مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

تاريخ تطورالانسان

تاريخ تطورالانسان
 
طريف سردست
تشارلز داروين سيبكي من الفرح لو تسنى له رؤية الامكانيات الهائلة التي فتحها امامنا علم الجينات والتي سمحت لنا بإلقاء نظرة في أعماق تاريخنا البيلوجي ، ومن خلاله تمكنا من الحصول على تفسيرات مفصلة بشكل مذهل في الرد على تساؤل لماذا نحن كما نحن عليه، واهم النجاحات على هذا الطريق كانت في وضع خريطة الجينوم للانسان الحالي والقديم.
كيف يتم وضع خريطة الجينوم؟
القدرة على عمل ذلك يعود الفضل فيه ، بالدرجة الاولى، الى خصائص الـ د ن آ. ليس فقط بفضل توفر كميات كبيرة من الـ د ن آ في اجسادنا ولكن ايضا بفضل ان مركباتها مستقرة للغاية، وهذا يجعل من الممكن تتبع آثارها في الماضي واحيانا الى فترة تصل الى اربعين الف سنة كما هو الحال مع النيندرتال. في الواقع يعرف الباحثون الـ د ن آ منذ فترة اطول مما قد نظن. عام 1869، اي فقط بعد عشرة سنوات من نشر تشاليز داروين لنظريته عن التطور، صادف ان عثر الكيميائي Freidrich Miescher على مركب غير معروف عندما كان يدرس خلايا مأخوذة من ضماد طبي. ولكونه عثر على المُركب في نواة الخلية اطلق عليه اسم نوكلين nuklien. في ذلك الزمن بدا لهم وكأن هذا الـ د ن آ بسيط الى درجة انه لايصلح ان يكون إلا مركب له بنية منتظمة، وفقط في منتصف القرن التاسع عشر انتبه العلماء الى ان هذا المُركب يحمل المعلومة الوراثية.

[الخبير السويدي وجمجمة النيندرتال]
بعد التمكن من ترجمة الكود الجيني تمكن الباحثون من تحقيق النجاحات الاولى في التتدخل وإعادة كتابة الكود والتأثير على منتوجاته وفي عام 2000 وصل علم الجينات الى قمة جديدة بإعلان الرئيس الامريكي كلينتون عن انتهاء العمل بجينوم الانسان. في ذلك الوقت كان الباحثون قد قطعوا اشواطا في دراسة الفترة الزمنية التي يتمكن الحمض النووي على البقاء عبرها محافظا على بنيته بدون تخريب. منذ عام 1984 تمكن الباحث السويدي Svante Pääbo من عرض ادلته على تمكن حمض نووي من مومياء مصرية على البقاء سليما على مدى 2400 سنة. بعد ذلك اصبح هذا الباحث مدير في معهد ماكس بلانك الالماني وتمكن مع فريقه للبحث العلمي من وضع جينوم النيندرتال مستخدما في ذلك عظام يعود تاريخها الى 40 الف سنة، بدأ المشروع عام 1987 وعام 2010 جرى تقديم العرض الاول لهذا الجينوم. على نفس الخطى تمكنت نتائج اخرى في السنوات الاخيرة من البرهنة على إمكانية التقاط بقايا الحامض النووي القادمة الينا من اعماق التاريخ.

وضع جينوم النيندرتال إضافة الى جينوم لانسان من هيكل عمره اربعة الاف سنة ( عُثر عليه في غرينلاند ويسمى اينوك (Inuk)( اصبحا مؤشر على بدء عصر جديد في علم البلوينثروبوليجي. (Paleoanthropology).
في السابق كان الباحثون يقومون بدراسة تطورنا من خلال التشكيلات الظاهرية لبقايا العظام والجماجم الباقية عن اجدادنا ولكنهم الان اصبحوا قادرين على المقارنة البيلوجية بين الجينات. ومن هنا تنبع اهمية الاجابة على سؤال حول طول الفترة الزمنية القصوى التي يستطيع الحمض النووي فيها البقاء محافظا على بنيته وهو سؤال لازال مفتوحا الا ان مقدار الحدود المعلومة لنا تزداد على الدوام. وحتى الباحث سفانتا بيبو مندهش لسرعة تطور معرفتنا وللنجاح في وضع خريطة لجينوم النيندرتال. يقول :” الى فترة قريبة كنت اعتقد ان ذلك من المستحيل، على الاقل لم اكن اعتقد ان ذلك سيتحقق في اثناء حياتي”.
ماجرى من انجازات كان بفضل ثورة في تكنيك الحمض النووي. هذا التقدم لم يجري تحت وطأة الرغبة بدراسة المستحاثات القديمة وانما بفضل الافاق الطبية الهائلة والمصلحة في وجود جينوم شخصي للفرد. هذا السبب دفع نحو هدف ان تصبح عملية وضع خريطة الجينوم رخيصة وسريعة قدر الامكان، بحيث تصبح في متناول الجميع، الامر الذي يسمح للمعالجة الطبية ان تكون انطلاقا من الخصائص الشخصية التي تعكسها الخريطة الوراثية للمريض
لهذا السبب حصل تغير جذري في عملية بناء الخريطة الجينية بالمقارنة مع الطريقة الاصلية الاولى، حيث الباحثين كانوا يعلمون على وجه الدقة اية قطعة من الكروموسوم قاموا بوضع خريطته ، في حين ان الطريقة الحالية توضع اولا خريطة شاملة لجميع المليارات من الاحماض النووية، بدون استثناء عشوائيا وبدون اهتمام بتسلسل. بعد الانتهاء يقوم الكمبيوتر بتصنيف القطع الصغيرة ثم ربطها ببعضها لتنشأ قطع اكبر. هذا التكنيك هو الذي فتح الافاق، إذ ان الاحماض النووية القادمة من المستحاثات القديمة عادة تكون مقطعة الى قطع صغيرة.
عندما تصبح الخريطة الجينية جاهزة يمكن عندها للباحثين ان يقوموا بمقارنة شفرتنا الجينية، بالتركيز على القسم الذي يملك وظيفة لها اهمية فاعلة ليستنتج الفوارق العملية بيننا وبين الانواع البشرية الاخرى. وليس ذلك فقط. اعداد الاختلافات يمكن ان تعطينا ايضا صورة عن مدى القرابة بين النوعين: كلما زادت اعداد التغييرات في الحمض النووي كلما كانت القرابة قد مضى عليها زمن اكبر. ومن حيث اننا نعلم ، الى حد مقبول، الفترة الزمنية لحدوث الطفرات الدورية يمكن لنا بدقة مقبولة حساب الوقت الذي افترق فيه نوعين عن اصلهم المشترك. وايضا يقوم الباحثون بالتحقيق في طفرات منفردة مايسمى مؤشر SNP Marker. وحتى على الرغم من ان هذه الطفرة ليست على الدوام تملك وظيفة لها اهمية فإنها قادرة على البرهنة على القرابة بين المجموعات الاثنية لتعطي صورة مفصلة عن مصدر انحدار المجموعة وخط حركتها عبر التاريخ. وإضافة الى ذلك يمكن ان يكون هذا المؤشر الجيني قد اسر جزء من مورثات الاجداد، التي لربما كانت هامة في مسيرة تطورنا واعطى في لحظة تاريخية ما افضلية اصطفائية.
مع القدرة على قراءة جينات الاجداد يقف العلم اليوم على عتبة فجر عصر جديد.
المستحاثات تكشف لنا اقرب اجدادنا
من اين جاء الانسان؟ هذا السؤال طرحه الانسان على نفسه على الدوام ، ومن خلال لقية جديدة جرى العثور عليها في سهوب افريقيا الجنوبية تقدم الباحثون خطوات اكثر نحو الجواب . اللقية في الحقيقة هي لهيكلين عظميين احدهم لطفل عمره مابين 10-13 سنة والاخر لامراة عمرها حوالي 30 سنة، وكلاهما ماتوا قبل حوالي مليونين سنة.
التحاليل اظهرت انهم ينتمون الى نوع غير معروف في خط التطور مابين اشباه البشر والبشر. الاكثر اثارة للاهمية ان هذه المرحلة تقع في مجال فارغ من اللقى التاريخية، وهي النقطة التاريخية التي حدث فيها انتصاب الانسان وتزايد حجم دماغه. هذا النوع الجديد اطلق عليه اسم Australopithecus sediba, والاسم الاخير يعني باللغة المحلية “المنبع او المصدر”.

العالم في البلايونثربولجي Lee Berger من جنوب افريقيا، والذي عثر على اللقى يقول:” هذه اللقية من النوع الذي كنا نحلم به، وهو يقدم الجواب على معضلة مصدر نوعنا الهومو، ويمكن مقارنته بحجر الرشيد (Rosetta stone) الذي سمح بفك رموز الهيروغلوفية في القرن الثامن عشر”.
يوم 15 اوغسطس من عام 2008 كان بيرغر وابنه والدكتور جوب كيبي في رحلة بحث عن عظام في المغارات المهجورة. هذه المغارات وصلت لعلمهم من خلال التصوير الجوي لبرنامج غوغل ايرث ليجري إكتشاف 500 مغارة لم تكن معروفة في منطقة تدعى ” رحم الانسان” وتبعد خمسين كيلومتر عن يوهانسبيرغ. في هذه المنطقة تم العثور على 40% من مجموع عظام هذين الهيكلين. وعلى الرغم من عدم كمال كل منهم على حدى الا انهم مع بعض يعوضان ويقدمان صورة تامة لشكل هذا الكائن. المرأة كانت بطول 130 سنتمتر ووزنها 30 كيلو، وعمليا تتناسق مع كافة الهياكل القديمة الي تقدم لنا صورة عن تقارب تطوري معتدل مع الانسان الحالي وتنفي صورة العمالقة.
الاثارة بدأت عندما حاول الخبراء ايجاد مكان لهذا النوع في تصنيف شجرة الانسان. القياسات الاشعاعية للاحجار اظهرت ان كلا الهيكلين مات اصحابهم قبل مابين 1,78-1,95 مليون سنة، وبالتالي بالضبط بين عصر اشباه الانسان والانسان.
الجمجمة صغيرة وتتسع لدماغ بحجم 420 ملليمتر، وهو حجم صغير حتى بالنسبة لاشباه الانسان واصغر بكثير من متوسط حجم دماغ الانسان اليوم وهو 1200 ميلليمتر. التصوير الثلاثي الابعاد اظهرت ان شكل الدماغ متطور ويقرب من عائلة الهومو. بذلك يمكن اعتباره يملك تحول نوعي. في نفس الوقت تشير مظاهر الوجه والايدي والسيقان الطويلة في إتجاه العائلة الانسانية. مثلا عظام الساق الطويلة وعظام القدم تشير الى ان هذا الكائن كان مؤهل للسير المنتصب. اهمية خاصة القاها العلماء على وجود عظمة الامعاء (الحوض!) والتي لاتوجد عند اشباه الانسان المبكرة ولكن لها اهمية كبيرة عند الانسان لانها تخفف الضغط على الخصر عند السير والركض.

عند مقارنة اكثر من مئة مميزة بين هذا النوع الجديد وبين اشباه البشر المبكر يكتشفون انه يملك تشابهات تربط مابين الهومو ايريكتوس من جهة والاوسترالوبيثكوس افريكانوس Australopithecus africanus من الجهة الاخرى. حسب وجهة نظر الباحثين، هذه التشابهات تجعله المؤهل الاكبر ليكون الجد المباشر لمجمل عائلة الهومو.
العديد من الاختصاصيين يتفقون على اهمية هذه اللقية ومع ذلك لايتفقون في الاستنتاج. مثلا الباحث الذي يقف خلف مستحاثة اردي، تيم وايت Tim White, لايرى ان هذا النوع الجديد مرتبط بعائلة الهومو وانما مرتبط بنوع جانبي منقرض من Australopithecus. وعلى العكس، نجد ان الباحث الذي عثر على لوسي دونالد يوهانسون ان هذا الكائن ينتمي الى شجرة عائلة الانسان مباشرة. اخرين يرون ان هذا النوع لايمكن ان يكون الجد الاول للانسان لانه احدث من اقدم اداة حجرية والتي تعود بالقدم الى ماقبل 2,6 مليون سنة وتعتبر من مخلفات الهومو هابيليس. غير ان بيرغير يجيب على هذه الانتقادات ان هذه المستحاثات ليست النموذج الاول لهذا النوع. انه يشير الى ان هذه اللقية تسند النظرية التي تقول ان اشباه الانسان هم اول من استخدموا الادوات وهو يعني عظام تعود الى 3,4 مليون سنة، عليها آثار تشير الى وجود كائنات استخدمت ادوات حجرية من اجل ذبح الحيوانات، جرى العثور عليها في شرق اثيوبيا. وهي فترة اقدم بحوالي 800 الف سنة من الاعتقاد السابق. بذلك لايكون الانسان المسمى Homo habilis هو اول من استخدم الادوات، حسب الاعتقاد القديم وانما ينبغي ان يكون هذا الشرف لنوع Australopithecus afarensis. هذا النوع هو الذي ينتمي اليه مستحاثة لوسي وسيلام. والعظام المعنية عُر عليها على مسافة قريبة من سيلام. وهذه العظام هي التي غيرت الفكرة عن ان لوسي وقومها كانوا نباتيين وغير قادرين على استخدام الادوات (حسب Zeresenay Alemseged الانتربيلوجي الامريكي).
اين سيكون موقع سيديبا في شجرة التطور لازال غير محسوما وسيقرره المستقبل القريب، غير ان المؤكد ان الحفريات في هذه المغارات لازال في لحظاته الاولى ومع ذلك جرى الاعلان عن العثور على هيكلين اخريين، والاهم ان احدى الجماجم يبدو وكأنها لازالت تحتوي على بقايا من الحمض النووي.
انواع من البشر عاشوا سويا
اصبع قديم للغاية جرى العثور عليه في مغارة في سيبيريا يقف خلف إعادة كتابة تاريخ تطور البشر. الحمض النووي للعظام يُظهر ان الاصبع يعود لنوع انساني لازال مجهول وعاش قبل حوالي مابين 30-48 الف سنة، في مغارة دينيسوفا Denisova, في جبال آلتاي السيبيرية.
اللقية التي اطلق عليها x-women, تعتبر مرحلة جديدة لسببين. من جهة هذه كانت المرة الاولى التي نتمكن فيها من التعرف على نوع جديد فقط من خلال الحمض النووي، ومن جهة اخرى نكتشف ان المزيد من الاواع البشرية كانت على قيد الحياة قبل فترة قصيرة جنبا الى جنب مع الانسان الحالي، وهذا الامر لم يكن يخطر بالبال. في السابق كان الخبراء يعتقدون ان ظهور الانواع تفصلها مراحل تصل الى مئة الف سنة ليجري ازاحتها تدريجيا من قبل نوع شاب. حسب البروفيسور سفانتا بيبو يبدو ان تاريخ تطور اكثر تعقيدا مما كنا نعتقد وتتضمن العديد من النزوحات من افريقيا والعديد من اللقاءات بين مختلف الانواع البشرية.
الباحث سفانته بيبو وزميله يوهانيس كراوسه واجهتم المشاكل اثناء محاولة تحليل الحمض النووي للاصبع المجهول. من اجل تحسين فرص النجاح ركزوا اهتمامهم على حمض الاميني في الميتاكوندري والذي يوجد منه ثمانية الاف نسخة في كل خلية بالمقارنة مع نسختين فقط من الكروموسوم في كل خلية. الخارطة الجينية اظهرت ان الاصبع لايعود الى النينرتال او الانسان الحالي وانما لكائن اخر لم يستطع الخبراء تحديده.
Mitokondrie-DNA استخدمت ايضا من اجل رسم شجرة العائلة لصاحبة هذا الاصبع. وعند مقارنة هذا الحمض الميتاكوندري مع مثيله من هيكل انسان مضى عليه 30 الف سنة والانسان الحالي والنيندرتال والشمبانزي يظهر ان الجد الذي يجمع x-women مع النيندرتال والانسان الحالي كان حيا قبل مليون سنة. هذا الامر فتح الامكانية لتقدير النوع المحتمل الذي انحدرت عنه الاصبع. غير ان هذا الوقت لايتطابق مع اي مرشح محتمل ولذلك يعتقد العلماء انه نوع خرج من افريقيا و لم يجري اكتشاف آثار له حتى الان. قريبا ستكون خارطة الجينوم للاصبع جاهزة وعندها يمكن ليس فقط متابعة خط القرابة بدقة اكبر وانما ايضا دراسة بيلوجية المرأة.
النيدرتال يكشف الوجه الحقيقي للانسان
مع تحقيق المرحلة الاولى من خارطة جينوم النيندرتال، والتي استمرت اربعة سنوات، اصبح بالامكان للمرة الاولى النظر في التاريخ البيلوجي لابن عمنا المفقود، لنتعلم من الشيفرة الجينية النقاط البيلوجية التي يختلف فيها عنا. بذلك يحلم الخبراء ان يتمكنوا من الاجابة على سؤال رئيسي: ماهو الفرق الذي يجعل الانسان انسانا؟
الحمض الوراثي الذي قام عليه تحقيق خارطة الجينوم جرى استخراجه من ثلاثة عظام، والتي عُثر عليها في ثمانينات القرن الماضي في مغارة غرب زغرب تسمى Vindija. فيما بعد ظهر ان هذه العظام التي جرى اختيارها عشوائيا من بين 21 عظمة، تنتمي جميعها الى نساء ماتت قبل حوالي 38-45 الف سنة. وعلى الرغم هذا الزمن الطويل بقي جزء صغير من الحمض الوراثي سليما وكل منهم كان يحتوي على اقل من 200 قاعدة حمضية. وبفضل التكنيك الحديث تمكن الخبراء من وضع خريطة 60% من جينوم النيندرتال، وهو الخطوة الاولى في المشروع. Svante Pääbo الخبير السويدي الذي يقوم على تحقيق المشروع يعتقد ان الخريطة ستكون جاهزة كليا بعد ثلاثة سنوات.
ومع ذلك تمكنت خارطة الجينوم اليوم ان تكشف وجود جزء من الحمض الوراثي للنيندرتال في الانسان المعاصر، عدا الانسان الذي يعيش في افريقيا حيث بقي حمضه الوراثي غير مختلط. وعلى التحديد هناك مابين 4-5$ من حمضنا الوراثي قادم من النيندرتال، مما يدلل على الهجرة القديمة للنيندرتال وعلى القدرة على التزاوج معه الامر الذي يعزز الانحدار المشترك.
لو دققنا بشريط حامض نووي لشخص اوروبي سنجد ان قطعة منه اقرب للتشابه مع شخص يعيش في اوروبا في حين ان قطعة اخرى تتشابه مع شخص يعيش في افريقيا. بين هاتين القطعتين تأتي قطع لاتتشابه مع اشخاص على قيد الحياة الان وانما تتشابه مع قطع من حمض نووي قادم من النيندرتال.

هذه الاستنتاجات قائمة على مقارنة مع احماض نووية قادمة من بشر معاصرين من فرنسا والصين وغوينيا الجديدة وغرب وجنوب افريقيا. لقد ظهر ان الاوروبيين والاسيويين يحتوي حمضهم النووي على الكمية نفسها من الاختلاط مع النيندرتال في حين لاتوجد اية اختلاطات مع الافارقة. هذا الامر يمكن توضيحه فقط من خلال ان الانسان خارج افريقيا التقى بالنيندرتال وتجامع معه في فترة مبكرة. على الاغلب جرى اللقاء الجنسي قبل 50-60 الف سنة في منطقة الشرق الاوسط، حيث توجد ادلة على التقاء الانسان المعاصر المبكر مع اليندرتال، الذي كان منتشرا في اوروبا واسيا الوسطى. الاجيال التي جاءت من هذا التلاقح انتشرت الى اسيا واوروبا والباسفيك، في حين ان اجداد الافارقة بقوا في افريقيا ولم يقابلوا النيندرتال ابدا.
النتائج نفسها توصل اليها باحث اخر في تجارب منفصلة وبدون ان يطلع على استنتاجات مسبقة. هذا الباحث هو Jeffrey Long من جامعة نيومكسيكو وقامت تجاربه على دراسة مقارنة لاحماض نووية قادمة من الفين شخص. وعلى الرغم من ان النيندرتال اقرب الاقرباء الينا الا اننا لازلنا لانعلم لماذا اختفى هذا النوع. لايوجد مايدل على حدوث حرب او ابادة جماعية. ولذلك فالنظرية الاكثر قبولا ان الانسان المعاصر كان يملك سبقا ابداعيا وتمكن من تطوير ثقافة اعلى تمكن بفضلها ، في خلال بضعة الاف السنوات، من التنافس وإلغاء فرص الحياة لدى الانواع الاخرى . إذا صحت هذه النظرية يعني ذلك ان الاختلافات الجينية هي التي اعطت الانسان المعاصر مؤهلات البقاء، وهذه الاختلافات سيمكن من خلال المقارنة تحديدها.
سفانته بيبو قام بمقارنة المورثات لدى الشمبانزي بمثيلها لدى الانسان والنيدرتال. الاختلافات التي توجد لدى الانسان والنيندرتال ولاتوجد لدى الشمبانزي هي التي تؤشر لمرحلة مابعد الانفصال عن الجد المشترك مع الشمبانزي، في حين ان الاختلافات الموجودة لدى الانسان وحده هي التي تؤشر للانفصال عن الجد المشترك مع النيندرتال. الاختلافات الاخيرة هي التي تتضمن الجواب على سؤال:مالذي جعلنا متفوقين على النيندرتال والانواع الاخرى؟.
غير ان الباحثين عثروا على عدد قليل من الجينات، وبالضبط 78 جين يملك طفرة. هذه الجينات لها علاقة مباشرة بوظائف مهمة مثل التئام الجروح وغدد العرق والتحكم بطريقة حركة ذيل الخلية المنوية. غير انه لايوجد مايبرز على الفور كدلالة على تفوق.
من اجل حل هذه المعضلة انتحى الخبراء طريقا اخر. خبراء المعلومات البيلوجية David Reich & Rasmus Nielsen تمكنوا من إكتشاف طريقة جديدة لمسح المورثات الجينية بمؤشر البحث عن ” طفرات اصطفائية ايجابية” وتعني البحث عن مناطق تحتوي على شيفرة جينية لها افضلية تطورية. هذه الانواع من المقاطع منتشرة بين جميع افراد المجتمع والمختصين يتعرفون عليهم كقطع كبيرة غير مقطعة ولاتحتوي على اختلاطات من النيندرتال. بمعنى اخر كالجزيرة في بحر. وكلما كبرت “الجزيرة” كلما ازدادت اهميتهم الاحتمالية. الخبراء تمكنوا من العثور على 212 ” جزيرة” واكبرهم يحتوي على 300 الف قاعدة. عند فحص هذه المقاطع اكتشفوا الكثير من الجينات المهمة. منها جينات تنشط في نطاق الذاكرة والوعي والطفرة التي تؤدي الى الشيزوفرينيا والاوتيزم. هذا يعني انه توجد تحولات في الجينات المرتبطة بالقوى العقلية لدى الانسان.
الجينات المختلفة ووظائفها:
1- PRTN
جين مهم لوظيفة غدد التعرق والجلد وحاسة التذوق
2-SPAG17
يؤثر على حركة الخلايا المنوية وبالذات على حركة الذيل
3- CADPS2 & AUTS2
جينين مرتبطين بتطور الدماغ، واي طفرة فيهما تؤدي الى الاوتيزم.
4- DYRK1A
جين على الكروموسوم 21 ويلعب دور في القدرات العقلية وعلى الاخص القدرات التي تستتبع الاصابة بمتلازمة داون. 5-TRPM1
مهم من اجل بيغمنتات الجلد
6- NRG3
جين اذا حصلت فيه طفرة يزداد خطورة الاصابة بالشيزوفرينيا
7- HADA
جين على الكرموسوم 2 المرتبط بالتبادل الغذائي. الطرفة يمكن ان تؤدي الى مرض السكري النوع الثاني
8- RUNX2
جين مهم لنمو العظام في الجمجمة والهيكل العظمي. يمكن ان يكون سبب التغيير الطولي في شكل الجمجمة عند النيندرتال والانسان.
انواع للانسان المعلومة لنا حتى الان:
1- Homo sapiens
2- Homo floresiensis
3- Homo erectus
4- Homo neanderthalensis
5- Homo heidelbergensis
6- x-women
على طريق الاجابة على الاسئلة الكبرى
2010 كانت سنة عظيمة، إذ فيها تحقق وضع خارطة الجينوم لانسان مات قبل 4000 سنة يسمى Saqqaq inuti, وبعده ببضعة اشهر انتهت المرحلة الاولى من جينوم النيندرتال. بذلك تحققت خطوة هائلة على طريق معرفة مسيرة تطور الانسان.
خارطة الجينوم تعطي الامكانية لبناء صورة اكثر تفصيلا لطريق تطور الانسان. اليوم تجري العديد من المشاريع الاخرى لوضع المزيد من خرائط الجينوم للانسان القديم. بذلك سيمكن متابعة التحولات التي جرت على المركبات الامينية الوراثية والتي ادت الى نشوء الانسان المعاصر.
” هذه هي الانطلاقة فقط، بعد ان علمنا ان ذلك ممكن” يقول البروفيسور الدانماركي الشهير Eske Willerslev, الاختصاصي في الحمض الوراثي للمستحاثات. التحولات العلمية كانت بفضل التحولات التكنيكية التي سمحت بتسريع عملية وضع الجينوم وترخيصها. وهذا يفسر اسباب الانفجار الثوري في مشاريع خرائط الجينوم للانسان والحيوان والنبات على السواء. مثلا يدرس البروفيسور الدانماركي خط انحدار استعمار القارة الامريكية من قبل الانسان للوصول الىالانسان الاول هناك والمكان الذي جاء منه.
المشروع الاخر المثير هو دراسة شجرة انحدار الانسان على العموم. هنا يمكن الوصول الى الازمان الدقيقة لتفرع الانواع البشرية. بعد ذلك يمكن مقارنة اوقات التفرعات بالاحداث مثل التغيرات البيئية في ذلك الوقت للعثور على العوامل الرئيسية التي لعبت دورا في تحفيز تطور الانسان الى ماهو عليه اليوم. بهذه الطريقة يمكن ان نفهم اسباب اختفاء الانواع الانسانية الاخرى. وبالنتيجة يمكن العثور على الخاصية الاصطفائية التي جعلت الانسان الحديث ينتصر تاريخيا وبيلوجيا.
لازلنا لانعلم الحدود التي يمكن فيها للحمض النووي ان يبقى سليما، وحتى الان اقدم حمض نووي يعود الى ماقبل 800 الف سنة، غير ان الحسابات النظرية تشير الى إمكانية بقاءه سليما لمدة مليونين سنة. ولازالت جميع الاحتمالات مفتوحة بفضل الثقة في ان تطور التكنيك سيفتح الافاق للحصول على صورة اكثر وضوحا ودقة.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: