مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

«الحداثة المعطوبة» لمحمد بنيس.. اختفاء المكتبة

«الحداثة المعطوبة» لمحمد بنيس.. اختفاء المكتبة
 
علي البزاز
العالم وجود ثقافي، قبل أن يكون سياسياً واجتماعياً، أو هو توسيع لمفهوم الثقافة كي يحتوي الإقتصاد، عالم الموديلات والديكورالمنزلي، الأذواق والأطعمة وحتى الجنس. حينئذٍ، يصير العالم محتمل العيش. فتبدو المقاومة هي الاحتواء السلمي للمفاهيم والنزاعات بعيداً عن السلاح. الحرب، ثقافة الاحتكام إلى السلاح. المقدّس ثقافة طاعة المتعالي. كم اُهملتْ الثقافة كسلوك وذوق وممارسة جنسية، وحُصرتْ بالكتب فقط؟ وهكذا، يسود نوع ثانٍ من المقدّس غير الديني، بتقديس الكتب والأدب والفن. يقول تودوروف: «إن الاعتقاد بمزايا الأدب، لا يُجبرنا على الاعتقاد بأن الحياة الحقيقية هي الأدب، أو أنّ كل شيء في العالم يفضي إلى الأدب. عقيدة تنبذ من الحياة الحقيقية ثلاثة أرباع البشرية».
يشير محمد بنيس في كتابه «الحداثة المعطوبة»، ط2، 2012، دار»توبقال للنشر، إلى اختفاء المكتبة من المنزل العربي كديكور جمالي ومعين فكري. اختفاء صداقة وتاريخ، بما يعني محدودية وضيق مساحة العالم الروحي والبصري للإنسان. «تبيّن لي أنّ تصوّر المكتبة لا يدخل في اهتمام الناس، أكان البيتُ لفئة ميسورة أو فئة بسيطة الدخل. بين الجميع مُشتركٌ متداول دون اتفاق مكتوب، هو المكتبة المفتقَدة».
لا تدخل المكتبة في البناء المعماري للمنزل مثل الشبابيك والغرف. إنّها غير مُفكّر بها لا جمالياً ولا ثقافياً. فلا ينشغل المصمّمون العرب، بذلك التصوّر المعماري الضروري، ولا حتى الجمالي لوجود المكتبة في المنزل. مجاورة المكتبة، تعلّم فيما بعد عادة القراءة بالاحتكاك اليومي. هذا الإهمال يتساوى مع اهتمام المثقف بالكتاب، على أنه مقدّس يجب أن يسود في كلّ شيء، وهو بالتالي، أي الكتاب حكم ودليل معرفة ومفاضلة. لكن المثقف يهمل اعتبار الكتاب موجهاً إلى الحياة سلوكاً وتربية أولاً، مثلاً: التعامل مع الرصيف، ثقافة الاستماع، آداب البيئة، الأذواق والزينة. فما فائدة الكتاب إذاً، إن لم يحقّق عدالة السلوك اليومي بجانب عدالة السلوك الأدبي؟ يمتلك الكاتب نوعين من الأدب: الأدب المكتوب، والأدب الاجتماعي. والأخير هو أعظم من الأول، لأنه يحتوي الحياة كمعطىً ثقافياً. يقول فوكو»: إن ما يدهشني أن الفن غدا شيئا لا علاقة له إلاّ بالأشياء، وليس بالأفراد أو الحياة… ولكن، ألا يمكن أن تغدو حياة كل فرد تحفة فنية؟ لماذا يكون المصباح أو المنزل موضوعين للفن وليست حياتنا كذلك». توغل الحياة العربية في التساوي اهمالاً وتقصيراً مشتركاً من كلا الجانبين المثقف والمواطن، ما جعل الآخر يفيض تعالياً علينا.
في الجانب المهم من حياة المغرب الثقافية وعلاقته بالفرنكفونية «وجود حرب لغوية يقودها أغلب الكتّاب والناشرين الفرنكفونيين في المغرب والخارج ضد اللغة العربية… يقول الصحافي فريدريك جولي «إن ازدهار دور النشر باللغة العربية يبدو غير قابل للتراجع ويثير جدلاً، فهل هو يشجع على بروز جيل جديد من الكتاب المغاربيين، أو يشكل، كما تعتقد بذلك ليلى الشاوني عن دار «الفينك»، أفضل واسطة لانتشار الأطروحات الأصولية؟». ظلم مركّب للثقافة المغربية، بسبب التعالي الأوربي والعربي سواسية على قاعدة «بضاعتنا رُدّت إلينا»، وكذلك من الجانب المغربي ذاته «الثقافة العربية، التي تُدرّس وحدها كثقافة مشتركة بين جميع البلاد العربية، غير أنها لا تترك للثقافة المغربية زماناً ولا مكاناً. ثقافة مخبَّأة أو محذوفة، تبعاً لنموذج ثقافي أو بسبب أفتقاد المراجع.. المغاربة هم أول من لا يعرفون تاريخهم الثقافي انطلاقاً من رؤية حديثة. ولستُ أستثناء بالنسبة لغيري»، يكتب بنيس.
ينبغي على المغرب الاستفادة من المرحلة الراهنة التي تعيش فيها المراكز الثقافية التقليدية هشاشة سياسية، تشهد صعود ثقافة التعمية والأصولية، سيما، أنه ذو تلقيح ثقافي مزدوج، أوروبي؛ فرنسي، أسباني، إيطالي. وعربي إسلامي.
 
علي البزّاز
السفير

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: