مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حَتَّــى لا يَأْكُلنــا الظَّــلام

حَتَّــى لا يَأْكُلنــا الظَّــلام
 
بقلم : صلاح بوسريف
باتفاق مع الكاتب
” أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً  “[الفرقان45]
” وأنّ النَّهارَ وَ أَنَّ الظَّلامَ   عَلى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ يَدْجُوَانِ “
(أبو المعلاء المعرٍي)
أُفَكِّرُ، فأنا إذن، مَوْجودٌ. هذا ما يُسَوِّغُ وُجُودي كإنسانٍ له عقل، وله فِكْرٌ ورَاْيٌ وخيالٌ. وُجُودِي، هو رأيي، هو حُرِّيَتِي في الابْتِدَاع وفي الابتكار، وفي النَّظر والتَّأَمُّل والبحث. لستُ تابعاً، أو تقودُني عَرَبَةٌ عَمْياء، يقودها ماضٍ أعمى، نحو وُجُودٍ أعمى. الشمس هي ما تقودُني، هي ” دَلِيلِي “، ما يعني أنَّني أنظر إلى الأمام، وأرى الأشياء بما يكفي من الوُضُوح. الوراء، في عقيدتي، وفي هذه الشمس التي تقودُني، هو لحظةٌ انتهتْ، وما تعلَّمْتُه منها، قابلٌ للمراجعة والنقد والمُساءلة والاسْتِقْصَاء. لاشيءَ في فكري ثابتٌ، كل شيء عندي في مَهَبِّ الرِّيح، وقابلٌ للمُراجعة والنَّظَر، مهما تكن النتيجة. لا يقينَ ولا مُطْلَق، إلاَّ يقينَ العقل، وما نذهبُ إليه من خيالات وأحلام، باعتبارها، هي ما يُفْضِي للابتكار والإبداع، لأنَّها هي ما يُذْكِي العَقْلَ ويُؤَجِّجُه.
” لا إِمَامَ سِوَى العَقْل “. هذا ما كان ذهب إليه أبو العلاء المعرِّي، صديقي؛ هذا الشَّاعر الأعمى الذي كان مُتَشَبِّعاً بالضَّوْءِ، لم تأكُلْه الظُّلْمَةُ، رغم أنه كان يُقيمُ في السَّوادِ، فهو أدرك أن الدِّين، حين يقودُه الظَّلام، أو يبقى خارجَ العقل، يصير أعمى؛ يَحْكُمُ على العقل بالجهل، ويصير كلُّ شيءٍ في رؤية من يقرؤونه، بهذا المعنى، تأويلاً أعمى، جاهِلاً، لا يُفْضِي إلاَّ إلى القتل والإبادة والحَجْبِ، والإقصاء والتكفير.
ليس الوُجودُ تقليداً أو تَبَعِيَةً، فهو وُجود بالفكر، ووُجُودٌ بالخلق وإعمالِ العقل، أو بالحياة. لا احْتِذَاءَ ولا اتِّباع. أو بتعبيرٍ آخر للمعرِّي؛ ” فشَاوِر العَقْلَ…فالعقلُ خَيْرُ مُشِيرٍ”.
الذين يذهبون إلى الماضي، باعتباره البديل، أو الحُجَّةَ على فَشَل الحاضر، هؤلاء لا أمام لهم، ولا “إمَامَ”. فَمَن لا أمامَ له، لا وراء له. هكذا فَهِمْتُ الوُجُودَ، وهكذا كتبتُ، وهكذا سَأَحْرِصُ على أن أكون حُرّاً في فكري، وفي رؤيتي للطبيعة وللأشياء. لستُ موجوداً بالتَّبَعِيَةِ، فأنا موجودٌ بما أصِلُ إليه من أفكار، وما يبدو لي أنه ” الحقيقةَ “، والحرية، في الاعتقاد، وفي التفكير، كما ذهب إليها فُقَهاء التنوير، حين قَدَّمُوا العقلَ على النَّقْل والاتِّباع، أي على ما ليست حُجَّتُه كافية، في دَرْءِ الخِلاف.
حين نُفَكِّر بحرِّيَة، فنحن نُتِيح للآخَر، كائناً من يكون، أن يُقَاسِمنا هذه الحُرِّيَةَ، أن نستمع له بصبرٍ وبانتباهٍ، وأن نُنْصِت لِمَا يقوله، أو يكتُبُه، دون مُصادَرَةٍ أو إقصاء. فالعاجز هو مَنْ لا يَتَّسِع صدرُه للاختلاف، و هو من يعتقد أنّ الوُجُودَ هو صورةٌ واحدة تتكرَّر في نفس الفكرة، وفي نفس المُعْتَقَد، أو الأيديولوجيا، وما على الآخرين إلاَّ أن يُعيدوا إنتاج نفس الكلام، بنفس التفسير، وبنفس التأويل، وفق ” حقيقةٍ ” مُغْلَقَةٍ نهائيةٍ، لا شُقُوقَ فيها، ولا تَصَدُّعَاتٍ.
لم يكن الدِّين، آلةً، لِذَا فهو لم يكن ضدَّ العقل، كما لم يكن العقل نافياً للدّين، أو حُجَّة على ادِّعائه، وتهافُتِه. فبقدر ما حَرِصَ الدِّين على الإقناع بالحُجَّة، غيباً كانت أو عقلاً، فالعقل، حين نظر في الدٍّين، فتح أفقاً للسُّؤال، واستعمل الاستدلال كأداة لليقين، أو لِما قد يليه من احْتِمالات، بما فيها الشَّكِّ، كلما بدا له أنَّ ثمة شيئاً لا يزال، مُلْتَبِساً ضَبَابِياً، أو هو في حاجة للاسْتِقْصاء والمُساءلة. وبتعبير ابن رُشد، فـ ” دين الفيلسوف الخاص ” يقوم على ” دراسة ما هو كائن، وذلك لأنَّ أرفع عبادة يمكن أن يُعْبَدَ اللَّه بها تقوم على معرفة ما صَنَع لِما يُؤدِّي هذا من معرفتنا إياه على حقيقته كُلِّها “.
ليس العقلُ في ضوء هذا، تابعاً، فهو ” إمامٌ “، بتعبير المعرِّي، دائماً؛ قائدٌ وحُجَّةٌ، وهو ما أقرَّتْه النظريات العلمية، ونظريات المعرفة المختلفة، في مختلف الثقافات الإنسانية التي لم تُقِمْ في اليقين، فبدأت بالشَّك و بالافْتِراض، للوصول إلى ” الحقيقة “، أو لِما يمكن أن يكون طريقاً لـ ” حقيقةٍ ” ما.
لم يكن الدٍّين خارجَ “الحقيقة”، بل إنه كان أحد طُرُق تَدَبُّرِها، وحَفَّز عليها، وحَثَّ على كل ما يذهبُ بالفكر إليها، من خلال النظر العقلي، الذي هو مضمار وُجود الإنسان، واختلافه عن باقي الخلائق.
لا يمكن لإنسانٍ أن يكون دون فكرٍ، ولا دون خيالٍ، ما يعني أنَّه، إذا وُجِدَ بهذه الصِّفَة، سيكون إنساناً ناقِصَ وُجُودٍ، لأنه بدون عقل، وبدون نظر، ولا اختيار له.
أليس في إنسانٍ من هذا القبيل، ما يجعل منه خطراً على نفسه، وعلى الآخرين، وحتى على الدِّين نفسه، حين يستعمله بنوع من الاستعادة والتكرار، أي دون رأي أو تَدبُّر، أو بتأويل جاهلٍ وأعمى ؟
أليس الوُجود هو الإنسان العاقِلُ المُفَكِّرُ الذي جاء الدِّين نفسه ليضعه في مقابل الجاهل، أو من لا يعلم، سَيْراً على ما جاء في الآية؛ و ” هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ” ؟
أليس الإنسانُ هو معيارُ كلّ القِيَم، أو قيمة القِيَم ؟
لسنا مثل البقر، نتشابَه في كل شيء، أو كما تُريدُنا السَّلَفِياتُ التقليدية المُحافِظَة، التي لم يَتَأَصَّل عندها الفكر كـ ” إمام ” وقائد، وحُجَّة، ومنطق واستدلالٍ، وطريق إلى المعرفة والعلم، أن نكون صوتاً واحـداً، أو صَدًى،  نقولُ نفس الشيء بنـوعٍ من التكـرار، ومن التَّبَعِيَة والإجماع، علماً أنَّ “الإجماع”، كما تُشير خالدة سعيد، في “يوتوبيا المدينة المثقفة”، هو موقف سياسي محض، وليس دينياً. فالدين الإسلامي قبل المذاهب والفتاوى، كالمسيحي قبل المجامع المسكونية، يتوجَّه إلى وجدان فردي لا إلى مؤسسة، والانتماء إلى الدِّين [أو الإيمان به] يُبنى على “شهادة” فردية في الإسلام، وعمادة فردية في المسيحية.
حين كان كيركيغارد يُرَدِّد أن سقراط “هو الذي كان موجوداً”، كان يذهب إلى طريقة سقراط في معرفة نفسه، وفي معرفة وُجوده، لأنه اختار “الحوار”، كوسيلة للمعرفة، وإحراج مُحاوِرِيه الذين لم يَعْتادُوا على  التفكير بهذه الطريقة التي ابْتَدَعَها سقراط.
يروي “ديوجين لايرس” أنَّ “ايكزينوفون” كان يعبُر درباً ضيِّقَةً في مدينة “أثينا” عندما سَدَّ عليه “سقراط” الطريق سائلاً:
ـ من أين نشتري الأشياء الضرورية للحياة ؟
وبعد أن أجاب “اكزينوفون” تَعَقَّبَه “سقراط” قائلاً:
ـ أين نتعلَّم أن نكون رجالاً شرفاء ؟
ولَمَّا كان “اكزينوفون” لا يعرف إلاَّ أن يُجيب، أضاف سقراط:
ـ تعال معي أُعَلِّمُك كل ذلك.
أن يُمْسِكَ سقراط اكزينوفون من يَدِهِ، ويقودُه، معناه، أن يَسْلُك به الطَّريق الآخر الذي لم يكن اكزينوفون فَكَّر فيه. أن يكون أمام الواقع، أو أمام “الحقيقة”، وجهاً لوجه، أن يخرج من شَرْنَقَة الجواب، ومما تَعَوَّدَ على فعله، إلى ما لم يَتَعَلَّمْه بعد.
لماذا لم يُباغِت اكزينوفون، هو الآخر، سقراط بالسُّؤال ؟
فنحن حين نكتفي بالجواب، نكون في وَضْعِ مَنْ يُبَرِّر، أو يُدافِع عن نفسه، لا في وضع من يُهاجِم، أو يُقْلِق ويُرْبِك ويُزْعِج، أو يَفْتَرِض، ويضع كل شيء في مَهَبِّ الاحتمال.
هذا، في اعتقادي، ما كان سقراط يريد اكزينوفون أن يتعلَّمَه، حتى لا يبقى أسيرَ معرفةٍ، هي ملكُ يَدِ العامَّة، وهي معرفة المُطْمَئِنّ المُؤمن، وليست معرفة القَلِق، الشَّاكِّ والمُرْتَاب، الذي يَلْتَمِسُ الحقيقةَ.
هذا هو جوهر الفرق بين الذين يأتون اليوم من الماضي، لِيَتَصَدَّوْا للحاضر، وبين الذين اختاروا الحاضر كطريق للمستقبل. فرقٌ في المعرفةِ؛ معرفة ” الذين لا يعلمون “، في مقابل معرفة ” الذين يعلمون “، أعني المعرفةَ بالنُّور، في مقابل المعرفة بالظلام.
المعرفة الحديثة، التي هي اليوم ما يُضْفِي على الوجود البشري كل هذا ” التقدُّم ” الذي يسير فيه، وهذه الابتكارات، العلمية والتقنية، التي فتحت الوُجود على مَجَاهِلِهِ، العقلُ، باعتباره، طُموحاً، أي حُلُماً وخيالاً، هو ما أفضى إليها.
هؤلاء الذين أتَوْا اليوم، ليضعوا الأَمامَ وراءً، أو ليعودوا بنا إلى وراء الوراء، وإلى ما قبل الوُجود، بمعناه الابتداعيِّ الخَلاَّق، هُم ضدَّ العقل، بقدر ما هُم ضدَّ الدِّين نفسه. أعداءٌ للعقل وللِدِّين، كما هُم أعداء للخيال والحق في الابتكار والتَّمَيُّز والتَّفَرُّد. هؤلاء، هم نفسهم، من كانوا حاكموا ابن رُشد على أفكاره، وجُرْأَتِه، وحاكموا قبله سقراط، والحلاَّج كما حاكموا الفكرَ المُنْفَتِحَ على الشمس، وعلى الحقيقة التي طالما عَتَّمُوا عليها، وأظْلَمُوها، أو كلما بَدتْ لهم، ساطِعَةً، أَعْشَت أبصارَهُم، مثلما يحدث لمن يكون خارجاً من كهف مُعْتِمٍ، فلا يقوَى على مواجهة الشمس، التي تبقى هي الحقيقة الواحدة، في مواجهة الظلام. أو مثل الظَّمْآن الذي كُلَّما رأى سراباً ظَنَّهُ ماءً.
ليس الفن كُفْراً، ولا الفِكْرُ، أيضاً. الشِّعر والغناء والرقص، والتمثيل والسينما، ومُخْتَلِف التعبيرات الجمالية، بالجسد أو باللغة واللَّوْن،  والصورة، ليست، هي الأخرى، غواياتٍ، أو تحريضاً على ” الرَّذِيلَة “، وفعلاً من فعل الشيطان، أو” تحالُفاً مع الشيطان “ !. المرأةُ ليست عَوْرَةً ولا خطيئةً، كما أنَّ الحِجَاب ليس سَتْراً، أو تعبيراً عن إيمانٍ أو اعتقادٍ. هذه كُلُّها أفكار لم تكن حتى في الماضي تصمُد في فكر العلماء الذين كانوا ينظرون للحياة بانشراح، وكان الدِّين عندهم لا شَكَّ فيه، ولا ارْتِيابَ، وأدْرَكُوا قبل غيرهم، أنَّ الوَحْيَ كَشْفٌ، أي قَوْلٌ بما هو موجود، والعقْل اكْتِشاف، أي رغبةٌ في المعرفة، وسَعْيٌ ذَائِبٌ إليها.
هؤلاء هم من فتحوا الدِّينَ على العقل، أو جعلوا من العقل إماماً في فَهْم الدِّين، باعتباره نَظَراً، ورؤيةً للوُجود، يغلب فيها الإيمان على غيره.
لم يكن الدٍّين ضِدَّ الجمال، فمن يعترض على الجمال، يعترض على العقل، وعلى الحُرِّيَة، وعلى الحق في الخَلْق والخيال، كما يعترض على وُجُود الإنسان، وعلى إرادته ومسؤوليته، وقدرته على أن يكون بذاته.
جاءت الدِّيانات جَميعُها، لِحَفْز الإنسان على التأمُّل في الوُجود، ليس باعتباره جَحِيماً، بل باعتباره ابْتِدَاعاً، و “بَهْجَةً للناظرين”، أو كما جاء في الآية “ولَكُم فيها جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ”.
الذين يَعْمَلُون على حَجْبِ الحقيقة، أو على حَجْب الجمال، إنما يَسْعَوْنَ لِحَجْب الله، أو الكلام نيابَةً عنه، وفي هذا بالذَّات ما يجعلهم جاهلين بحقيقة الله، وبحقيقة العقل، وبما يذهب إليه من معرفة وعِلم.
لا أتَصَوَّرُ أنَّ الله خَلَق الإنسانَ ليكون آلةً، أو يكون كالأعمى لا يقودُهُ إلاَّ الظلام. لا يمكن أن يحيا الإنسان دون شمسٍ، أعني دون وُضوح في الرؤية، وأيضاً دون وُضوح في الفكر وفي المُعْتَقَد. وُجود الإنسان مشروط باجتهاده، بإرادته، وباختياره، وبِحَقِّه في الاعتقاد، و بما يَبْتَدِعُه من أفكار، أي باعتباره قيمةً مُضافَةً، وحقيقةً بشريةً، هي من خَلْق الإنسان ومن ابتكاره، أي باعتبار الإنسان مركزاً لا هامشاً.
لم يكن سقراط، وهو من حُوكِمَ بِطَعْنِهِ في الآلهة، أو بالدَّعْوَة لآلهة جديدة، وإفساد عقول الشباب، رغم نَفْيِهِ لهذه التُّهَم، في دفاعه عن نفسه، سوى صورةٍ لِعَقْلٍ أعاد للإنسان مكانته، في معرفةِ نفسِه بنفسِه. وهو ما كان سقراط نفسه، قرأه مكتوباً على أحد جدران معبد “دِلْفِي”، ورأى فيه “نداءً”، يأتيه من الآلهة.
أليس في هذا ما يُشير إلى أنَّ الدِّين نفسَه، كان هو المُحَرِّضَ على إيقاظ فكر الإنسان، ودعوة هذا الكائن العاقل، إلى أن يخرج من سُباتِه، وينهض من نسيانَه، ليتساءلَ، ويتأمَّل؟
أليس الإنسان هو، في جوهره، فكرٌ يَقِظُ، قَلِقٌ، وفي يقظته وقلقه يُضِيف إلى الوجود ما ليس فيه، أي باعتباره خالقاً، مُضِيفاً، وصاحب رأيٍ ونَظَر ؟
ثُم، أليس بهذا المعنى يمكن فهم قول المعري، وهو مَنْ كان أكثر فَهْماً لمثل هذا النوع من الفكر الإقْصائِيِ الأعمى، الذي كان انتشر في زمنه، مثلما هو اليوم ينتشر في زمننا؛
إذَا قُلْتُ المُحالَ رَفَعْتُ صَوْتِي      وَإِنْ قُلْتُ اليَقِينَ أَطَلْتُ هَمْسِي
أدْرَك أبو العلاء المعري، بحدسه الشِّعري، من جهة، وبوعيه الفلسفي العميق، من جهة أخرى، أنَّ المعرفة لا تتأسَّسُ إلا على المُحال، أو على قول المُحال، بتعبيره، لا باليقين، الذي لا يُفْضِي إلاَّ إلى التَّشابُه،  الذي هو أحد أُسُس ” الثقافة الدينية المؤسساتية ” التي تَتَحَكَّمُ الدّوْلة في تأويلاتها، وتعمل من خلالها على تَكْرِيس فِكْر التقليد والتَبَعِيَة والطَّاعَةِ، والبقاء في سياق ” الجماعة “، التي لا مكانَ فيها للفردِ، أو للصَّوْتِ المُنْفَرِد، أو الثقافة الدينية السلفية، التي لا تقبل بالاختلاف، وتَعْتَبِر كل صَوْتٍ، غير صوتِها، مارِقاً وخارجاً عن حدود السنة والجماعة، ما يُسوِّغُ كُفْرَهُ، أو قَتْلَهُ بالأحرى
ليس ما يجرى في العالم العربي من ” ثوراتٍ ” على الأنظمة، صَحْوَة دينيةً، أو انتصاراً للدٍّين على الكُفْر ! فاختيارات الكُتَل النَّاخبة، التي ُتمَثِّل نِسَباً كبيرةً منها، في مجتمعاتنا، أشخاصاً، إمَّا غير مُتَعَلِّمين، وإما لا يملكون ما يكفي من وعْيٍ بما يجري، والدِّين، عندهُم، بالتالي، هو إيمان بالعادةِ، وسلوكٌ يجري في حياتهم، دون أي تأويلٍ أو ابْتِذَالٍ، كانت اختياراتٌ، في أغلبها تسير في هذا السياق، لا في سياق انتصار ” الحق ” على ” الباطل “، أو العودة إلى الدِّين وفق معايير الماضي، أو شُروط الصَّحْوَة، كما تَصَوَّرَها بعض هؤلاء
الذين رَكِبُوا هذه الثورات، التي كانت في أساسها انتفاضاتٍ شعبية، جماهيرية، جاءت نتيجةَ تراكُماتٍ، واحتقاناتٍ، ما فتئت تَفْعَل فعلها في الأجيال الجديدة، من الشباب، الذين وَجَدو نفسهم دون عمل، ودون سكن، ودون حق في الحياة، وأنَّ آمالهم في التغَيُّر هي مَحْضُ هَباءٍ، وريحٌ تَأْكُلُها ريحٌ، دون طائلٍ.
هيمنة الفكر الديني الأصولي، أو السلفي، هي نتيجة لِما خَلَّفَتْهُ الأنظمة العسكرية التي حَكَمَت باسم الثورة والتحرير، من فَشَلٍ وإحباطٍ، وما دَخَلت فيه من هزائم، ومن انتكاساتٍ، في السياسة كما في الاقتصاد، وفي تدبير الشؤون اليومية للناس، وما سَعَت لتكريسه من نُظُم وِراثيةٍ طائفيةٍ، أفْضَت إلى تكريس العائلة، أو القبيلة أو الطائفة، كسلطة مُطلقةٍ، وإلى تكريس اقتصاد الرِّيع، ونَهْب الثروات وتشتيتها في كل الاتِّجاهات، إلاَّ ما يَخُصُّ المعرفة والتنمية والبناء ورَفَاهِ الشُّعوب.
وهي أيضا، نتيجة فَشَل اليسار العربي، في نضالاته، وفي اختياراته، التي غالباً ما كانت تَسْقُط في فِخاخ هذه الأنظمة، أو تُسايِرُها، ما جعل من كثير من هذه الأحزاب تذوب في السُّلطة، وتفقد، بالتالي الشرعية الشعبية، التي كانت دائماً، هي الغطاء الذي تتَدَثَّرُ به، في مُواجهة الرِّيح.
من هذا الفراغ، جاء هذا الفكر، رغم أنَّ الذين خرجوا إلى السَّاحات العامة، لِيَقْلِبُوا الأرض على هذه الأنظمة الفاسدة، لم يكونوا، في غالبيتهم، يحملون شعاراتٍ دينية، بقدر ما كان مطلبُهم قَلْبَ النِّظام.
منطق الثورات التي جرت، كَشَفَ عن فكر تنظيميٍّ حديث، وعن استعمال باهرٍ لوسائل الاتصال الاجتماعي، واستغلال التقنيات الحديثة، وعن رغبةٍ عارمةٍ في التَّحَرُّر، ولم يكن فِكْراً قتالياً، أو مُسَلَّحاً، وهو ما تتبناه خطابات الفكر السلفي الأصولي، ما ينفي خروج هذه الثورات من ” المسجد “، أو قيامها على الدِّين، من حيث المنطلق، والمبدأ.
أين المثقفون من كل هذا؟ أين دورهم في التنوير والإضاءة، وفي ابتكار الخطاب المناسب للِسِّياق الراهن ؟ وهل كان للمثقف حضور في هذه الثورات ؟ وبأي صورة ؟
لم يكن المثقف غائباً، تماماً، عمَّا يجري، بل إنَّ المثقف المُسْتَقِلَّ الحُرَّ، كان حتى قبل حدوث هذه الثورات، مشاركاً فيها بالرأي، وبما كان يكتبه ويقوله. لا يمكن الاستهانة بهذه الكتابات التي جرت خارج أسوار الجامعات، وكان لها دورٌ في تكوين هذا الوعي المُسْتَقِل، وفي إحداث تراكُمٍ في الأفكار، وما قامت به من مُراجعات للماضي، وحتى لِما هو رائج من أفكار في الحاضر، مما لم يكن قادراً على تحقيق ” النهضة “، أو ما كان منها سبباً في مُفاقَمَة ما نحن عليه من تراجُع و تَدَهْوُر، رغم ما تعرَّضت له من حصار وتهميش.
ثمة مَن انْحاز مِن هؤلاء إلى السلطة، واكتفى بتبرير برامجها وسياساتها، ولعلَّ في مثقفي الأحزاب ما يكفي لفضح صورة هذا المثقف الذي وضع نفسه تحت إشارة المؤسسة، ولم يكن صاحب فكرٍ
مُستَقِلٍّ، بقدر ما كان، في اختياره هذا مجرد آلةٍ في يَدِ ” النظام “، كما هو آلة في يَدِ ” الحزب “.
” مؤسسات المعرفة “، وأعني بها الجامعات والمعاهد العليا والمدارس التعليمية، لم تعد ذات أهمية في حياة الناس، ولم تعد مكاناً للمعرفة، والإبداع. فهي اليوم تعيش في عُزْلَة عن المجتمع، تكتفي بتدريس معرفة مَيِّتَةٍ، وفي أقصى الحالات، تكوين المهنيين، في التَّخَصُّصات التقنية. برامج التدريس ليست في مستوى ما يجري من متغيِّرات، في المفاهيم والتَّصَوُّرات، وفي ما يطرأ من نظريات. فالجامعة اختارت الماضي، وأصبحت بدورها صورة لـ ” نظام ” قديمٍ، لا يستجيب لطموحات الأجيال الجديدة، التي باتت اليوم تذهب للمواقع الاجتماعية للبحث عمَّا يُلَبِّي بعض طموحاتها، ويُشْبِع جُوعَها، في المعرفة، وفي الوُصول للمعلومات، والأخبار.
لا معرفةَ في جامعاتنا العربية. البحث العلمي يعاني من أعطابٍ في البرمجة وفي الاقتراحات العلمية والفكرية، وفي تهميش وإقصاء وإبعاد العلماء والباحثين والمبدعين ذوي الكفاءات العلمية الكبيرة والخبرة والتجربة عن مواقع القرار، وفي ما تضعه الدولة من مالٍ للبحث العلمي، يفضح رؤية الدولة للعلم والثقافة، والمعرفة عموماً.
سياسة النشر والتوزيع، ودعم الكِتَاب والقراءة، هي أيضاً، تعاني من خَلل في التَّصَوُّر، وفي الرؤية، وليست شعارات ” مجتمع المعرفة ” أو ” من أجل مجتمع قارئ ” التي حملتها بعض وزارات الثقافة العربية، سوى كلام فارغ. فالوضع الثقافي في هذه البلدان يكشف زَيْفَ هذه الشِّعارات وتهافتَها. ولعل ما تُخَصِّصُه هذه الدُّول من ميزانيات للثقافة، في مقابل ميزانية الدِّفاع والأمن، ما يكفي لمعرفة طبيعة هذه الأنظمة، وما تُخَطِّط له في مواجهة الشعوب، متى خرجت لتطالب بالحق في العلم وفي المعرفة وفي الحياة.
إنَّ في استعمال الأمن والجيش لقتل المتظاهرين في الساحات العامة، ممن خرجوا يُطالبون بالحرية، ما يجعل من الثقافة عَدُوّاً للدولة، ويجعل من العلم والمعرفة، سلاحاً، كم عملت هذه الدول والأنظمة على إبطاله، بقهر المثقفين، ووضع الثقافة، ومؤسسات المعرفة، ضمن آخر أولوياتها.
هذا ما تؤكده الحقيقة التاريخية، التي كانت فيها الشريعة في مواجهة الحكمة أو العقل، وكان فيها الفكر مرفوضاً، كلما بَدَا أنه  في غير صالح ” السُّلْطان “، أو يُناقض فكره وعقيدته.
المبادرة الفردية كانت ضمن ما سعى من خلاله بعض المثقفين والجمعيات والمؤسسات الثقافية المستقلة، لخلق مناخ ثقافي تنويري،
فالدولة حتى حين كانت تشارك، أو تساهم في بعض هذه المبادرات، فهي إما كانت تعمل على استيعابها وابْتِذالِها، أو تعمل على الحدِّ من انتشارها، ورغبتها في التغيير، وفي تعميم الفكر الحداثي المُسْتَقِل.
كانت الثقافة ضمن الحروب التي خاضتها الدولة للحَدِّ من رأي المثقفين، ومن أفكارهم، التي كانت دائماً، في غير وفاق، ولا اتِّفاق مع الأنظمة.
فحين تُصادر الدولة كتاباً، أو تَحْجُب مجلةً أو جريدة، تحت أية ذريعةٍ، فهي تخوض حرباً على فكرٍ لا يُوافق فكرها. فالمثقف الحداثي المُسْتَنير، هو حالةٌ استثنائية، فهو ناقدُ بالضرورة، لا يتعب من المُساءلة، ومن محاكمة الأفكار والمواقف، ووضعها تحت مجهر العقل، والصيرورة والانشراح.
بعكس السياسي الذي اختار العابرَ، واللَّحْظِيَ، واكتفى بالمُكْتَسبِ، ولم يعد يفكر في المستقبل، أو أنّ المستقبل غير وَاردٍ في رؤيته للواقع، كما أنه على استعداد للتواطؤ مع السلطة، دفاعاً عن مصالحه، ومُكتسباته.
هذا ما جعل من السياسة عندنا، تكون نقيض الفكر والمعرفة، والسياسي عندنا، يكون جاهلاً،  بلا حَدْسٍ ولا ذكاء، وبلا أفق في رؤية الأشياء.
ليس عندنا سياسيون أصحاب فكر، بقدر ما عندنا مفكرون أصحاب رؤية سياسية، وهؤلاء لا أحد يلتفتُ إليهم، أو ينظر في ما يقولونه ويكتبونه، لأنَّ تحليلاتهم، وأفكارهم، لا تَخْدُم الأنظمة، بقدر ما تخدم الإنسان.
وَعْيُ الشُّعوب بفشل سياسات الدول، وبإخفاق  الأنظمة  العربية، في برامجها، وفي سياستها، كان وعياً حداثياً، لأن في رفع شعار تغيير النظام، ما يُشير إلى المستقبل، لا إلى الماضي وهذا ما يجعل من حضور الفكر، وحضور المفكرين الحداثيين، يكون أحد أهم ما وَجَّه هذه الثورات، من خلال ما كتبوه، وراكموه من كتابات، وليس بالرُّكُوب عليها، وباستعمال الدين، كخطاب له تأثيره في شرائح واسعة من الناس، باعتباره الحل، أو ما يعتبره هؤلاء حَلاًّ، وفق ما تدعو له هذه الأصوليات السلفية.
فما كَرَّسَتْه الدولة من تقليد، ومن دعم للفكر السلفي المحافظ، بدعوى الوسطية، تارةً، وبدعوى التعادلية، أو حفظ التوازن، تارةً أخرى، وما أسَّست عليه سياستها التعليمية، التي نفتْ الفكر الفلسفي، وألغت العقل والمنطق، مِنْ برامجها، واعتبرت هذا النوع من الفكر، فكراً منافياً للدِّين، وما قامت به من حصار ومنع للفكر التَّغْيِيرِيِّ التّجْدِيدِيِّ،  الحاثي، وللعقل إجمالاً، كان ضمن ما ساعد على انتشار هذا المَدِّ الأصولي السلفي، وعلى اسْتِفْحال هذا الاستعداد الفِكريّ السَّطْحِيّ،
لقِبَوُل مثل هذا الخطاب الذي استعملَ الدِّينَ في السياسة، أو دَيَّنَ السياسةَ، لتصير سياسة فقهيةً دعويةً غيبية، لا سياسة تخطيط وتدبير، ونَظَر في شؤون ” الحياة الدُّنيا “، أو الدولة المدنية، بالتعبير الحديث.
تعاملت الأنظمة العربية مع الإنسان باعتباره جُثَّةً يمكن حَشْوُها بما تشاء من تِبِنٍ وقَشِّ وغُبار، وهي في هذا كانت حريصةً على إلغاء الإنسان المُفَكِّر العاقل، مقابل إنسانٍ تابعٍ خاضِع، يتحرَّك بإرادة غيره، لا بإرادته، وهو هنا، إنسانٌ آلةٌ، لا يُفَكِّر، ما يعني أنه غير موجود، أو هو موجود بآلة، بتعبير الفارابي.
لا أحد راهن على الشباب، وعلى طريقتهم في التواصُل والتنظيم، وفي التعبئة، وحين رفعوا شعار ” الشعب يريد.. ” فهم أسقطوا نُظُماً كثيرةً؛ نظام الحزب، ونظام العائلة، ونظام التعليم، ونظام المؤسسات الثقافية، ومؤسسات المعرفة، التي كانت تحتلها الدولة، كما أسقطوا نظام الفكر الدّعَوِيِّ القِتاليِّ، الذي كان اختيارُه للقتل أحد مقومات فكره، وأشكال مواجهته للشعب والنظام معاً.
بقيت الأحزاب خارج سياق هذه الثورات، التي هي أكبر من ” التَّمَرُّد “، وأكبر من ” الفتنة “، وهي، في آخر الأمر، تعبير عن دلالات ومفاهيم جديدة، لم يَعُد فيها للزَّعامات حضور، ولا لمفاهيم الفكر الثوري التقليدي، كما تعلَّمَتْه النُّخَب الماضية، فهذه المرَّة، كانت هذه
الثورات عربيةً، بلغة عربية، وبلسانٍ عربيٍّ، ما جعل من دَوَالِّها تكون حاصل ثقافة هذه المجتمعات، وبوعيٍ، رغم ما قد ينقُصُه من فَهْمٍ لطبيعة التغيير، ولِما قد يطرأ على هذه الثورات من اسْتِفْراد، وهيمنةٍ وتحريفٍ، في مراحلها الانتقالية، فهو وعْيٌ ثوْرِيٌّ، لأنه ذهب لـ ” تغيير النظام “، وهو الوعي نفسه الذي سيبقى مُشْتَعِلاً، لقلب أي نظام قادمٍ، لم يفهم دلالات هذه الثورات، أو يكتفي باعتبارها فرصةً للانقضاض على السلطة، أو استعمالها لتكريس التَّخَلُّف، والعودة بالأمة إلى، ما قبل وقوع الخِلاف.
المثقفون العرب، انْشَقُوا، أو هُم مُنْشَقُّون دائماً؛ الأحزاب، والانتماءات المذهبية، والمصالح، والعلاقة بالأنظمة، ومواقع السلطة والقرار التي تَبَوَّءُوها، وضعتهم، أو وضعتْ الكثيرين منهم في صَفِّ ” النظام “. ليس بالضرورة هذا النظام هو نظام الدَّوْلَة التي يَنْتَسِبون إليها، فثمة منهم من اختار أنظمةً هي من أتاحت لهم ما يعيشون فيه من بذخ، ومن أرْيَحِيَة اجتماعية ثقافية.
بَقِيَ القليل من هؤلاء، ممن لم تأكلهم السلطة، وبقوا خارجها، وكتاباتُهم جاءت تعبيراً عن هذا التغيير، وهذه الانقلابات الجارية، ليس في الأنظمة، بل في الأفكار، وفي المفاهيم، وفي طريقة قراءة الدَّوَالّ الجديدة التي حملتها هذه المفاهيم.
ليس الشَّعب اليوم، هو الشعب قبل الثورة، وليس النظام اليوم هو نظام ما قبل الثورة، رغم ما قد نُبديه من تَحَفُّظٍ على ما أفرزته صناديق الاقتراع من أصوليات سلفية ماضوية، فهذا كان نتيجة الفراغ الذي عرف هؤلاء كيف يملأونه، وكانوا أكثر تنظيماً، وأكثر تمويلاً، ساعدت الأنظمة الماضوية العربية في دعمهم، وفي تكريسهم كبدائل على غيرهم ممن كانت حرية المعتقد، وحرية الرأي، وحرية الفكر، ضمن برامجهم.
يقتضي الوضع اليوم، إعادة التفكير بما يجري، وإعادة قراءة الواقع برؤية مغايرةٍ، تقبل بالاختلاف والتعدُّد، وتسمح بالتقاء المذاهب والمشارب، وتعمل على استقطاب الشباب إلى الفكر التنويري الحداثي، وحماية مؤسسات الفكر والمعرفة، والحضور في البرامج التعليمية، وفي صياغة القوانين والدساتير، ووضع جداول عمل ذات مَدًى مُحَدَّدٍ، وأهداف مُعلَنَة، لإعادة النظر في الأساسات، وفي، هذا الفكر الغيبي الذي هو أعْتَى من هذه الأنظمة التي تتساقط تباعاً.
ليس الظلام هو خيارُ الشعوب العربية، وليس الغرب ولا أمريكا، اللذان ركبا القطار وهو يمخُر عُباب الأنظمة التي كانت تخدم مصالح الغرب وأمريكا. وليس خيار الشُّعوب العربية أن تكون بدون فكر حُرٍّ، يكون فيه العقل هو الـ ” إمام “، وهو ” المُشير “. وليس خيار هذه الشُّعوب، أن تبقى تابعةً بلا فكر وبلا وجدان، أو بلا خيال.
فكما خرج هؤلاء من تلقاء ذاتهم وجَرَفُوا أنظمة استبداديةً توتاليتاريةً، فَهُم مَنْ سيكونون على استعداد لِجَرْف هذه السلفيات العمياء، التي لا تَقْوَى على النظر في الشمس، ولا تقبل بالحرية كبديل على الظُّلم والاستعباد.
فمتى بقي المثقف غائباً عمَّا يجري، أو ينتظر ما ستؤول إليه الأمور، فهو بهذا السلوك، يكون خائناً لفكره، إذا كان طبعاً صاحب فكر، وخائناً لمبادئه، إذا كان طبعاً صاحب مبادئ، وخائناً لخيارات هذه الشُّعوب التي نابت عنه في خوض الثورة، ووضعته أمام نفسه، وأمام ضميره، وأمام التاريخ، بما تعنيه الكلمة من مسؤولياتٍ.
دور المثقف اليوم، هو العمل على التغيير الأهم، أعني التغيير في الأفكار، والتغيير في القيم، وتغيير الذِّهْنِيَات، أو النُّفوس، وفق التعبير القرآني. والدِّين، ضمن هذا العمل، هو أحد الأراضي التي ينبغي العمل فيها برؤية جديدة، فيها جُرْأة، وفيها اجتراح لأفكار تُعيد ترتيب الأمور بما يقتضيه العقل، وليس بما يقتضيه الفكر الغيبي الماضوي، الذي أجْهَزَ على النص، كما أجهز على دَوَالِّه، واختار التأويل المناسب لفكره، فأصبح فكره هو النص، والنصُّ يأتي بعد هذا الفكر، أو يكون مُبَرِّراً له، ما أفْضَى إلى دينٍ هو غير الدِّين الذي عرفه الناس وآمنوا به.
حتى لا يأكلنا الظلام، لا بُدَّ من مجابهة هذا الفكر الماضوي، بفكر مُتَحَرِّر مُنْشَرِح مُتجدِّد، يؤمن بالتَّعَدُد وبالاختلاف، ويعمل على تكريس الديمقراطية وحرية الفكر والرأي، وحرية المعتقد، كخيار لا بديل عنه، وهذا لن يحدُث إلاَّ بإخراج الشمس من جيب سقراط، ووضعها في مكانها الذي كانت فيه من قبل أن يصير الظلام فاشِياً مُنْتَشِراً.
لا نريد مجتمع الغزالي، مجتمع المُصادرة والإقصاء، نريد مجتمع ابن رشد. مجتمع الفكر المُنْفَتِح، المُتَصَيِّر، الذَّائب في صيرورته، ومجتمع الفكر التنويريّ الحداثي، لا مجتمع التكرار والاسترجاع والتَّحْريم، فشتَّان بين المجتمعين، وشتَّان بين الفكرين.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: