مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

نصوص غير منشورة للشاعر الأرجنتيني الكبيربورخيس:

نصوص غير منشورة للشاعر الأرجنتيني الكبيربورخيس:

تقديم وترجمة:  كوليت مرشليان
تحت عنوان: “بورخيس: مديح الخيال” كرّمت مجلة “ماغازين ليتيرير” الفرنسية الكاتب والشاعر الأرجنتيني الراحل خورخي لويس بورخيس بملف متشعّب تكريمي ضمّ مختلف أنواع الكتابات التي يجمعها قاسم مشترك وهو العثور على كل جديد غير منشور من كتابات الأديب الذي انطفأت عيناه قبل أن يرحل عن العالم بسنوات فاستمر بمؤلفات مؤثرة شغّل فيها كل حواسه بدلاً من النظر. مؤلفات إبداعية تصوّر أحاسيسه وكل ما اكتشفه بيديه وكل ما سمعه بأذنيه إضافة الى حواس باطنية جعلته يتلمس العالم على طريقته. نصوص وآراء نقدية شفوية منقولة على لسان أحد معاصريه وغيرها مكتوبة، قصائد من زمن انتمائه الى تيار شعري ابتدعه، عاش في ظلاله فترة زمنية وكتب قصائد من وحيه ثم سرعان ما انتقل منه الى ضفة أخرى في الشعر، كذلك مقابلات غير منشورة مع صور غير معروفة له، فنراه يجلس أمام كاميرا مصوّر وهو مغمض العينين وعكازه الذي لم يكن يفارقه في أيامه الأخيرة بل في سنواته الأخيرة ليقوده بدلاً من عينين مطفأتين، وأفكار تدور وتدور في رأس مبدع وخيال جامح. بورخيس صاحب “ألف” و”العجيبة السرية” و”قمر بالمقابل” و”مديح الظل” و”ذهب النمور” و”الوردة العميقة” و”سبع ليال” و”الرقم” وغيرها من الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية، يحضر من جديد في هذه المقاطع المختارة لنشرها مجدداً من وحي عالم الغريب.

وتحت عنوان “بورخيس” صدر في إسبانيا عام 2006 كتاب ضخم من إعداد دانيال مارتينو تعاون فيه هذا الأخير مع الكاتب والصحافي بيوي كازاريس لجمع كل النصوص والمقابلات الخاصة بخورخي لويس بورخيس، لكن الكتاب لم يصدر إلاّ بعد رحيل كازاريس ليخلّد الصداقة العميقة والزمالة التي جمعت بورخيس بكازاريس. نقتطف من الكتاب هذا الفصل:
حوار بصوتين
بورخيس يتناول الطعام في منزله. يجلس على كنبة صغيرة ويقول: “كم هي جميلة هذه الكنبة! يمكن القول أنها هي أيضاً ترتاح… كيف لا أجدها مريحة إذا كانت هي ترتاح مثلي…” ثم يسأل: “وهل نقول: أربعة كراس جالسة من حول الطاولة؟”.
كنّا نقرأ “جاغوار” أو “النمر الأميركي” من مؤلفات لوكونت دوليل:
“تحت ستار المنحدرات المظلمة البعيد
يبدو الضوء وكأنه يسقط مثل أمواج مزبدة
والسهول المعشوشبة الحزينة حيث ترتسم الظلال
ترتجف بغموض مع رطوبة المساء”.
بورخيس: للأسف أن يكون قد استعمل كلمة “ستار”. بما أنه كان يصف عالماً بدائياً، لم يكن من الجيد أن يستعمل كلمات كهذه. في هذه الناحية، شاسترتون محقّ: حين يصف عالماً بدائياً لا يستخدم كلمات تعود الى العالم المتحضّر، في حين أن ميلتون يكتب في هذا الصدد كلمات مثل “المسارح” و”المنحدرات” وهي تدلّ على أوروبي لا يعرف، وإن أراد ذلك، أن يتخيّل مشهداً طبيعياً من دون جبال. وإضافة الى ذلك، هو رأى المرتفعات في الخارطة، فلم يرض بأن يحرم نفسه منها. البيتان الأخيران من هذا المقطع الشعري جيدان.
وهما يؤكدان نظرية غروساك الذي كان يقول إن لوكونت دو ليل كان يسعى… الى السهول المعشوشبة… وها هو أخذها من الأنسيكلوبيديا”. ثم قرأ:
“من مستنقعات تعلوها أعشاب طويلة وقاسية، من الرمال، من الأشجار الكثيفة، ومن الصخور العارية تعلو وتتدحرج مبعثرة، ومن صميم وحدتها، تأوهات مشؤومة لا تدركها الشمس.
والقمر الذي يشتعل بين طبقات الضباب الأبيض
وفوق وحول نهر لا يُسمع غليانه المكتوم
يطلّ بارداً وقاسياً من خلال غصون الأشجار العريضة
ويجعل ظهور التماسيح تلتمع تحت ضوئه.
بعضها يجرّ الجذوع والأفخاذ على طول النهر
ويملؤها الجوع فتطرق فكّيها وكأنها من حديد
والبعض الآخر، وكأنها جُذوع أشجار ترتدي قشراً حاداً
تتسمّر جامدة وتتثاءب فاتحة أشداقها أمام الهواء”.
بورخيس: التماسيح هذه ومن نوع الكايمان (يعيش في أميركا الاستوائية) والتي تلعب هنا دور الممثل الصامت أو الصورة النكرة أجدها كثيرة. ثمة مشهد طبيعي هنا فيه زيادة فائضة من علم النبات وعلم المعادن: هو يذكرني ببعض الصفحات الخاصة في الانسيكلوبيديا حيث تصوّر حيوانات منطقة معينة ونباتاتها، وحيث كل الحيوانات تنظر في الاتجاه نفسه، وكل واحد الى جانب الآخر من دون أن يدرك من يقف بجانبه.
ثم يقرأ:
وها هو (الجاغوار) النمر يصمت، ومثل حجر جامد
يقف وينهار وسط مجموع القصب:
وثور ضخم من السهول المعشوشبة يدخل الى فرجة الغابة
قرناه عاليان ويطلع من منخاريه الدخان الدافئ…
بورخيس: هذا المدخل للحيوانات لا أجده جيداً. تشعر وكأن أحدهم يقحمهم في المكان وكأنهم ليسوا أحياء: فهم يشبهون الحيوانات المحنّطة.
بيوي: إضافة الى ذلك، فإن الكاتب يترك انطباعاً وكأنه وضع القصيدة في إطار موضوعي صارم حيث يدرس باتقان التركيبة والموضوع: الجاكوار أو النمر الأميركي، وهو لا يترك لنفسه أن تتفلت في حضور وحي معين في أي لحظة حتى إنه يمكن أن نشعر بضرورة الطلب إليه بأن يتفلّت قليلاً.
بورخيس: هو قتل كل شيء مع ولادة هذه القصيدة. وكيف أنه لم يلحظ وهو يعمل بأنه لن يصل الى أي نتيجة مع هذه الشخصيات؟ “ثور كبير في المرتفعات المعشوشبة”، والجاكوار وتماسيح الكايمين، كلها تبدو وكأنها صور الحيوانات التي نراها على صفحات الانسيكلوبيديا. لا شيء أكثر عبثية من هذا. ولكن أجد أنه نجح في جعلنا نشعر بأن الثور خائف كما نجح في وصف عينيّ الجاكوار: “العين نصف مغمضة والمشفر الى الأمام…”.
بيوي: والحزين في هذه القصيدة أن نجاحها في بعض الأماكن أشبه بمقاطع كتابية مشغولة باتقان.
بورخيس: ليس هذا شعراً. ولكن لماذا نجح مثلاً في أن يعجب غروسّاك الى هذا الحدّ؟ بكل بساطة لأن سمعته كانت بأنه كاتب جدّي ورصين وليس من فئة المتطفلين.
بيوي: رصين، أكيد لكنه من دون حياة.
بورخيس: جورج مرو يشبّه لوكونت دو ليل بزيارة الى قصر العدل حيث تطلع نسمة هواء عليل وبارد. إنه أسلوب فلوبير: أن نوثق جيداً ثم ننطلق في الكتابة. أنا، أظن أن الكتّاب من هذا النوع يخافون من الوقوع في الخطأ، لا يخافون الفشل في الكتابة بل الوقوع في الخطأ. لذا لم يكن ضرورياً أن يختاروا بعض المواضيع البعيدة. إذا كتبنا عن الصين لا مشكلة إذا أخطأنا أم لا: الإحساس بالخطأ يبقى كما هو. وأسلوب لونغ فيلّو مثلاً الذي كتب القصائد حول موضوع الهنود الحمر وخلق منها أساطير يبدو لي على حال أفضل. أما فالنسيا فكان يقلّد. صحيح أن لوكونتن دو ليل حقيقي غير أنه لا يقوم بمجهود كبير. أما أوبليغادو فهو مثلاً مخلص لأسلوب اللوحات الصغيرة.
بيوي: لوحات صغيرة تعيش فيها حيوانات محنّطة، ونرى فيها نباتات مختارة من لوائح مدروسة مسبقاً.
بورخيس: في المنزل، كان كارييغو يقرأ ترجمة لبيريز بونالدي لقصيدة “الغراب” لإدغار آلن بو، وكان في الكتاب بعض النقوش وفي أحدها نقش لغراب ووجه آلن بو وهو يستمع إليه.
بيوي: بيدرو ميغيل أوبليغادو ترجم أيضاً “الى أمي” (لآلن بو أيضاً).
بورخيس: وترجمتها يجب ألاّ تكون أسوأ من الأخريات. كما لا يجب أن تكون أسوأ من القصيدة الأصلية.
… وتحدثنا عن شعراء فرنسيين كبار: هوغو، فيرلين، توليه، مالارميه أكيد، بودلير، ورامبو من وقت الى آخر.
بورخيس: راسين من دون شك هو شاعر كبير. وهنري دورينييه اليس جيداً؟ كل شعراء هذه القارة يجب ان يذكروا بفلان او فلان من الشعراء الفرنسيين.
بيوي: أجل، وقد تقاسموهم فيما بينهم.
بورخيس: ولماذا كان لوغونيس يعجب كثيراً بألبرت سامين؟ وثمة سر آخر هو ايلويار. ذات يوم، سمعت أحدهم، لم أعد أذكر من، يتحدث عن اعجابه بتوليه ثم تذكر ايلويار واعتبره شاعراً كبيراً.
بيوي: ومن تراه يشبه؟ موليراني. أما موليراني فهو “معسول” الى حد ما كي لا نقول منافقاً وهو كذلك لأنه كان يعرف بأن كتاباته باهتة وناشفة الى حد ما.
بورخيس: وهل يوجد شعراء فرنسيون يعرفون كيف يمكن ان نكتب أموراً لا معنى لها على طريقة نيرودا؟ هل تظن انه هناك في فرنسا كما عندنا حيث نرمي النرد الخاطئ؟ يا لها من فكرة عبثية تلك المتعلقة بهيريديا. تصور انه من كل التاريخ لم يبق سوى بعض اللوحات الصغيرة. وتلك القصيدة الفظة التي كتبها رامبو عن “الكاهن” اليست جيدة؟ (إستراحة) مع انه لم تكن جيداً دائماً وفي كل مكان، اما بودلير، فكل شيء عنده يتصل بالبشاعة وبالتفخيم والبذخ.. أما وايلد (اوسكار) الذي لم يكن شاعراً مهماً، فهو كان يعمل مثل بودلير ولكن في أسلوب ساخر.
كذلك آلن بو الذي لم يكن أيضاً شاعراً مهماً، كان يشبههما كثيراً. ولكن، ربما آلن بو كان افضل منهما قليلاً،
بيوي: لا أظن ان كل الشعر الذي نتحدث عنه مركب ليس أكثر.
وقرأنا آبولينير..
بورخيس: آبولينير، شاعر غير متوقع. كان مأخوذاً بالقافية، غير انه كان يمكن ان يأخذ اي طريق وأي اتجاه. في افضل لحظاته، هو جيد: في قصيدة: “الفتاة الصهباء الجميلة”، كما في قصيدة “الصيد” ثمة ابيات شعرية نحب ان نرددها، وهذا لا يحصل معك مثلاً مع شعر نيرودا. كذلك، حين تقرأ آبولينير يتولد لدينا انطباع بأنه حين كتب تلك القصيدة او هذه فهو قد أحس بما يقوله وهو يقوله لأنه يرغب في ذلك.
أما نيرودا فهو ربما لا يجب ان يتذكر قصائده. ولا أحد ايضا يشعر برغبة في ذلك، وإذا كان احدهم مثلاً يقرأ له من شعره وتقصد بأن يترك بيتاً شعرياً أو ان يفلته من القصيدة، فهو لا يشعر بذلك.. اما ابولينير فهو يمكن ان يكون عاطفياً، الفرنسيون لا يخافون من اظهار مشاعرهم ومن ان يكونوا عاطفيين، وهذا جيد لهم. وحين يكتبون الشعر فهم احياناً يفعلون ذلك بتسرع وقد يهملون بعض التفاصيل ولكن هم يفعلون ذلك وكأن ليس لديهم ما يفعلونه سوى كتابة الشعر. وهذا امر جيد. أما كتاب الأرجنتين وكتاب أميركا الجنوبية الذين يقلدونهم فهم يبدون حين يكتبون وكأن النشفان قد اصابهم! ما ان تقرأ القصيدة حتى تموت في لحظة. ابولينير شاعر يمكن ان تعجب به ولكن قد لا تحترمه كثيراً.
بيوي: حتى يمكن ان تحبه أيضاً.
قصيدة سوريالية
“أرق” قصيدة كتبها بورخيس عام 1920 ووضع فيها قدرته على تصوير الجماليات وضارباً بها ومواجهاً بها القصائد الحديثة، لكنه عاد وتنكر لها ولأهميتها، وهو اطلق من خلالها مدرسة شعرية سماها “الأولتراييسم” او التطرف في استخدام الاستعارات في الشعر، كذلك الاستغناء عن الروابط المنطقية بين الجمل خاصة الاسمية منها، كذلك الاستغناء عن الروابط بين الخيالي والعلمي والتكنولوجيا، كما يرفض الشعراء في هذه المدرسة الزينة في الكتابة والجمل المعقدة واستخدام القوافي.. ننقل هذه القصيدة لخورخي لويس بورخيس الى العربية:
“تلك اللحظة التي دقت فيها الساعات وأعلنت منتصف الليل اصبحت بعيدة وصغيرة الى حد أسطوري. وتلك الجدران الستة الضيقة والمملءة بأبدية ضيقة تخنقني. وفي جمجمتي لا زالت تذبذب شعلة الكحول التي تدعو الى الشفقة والتي لا تريد ان تنطفئ.
الرجوع الى العبثية في سؤال خلود الروح.
عدد كبير من الراقدين جعلني ابدو هزيلاً.
النافذة تعيد تركيب حركة المصباح الموحدة.
فيلم سينمائي مقبول ومتباه.
النافذة محبة لكل غمزات الحب القلقة.
كم تخنقني كل حبال الأفق
هل تمطر؟ وأي مورفين تقذفه تلك الأبر على الشوارع؟
كلا.
انها نقاط من تمزقات العصور الواهية متساوية في مواقيتها تنزل من السقف
انها لازمة الدم المملة والبطيئة.
إنها أسنان الظلام تلك التي تقضم الجدران.
وتحت الجفون تحتدم ثم تنطفئ العواصف المكسرة. الأيام مصبوغة كلها وملصوقة بورق أزرق ثم مقطعة بالمقصات عينها المستخدمة أيضا في ثقب الفضاء الخارجي والكون الوهمي.
الذكرى تشعل لمبة:
ومرة جديدة نسحب معاً ونحن نتقدم هذا الشارع المزروع بفرح بالغسيل المنشور.
البيانو الفخم في توبي (المقصود هنا مقهى توبي – ممبا الشهير في مونتي فيديو) فقد وعيه بعيداً.
الشمس، مثل دولاب هواء يسبب الدوار، تشذب وتقلم البيوت الكامدة اللون.
وحين ترانا الابواب ونحن نتأرجح لولبياً تروح تضحك وتقهقه.
بيدرو – لويس يبوح لي: – انا رجل طيب، خورخي. أنا رجل طيب، خورخي.. وهذا يجعلنا نستحق فنجان قهوة صغيراً.
والعيون تنفجر حين تنظر الى شفرات مراوح الشمس،
اي هنغار قد يحمي انفعالاتنا الى الأبد؟
يوجد ومن دون أدنى شك مقياس ما فوق الفضائي حيث كل الأشكال تخضع الى قوة حاضرة وخاضعة.
مثل الماء والهواء في مقياسنا.
غضب. فوضى. جوع جنسي.
اصطناع لجعلنا نتذبذب تحت تأثير السحر.
ولا أي حجر قد يكسر الليل
ولا أي يد قد تحيي رماد محرقة كل البيارق
عن المستقبل اللبنانية

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: