مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

أبعاد قبول فلسطين “دولة غير عضو” في الأمم المتحدة

أبعاد قبول فلسطين “دولة غير عضو” في الأمم المتحدة
 
الدكتورة نادية سعد الدين
شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا مكسبًا دبلوماسيًّا فلسطينيًّا بتصويت 138 دولة من أعضائها (193 عضوا) لصالح منح فلسطين صفة “دولة غير عضو” في المنظمة الدولية، مقابل معارضة 9، وامتناع 41، رغم الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية، المدعومة من دول أوروبية، لإفشال المسعى. ذهب الرئيس محمود عباس إلى المنبر الأممي، هذه المرّة، خلافًا لتجربته المخفقة في أيلول (سبتمبر) 2011، مسلحًا بدعم عربي إسلامي وتأييد غالبية القوى والفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة “حماس”، على وقع إحباط المقاومة لأهداف عدوان الاحتلال الإسرائيلي الأخير ضد قطاع غزة، ووسط أجواء مشجعة لإتمام خطوات المصالحة وإنهاء الانقسام.
غير أن حظوة الدعم الجمعي ظلت منقوصة بسبب غياب مباركة حركة الجهاد الإسلامي، وأطياف سياسية وطنية، لما اعتقدوه مجرد “إنجاز رمزي له مردود قانوني عند استخدامه”، ولكنه “لن يغير شيئًا على الأرض، ويضرّ بالقضية الفلسطينية”.وبذلك؛ يجابه ما وُصف “بالنصر المحقق” محظور انتفاء الإجماع الوطني، وتحديات ما بعد الوقفة التضامنية، أمام تهديدات واشنطن بوأده في مكمنه الأممي، تحت ذريعة “خطوته أحادية الجانب”، رغم إخفاقها في حمل الكيان الإسرائيلي على استئناف المفاوضات وفق مرجعية حدود عام 1967، ووقف الاستيطان، وفق المطلب الفلسطيني.
وإزاء ذلك؛ لا بد من التوقف أولا عند الدوافع الفلسطينية وراء التوجه إلى الأمم المتحدة، ليتم بعدها تناول المكاسب “المفترضة” من “الصفة” الجديدة، والتحديات “المحتملة”، وخطوات المرحلة القادمة، في ضوء الضغوط والمعطيات القائمة.
الدوافع الفلسطينية
قررت القيادة الفلسطينية، بدعم عربي، التوجه مجددًا صوب الأمم المتحدة لنيل الاعتراف “بدولة غير عضو”، بعد أشهر من جمود المفاوضات بسبب رفض سلطات الاحتلال وقف الاستيطان، وتراجع الآفاق السيادية على مساحة الأراضي المفترض تخصيصها لإقامة الدولة الفلسطينية، وبلوغ عملية السلام طريقًا مسدودًا، وحدوث فراغ سياسي مرشح للاستمرار إزاء استطلاعات الرأي الإسرائيلية المرجحة لانتصار اليمين المتشدد في انتخابات البرلمان الإسرائيلي “الكنيست” المقررة في 22 يناير القادم، وتشكيله الحكومة الجديدة.
ولم يكن القرار بديلا عن التفاوض الذي لم تغادر القيادة الفلسطينية دائرته قط، بتأكيد استعدادها لاستئنافه فورًا شريطة استناده إلى مرجعية “حل الدولتين” وفق حدود 1967 ووقف الاستيطان، ولكنها أرادت خلق بيئة تفاوضية جديدة من خلال تحسين المركز القانوني على المستوى الدولي عبر العضوية في الأمم المتحدة، أي أنها لم تضع المسعى الأممي ضمن إطار استراتيجية بديلة عن المفاوضات بعدما أدركت فشلها، فيما أرجأت متطلباته اللاحقة لما بعد تحققه.
استهدف التحرك الفلسطيني تثبيت المشروع الوطني بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، عبر الإقرار الدولي بوضعية “دولة غير عضو” على حدود الرابع من حزيران عام 1967، ووقف نشاط التوسع الاستيطاني القاضم لأراضٍ من المفترض أن تقام عليها الدولة الفلسطينية المستقبلية، واعتبار ضم القدس المحتلة وكافة أشكال الاستيطان باطلة وغير قانونية، ولا تخلق حقًّا أو تنشئ التزامًا، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، والانضمام إلى المنظمات الأممية، والدخول في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومحاصرة سياسات الاحتلال الإسرائيلي الاستعمارية، وإنهاء ادعاءاته في الأراضي الفلسطينية المحتلة والمساهمة في عزلته.
ولا يَجبُّ نيل “العضوية المنقوصة” الحق الفلسطيني في العودة إلى مطلب “العضوية الكاملة” في الأمم المتحدة، ولكنه أرجأه إلى وقت آخر، عند تغير الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن، بما يترتب عليه معادلة جديدة في الأمم المتحدة، قد تصبّ في الصالح الفلسطيني. ولكن هذا الخيار ضئيل الاحتمال في ظل موازين القوى السائدة، والدعم الأمريكي المفتوح للجانب الإسرائيلي، بما يقلب التوقعات الفلسطينية، ويضعها رهينة لاحتمالات ضعيفة التحقق.
المكاسب “المفترضة”
يحمل الانتقال من مكانة “كيان مراقب” إلى “دولة غير عضو” “مراقبة”، بالنسبة للقيادة الفلسطينية، مكاسب تدويل الصراع قانونيًّا وسياسيًّا بما يفتح الطريق أمام ملاحقة الجانب الإسرائيلي دوليًّا، وتثبيت مبدأ حل الدولتين استنادًا إلى القانون الدولي، والاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس، بما يعني تحديد إقليمها الجغرافي، والإقرار بأن فلسطين دولة محتلة وليست مجرد أراض متنازع عليها بما يجعل لزامًا على الدول الأعضاء في المنظمة الأممية التحرك لدعم الجهود الفلسطينية لإنهاء الاحتلال.
وتفضي تلك الخطوة إلى تحويل التفاوض مع كيان سياسي لا يعترف به العديد من الدول إلى تفاوض مع دولة تتحصن بكل ما يمنحه القانون الدولي للدول الأعضاء من حقوق، مثل السيادة والاستقلال وعدم التدخل في شأنها الداخلي، وعدم جواز الاحتلال، بما يعني ذلك عدم قانونية الوجود الإسرائيلي ضمن نطاق الدولة الفلسطينية العضو في المنظمة الدولية طالما أنه موجود بدون موافقة السلطة السياسية القائمة فيها، وبما يؤدي إلى اعتبار نصف مليون مستعمر في الضفة الغربية انتهاكًا لسيادة عضو في الأمم المتحدة، واعتبار وجود جيش الاحتلال في الضفة انتهاكًا للقوانين الدولية. كما يعزز المسعى هدف الاستقلال، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومساعي الوحدة الوطنية وطرح الخيارات المستقبلية بحرية، وبخاصة فيما يتعلق بمصير السلطة الفلسطينية ومسئوليات سلطة الاحتلال.
وتلبي “الصفة” الجديدة مطلب الانضمام الفلسطيني إلى اتفاقيات دولية مهمة، إذ يحق للفلسطينيين التوقيع على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لإقامة دعاوى جزائية ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين بحقهم، وحيال انتهاكاتهم الاستيطانية والتهويدية في الأراضي المحتلة، وذلك بعد مرور 60 يومًا فقط من إبرامه.
إلا أن حسم الرئيس عباس (في 30/11/2012) بعدم التوجه إلى المحكمة إلا “عند الاعتداء الإسرائيلي عليهم”، فرّغ المنجز من مضمونه الحقيقي، مما قد يجرّ قلقا فلسطينيًّا من انسحابه على الشق الآخر من المكسب القانوني، ممثلا في اتفاقيات جنيف الأربعة، التي يترتب عليها آثار قانونية مهمة بالنسبة للأسرى المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي. فتطبيق اتفاقية جنيف الثالثة يسمح بمنحهم وضع “أسرى حرب” بما لا يجوز محاكمتهم، كما يفعل الاحتلال، وإنما يكونون معتقلين إلى أن يتم السلام بين الطرفين. وفي هذه الحالة، يمكن الاستناد الفلسطيني إلى اتفاق أوسلو بصفته دلالة على استيفاء شروط تلك الاتفاقية الدولية من أجل المطالبة بالإفراج عنهم.
كما يمنح التوقيع على اتفاقية جنيف الرابعة دولة فلسطين حق المطالبة بتطبيقها على الأراضي الفلسطينية المحتلة والسكان المدنيين فيها، بما يعني ترتيب وضع قانوني في الضفة الغربية وقطاع غزة وحماية سكانها من انتهاكات الاحتلال.
التحديات والمخاطر المحتملة
رغم قائمة المكاسب “المفترضة” التي تعتقد القيادة الفلسطينية إمكانية تحقيقها من وراء المسعى الأممي، فإن آراء مضادة تعدّ الأمر “قفزة في المجهول غير مضمون النتائج”، وفق تعبير القيادي في حركة حماس محمود الزهار، بحيث يقود إلى “دولة حكم ذاتي” بدلا من “سلطة حكم ذاتي”، عند الأخذ بالاعتبار حقائق الاستيطان والتهويد والاحتلال الشاخصة على الأرض، عدا عن أن سلطات الاحتلال لم يسبق لها الالتزام بأي من القرارات الدولية التي تحفل بها الأجندة الأممية فيما يخص القضية الفلسطينية. بينما لن تقيم مكانة “دولة غير عضو” الدولة ولن تزيل الاحتلال ولن تضيف كثيرًا إلى الامتيازات المتحصلة راهنًا لمنظمة التحرير، فضلا عن جملة مخاطر محتملة تطال جوهر قضايا الصراع العربي-الإسرائيلي.
إن الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967 يعني إسقاطًا للشطر الأكبر من مساحة فلسطين المحتلة عام 1948، بنحو 78%، من جغرافيتها بما يبقيها خارج إطار المطالبة في المحافل الدولية، ويمنح الاحتلال صك شرعية مجاني لاستلاب بقية الأراضي الفلسطينية.
بينما تمكنت سلطات الاحتلال، عبر سياسة الاستيطان والاستلاب، من قضم 80,14% من مساحة الضفة الغربية، مبقية 19,86% فقط للفلسطينيين، تشكل 12% من فلسطين التاريخية. وتمتد “البقعة” الخارجة عن يد الاحتلال ضمن ثمانية “كانتونات” غير متصلة جغرافيًّا، لتشكل مع مساحة قطاع غزة قوام الكيان الفلسطيني المستقبلي، وفق الرؤية الإسرائيلية، الذي لا يخرج، بالنسبة إليها، عن إطار الحكم الذاتي المعني بالشئون المدنية للسكان، باستثناء السيادة والأمن الموكولتين للاحتلال.
ويكمن هنا محذور تكريس واقع الانقسام الجغرافي والسلطوي القائم، مما يشجع الاحتلال على الإمعان في صلفه وعدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني، ويفتح الباب أمام خيارات إقليمية تضرّ بالمشروع الوطني الفلسطيني وتخدم الاحتلال وحده (جريدة القدس الفلسطينية 28/11/2012). ويرتبط بذلك محاذير إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، إذ تخلق “الصفة” الجديدة “دولة غير عضو” في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما قد يسمح بالتفاف قانوني على حق العودة بمطلب إسرائيلي دولي بعودتهم إلى “الكيان” الجديد، برغم أن القرار الدولي 194 ينص على عودتهم إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها قسرًا بفعل العدوان الصهيوني عام 1948. ولا يستبعد هنا ذهاب الكيان الإسرائيلي إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف به “دولة يهودية”، ردا على المسعى الفلسطيني، بما يحمل محظور إلغاء حق العودة وحرمان فلسطيني 1948 من وطنهم، وإضفاء الشرعية القانونية على القوانين العنصرية الإسرائيلية لطردهم تدريجيًّا.
ومن شأن إعلان الدولة تشويه صورة الصراع في نظر العالم، وإعادة تعريفه دوليًّا، من صراع بين كيان محتل وشعب نصفه واقع تحت الاحتلال والنصف الآخر في الشتات إلى صراع عادي على الحدود بين دولتين، بما يشكل إساءة لمسيرة التحرر الوطني، ويعفي الاحتلال من القيود والالتزامات التي حكمته حتى اللحظة، ويدفعه للتعاطي مع الواقع الفلسطيني الجديد على أساس دولة في مواجهة دولة أخرى متسلحًا بالقرارات الدولية.
ومع هذا التحول؛ ستفقد القضية الفلسطينية تميزها كآخر الصراعات ضد الاستعمار، وستفقد قدرتها على تجنيد التضامن الدولي كحركة تحرر وطني، بينما يخالف الاعتراف الدولي الواقع القائم على الأرض، حيث دولة منزوعة السلاح بدون سيادة ولا سلطة أو قدرة على اتخاذ قرارات سيادية، فيظهر الأمر للخارج بأنه نزاع عادي على الحدود، لكن باطنه إعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بوسائل أخرى.
وتصيب المخاطر نقل تمثيل الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة من منظمة التحرير إلى دولة فلسطين، وفق رأي قانوني يعتقد بعدم جواز تمثيل الشعب الفلسطيني بجسمين في الأمم المتحدة (جريدة الغد الأردنية 1/12/2012)، ما سيلغي الوضعية القانونية التي تتمتع بها المنظمة في الأمم المتحدة، وينفي وجود مؤسسة قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المتصلة بها، بما سيؤثر سلبًا على تمثيل حق تقرير المصير، ويهدد حق العودة.
محددات المسعى الفلسطيني
يجابه المسعى الفلسطيني الأممي محددات داخلية وأخرى خارجية. إذ يفتقد “المنجز” الفلسطيني للإجماع الوطني إزاء المخاطر المتأتية منه، فيما تعتقد آراء أن إعلان “حماس” الرسمي قبول المسعى جاء وليد قناعة بعدم جدواه، ولكنها لم تكن تريد إفساد الأجواء الإيجابية التي شاعت بعد عدوان غزة بالحديث عن المصالحة.
بينما يجهز الكيان الإسرائيلي لترميم إخفاقه الدبلوماسي أمام زخم التضامن الدولي للحق الفلسطيني، غداة فشله في تحقيق أهداف عدوانه ضد القطاع، متسلحًا بمزاعم “غياب الشريك الفلسطيني في العملية السلمية” و”الانقسام القائم”، وخطر امتداد حكم حماس للضفة الغربية، بما ينمّ عن قلق داخلي من تبعات المسعى على وجود المستوطنين وجيش الاحتلال في الضفة الغربية، وإمكانية الملاحقة الفلسطينية للإسرائيليين دوليًّا.
ورغم إدراك سلطات الاحتلال لتنافي الوقائع القائمة على الأرض مع ما تحقق أمميًّا، وعدم التزامها بأي من القرارات الدولية في ظل انحياز أمريكي لجانبها، فإن “تشنج” الموقف الإسرائيلي يدخل في باب درء المخاطر، والتشبث بالراهن الذي يستطيع تغييره تبعًا لمصالحه بدون ضجة إعلامية، إضافة إلى النظرة العنصرية الإسرائيلية التي لا تريد للفلسطينيين تسجيل أي تقدم حتى لو كان معنويًّا.بينما تهدد الولايات المتحدة بإلغاء تمثيل منظمة التحرير في واشنطن، وقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، المقدرة بنحو 475 مليون دولار سنويًّا، بينما لا توجد مؤشرات مقابلة لخيارات عربية تمويلية أخرى عند توقف الدول المانحة عن تقديم دعمها المالي للسلطة، ما يجعلها في مأزق حقيقي.
وخلاصة القول: لن يتغير الحال كثيرًا في الساحة الفلسطينية بعد الخطوة الأممية، بما يستوجب معالجة تحديات المرحلة الآتية بإتمام خطوات المصالحة ووضع استراتيجية وطنية موحدة تأخذ بجلّ الخيارات، وفي مقدمتها المقاومة بشتى أشكالها، حتى لا يتحول “المنجز” إلى انتصار وهمي يشكل غطاء لمفاوضات تسعى الإدارة الأمريكية إلى استئنافها.
تعريف الكاتب:
باحثة وصحفية من الأردن
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: