذكر: “طوق الياسمين”، و”نوار اللوز”، و”سيدة المقام”، و”حارسة الظلال”، و”شرفات بحر الشمال”، و”البيت الأندلسي”، و”كتاب الأمير”، التي حصل من خلالها على جائزة المكتبيين الكبرى بفرنسا سنة 2006، وهي الجائزة التي تمنح لأكثر الكتب رواجا ونقدا، ليتوج بعدها سنة 2007 بجائزة الشيخ زايد للكتاب، إضافة إلى جوائز أخرى حصل عليها داخل بلده وخارجه.
في لقائه مع “الأخبار” تحدث واسيني الأعرج، أستاذ كرسي بجامعتي الجزائر المركزية والسوربون بباريس، عن دلالات وأبعاد الأيام الثقافية الجزائرية بالمغرب، واعتبر إغلاق الحدود بين البلدين حماقة كبرى، وانتقد الإطارات الثقافية مثل اتحادات الكتاب، التي لم تستطع أن تشكل نواة حقيقية للتفكير الجدي في البعد المغاربي، ولا حتى تأسيس ثقافة مغاربية، كما تجدث عن بعض أعماله الروائية الأخيرة منها “جملكية أرابيا”، التي يدين فيها الدكتاتوريات العربية، وتأسف للثورات العربية، وعبر عن تخوفه من هذا الربيع العربي، الذي حمل مدا إسلاميا أصحابه متعطشون إلى السلطة أكثر من إرساء الديمقراطية والحرية ، التي قامت من أجلها الثورات العربية.
ورأى الأعرج أن المغرب والجزائر ليسا بمنأى عما يحدث في العالم العربي، وأنهما يتوفران على خزان كبير من الفقر، ومن سوء التدبير، ما يجعلهما مقبلان على أشياء لن تحمد عقباها.
 
حاورته: سعيدة شريف
 
*ما دلالة الأيام الثقافية الجزائرية بالمغرب، في ظل استمرار إغلاق الحدود بين البلدين برأيك؟
**أعتقد أن أي نشاط ينجز بين بلدين جارين مسألة ينظر إليها بإيجابية في ظل الاحتقان الذي لا معنى له صراحة، خصوصا في المجال الثقافي، لأن له البعد استراتيجي لأنه يتوغل في الناس، وما هو سياسي طارئ يتغير بتغير الأوضاع والأحوال، ولذلك فالأيام الثقافية إيجابية جدا، أتمنى أن تستمر وأن يتم الشيء نفسه في الجزائر، وأن تنظم أيام ثقافية مغربية بالجزائر، وهذا يؤدي إلى تعميق الأواصر، ومن الناحية الرمزية فهو مهم جدا ويبين أن هناك رغبة فير التواصل بين البلدين، لكسر هذا الجليد على المستوى السياسي، لأنه على المستوى الثقافي هناك تواصل دائم بين المثقفين الجزائريين والمغاربة، حيث منذ الثمانينيات إلى الآن وأنا مثلا أتنقل باستمرار إلى المغرب، والعكس أيضا بالنسبة للمثقفين المغاربة، حيث نتنقل ونحاضر، وفيه نظرة إيجابية على المستوى الجامعي بين المغاربيين، فجامعة الجزائر تستضيف كل ثلاثة أشهر أو أربعة كتاب ومفكرين ونقاد مغاربة، من سعيد يقطين إلى محمد بنيس إلى محمد عز الدين التازي، وبنسالم حميش قبل الاستوزار. وهذا يدل دلالة واضحة على أن المشكل السياسي الخلافي يمكن وضعه على جنب، لأن العلاقات الجزائرية المغربي أعمق من أن تحصر في دائرة واحدة، فهذا الأفق الثقافي يمنح هذه الفرص، ولهذا فاللفتة الرمزية التي أتت اليوم من الجهات الحكومية الرسمية من الدولتين لها دلاله مهمة، لأنه من غير الممكن أن تكون أيام ثقافية من دون موافقة الدولتين.
*رغم هذه الأواصر والعلاقات الوطيدة بين المثقفين المغاربة والجزائريين، لكنها لم تستطع أن تعمل على فتح الحدود بين البلدين؟
** الوصول إلى أيام ثقافية تتبناه وزارتي ثقافة البلدين، يدل على أن هناك نوع من الزحزحة للأوضاع القديمة، هناك أفق في اتجاه آخر، واستمرار إغلاق الحدود برأيي أكبر حماقة، تغلق الحدود على من؟ أنا ابن الحدود، وأعرف أن الناس يمرون يوميا، وأن العائلات المتواجدة بها عائلات مشتركة، فمن الصعب إغلاق الحدود، فالتهريب يمر بالرضا أو عدم الرضا، والبنزين، والمخدرات، وغيرها من الأمور، ولهذا فمن الأحسن فتح الحدود ومراقبتها، وهناك حلول يمكن التوافق حولها مثلما هو حاصل في أوروبا اليوم، حيث تتم المراقبة في مطار الانطلاق، لأنه هناك ثقة متبادلة بين البلدان، وعمل إداري محكم، ولماذا لا يكون هذا الشيء متوفرا في المغرب، فالأجهزة متوفرة والإمكانيات المادية أيضا، والجهاز الإداري. لا يوجد سبب معقول ومقنع لغلق هذه الحدود، التي يكون ضحاياها هم الناس في نهاية المطاف. الآن بدأت قناعة تتكون هنا وهناك من أجل فتح الحدود، رغم استمرار بعض جيوب المقاومة، وأظن أن الأمور تتجه نحو فتح الحدود.
*هل يمكن أن تنجح الثقافة فيما فشلت فيه السياسة بين الجزائر والمغرب؟
**الدليل هو أن الثقافة ناجحة لأن الثقافة لم تؤمن في أي يوم من الأيام بأن تحدث قطيعة بين البلدين، وهذه نقطة قوة برأيي، ولو كان الأمر بين الجزائر وموريتانيا، كان الأمر سيكون فيه تعقيدات لأن المسافات بعيدة، أما بلدين جارين لديهما تاريخ مشترك في الحركة الوطنية فلا يمكن غلق الحدود في وجههما، خاصة أن أول حزب سياسي أنشىء في الأربعينيات، خرجت منه جميع التيارات السياسية في المغرب العربي هو حزب “نجم شمال إفريقيا”، فكيف يمكن أن يكون هذا التفكير والبعد المغاربي في الأربعينيات، ولا يتوفر اليوم في الألفية الثالثة؟                               فهذا الرصيد التاريخي والثقافي لعب دورا مهما وما وزال يلعبه إلى الآن بدليل أن العلاقة بين البلدين لم تنقطع، وفي الثمانينيات في عز القطيعة التقينا في المغرب في وجدة في لقاء جمع الكتاب المغاربة والجزائريين الذين قرأوا إنتاج بعضهما خلال عشر سنوات ونشر في مجلة اتحاد كتاب المغرب “آفاق”. أعتقد أن المثقفين يستطيعون تغيير الأمور لصالحهم إذا كانوا على درجة من الوعي والتبصر وإعطاء الأهمية لما هو مشترك، وهو كبير جدا.
*هل يمكن الحديث اليوم عن ثقافة مغاربية بمعنى الكلمة؟
** للأسف لا، هناك ثقافة مغربية، وجزائرية، و تونسية، أما الكيان الموحد، الذي يشكل ضميرا وقوة موحدة، غير متوفر الآن، فالوسائط تكاد تكون مقطوعة من الناحية الهيكلية وليس من ناحية الأفراد.
*ألم تقم اتحادات كتاب البلدان المغاربية بدورها في هذا الإطار؟
**للأسف لا، وهذا يعود إلى الكتاب المغاربيين، الذين يجب أن يطرحوا هذا السؤال الحقيقي، فالهيكل المغاربي مهم جدا، ويمكن له أن يقوم بردود فعل ويصدر بيانات، أو يشكل نواة للتفكير المغاربي الجدي والعميق في سياق معين، من مثل اتحاد السوسيولوجيين المغاربيين، أو اتحاد الاقتصاديين المغاربييين، وغيرها، فهذه الكيانات يمكن لها أن تصنع مع مرور الزمن كيانات موحدة. وبخصوص اتحاد الكتاب، لماذا مثلا لا يطرح إشكالية توزيع الكتاب المغاربي وتخفيض التكاليف الجمركية عنه؟ يجب على سياسيينا المغاربيين أن يقتنعوا بأنه يمكن أن يكون بيننا خلاف على المستوى السياسي، ولكن على المستوى الاقتصادي والتاريخي، فلا مجال للخلاف، وهذا فعلا ما حصل بين ألمانيا وفرنسا، اللتان وحدتا سياقهما، رغم كل الخلافات التاريخية التي كانت بينهما، واستطاعتا تحريك قطار التنمية بأوروبا. ورأس القطار في المغرب العربي هما المغرب والجزائر، فإذا تجاوز البلدين كل الخلافات وأعطيا الأولوية لمصلحة الشعوب قبل أي شيء آخر، فإن قطار التنمية الحقيقي سيتحرك، وستتغير كل الأمور.
* ما قراءتك للواقع الحالي بالعالم العربي أو ما يعرف بـ”الربيع العربي”، وللمد الإسلامي المتصاعد؟
** الربيع العربي إشكال حقيقي، فأنا أقول مرحبا بالربيع العربي الذي أسقط أنظمة ديكتاتورية ومتخلفة أبادت شعوبها، ولكنني لست مع التقتيل الممارس خلال هذا الربيع، فلا يمكن لي أن أقبل بقتل الرئيس الليبي معمر القذافي، مع نظام جديد يدعو للديمقراطية، حيث كان من الأفضل تقديمه لمحاكمة عادلة. برأيي هذه مؤشرات على أن الثورات التي كنا نعتقد أنها ثورات من أجل إرساء نظام الحق والقانون ليست ثورات بالمعنى الذي نتصوره، وهذا ليس تشكيكا من طرفي في نوايا الناس الذين ساهموا في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية، لكن الذين جاؤوا فيما بعد لديهم تعطش كبير للسلطة، وخاصة التيارات الإسلاموية، فمنذ 1921، تاريخ تسييس الإسلام في العصر الحديث بشكل معلن، فعلى مدى قرن تقريبا وهم يحلمون بالوصول إلى السلطة. فعندما تصل إلى السلطة بعد كل هذه التجارب والكبوات، يجب أن يمر عبر النقد. فلكي أفهم تيارا سواء كان إسلاميا أو غيره، يجب أن يمر عبر النقد، فهل وصل هذا التيار إلى الوقوف في المرآة بعد سقوط النظام، لكن المشكل هل هذا الحزب انتقد نفسه ومساره، ونظر في الجرائم التي ارتكبها عبر التاريخ، لأن الإخوان المسلمين ارتكبوا جرائم عديدة. لا أرى فيما يحدث اليوم بمصر تطورا من ناحية ترشيد الحكم، ولهذا فأنا أشكك في إمكانية أن تصل هذه الثورة إلى شيء كبير. ولهذا فمن واجب المثقفين أن يجهروا بما يرونه، ويعبروا عن رأيهم ومخاوفهم، حتى ولو كلفهم ذلك العزلة والإبعاد. أنا بصراحة لست مرتاحا لهذه الثورة، لأنها حرقت اللحظة الأولى، واللحظة الأساسية التي تليها والمتعلقة بتحويل المجتمعات تراجعت إلى الوراء، فليبيا تتجه نحو الانفجار، وبدأت فيها الاغتيالات السياسية وتكوين الإمارات، والوضع في مصر مخيف جدا، والوضع في سوريا كارثي بكل المقاييس.
*هل هذا الوضع هو صورة مصغرة لما عاشته الجزائر لسنوات مع الجماعات الإسلامية؟
** ما يمكن أن أقوله عن الجزائر هو أنه رغم الآلام و 200 ألف ضحية والتقتيل اليومي، فهي كانت محظوظة لأنها جاءت في سياق دولي آخر، أي لم يكن هناك تدخل دولي معلن، أما الآن فالسياق الدولي العام يرغب في نجاح الإسلاميين، لأنه ضامن للتفكك والعودة إلى الوراء، ولهذا فالتجربة المريرة التي مرت منها الجزائر مع الإسلاميين علمتها الشيء الكثير، وهو ما ظهر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي كانت حرة وديمقراطية لأول مرة، التي لم يعط فيها الشعب صوته للأحزاب الإسلامية، بل أعطاها للأحزاب التقليدية مثل جبهة التحرير الوطني، وغيرها، لأنها ضامنة للاستمرارية، ومتنفس في ظل وضع مكهرب، فما حدث في يوغوسلافيا هو شبيه بما يحدث اليوم في العالم العربي، في الحركات الإثنية، والعرقية، واللغوية، أي الفسيفساء التي فرضها سياق معين، ولما انفجر الوضع كانت هناك حرب طاحنة وقاتلة، وما يحدث في سوريا هو نفس الشيء، فالمسيحيين، والمسلمين، والدروز، والشركس، والأكراد، طيب يا حكام العرب لماذا لم تنتبهوا لكل هذا؟ ولم يصلح الخبراء والمتخصصون؟ وهل يسمع لهؤلاء؟ لا أعتقد أنه ليس لدينا خبراء ولا أناس توقعوا ما سيحدث، ولكن للأسف أنظمة الحكم عمياء بيقينياتها ولا تستمع إليهم.
*هل يمكن أن نقول إن المغرب والجزائر بمنأى عما يحدث اليوم في العالم العربي؟
** بكل صراحة لا أظن ذلك، لأن رغم أن الدولتين كبيرتين ومهمتين في المغرب العربي، لكنهما بالمقابل لديهما خزان كبير جدا من الفقر، كما أن نظام التعليم سيء للغاية، فالمغرب والجزائر يوجدان في المراتب المتأخرة عالميا، وحتى الجانب الديمقراطي المراهن عليه غير متحقق. فما هو موجود لدينا هو ديمقراطية الواجهة وليس ديمقراطية حقيقية، فإذا لم يخرج البلدين من هذا المنطق ويستبقا الأمور، فإن الوضع سيتفجر، ويمكن أن يأخذ مظهرا آخر، لأن لكل منطقة أشكالها الإبداعية، وبالتالي لا يمكن التكهن بمآله.
*أصدرت لحد الآن 17 عملا روائيا، احتفيت في البعض منها بالتراث السردي العربي وعلى الخصوص “ألف ليلة وليلةّ”، وفي البعض الآخر عن تاريخ الجزائر، ونهلت من الواقع الاجتماعي ومن الأحداث التي مررت بها، فكيف تنظر إلى هذا المسار الروائي التجريبي اليوم؟
** أنا أومن بأن الكتابة هي رهان من الرهانات الثقافية والحياتية، فالإنسان حينما يكون كاتبا فإنه يكون محظوظا، لكن الأهم هو كيفية تسخير هذا الحظ. لقد كان عندي خيارات مرتبطة بتكويني الخاص وبحياتي، وهي خيارات توجهني نحو ما هو اجتماعي وإنساني وما هو حضاري حتى، نحن لسنا منفصلين عن السياق العام. في بداياتي في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات كتبت عن التاريخ الجزائري، وعن الثورة الوطنية بمنظور نقدي وليس تقديسي، وهذا ما جعلني أختلف عن مجموعة من الكتاب من جيلي. الآن بعد مرور 50 سنة على استقلال الجزائر، يجب إعادة النظر في كل شيء، وطرح الأسئلة الحقيقية حول تاريخنا، وتقديم رؤية نقدية للثورة ولمآلاتها التي لم تكن دائما إيجابية، لأن من المفروض أن تقفز الثورة بالمجتمع إلى الأمام، لكنها للأسف لم تتحقق، ولهذا لا يجب أن نكذب على أنفسنا، فالثورة التي يمكن أن تعطي للدين مكانة عقلانية، ومكانة تخص الفرد أنجبت في نهاية المطاف الإسلام السياسي، فعشنا عشر سنوات من الرماد. كل هذه الأشياء يجب أن تطرح، لأن التاريخ سلسلة وليس حدثا واحدا. بدأت بطرح هذه الأسئلة لأنها تهمني، لأنها مرتبطة بالتاريخ، ثم هناك أسئلة عربية، لأنني أنتمي إلى هذه الرقعة الجغرافية العربية ولدينا تاريخ مشترك، فبعض رواياتي مثل روايتي الأخيرة “رماد الشرق” تلامس هذا الوضع، وتطرح إشكالية التمزقات الموجودة في الوطن العربي، وترصد المائة سنة الأخيرة في العالم العربي، التي للأسف بدل أن تحمل ثورات حقيقية جلبت ديكتاتوريات، فبعد 1918 ظهر الدكتاتوريون الحقيقيون، فماذا سيأتينا من الثورات العربية اليوم، لأن هناك تشابه كبير في السياقات، لكن الخطير هو أن الانقسامات السابقة كانت جغرافية، أما اليوم فهي عقدية محضة، وهي مسألة خطيرة لأنها تشكل دويلات صغيرة، انطلاقا من هذا المعتقد العرقي أو الديني، مثل دولة الأكراد، والشيعة والسنة. ففي ظل هذا التشظي من المفروض أن يقدم الكتاب رأيهم، وأن يقرأوا الحاضر، وأن يذهبوا بعيدا في التاريخ، وأن يضمنوا أعمالهم مجموعة من القيم والمظاهر الاجتماعية المرضية مثل العنصرية، فروايتي “أصابع لوليتا”، تتناول موضوع الإرهاب، ومن خلال قصة حب بين كاتب وعارضة أزياء، تسلط الرواية الضوء على مشكل التطرف والإرهاب وتدين كل الممارسات التي من شأنها أن تسيء للإنسان.
*هل ما حدث في العالم العربي هو الذي دفعك إلى كتابة رواية “جملكية أرابيا” التي تدين فيها الأنظمة الدكتاتورية، ونظام توريث الحكم؟
** الرواية نص قديم كان عنوانه هو “الليلة السابعة بعد الألف”، الذي اعتمدت فيه على ألف ليلة وليلة، وأضفت إليها ست ليال، وجعلت فيها دنيا زاد تتكلم، وتقول المسكوت عنه، وما لم تستطع شهرزاد قوله، وبالنسبة لي فشهرزاد ليست نموذجا، لأنها عوض أن تخلق خطابا مغايرا، كانت تقدم لشهريار ما يريده، وأقنعته بأنه على صواب، وبالتالي فهي لن تضف شيئا، فهي الصورة النسائية لشهريار والمكملة له، وفي نهاية النص، تقدم له أبناءه الثلاثة الذكور، فيقول لها لقد صفحت عنك كما لو أنها ارتكبت خطأ. فلماذا الذكور ولا توجد ابنة واحدة؟ فحتى في عملية الولادة، هناك استمرار للسلطة الذكورية، وفي المقابل في النص هناك شخصية دنيا زاد، أخت شهرزاد التي تكلمت ثلاث مرات فقط، وتساءلت ماذا بعد؟ لأنها لم تكن مقتنعة بكل ما حدث، ولهذا أعطيتها الكلمة في ست ليال، حيث بدأت في حكي الأشياء، التي لم تتحدث عنها أختها شهرزاد، ثورة القرامطة، الصراعات الدينية، وصراعات حول الحكم، أثرت كل ذلك وحاولت ربطه بالعصر. وبعدها تركت الرواية، لكن في أحد الأيام طلب مني الناشر نشرها، فقلت له أنه يلزمني إعادة تنقيحها وتصحيحها من الأخطاء، فلما شرعت في تدقيقها بدأت أتدخل في النص، ووجدت نفسي بعد سنة بصدد كتابة نص آخر بناء على النص السابق، وكانت الثورات في بدايتها، وفعلا أتممت النص، فكان نصا جديدا يتضمن طبعا بذور النص الأول وهو الذي حمل عنوان “جملكية أرابيا”. وحاولت في هذا العمل فهم لماذا قتل كل الخلفاء باستثناء أبو بكر الصديق؟ ألم يكن الأمر له علاقة بالسياسة أكثر من الدين؟ ألا يدفع كل هذا إلى التفكير بأن مسار الحكم غلط؟ ومنذ الأزل ونحن في العالم العربي نرث المسارات نفسها، وهذا نجد تفسيرا له في الثقافة العربية التي تعرف مشكلا خطيرا يتمثل في غياب منطق الاستمرارية، وطغيان منطق القطائع، الذي يمنح للمسؤولين نوعا من الراحة، ولكننا الآن صرنا نجني نتائجها السلبية.
*”الأمير” نموذج للرواية التاريخية التي تشتغل عليها، والتي وجهت فيها نقدا للأمير عبد القادر الجزائري، هل المشاكل التي تعرضت لها بسبب الجزء الأول هي التي جعلتك تعزف عن إصدار الجزء الثاني منها؟
**لا أبدا هي مسألة تأخير فقط، لأن الجزء الثاني أكثر تعقيدا، فالجزء الأول يتناول الأمير في مسار 17 سنة من المقاومة، وما كان يهمني أكثر ليس هو المقاومة، بل صورة الأمير وثقافته، وتعامله مع الآخرين، ومع الأديان خاصة مع “مونسينيور دي بوش”، فما كان يهمني هو أن أكشف عن جوانب خفية في شخصية الأمير، ولهذا فالجزء الثاني يتطلب الكثير من البحث والتدقيق.
*ما هي الإضافة التي تقدمها الرواية التي تستثمر التاريخ؟
** الرواية تأخذ زاوية أخرى من التاريخ. التاريخ يعطى لنا كمادة منجزة، والأديب الذي يستعمله كما هو فهو أديب فاشل، لأنه إذا لم يتساءل في عمله الروائي ويضيف أشياء جديدة، فما فائدة كتابته أصلا، خاصة أن من يكتب التاريخ دائما هو المنتصر، والذي لا يقول دائما الأشياء المغلوطة، بل يقدم أشياء حقيقية، ولكن من حقي أنا أن أبحث عن الأشياء المغلوطة، وأن أجعل بعض الشخصيات تتكلم، وتتحاور، وتحكي، فالأمير عبد القادر في الرواية يتكلم، والتاريخ لا يقول هذا، بل يرسم الأحداث، وأنا أرسم الشخصية وكل ما يحيط بها من مختلف الجوانب الإنسانية، وصراعات الأفراد مع أنفسهم. ومن أجل جعل الأمير يتكلم في الرواية كان يجب أن أشتغل كثيرا على ما هو نفسي في شخصيته، وإن كان فعلا قد قال ذلك الكلام، ولهذا فأنا قمت ببحث دقيق، واهتممت بتفاصيل صغيرة لا تهم أصلا المؤرخ، كيف كان حواره مع أمه الشاعرة، وماذا كان يقول لمقربيه ولقادته. الرواية تؤنسن التاريخ، وتنزع عنه القداسة، ولهذا فأنا ركزت في روايتي على الجانب الإنساني في شخصية الأمير، وحاولت تقديم صورة إنسانية عنه، وليس كإله كما يقدمه الكثيرون. ولهذا تعرضت لمشاكل عديدة بسبب هذا العمل، لأن الناس اعتادوا التعامل مع الأمير كـ”إله”، ولم يتقبلوا أن أنزع القداسة عنه، في حين ما كان يهمني هو الكشف عن هشاشة ذلك الإنسان، وعن لحظات ضعفه، وأخطائه، وهذا ما يصنع الإنسان، ويصنع قوته. الرواية لا تؤنسن التاريخ فحسب، بل تحرره من يقينياته، وتعطي فرصة للقراء لكي يكتشفوا أشياء أخرى، وهذا فعلا ما توصلت إليه من خلال قراء العمل، سواء على المستوى العربي أو العالمي، لأن الرواية ترجمت إلى العديد من اللغات، فقد تفاجأت بأن الناس أصبحت لديهم اليوم صورة حقيقية عن شخصية الأمير وليس تلك الصورة التي رسمها التاريخ. أنا أشتغل على هذه الرواية منذ 2003 إلى الآن، وهذا يأخذ مني وقتا طويلا.
 *نلاحظ عودة عالمية اليوم إلى الرواية التاريخية، فما سبب ذلك برأيك؟
**فعلا هناك عودة اليوم وبشكل قوي إلى الرواية التاريخية، فالصيني مويان، الفائز بجائزة نوبل للآداب، يكتب الرواية التاريخية، كما أن هناك إحساسا غريبا عن وعي أو غير وعي لدى اللجان الرسمية للقراءة بأن هناك ميلا للرواية التاريخية، لأنها بدأت تكشف بوسائطها الخاصة عن زوايا مظلمة في هذا التاريخ، فمن غير المعقول أن تصل المجتمعات إلى حد الانغلاق وهي تسير في مسار تاريخي حقيقي، من اللازم أن تكون قد حدثت أشياء انحرفت بالمسار وجعلت المجتمعات تتغير. فالعودة إلى التاريخ تبدو لي أنها مبادرة مهمة، لأن التواريخ الرسمية لم تعد مقنعة للإنسان.
*باعتبارك أستاذ كرسي بالسوربون، وقريب جدا من المشهد الثقافي الأوروبي، ما رأيك في حضور الرواية العربية على المستوى الغربي؟
 ** والله الرواية العربية تعرف مشكلة كبيرة في الغرب. حقيقة هناك أعمال روائية عربية ترجمت ونشرت بالخارج، وحققت شهرة معينة، وبشكل عام فابتداء من تاريخ حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب، أصبح هناك نوع من الاهتمام بالأدب العربي، لكن المشكل الحقيقي في العرب الذين لا يعرفون كيف يسوقون أدبهم. فإسرائيل مثلا تسوق أدبها بشكل جيد ومن خلال أسماء مهمة، ولو أنها تختلف مع السياسة الرسمية لإسرائيل، لكن العرب للأسف لا يسوقون أدبهم، وهنا سأذكر تجربة معهد العالم العربي بباريس، التي بادرت إلى ترجمة مجموعة من الأعمال الإبداعية العربية، والتي للأسف لم تخل من اعتبارات ذاتية وسياسية، سببها المدير العربي وهيأته المكونة من السفراء العرب، الذين اختاروا النصوص الأضعف، التي تمجد الأنظمة، في حين أن كتاب العرب الكبار، الذين لهم مواقف مهمة، لم تترجم أعمالهم، وهذا ما جعل هذه التجربة تفشل فشلا ذريعا. ودار النشر الفرنسية الوحيدة، التي تواصل دعمها للإبداع العربي من خلال الترجمة، والواعية بأهمية هذا الأدب هي “آكت سود”. فإذا لم يكن هناك سند مادي، فلا يمكن خلق ظاهرة روائية عربية تفرض نفسها في الغرب، هذا مع العلم أن العرب لا تنقصهم الإمكانيات المادية.
*من المؤكد أن وسائط الاتصال الحديثة قد أثرت فيك وجعلتك تشرع في كتابة رواية “مملكة الفراشة” المستلهمة من عالم الفيسبوك، فما الذي أضافته إليك هذه الوسائط؟ 
** هذه الوسائط مهمة جدا، وقيمتها الأساسية هي الحصول على صداقات في مختلف بقاع العالم دون قيد أو شرط. وبالنسبة لي ككاتب، فهذه الوسائط تقدم لي خدمة كبيرة، لأن مجموعة من الأصدقاء يبعثون كل ما يكتب عني أو عن أعمالي في مختلف البلدان، ومن هذه الناحية فتلك الوسائط تختصر بشكل كبير المسافات، وهذا شيء مهم، لكنها في الوقت نفسه تبلور أشياء أخرى، يجب أن يبحث فيها السوسيولوجيين. أنا ككاتب يمكن أن أتحكم في طريقة استخدامي لهذه الوسائط، لكن الإنسان العادي قد يقع ضحية هذه الوسائط. والرواية تتناول قصة حب بين مسرحي وسيدة عبر الفيسبوك، تتطور العلاقة الافتراضية، وتعتقد المرأة أنها تتواصل مع المسرحي، لكن صدمتها ستكون كبيرة حينما تكتشف أنه ليس هو الشخص الذي كانت تتواصل معه. توقفت منذ شهر عن كتابة هذه الرواية، وأتمنى أن أتمها لأن موضوعها مهم جدا.
محطات:
1954
ولد واسيني الأعرج في 8 غشت من سنة 1945 بقرية سيدي بوجنان الحدودية قرب تلمسان.
1980
أصدر أول عمل روائي له وهو “البوابة الحمراء: وقائع من أوجاع رجل
1997
في هذه السنة اختيرت روايته “حارسة الظلال” ضمن أفضل خمس روايات صدرت بفرنسا، ونشرت في أكثر من خمس طبعات متتالية بما فيها طبعة الجيب الشعبية، قبل أن تنشر في طبعة خاصة ضمت الأعمال الخمسة.
2001
توج بجائزة الرواية الجزائرية على مجمل أعماله.
2006
حصل على جائزة المكتبيين الكبرى بفرنسا عن روايته “كتاب الأمير”، التي تمنح عادة لأكثر الكتب رواجا واهتماما نقديا، في السنة.
2007
توج بجائزة الشيخ زايد للكتاب.
              الأخبار
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: