مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

سيرة ذاتية جديدة بالإنكليزية عن ارنست همنغواي للكاتب بول هندريكسون
راوية للواقعية في عُريها المتوحّش خلف الحياة والموت 

جهاد الترك
لعله كان راوية للموت، للحياة، للغة وهي تستكشف ذاتها في ذوات الآخرين. من حسن طالعه انه أدرك مبكراً جداً أن لا موت ولا حياة ولا لغة في الرواية سوى تلك التي تصنعها الكتابة. الرواية تموت وتحيا في ذاتها. ترسم أقدار شخصياتها وأحداثها وأزمنتها وأمكنتها وكأنها هي الأصل والحياة هي الفرع. ومن سوء طالعه انه التحق بإرادته، بالدائرة الواسعة لهذه المنظومة من الشخصيات التي أوجدها هو، ثم ألقى بها في مهب الأقدار ثم اقتادها الى حتفها أو حياتها. عندما اعتلت صحته وبدا عاجزاً عن الكتابة، انكفأ الى ذاته الروائية. انفصل عن ذاته الواقعية. وراح يكتب روايته الاخيرة بصمت العدم. انتحر لأنه، على الأرجح، عثر لنفسه على دور ما في النص الاخير الذي بدأ به من خاتمته: من اللحظة الدرامية العاصفة التي يستطيع أن يزعم من خلالها ان نصه الروائي حياة موازية لتلك التي تتكون في ما نسميه “الواقع”.

 

 

تشتمل هذه التصورات الأولية على ما توحي به وتفصح عنه الدراسة الأحدث عن الروائي الأميركي الكبير بعنوان “مركب همنغواي: كل ما أحب في الحياة وخسر”. للباحث الأميركي المرموق بول هندريكسون عن دار “نوبف”، 2012. تتميز هذه السيرة الذاتية عن مثيلاتها السابقات بقدرتها الحيوية على التقاط صورة شاملة، تجدد نفسها بنفسها، لهمنغواي وهو ينقل في جعبته ذاكرته وظلالها وتداعياتها من محطة الى اخرى. اسوة بالمركب الفخم الذي تملكه همنغواي في العقدين الاخيرين من حياته وراح يقيم علاقته الفضلى مع البحر ومخلوقاته. تنهمك هذه السيرة في قراءة أبرز السمات التي انطوى عليها اسلوبه الروائي من خلال تتبع دقيق، مرهف وشفاف للطبيعة الدينامية التي رافقته في تنقلاته في عرض البحر وعرض اليابسة، وأيضاً على الضفاف البعيدة والقريبة من الناس والامكنة والكتابة على وجه الخصوص. يستنتج الباحث هندريكسون ان توغل همنغواي في ضرب من الواقعية العارية جعله وجهاً لوجه أمام لغة عارية لا تقيم وزناً يذكر لتقاليد تبدو “مقدسة” في الكتابة الروائية. كانت لغته مرآة صافية لواقع يزداد في نظره عراء. ثم اصبح هذا الواقع ، بدوره، مرآة لذاكرته الواقعية العارية. ومع ذلك كان يستبطن خلف هذه الواقعية كوميديا سوداء غالباً ما تؤول الى الفاجعة ثم الكارثة. كان واقعياً الى الحد الذي اختار فيه انتحاراً واقعياً للغاية: أطلق النار على نفسه بواقعية باردة هذه المرة!

وكأنه على موعد موقوت مع الأقدار الصاخبة. وُلد ارنست همنغواي في السنة الاخيرة من القرن التاسع عشر. ولعله بدا توأماً للقرن العشرين الذي راح يعصف بالذاكرة الانسانية على نحو من مخاض عنيف. نشأ في ولاية إلينوى.. الاميركية وترعرع في أرجائها. الابن الثاني من بين ستة أشقاء. سرعان ما حملته حياته الغامضة إلى التفلت من الفضاء الأميركي في محاولة مثيرة لاكتشاف الذات في جذورها العالمية. بدليل انه وضع جل رواياته وهو يتنقل بين جنبات الجغرافيا الواسعة، في فرنسا، اسبانيا، ايطاليا، كوبا وسواها. ومع ذلك، لم يخرج من ثوبه الأميركي. ورث عن والده، كلارنس، احساساً عميقاً بالنزوع إلى ضرب من الاخلاقية الصارمة. وتشرّب من والدته توقاً الى التوغل في المثل الدينية. كان أبوه طبيباً متزمتاً في ممارسة المهنة من حيث الارتقاء بها إلى مصاف “القداسة”. وكانت أمه مثقفة راجحة العقل مسكونة بشخصية متوازنة هادئة الطباع جذابة في حديثها.

[ البدايات

أخذ عن والده حبّه للطبيعة. وتعلم منه صيد السمك والرماية. شكلت هاتان الهوايتان الحيز الاهم من حياته فتطبعتا به. وتطبع بهما. بدا منذ نعومة اظفاره صاحب صوت مميز في الكتابة يخصه وحده دون سواه، على الرغم من تأثره بالشاعر الأميركي الكبير ازرا باوند والكاتبين المشهورين، شيروود اندرسون وجيرتيود شتاين. واكتشف في الصحافة قدرة فائقة على قراءة الواقع والوقائع باستخدامه لغة تتخطى الحدث الى مكوناته البعيدة. التزم، منذ بواكيره الاولى، نمطاً في التعبير من شأنه ان يبث في روع القارئ احساساً صادقاً بالاحداث التي يتناولها لجعله يتفاعل معها وكأنها حصلت معه بالتحديد. دأب طوال حياته على اغفال ما لا يعتد به، او ما يندرج في خانة الممجوج والمألوف، وانصرف، في المقابل، الى شحن اسلوبه التعبيري بالغريب والمدهش. ثم راح يحقن لغته به باتقان وعنف يبلغ حد التوحش في اعادة صوغ المفردة.

كان همنغواي على شيء كثير من الوسامة. تحول مبكراً وجهاً شعبياً في مرحلته الباريسية مطلع العشرينات من القرن الماضي. ولا تزال مشيته في بوليفار مونبرناس بايقاعها الرياضي ماثلة في ذاكرة ذلك الزمن وهو يعبر المقاهي المصطفة على جانبي الطريق يتلقى كلمات الاعجاب من اصدقائه ودعوات حميمة للانضمام اليهم. تزوج للمرة الاولى من فتاة تدعى هادلي وانجبا طفلاً سمياه بمبي. ذاع صيته على نطاق واسع في العام 1926 في أعقاب رواية بعنوان “الشمس تشرق أيضاً”، انجزها كاملة في ثمانية أسابيع، وتستند في مضمونها إلى تجارب خبرها بنفسه في اسبانيا واودع فيها قدراً كبيراً مما خلفته في نفسه مصارعة الثيران. ونسج أحداثها على وقع شخصيات حقيقية لا ينتمي أي منها الى مخيلته المتحفزة.

أقبل همنغواي على كتابة هذه الرواية وهو ممتلئ بالعزيمة على الانقياد الى لغة توحي أكثر مما تفصح. بدا في هذا العمل ناضجاً، واثقاً من نفسه، يختزن في ذاكرته سيناريوهات مستحدثة تمكنه من الذهاب بالفن الروائي الى منعطفات لم تكن مألوفة بعد. على هذا الأساس من النزوع إلى الكتابة المختلفة، يرى مؤلف هذه السيرة ان همنغواي عبّر عن ميل مبكر للافتراق عن معظم أصدقائه في ما يتعلق بالمنحى الروائي، من أمثال: ماكليش، فيتز جيلارد، شتاين، جون باسوس، مادوكس فورد وشيروود اندرسون. ومع ذلك، حافظ على علائقه بالشاعر الاميركي ازرا باوند وظل يمحضه ولاءه وثقته. ولم تسنح له الظروف بأن يلتقي الروائي الايرلندي الكبير جايمس جويس. كان يتمنى في قرارة نفسه ان يدرج اسم جويس في لائحة المبعدين وقائمة الاصدقاء الاعداء. نفد جويس بجلده من مواجهة عنيفة كهذه. وقد خط همنغواي قرابة السبعة آلاف رسالة، بعضها مسهب للغاية، يتطرق فيها الى قضايا ذاتية واخرى موجهة الى افراد. ولعل هذه الرسائل بالتحديد، تنطوي على ما يمكن اعتباره قراءة في شخصيته الداخلية. يورد فيها ما يحب وما يكره، وكأنه يرسم خارطة يمكن الاسترشاد بها للدخول إلى العالم الغامض لهمنغواي. يشير مؤلف سيرته الذاتية إلى أن السمة البارزة في هذه الرسائل المشوقة تتمثل في الكيفية المثيرة للجدل التي يقترب فيها من ذاته بشيء كثير من التقدير والاعجاب بمواهبه وقدرته على النفاذ الى حقائق في الرؤية الأدبية تتعذر على غيره.

[الصعود إلى القمة

في العام 1929، أصدر همنغواي روايته “وداعاً أيها السلاح”، والأرجح، وفقاً لنقاد كبار من بينهم مَن يزعم احاطة استثنائية بفكره الروائي، انه حقق بهذا الاصدار صعوده الى قمة المجد التي داعبت مخيلته منذ بداياته الاولى. انطلقت هذه الرواية في فضاء الكتابة السردية كما يلتمع البرق في سماء داكنة. بدت ثمرة مغايرة لنضج متعجل في اعادة صوغ العلاقات الانسانية وهي تتقاطع تباعاً مع الأحداث والقدر المهيمن على شرنقة الحياة. سقطت هذه الرواية مباشرة على جهابذة الكتابة في أوروبا والولايات المتحدة سقوطاً مدوياً كان من نتائجه الاولى انتقال الرواية في الغرب من مناخ إلى آخر. وراح همنغواي يستأنس بصمت وبصخب وهو يرى عبقريته تتحول كائناً حياً يتجوّل، بجرأة وحرية، في الفناءات الخلفية والأمامية للرواية الحديثة.

في مرحلة الثلاثينات، اكتفى همنغواي بإصدار روايتين فقط، هما: “الموت بعد الظهر” و”الهضاب الخضراء لافريقيا”. لم يستقبلهما النقاد الذين كانوا يترصدونه بعيونهم الفارغة، بالترحاب، أمطروه بوابل من الانتقادات القاسية التي قاربت حد التوبيخ والتبخيس والنيل من مرتبته الأدبية. لم يتقبل همنغواي هذه المواجهة الساخنة بالشكل المتعمّد على الأغلب، الذي رجحت فيه كفة عيوبه ونقائصه على اشراقاته التي حفرت عميقاً في جسد الرواية. عبّر عن خيبة أمله واستيائه من هذه الملاحظات الحادة التي بدت له ازدراء وسخرية أكثر منها نقداً جاداً وعميقاً.

[القارب الأُمْنية

وفور عودته الى الولايات المتحدة من أسفاره الافريقية، أقدم على تحقيق احدى أغلى الأمنيات على قلبه. ابتاع قارباً مخصصاً لصيد الأسماك، وأطلق عليه اسم “بيلار”، الكنية الاسبانية المفضلة لديه والاسم السري لزوجته الثانية، بولين بفايفر، اعتاد أن يناديها به منذ ان احتدمت بينهما شعلة عاطفية أنارت في ذاكرته دروباً لم تشهد النور من قبل. كتب الى زوجته الاولى، هادلي مورر، بشيء كثير من الانحياز إلى تجاربه الطويلة، قائلاً: اليوم أستطيع أن أزعم انني نشرت ما يكفي من الكتب الجيدة بحيث لم أعد مضطراً لمكابدة القلق الناتج من احساس غامر بالسعادة وأنا اصطاد السمك وأتعقب الطيور بالبندقية، وليتحمل الآخرون قسطهم من المعاناة والشقاء. لقد بذلنا ما في وسعنا ونحن نئن من مصاعب الحياة، واذا لم تتعلمي بعد كيف تستمتعين بالحياة إذا ما قيض لنا ألا نحيا سواها، فإنك عندئذ ستكونين موصومة بالخزي ولا تستحقين الحصول عليها. لقد حدث أن بذلت جهداً كبيراً طيلة حياتي وكونت ثروة في وقت كانت الحكومة على اهبة الاستعداد لمصادرة ما أجنيه. كان حظنا معاً سيئاً. ولكن حظوظنا الطيبة تجلت في الأوقات والأشياء الرائعة التي تمكنا من الاستحواذ عليها. تخيلي لو أننا وُلدنا في زمن يتعذر فيه علينا السفر الى باريس ونحن لا نزال في طور الشباب.. وبعد ثماني سنوات مضت على هذه الرسالة المغلفة بالحزن والاشفاق على الذات، أصدر همنغواي روايته “عبر النهر ووسط الاشجار”. وهي تنحو منحى السيرة الذاتية، وتتناول أحداثها قصة كولونيل سابق طاعن في السن يقع في حب امرأة ايطالية شابة في مدينة البندقية، تدفع بغروره صعوداً الى مستويات عالية. اتبع هذه الرواية بأخرى تحولت الى اكثر اعماله شعبية وانتشاراً هي “الشيخ والبحر”، وتدور أحداثها حول صياد انهكه العمر المديد وأغدق عليه جرأة مثيرة للدهشة. صاغها همنغواي بأسلوب يتوغل عميقاً في الأبعاد البطولية للشخصية الانسانية.

[“اديوس اميغو”

في العام 1954، حاز همنغواي جائزة نوبل للآداب، في وقت كان غابرييل غارسيا ماركيز منغمساً في عمله الصحافي. في العام 1957، لمح هذا الأخير، همنغواي وزوجته يذرعان الخطى في جادة سان ميشال الباريسية. كان همنغواي يرتدي سروال جينز رثاً وقميصاً ترتسم عليه مربعات ذات أشكال مختلفة. كان واحداً من الأبطال الكبار في ذاكرة ماركيز نظراً الى الهالة الاسطورية التي كانت تحيط بقامته الادبية المديدة. يضاف إلى ذلك، ان روايته “الشيخ والبحر” كانت سقطت على رأس ماركيز وألهبته من الداخل. غلب على ماركيز، في تلك اللحظة، خجله الشديد، وأخذته الحماسة فارتبك ولم يقوَ على القيام بأي مبادرة. غير أنه سرعان ما تجرأ على دهشته وصاح بأعلى صوته من الطرف المقابل للشارع: “مايسترو”! لوّح همنغواي بيده وهو يصرخ بصوت ذي نبرة صبيانية: “اديوس اميغو”.

في تلك الأثناء من عقد الخمسينيات، راح همنغواي يشهد، للمرة الأولى في حياته، تقهقراً بطيئاً في حالته الصحية، أخذ يتفاقم رويداً رويداً وهو المعروف ببنيته القوية. لم ينقطع همنغواي عن ممارسة الملاكمة. كان يوجه ضرباته الى مَن يتحدّاه على الحلبة بالشغف عينه الذي يتسلل الى حواسه وهو مكب على الكتابة. وقد تزامن هذا الوضع الصحي المستجد مع اكتئاب بدأ طارئاً ثم أصبح مقيماً، ثم تحوّل وحشاً دفيناً يعيث خراباً وهو يتحيّن الفرص ليتملك كامل الذاكرة والجسد. ولم يسلم همنغواي، في الوقت عينه، من جروح وكسور اصيب بها نتيجة حادثتين متعاقبتين أسفرتا عن تحطم طائرتين في افريقيا كان على متنهما في وقتين منفصلين. كان ذلك في العام 1954. نجا همنغواي بأعجوبة من كلتا الكارثتين من دون أن يبرأ جسده منهما: تعرض لارتجاج عنيف في الدماغ، وكسور في الجمجمة، وتمزق في الكبد، وخلع في الذراع والكتف. ولعله كان يدخر بنيته القوية استعداداً لاستيعاب مفاجأتين قاتلتين كهاتين. نفد همنغواي بجلده من السقوط في شرك الموت مرتين متتاليتين. ومع ذلك بدا عاجزاً، في السنوات اللاحقة، عن التصدي لأمراض أخرى داهمته، يضاف اليها كسور في العظم في أنحاء متفرقة من جسمه، وجروح كان بعضها ذا تداعيات خطيرة. وبمرور السنوات اللاحقات، اشتدت الأمراض عليه. بدا همنغواي أقل ممانعة في مقاومة أصناف طارئة من العلل المستحكمة. من بينها: ارتفاع نسبة السكر بمعدلات خطيرة، تعرضه المتزايد لضغط الدم، آلام حادة في الرأس مردّها إلى مرض الشقيقة، اضطرابات متعدّدة جاءت حصيلة أعوام طويلة من الإدمان على الكحول. وفي خضم هذا الاعتلال الذي راح يدب في جسده دبيب النمل ويقترب حثيثاً من فنائه الداخلي، أخذت تطارده الوساوس والكوابيس المخيفة في ساعات النوم واليقظة. ولعل بزوغ فكرة الانتحار في ذهنه المتعب لم تكن وليدة ساعتها. والأرجح انها كانت تلتمع في مخيلته كلما احس بالحاجة إلى التملص من اختناقه المستحكم. والأغلب انه كان يبحث عن ملاذ دائم يقيه شر هذه الخيالات المرعبة. يستذكر مؤلف السيرة، في هذا السياق، ما آلت إليه أحوال والده. أطلق النار على نفسه في العام 1928. اختار الرصاص وسيلة هي الأمضى والأسرع في الانتقال من الحياة إلى الموت. وأحياناً من الموت البطيء إلى الموت الذي يعدم الجسد بأقل من طرفة عين. في تلك الأجواء الداكنة التي أحالت حيويته الفائقة عبئاً ثقيلاً عليه، تحوّلت الكتابة لديه مهمة صعبة. يهمّ على الإمساك بالقلم فتعترض طريقه أوهام مستعصية انقلبت بعد ذلك عوائق يتعذر تذليلها، ثم استحالت جدراناً سميكة تحجب عنه الرؤيا. ومع ذلك، راح يداوي نفسه بالداء عينه الذي يشكو منه. الكتابة هي الداء والدواء. الكتابة هي الداء وهي الدواء الذي انتهت صلاحيته. ولأنه أصرّ على معالجة الداء بالداء، غدا أسلوبه في الكتابة اشبه بمستودع يحشر فيه كل الافكار التي تتراءى له من دون ان يميز بين احداها والاخرى. لم يجد مفراً، في هذه الدائرة المغلقة على نفسها سوى أن يحاكي كتاباته السابقة. بدا انه يستنسخ نفسه بنفسه.

وعلى الرغم من ذلك، أنجز في العام 1958 روايته “العيد المتحرك”، أودع فيها همنغواي ذكرياته الجميلة عن أيامه الباريسية التي كان يمرح فيها بشبابه البض. وبعد ذلك، أنجز روايتين اخريين لم يقيض له أن يستكمل نهايتيهما هما: “جنة عدن” و”جزر في الجدول”. نُشر هذان العملان بعد وفاته وحظيا بالشهرة الواسعة أسوة برواياته السابقة. وتشير احصاءات موثقة الى ان مجموع ما بيع من رواياته في الولايات المتحدة وحدها، بلغ 350 ألف نسخة في العام 2010. وتصدرت روايته الهامة “الشيخ والبحر” قائمة هذه المبيعات.

[الأمراض تنفذ عميقاً

في نهاية عقد الخمسينات الماضية، بدا ان الأمراض التي كانت غزت جسده القوي، تشق طريقها بسهولة الى حيث لم يعد بمقدور همنغواي ان يوقف زحفها الغاشم. تمكنت منه، في نهاية المطاف بعد أن عطلت مناعته. ولعله كان بمقدوره أن يعطّل هو قدرتها على الاستئثار بحالته الصحية لو لم تنفذ هذه الأمراض الى ما وراء الجسد، الى بوتقة الروح حيث يظهر الاعتلال بأشكاله الهستيرية الصامتة أو الصاخبة. تلقى همنغواي علاجاً بالصدمة الكهربائية بعد أن امتلأ ذهنه بالوساوس والظنون بدت متعذرة على المداواة بالوسائل التقليدية للأطباء. وأخذ الوهم منه كل مأخذ خصوصاً بعد أن خيّل إليه ان مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف.بي.آي) يتعقبه ليل نهار ويترصده في أحلام اليقظة والنوم. يؤكد كاتب السيرة ان هذا الجهاز الامني ذا السلطة الواسعة في الولايات المتحدة كان أعد ملفاً ضخماً عن حياته وعلاقاته وارتباطاته. بدا متعثراً في كلامه، منفصماً عن ذاته، يشت بتفكيره ويهذي على نحو غامض. لعله، على نقيض ما اعتقد الناس من حوله، كان يعيد صوغ اللغة، بأشكالها المتداولة، في منظومة مبهمة من الرموز والإشارات المضللة. لذلك، سعى المحيطون به، قدر المستطاع، أن يحيلوا بينه وبين الجمهور العريض الذي لم يتخل عن نظرته السابقة إليه. وكان كلما سولت له نفسه الكتابة راح يخط جملاً مبعثرة لا رابط بينها. يقول كاتب السيرة انه انتهى به المطاف عاجزاً عن كتابة جملة مفيدة واحدة. بدا واضحاً ان همنغواي كان يعبّد الطريق على مهل لتكتمل مسيرته بالخاتمة المأسوية وفقاً لنظرية التراجيديا الاغريقية. كان يترقب هذه اللحظة، على الأرجح، بفارغ الصبر. فقد آن الأوان ودقّت الساعة دقتها الأخيرة ليقتلع، بضربة واحدة، ما تبقى من حياة في ذاكرته المتهالكة. نهض ذات يوم من العام 1961 من غفوته الصغرى إلى غفوته الكبرى. جاء ذلك في ولاية ايداهو الأميركية والشمس لم تستكمل شروقها بعد. انزلقت قدماه في خفين على جناح السرعة، ومضى مسرعاً كالظل حتى انه عبر غرفة النوم حيث كانت زوجته راقدة من دون أن يحدث جلبة توقظها. ولعله أراد في تلك اللحظات الحاسمة أن يسبق ما تبقى له من هنيهات قليلة قبل أن تسبقه الارتعاشة الأخيرة. بلغ مكتبه وهو في غفلة عن الزمان والمكان. عينان مغمضتان على الخارج، مبحلقتان بحدقتين منتفختين، في الفراغ المتراكم كالضباب على الحد الفاصل بين الحياة والموت. يختطف بندقيته خطفاً. يغيب عن ذاكرته ثواني قليلة بدت كافية لينفتح على الهاوية. يطلق النار على رأسه بالثبات عينه الذي كان يصطاد به عصافيره. يفارق الحياة على الفور. والأرجح أنه كان يودّع هاوية ليستقبل اخرى. جاء هذا الانتحار واقعياً للغاية اسوة بسائر شخصياته الواقعية التي أعاد صوغها في رواياته. ميتة واقعية لكاتب واقعي انتقل مبكراً الى هاوية واقعية ثم انتقل الى هاوية واقعية أخرى.يغرّد على شفير الهاوية

[ لعلّ الرصاصة التي أطلقها همنغواي على رأسه المثقل بالأفكار المشتّتة، شكلت الرواية الأخيرة التي أراد أن يفاجئ بها الملايين من قرائه في كل أنحاء العالم. والأرجح أنه بدا في قرارة نفسه، على الرغم من الخلخلة المروّعة التي ملكت عليه عقله، قادراً على إعادة صوغ نهايته بالكيفية عينها التي كان يستخدمها في إعادة صوغ شخصياته الروائية بواقعيته الفجّة. لم يتوقع أحد من المحيطين به، وتحديداً زوجته، أن يقدم على تنفيذ قرار بهذا الجنون وهذه الجرأة وشيء كثير من الانحياز إلى حبكة درامية ينبغي أن تتكلل بالموت الصاخب.

كان همنغواي، في هذا السياق، يغرد وحيداً وهو يسير باستهتار على شفير الهاوية. وكان المحيطون به في دائرته الصغرى المغلقة، وفي الدائرة الشاسعة التي كانت تزداد غموضاً وتشويقاً بفعل رواياته المدوية، في واد آخر. والمفارقة الصارخة التي اعادت، على الأغلب، وصل ما انقطع بين الواديين، انه في الوقت الذي أظهر همنغواي عجزاً فاضحاً عن كتابة جملة واحدة مفيدة في ايامه الأخيرة، جاء قراره صارماً في الانتحار. مفارقة محيرة أشبه بلغز محيّر يتعذر على المنطق فك رموزه. صحيح انه فقد القدرة على الكتابة، غير أنه بدا قريباً جداً من عالمه الداخلي العميق الذي تحول بدوره مشهداً محجوباً عن الآخرين، واضحاً متألقاً بالنسبة إليه. ولعل من تداعيات هذه المفارقة ايضاً، انه كلما كانت الكتابة تستعصي عليه، كان يقترب حثيثاً من مراياه الداخلية.

[ لم تكن الرواية بالنسبة إلى همنغواي وسيلة تلقائية يعيد من خلالها ترتيب الأحداث والاشياء والمشاهدات على نحو يحيل العالم مكاناً ملائماً تمارس فيها الشخصيات الحياة بأشكالها الرتيبة. بدا، منذ اعماله الاولى مكباً على الافادة القصوى من تقنيات الرواية من اجل ان يقرأ الحياة في جوانبها الاخرى. والأرجح في ما لا يظهر منها للعيان بل يظل منكفئاً في تلك الزوايا وفي تلك الثقوب والتشققات التي من طبيعتها التخفي في الأروقة الخلفية لهذه الشخصية أو تلك. خيل اليه ان المنحى الواقعي الذي اعتمده في مقاربة شخصياته وحده كفيل بالكشف عن الخرافة التي تتلبس الواقع باعتبارها واقعاً من جنسه. لعله كان محقاً في ذلك، على الأقل وفقاً لهذا المنهج الذي يفيد من الواقع بغية تعريته من واقعيته الملتبسة. بدت هذه الأخيرة بالنسبة إليه ذريعة موضوعية، على الأغلب، كانت تدفع به إلى ان يلقي بشخصياته في أتون ما كانوا يعتبرونه واقعية مكتسبة لهم. من هنا، كان ينبغي لهذه الشخصيات ان تواجه أقدارها وحيدة، مقهورة، عبثاً تبحث عن خلاصها تحت أنقاض الهاوية. كان همنغواي يتعمّد، في أسلوبه الروائي، ان يشحن هذه الشخصيات بشحنة كبيرة من الأمل والطموح والتشبث بالحياة ثم يحملها على ان تتنكر لهذه القيم الواقعية فتقع في المحظور. غالباً ما يعيد قراءة هذه الشخصيات ليتمكن بعد ذلك من اعادة صوغها استجابة للسياق الذي تختاره هي لنفسها. جاء انتحار همنغواي ترجمة، بشكل أو بآخر، لهذا المنحى الذي ينتصر فيه الواقع وينهزم فيه الواقعيون. ومع ذلك، اراد همنغواي ان يتحرّر من هذه المعادلة التي خيّمت على فضاءات رواياته. لم يشأ أن تؤدي به أقداره الى نقيض ما كان يسعى إليه طوال حياته. في سنوات تألقه، دأب همنغواي على إلحاق الهزيمة بالواقع الذي يحكم حصاره عليه باللجوء إلى الكتابة. مواجهة الواقع بالرواية ليس لتبريره أو التعايش معه أو تقبله على مضض. بل لتعقب مساراته الدرامية واستكشاف مناخاته الداخلية وصولاً إلى ما قد يسفر عنه هذا المنحى من مشاهدات مدهشة، مرعبة تبعث على القلق والافتقار إلى التوازن وفقدان الثقة بالنفس. وفي محطته الأخيرة مع أمراضه المتفاقمة وانطوائه على ذاته المعزولة في دوامة الهذيان والسقوط في شرك المتاهة، لم يعد بمقدور همنغواي ان يمارس سلطته على الواقع من خلال اعادة صوغه بالرواية. كان يعلم علم اليقين، على الرغم من التفكك المتسارع في بنيته الجسدية والنفسية، انه بات بمعزل عن الاداة “السحرية” التي درج على توظيفها للنفاذ الى المكامن الخفية التي تحرّك الواقع من بعيد وتتجلى فيه أيضاً.

دأب همنغواي في رواياته، على التسلل بذكاء خلف الجدران المنيعة للواقع في أشكاله المتداولة ليقرأ نفسه بالدرجة الاولى. ليقترب منها ما استطاع من خلال اقترابه من شخصياته. في اشهره الأخيرة، باتت شخصياته عصية عليه. باتت نفسه عصية عليه. بات الواقع عصياً عليه. فضّل الانتحار، بجرأة البطل التراجيدي، على البقاء حياً بجرأة مَن يقرّ ويعترف ببلادة الذهن. الكاتب الواقعي الكبير يفقد صلته بالواقع. غير أنه يضع حداً لحياته بواقعية متشددة. الموت طريقه إلى الواقع من جديد.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: