مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع الناقد الفني المغربي بوجمعة أشفري

حوارمع الناقد الفني المغربي بوجمعة أشفري
 
حاورته: خديجة بوعشرين
نقلاعن الخبر
قال بوجمعة أشفري في حوار مع جريدة ”الخبر“ المغربية، إن المفكر الراحل عبد الكبير الخطيبي بكتابه ”جرح الاسم الشخصي“ أو ”الاسم العربي الجريح“، قد فتح نقاشا كبيرا حول الجسد بكل تجلياته. وأضاف الشاعر والناقد الفني أن تجربة الجسد عندنا في النصوص فقيرة جدا وعديمة الجدوى والأثر. وأشار إلى أن جل كتابنا يحتاطون، أثناء الكتابة، من رسم مشاهد العري وممارسة الحب. وشدد على أننا نذهب بالجسد، في الكتابة، إلى دائرة الابتذال والهزء به وكأنه نجاسة…
© هل تتوفر لدينا، مغربيا، دراسات حول رمزية البناء الاجتماعي والثقافي للجسد المرتبط بشكل وثيق بتشكيل صورته في الأدب والفن؟
® لا أعتقد أننا نتوفر في المغرب على دراسات متخصصة حول رمزية البناء الاجتماعي والثقافي لصورة الجسد في الأدب والفن عموما، اللهم إلا إذا استثنينا كتاب المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي “جرح الاسم الشخصي” (1974)، والذي ترجمه الشاعر محمد بنيس واختار له عنوان “الاسم العربي الجريح” (1980)، وبعض دراساته المتناثرة هنا وهناك، والتي تتناول في بعض جوانبها الجسد المغربي المتمثل في الوشم والحكايات وحديث الأمثال والخط والعلامات المنسوجة على الزرابي وفي بعض الأعمال الفنية خاصة التشكيلية. يحاول الخطيبي في هذا الكتاب تجاوز القراءة اللاهوتية للجسم من خلال تركيزه على الهوامش الثقافية التي لفظها العقل (اللوغوس) من دائرة القراءة والتحليل باعتبارها غير مفيدة ولا يمكنها أن تنتج معرفة وتصورا للذات (هي دائما عندنا شرق) وللآخـر (الغـرب)… لـكن الخطيبي بتقويضه لهذا الفهم (الخاطئ طبعا) أبرز لنا القوة المعرفية الكامنة في هذه الهوامش الثقافية التي أنتجها الجسد (الاسم الشخصي)، وبذلك كان استثناء وفاتحا لحقل ظل لقرون بدون حرث… غبر أن هذا الفتح المبين ظل يتيما لم يغز حقله أحد لقراءة جراح الجسد المعاصر ورمزية بنائه الاجتماعي والثقافي في عصر الصورة والافتراضي…
© هل تستوعب الكتابات المغربية الجسد كخطاب فلسفي مستقل جميل؟
® هي لا تستوعبه في الحياة، فكيف لها أن تستوعبه كخطاب فلسفي مستقل وجميل في الكتابة. دعيني أجيبك عن سؤالك من خلال تصوري للجسد الذي لا أجده في ما قرأته حتى الآن في الكتابات المغربية (وحتى معظم الكتابات العربية)، والتي يقول أصحابها وصاحباتها أنهـ(م)ـن يتناولـ(و)ـن فيها موضوعة الجسد. إن الجسد هو تجربة باطنية يتمثل ويتمظهر في علاقاته الحياتية مع الألم والموت وممارسة الحب. فهو بهذه العلاقات التي ينبغي أن تمارس بعنف، يخترق المجهول والمقدس والمدنس كذلك. ممارسة العنف في وعبر هذه العلاقات تجعل كل الطابوهات التي أثقلت كاهله (الجسد) وضَيَّقتْ صدره لعدة قرون تُقوَّض وتنهار. الجسد بهذا المعنى غير مُتمثل أو مُتصور في كتاباتنا التي يعلن أصحابها صُراخا بأنها تحتفي بالجسد وتفاعلاته المتعددة الأشكال والأوضاع…
© هل صحيح أن الكتابة المغربية (الكتابات) تعري جسد الأنثى وتخفي جسد الذكر؟
® الصحيح هو أن الكتابة _(الكاتب(ة))_ تُخفي جسد الأنثى وجسد الذكر معا. نادرة جدا الكتابات التي لا تشعر بالخجل تجاه عري الجسد. إن تجربة الجسد عندنا في النصوص فقيرة جدا وعديمة الجدوى والأثر. فالإخفاء هو التعبير اللغوي القوي الحاضر في الكتابة، خاصة حين يكون الأمر متعلقا بعلاقة رجل وامرأة أثناء ممارستهما للحب. هذا لأننا نرى أن الحديث عن ممارسة الحب لا ينبغي أن يتجاوز الشفوي والأمكنة المعتمة. من هنا فإن بعض كتابنا (والكاتبات) يحتاطون أثناء الكتابة من رسم مشاهد العري وممارسة الحب، لاعتقادهم أن ذلك سيجر عليهم سُخط البعض أو ضحك البعض الآخر أو ربما نعتهم بالكبت الجنسي… إن عري الجسد، كما يعتقد بعض الكتاب، يُحيل مباشرة إلى الفعل الجنسي، وهذا في نظري تحقير للجسد وتحقير للفعل الجنسي. فهذا الأخير، كما يقول الشاعر أدونيس، “يشكل جزءا من المساحة الشاسعة للعلاقة بين جسدين. إنه ذروة رحلة قصية، يقوم بها اثنان إلى داخل سر اللحم. لهذا فإن ابتذال العلاقة الجنسية، إنما هو قطعها عن ثقافة كاملة، عن كل حضارة الجسد. إنه النظر إلى الفعل الجنسي، بوصفه غاية بحد ذاتها، في حين أنه يشكل جزءا من كل، ويرتبط بمصير النوع البشري وبالكون، وبمأساوية الإنسان المرصود للموت…”.
© حينما نتحدث عن الجسد نستحضر الكتابة الإيروتيكية، أي ذاك الموضوع الذي حفظه تاريخ الأدب العالمي، فهل يستند الكاتب المغربي على الإيروتيكا أم على الجنس المفتوح وغير الواعي بآفاقـه وحدوده الجمالية؟
® هناك لبس وخلط بين الجنس والإيروسية ينبغي أولا إزالتهما. فالجنس (أي الفعل الجنسي)، حسب الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، يقول دائما الشيء نفسه: يقول التناسل. أما الإيروسية فهي الجنس في لحظة فعل، لكنها طالما هي تُحرفه وتبطله، تُؤجل الغاية من الفعل الجنسي. في الجنس تخدم اللذة الإنجاب، أما في الطقس الإيروسي فاللذة غاية في حد ذاتها، أو إن له غايات مختلفة تماما عن غاية التناسل. أو للتوضيح أكثر يمكن أن أعتبر أن الفعل الجنسي ينتهي مباشرة ما إن تتحقق اللذة التي عادة ما تُختزل في القذف، أما الطقس الإيروسي فهو سعي لدوام لحظة اللذة، ذلك لأن الرغبة هي أساس وجوهر هذا الطقس اللحمي. وهنا أطرح السؤال: أي هذين الطقسين يوجد في الكتابات المغربية؟ لن أتردد في القول: لا يوجد لا هذا ولا ذاك.. فلا اللذة حاضرة في النصوص ولا دوام الرغبة أيضا… أين نحن من “لذة النص” ومن “رغبة الجسد”؟ بالطبع نحن عند تخوم العقل والغيب اللذين يمنعان تحقيق اللذة والرغبة استعاريا في الكتابة.. يمنعان تحقق متعة الحياة: حياة الجسد.
© هل يُستحضر الجسد من دائرة الغموض إلى بقعة الضوء في الكتابة؟
® في الكتابة (عندنا) يُستحضر الجسد من بقعة الضوء إلى دائرة الغموض، بل يمكنني القول إننا تذهب به إلى دائرة الابتذال والهزء به وكأنه نجاسة. فما الذي يجعل معظم كتابنا يقفون في الحياة وفي الكتابة موقف النظر إلى الجسد (الأنثوي والذكوري) على أنه نجاسة ولعنة؟ هل هو الخوف الذي بثه فينا الدين (الغيب) تجاهه؟ أم إنه الخوف من السيطرة عليه أثناء جموحه في الحياة والكتابة؟ أكيد أنهما الخوفان معا هما المانعان لتحقيق شرط الكتابة والإبداع. فبقدر ما عشش الخوف(انِ) فينا، بقدر ما صرنا نحن أيضا نلازمه كظل غير مفارق لنا، يأمرنا في لحظات الكتابة بإسدال الستائر والحجب على الجسد فنستجيب، بل نُسرع هرولة إلى تغطيته كليا بالسواد، تمامــــــا كما يفعل سلفيو هذا العصر مع نسائهم وذويهم الإناث.
© مَنْ هم أشهر الكتاب الذين تناولوا موضوع الجسد؟
® مِنْ أهم أقطاب الكتاب الذين كان الجسد سيد كتاباتهم (وسأقتصر هنا فقط على القرن العشرين)، أذكر الكاتب الفرنسي جورج باطاي الذي تزخر معظم كتبه بانفعالات وتفاعلات الجسد الأنثوي والذكوري: في الجنس خاصة في طقسه الإيروسي، وفي الموت، وفي الألم، وفي حالات الضحك والانتشاء، وفي الأمكنة الحميمية كما في الأمكنة العمومية. ولعل هذا المقطع الصغير الذي سأورده كمثال هو أقل عنفا من مقاطع أخرى في نصوص جورج باطاي الأخرى: “أحست نفسها في حالة إشراق جليدية، لكنها حالة تفرغ حياتها إفراغا مفرطا في حمأة الفساد. ظلت متوترة بسبب رغبة عاجزة. فقد ودت لو أنها تُفرغ بطنها، لكنها تخيلت هلع الآخرين. الفرج والإست عاريان. حررت رائحة الشق والـمـؤخرة قلبهـا، أما لسـان بييـرو الذي كان يبلها فقد كان يذكرها ببرودة الميت. زفرت ذلك البرد بفم مفتوح، غير باكية، سكرانة بالخمر والدموع. جذبت رأس صاحبة الحانة فاتحة هاوية شفتيها الشهوانية حتى النحر…” (“الميت”، ترجمة الصديق الكاتب محمد أسليم). هذا الزخم الانفعالي والتفاعلي للجسد حاضر بقوة في نصوص أخرى: “قصة العين”، “مدام إدواردا”، “أمي”، “دموع إيروس”، ”قصائد وقصص إيروتيكية“… الكتابة/ الجسد عند جورج باطاي لا تقف فيها الثنائيات موقف التضاد، بل تقف فيها موقف التحاب… نشعر أثناء قراءتها باختراق الجسد للغة، وباختراق اللغة للجسد.. نشعر كما لو أننا نسقط في حفرة لزجة مملوء عن آخرها باللحم البشري.. نشعر باختراق اللغة للممنوع والمحظور الجنسي، وبنزع الحجاب الأخلاقي عن تصورنا للوجود.. نشعر بأن وجودنا نحن هنا (في المغرب وفي المشرق) لا علاقة له لا بالإنسان ولا بالعالم ولا باللغة.. نشعر أننا مجرد كائنات تتلقى أوامر الطاعة والإذعان من فوق (الغيب والأب)…

www.m-aslim.net/site/articles_view_225.html

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: