مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قراءة في التجربة القصصيةللكاتبة المغربية ربيعة ريحان

قراءة في التجربة القصصيةللكاتبة المغربية ربيعة ريحان
 
إنجاز: عبده حقي
لم يعرف الإبداع القصصي النسائي بالمغرب طفرته الحقيقية إلامع مطلع تسعينات القرن الماضي ، وقد كانت بكل تأكيد تجارب قصصية إختمرت بداياتها وأينعت براعمها في ثمانينات القرن الماضي في رحم الأفضية الجامعية والأندية الثقافية هذا فضلا عن دور بعض وسائل الإعلام في تحفيزالأصوات النسائية الشبابية المبتدئة وتطويرها عن طريق الملاحظة والتوجيه والتشجيع مثل برنامج (ناشئة الأدب ) بالإذاعة الوطنية و(حدائق الشعر) ودورالصحافة المكتوبة التي كانت تفرد بعض صفحاتها الأسبوعية للأدباء الشباب مثل صفحة (على الطريق) في جريدة الإتحاد الإشتراكي و(الباب المفتوح) في جريدة العلم و(إبداع ونقد) في جريدة انوال وصفحة خاصة بجريدة البيان إذ لايمكن أن ينكر أحد دورهذه المنابر الورقية في تحفيزالأصوات الشابة على الإستمرارفي الإبداع الشعري والقصصي من أجل تواصلها مع متلقيها المفترضين ومن أجل تحقيق نشوة النشرودهشة الشهرة وفرض الذات ..إلخ
وهكذا وعبرهذه المستويات تفتقت هذه التجارب القصصية النسائية وشقت طريقها بتظافرتلك الشروط الثقافية والإعلامية والأدبية التي عملت على بلورتها وبالتالي كانت عشرية التسعينات هي بمثابة ذلك الستارالذي سيرفع عن العديد من الأسماء النسائية القادمة من مشاتل محاولات أواسط الثمانينات أوأواخرها من دون أن نغفل من جانب آخركون عشرية التسعينات قد عرفت تحولات سياسية هامة على الصعيد المغربي والعربي إنطلقت أساسا بتأسيس المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان وتقديم مذكرة الإصلاحات الدستورية من طرف أحزاب الكتلة الديموقراطية وارتفاع درجة الوعي بأهمية دورالمجتمع المدني كشريك أساسي في إرساء دعامات الحكم الديموقراطي ، وتحريرالمشهد الإعلامي بإطلاق القناة الثانية وظهوربعض الجرائد المستقلة وتنامي الشعورالعام بأهمية دورصوت المرأة على إختلاف مرجعياته وانتماءاته في المشاركة مع جميع الفاعلين السياسيين في المشاركة في إنقاد المغرب من السكتة القلبية.والإبداع هوأيضا على إختلاف تجلياته الأدبية والفنية إنخرط في هذه الدينامية وفي رياح التغييرالتي بدأت تهب على المغرب بعد رجة الإنذاربالسكتة القلبية بالداخل وردم جداربرلين وماتلاه من إنعطاف جميع دول المعسكرالشيوعي والإشتراكي الشمولية إلى الجناح الغربي الليبيرالي الحربكل ماسوف تتيحه منظومته من إنفتاح ديموقراطي وحريات عامة تكفلها دساتيرحداثية ومتطورة بعيدة عن القبضة الحديدية … إن هذا التحول العالمي فرض على دول جنوب المتوسط ومن بينها المغرب منافسة شرسة سوف تدفع بالسلطة إلى إعادة النظرفي العديد من الأقانيم السلطوية على جميع الأصعدة لايمكن ربح رهاناتها إلا بتوسيع هامش الحريات ولعل أهمها حرية التعبيرعلى إختلاف مستوياته وتجلياته ..
في هذا السياق العام عرف مغرب التسعينات إنفتاحا إبداعيا فنيا وأدبيا ملحوظا تم تتويجه بظهورالعديد من الأسماء النسائية في الشعر والقصة القصيرة على الخصوص نذكرمن بينها (ربيعة ريحان ، عائشة موقيظ ، لطيفة لبصير، لطيفة باقا ، مليكة مستظرف ، رجاء الطالبي ، فاطمة بوزيان ..إلخ) وما دمنا نحتفي في هذه الورقة النقدية بالتجربة القصصية عند القاصة ربيعة ريحان ففي تقديري يجب الإقرارعلى أن التجربة القصصية عند ربيعة ريحان كان من المؤكد أن تعرف حضورها النوعي وأقصد به إصدارأضمومتها البكرأواخرالثمانينات وليس أواسط التسعينات لسبب بسيط هوأن إصدارها الأول (ظلال وخلجان) ينم عن تجربة قصصية متقدمة كثيرا بيد أننا نجهل الأسباب الحقيقية التي جعلت حضورها وخروجها الإعلامي القصصي الملفت لايتحقق إلا مع أواسط التسعينات بإصدارمجموعتها البكر(ظلال وجلجان) عن مطبعة (تنمل) بمراكش سنة 1994 والتي حظيت بتوقيع أحد رواد السرد الروائي العربي الكاتب السوري حنا مينا الذي قال عن هذه المجموعة القصصية البكر:(لقد ولدت مع هذه المجموعة قاصة رائعة في المغرب العربي كله ومعها سيكون للقصة العربية القصيرة شأن آخرمع قصص المرأة في الوطن العربي بأسره .. هذا ليس إستشفافا إنه إعتراف موضوعي )
إن هذه الشهادة .. هذه القلادة لوقمنا بتفكيك مصوغاتها ويواقيتها النفيسة فسيتكشف لنا أن ما تضمنته من إشارات مائزة تجعل القارئ من دون شك يعي صدق علوهذا المقام (الربيعي ) اليانع المعطاء و(الريحاني) العبق بعبيرالحكي الجميل الذي تبوأته أضمومة (ظلال وخلجان ) بتوقيع من الروائي السوري الفذ حنا مينا الذي خبرطرائق السرد قديمه وحديثه في ذكوريته وأنوثيته ، في مشرقه ومغربه . تقول القاصة ربيع ريحان عن شهادة حنا مينا : (تقديم حنا مينا لمجموعتي الأولى ظلال وخلجان كان دفعة إبداعية حقيقية ، منحتني الكثيرمن الثقة ، ليس في النفس فقط ولكن في نصوصي المتعثرة الأولى وفي إرتباكاتي وأنا على بداية طريق الكتابة ) وتضيف في نفس الإعتراف (هذا التقديم فيه من النبل والصدق والدعم المعنوي ما يجعلني أعتز بهذا السخاء من مبدع كبيربحجم حنا مينا فقد قدمني وهو على ثقة من أنه يراهن على كاتبة بعيدة من المغرب العربي ويقول للقارئ هذه القاصة سيكون لها شأن كبيرمع القصة القصيرة ) .
وفي تقديري أن ولادة القاصة ربيعة ريحان لم تعرف تحققها سنة 1994 بإصدارمجموعتها البكر(ظلال وخلجان) وبتوقيع شهادة ميلاد من حنا مينا وإنما كانت ولادتها الحقيقية كقاصة مع إكتمال أول نص قصصي بل أول جملة قصصية إلتأمت في كينونتها السردية كل معالم التألق القصصي (الواعد) وبالتالي قد أزعم أنه قد يكون الميلاد الحقيقي للقاصة ربيعة ريحان موثقا في ثنايا ذلك النص القصصي البعيد الموغل في الذاكرة والذات واللغة وربما في الغيب ، تقول ربيعة ريحان في حوارمع الصحفي أحمد عزمي مراسل بمكتب الجزيرة بالقاهرة على هامش الملتقى العربي الخامس للإبداع النسائي : (لايمكن القبض على لحظة التجلي الإبداعي بالتحديد .. لكن هناك إرهاصات يمكن العودة بها إلى البدايات الطفولية .. فنحن جميعا نمتلئ بذلك الزخم الفني ونحن نقرأ محفوظاتنا الشعرية البسيطة أو نستمع إلى حكي الأمهات أوالجدات فيحدث ذلك الحلم الجميل التواق إلى المحاكاة ، على أساس أننا يمكن أن ننجزشيئا جماليا يشبه مانقرأه ونسمعه .) وتضيف في نفس الحوار:(كتبت في البداية إنشاءات بلاغية ونظمت قصائد ، لكن بعد النضج العمري والمعرفي والثقافي تحدد نوع الجنس الذي أكتبه ، فوجدتني إميل إلى القص لأنني لم أستطع مقاومة إغوائه .. أنا أكتب لأن لدي رغبة عارمة تدفعني للكتابة وهناك ميل شديد إلى القصة كجانب تعبيري ، أستطيع من خلاله أن أفرغ شحنا الإحتدام نحوقول شيئ أو
كتابته )
لقد شكلت إذن أضمومة (ظلال وخلجان) حدا فاصلا في تاريخ القصة القصيرة النسائية بالمغرب بكل تأكيد وهدمت أسوارالصمت الذي كان يرين على الكتابة النسائية وأعلنت بمقدمها عن فتوحات جديدة في السرد القصصي النسائي بمراهنتها على إستراتيجية التجريب أولا ثم ثانيا بتمزيقها لسجف المسكوت عنه في الزوايا المعتمة والحميمية في علاقة الجسد الأنثوي بذاته وبعلاقته بذاكرة الموروث الأدبي التراثي والسوسيوثقافي والذي نسجته زاوية النظرعند الرجل لهذا الجسد باعتباره فقط جسرا للعبورإلى الضفة الأخرى من المتع الحسية والجنسية وليس للتملي النافذ إلى دلالاته الجمالية والرمزية .
ومن المؤكد أن المتتبع للمتن القصصي عند المبدعة ربيعة ريحان لسوف يقف عند العديد من التحولات السردية مبنى ومعنى لكنها تلتئم جميعها في هم وانشغال واحد هوالبحث عن المختلف في الكتابة القصصية . وهكذا نلاحظ أن الكاتبة قد راهنت في خروجها العلني القصصي الأول في (ظلال وخلجان) على شعرية الصورة واللغة الأنيقة والباذخة على مستوى النبروالدلالة الإيحائية التي تمتح من معين الصورة الشعرية والإيقاع السردي الموسيقي المتناغم والحبكة السلسة .. إن الكاتبة هنا لاتكتب من أجل أن تكتب تجربتها في الحياة فحسب وإنما تكتب لتطرز.. لتنقش .. لتصوغ .. لتتنفس عطرا وكلاما مرهفا يضع نصها القصصي في حيرة من هويته السردية إن كان نصا حكائيا أم شعريا . إنه مايمكن أن أسميه النص القصصي البلوري المتعدد الوجوه والذي يمكن للمتلقي أن يقاربه من حيث شاء قراءته وليس من شاءت طبيعة السرد القصصي إقراءه ويمكن أيضا قراءته من حيث شاء أن يشبع عطشه الجمالي وافتتانه بالقص في أسمى درجات إكتماله ونضجه ، تقول القاصة ربيعة ريحان : (حين نكتب ، وحين تكون الكتابة منافذنا ومتنفساتنا ، وحين تشتعل الذات بقلقها وتوترها .. بتقلباتها وعنفها ، فإننا نسعى لنحقق الصورالأشهى لرسم فرحنا وألمنا ، تطلعاتنا وانكساراتنا ، آمالنا وإحباطاتنا
إن هذا الشغف الشديد بالبحث عن المختلف يتجلى أيضا في إنتقائها الدقيق لعناوين مجاميعها القصصية كعتبات دالة تختزل هوس الكاتبة بالمكامن المظللة والأغوارالدفينة في البوح الأول في (ظلال وخلجان ) وبالإفتتان بالتيه الحكائي في (مشارف التيه ) وبجمالية التشظي في (شرخ الكلام) وجنون الإفصاح والإفضاء والبوح في (بعض من جنون) وبالتحليق عاليا في مدارات القصة في (أجنحة للحكي) وأخيرا وليس أخيرا ترك البوح التلقائي وترك التأويل يفضي بمكنوناته في البياضات الشاسعة التي أغفلتها في أضمومتها الأخيرة (كلام ناقص) .
إن إفتتان الكاتبة ربيعة ريحان بالإشتغال على الكتابة من داخل الكتابة سيعرف تحولا عميقا مع إستمرارتجربتها القصصية وذلك بانتقالها في مرحلة ثانية من صيرورتها الإبداعية من الحفرفي شعرية الحكي إلى الحفرفي تيمات الحكي المقفلة وجعل بؤرته تتمحورحول المناطق المعتمة في جسد المرأة باعتباره موضوعا رجوليا مستهلكا إلى الخروج به إلى دائرة المختلف فيه مما جعل ربيعة ريحان تعيد وتكرر طرح السؤال حول مايميزالكتابة الذكورية عن الكتابة النسوانية كما يسميها الدكتورمحمد السرغيني . إن هذا الأفق الموضوعاتي المغايرلميثاق البدايات التي إهتمت أساسا بشعرية بل أكاد أقول ب(أريستوقراطية ) اللغة سيتحول تدريجيا مع إستمرارها وإصرارها القصصي إلى إنشغال موضوعاتي بالأساس يعيد تفجيرالأسئلة القلقة الوجودية التقليدية والسوسيوثقافية حول التصنيفات النمطية بين كتابة ذكورية وكتابة نسائية ستعلن عن نفسها كموضوعة محورية في مجموعتها الأخيرة (كلام ناقص) مما جعل منها متنا حكائيا ينهض على قضية تروم بالأساس تكسيرذلك الجدار الرابع المتصدع بين خصوصية كتابة الأنثى وخصوصية كتابة الذكرفي المجتمعات العربية الجنوب مستوسطية والمشرقية بشكل أوسع . تقول ربيعة ريحان في نفس الحوارالسابق : (الإبداع عمل إنساني بامتيازوالكتابة جزء من هذه العملية ، فنحن حين نكتب لأننا ممتلؤون بالحلم ونحقق من خلاله إبداعاتنا سواء كنا رجالا أم نساءا … تقييم العمل أو الكتابة يجب أن يتم على أسس فنية ومحددات جمالية وإذا إتسم العمل بهذه الموقومات فهو عمل إبداعي فقط ونحن نكتب في السياقات الإنسانية ذاتها والذين يقولون بخصوصية النسائية وباللمسات الأنثوية وبلغة المرأة وحساسيتها ، من المفروض أن يتحدثوا عن حميمية الرجل ولغته وخصوصياته كي لانقع في هذه الثنائية ، ومثل هذا التقابل يجب أن نتجاوزفكرة الحجرعلى المرأة واعتبارماتكتبه مجرد كتابة نسائية بهذا المعنى القدحي )
فهل بهذا المعنى يكون الكلام في رأي الكاتبة عن كتابة ذكورية وكتابة نسائية كلام ناقص يحتمل الإنسحاب على متن مجموعتها القصصية الأخيرة ؟ أم هل يكون هذا ال(كلام ناقص ) موازيا لبؤرالبياضات السردية التي زرعتها الرؤية التمييزية إن لم نقل الدونية للمرأة باعتبارها ناقصة سرد مثلما رسختها الذهنية السلفية أنها ـ ناقصة عقل ودين ـ وناقصة قدرة فكرية على المغامرة الكتابية والإيغال عميقا إلى التخوم القصوى في التجربة الوجودية الإنسانية ؟؟
تأتي إذن المجموعة القصصية (كلام ناقص) لتدحض كل تلك الإدعاءات الفيتيشية الراسخة .. تأتي باعتبارها مشروع رؤية إبداعية مغايرة تضع الإبداع القصصي الذكوري بل الكتابة الرجولية بشكل عام في مواجهة عنف تزييفها للخطاب وسيطرتها على البنية الإنتاجية الرمزية لتكريس إستعلائها المجتمعي ولعل أن قصة (ذكورة) في الصفحة تكون بلامراء ذلك النص البياني الإحتجاجي ..ذلك النص الأنطلوجي المتفرد على مستوى الإبداع القصصي العربي إذ أنه قلب كل رؤانا وتقاليدنا القرائية القصصية وعلاقاتنا النمطية بالكتابة التي دأبت على البحث بالمجهرالذكوري عن آثارأحمرالشفاه على شفتي القصة والشارب الكث المعقوف هناك في سرد الرجل ، عن البوح الناعم هنا واللفظ الغليظ
هناك
قصة (ذكورة) هاته كانت قد نشرتها جريدة الإتحاد الإشتراكي ضمن ملحقها الثقافي في العدد المزدوج رقم 8496 بتاريخ 3 ⁄ 4 من شهر مارس 2007 . وأعترف في سياق هذه القراءة أنني بمجرد ما أنهيت قراءة قصة (ذكورة) على صفحة الملحق الثقافي إثرنشرها أول مرة ، شعرت بكل تأكيد بزلزال قصصي قوي قد رج وهزموروث التراكم القصصي العربي والحكائي النسواني بشكل عام منذ ليالي شهرزاد الألف ليلة وليلة إلى عصرنا الحديث وعجبت أشد العجب كيف أن هذه ال(ذكورة) قد مرت في صمت مثلما تمرالأنهارالهادرة والغاضبة في قيعان الخلجان العميقة .. مرت مثلما تقصف الرعود المخصبة بالأمطاربعيدا عن مسامعنا في السماوات السبع .. مثلما يمرقطارمنتصف الليل من تحت نوافذنا ونحن نائمين … غيرأن هذا النص لم يكن بحاجة إلى الإعتراف بجرأته اليوم بعد خمس سنوات على تفجيره .. في نص (ذكورة ) تتقنع الكاتبة ربيعة ريحان كمبدعة للنص ومؤثثة لعتباته وعلاماته الظاهرة .. خلف النص هناك الكاتب⁄الذكرالضمني المتواطئ مع الكاتبة والذي يفصح عن موقعه الذكوري كسارد للمحكي الطفولي بعوالمه السيكولوجية والإجتماعية ، حيث يتبأرالسرد حول (براءة الجسد وأجهزته الفيزيولوجية فتأتي الأسئلة التي تشغله .. الجنس .. لذا فالسارد (الخنثى) في النص يجيب عنها بطريقته ) إن الكاتبة المعلنة والصريحة تكشف منذ مطلع القصة عن ذكورية السارد وتحدد إطاره الجنسي . تقول الكاتبة على لسان السارد : ( ذاتيا انا السي أحمد) من هنا ينتصب منذ هذه العتبة ضمير المتكلم (أنا) المقرون إلى إسم علم مذكرمفترض ليكونا معا ميثاقا سرديا صريحا مهيمنا على بنية المنطوق في النص وأيضا على موقع السارد بما هوصوت ذكوري يحمل كل علاماته لغويا وتركيبيا تتعلق إما بضميرالمتكلم أو بضميرالغائب المذكر. يقول السارد : ( ظللنا كذلك إلى أن حلت فجأة حماسة التطلع إلى مناطق ذكورتنا بحثا عن علامات فارقة فما من أحد منا كان بقادر على أن يقاوم هذا الإغراء ) ويقول في مقطع آخر: ( لم أكن أتصورأن قطعة اللحم الصغيرة هذه ستحاصرحياتنا بالكلام الملعون الهاجع بين الرهبة والرغبة والإبتذال ) . إن الطفل (الذكر) السارد هنا يشعر بتملك ذكورته وهذا يخول له كي يعطي لنفسه قيمة إجتماعية ورمزية . إنه نص قصصي مستفزبمفرداته .. بأنطلوجيته .. نص نزل ليبحث عنه قارئه وليس ليبحث عن قارئ مفترض له .. نص لغته خارجة عن مألوف الكتابة القصصية التي ضبطتها أعراف وقوانين التقسيم الإجتماعي الجنسي .. نص منفلت من حدود المنطق الحكائي السائد .. نص ولد لكي يقف ويوجد في مقابل النص الآخرللكتابة .. في مقابل القاموس الذكوري في السرد القصصي .. نص من دون شك أنه نزل ليغيرمن تصورنا للكتابة النسائية باعتبارها كتابة نسائية تحتمل خصوصيتها التي رسمتها الفيزيولوجيا والطبيعة والثقافات الإجتماعية … إنه نص قد دشن في الأدب المغربي والعربي لتحول زاوية النظرالنسائية التقليدية للساردة الكاتبة وهو بالتالي قد ألغى تلك العادة السردية وذلك السؤال التقليدي حول بعض مكونات هوية النص القصصي من سؤال من يتحدث في النص إلى سؤال من كتب القصة أذكرا أم أنثى ..؟ أكاتب أم كاتبة ..؟ ويكون الجواب حتما (هما معا ) ولافرق بينهما .
إن قصة (ذكورة بكل يقين هي كتابة راهنت على إستراتيجية الإختلاف وليس الإئتلاف وذلك بقلبها للأدوار على مستوى الملفوظ وهي إعلان رمزي على أن الحكي والقص لم يعد ملزما باختيارهوية الكاتب أوالكاتبة المثبتة بإشارتها المائزة بجوارعنوانها كما جرت عادة وتقاليد الكتابة ، تقول الكاتبة المقنعة بصوت السارد الذكر: ( صرنا نحكي عن النساء .. نسترجع من الذاكرة عريهن في الحمام الذي كنا نذهب إليه صغارا مع أمهاتنا وأخواتنا نعدد تفاصيل الأنوثة المغرية )
هكذا يكون نص (ذكورة) قد تمكن من الإنتصارعلى ثنائية الذكورة والأنوثة في التقسيم السردي العربي وأن ينتصرلقلب موقع الأنا الأنثى في السرد القصصي العربي الذي بقي منذ سنوات التأسيس ثابتا على إيتيكيت (هذه هي من تكتب النص وتكرس خطابه مع الكثيرمن الأصوات النسائية في العالم العربي خناثة بنونة ، سهيرالقلماوي ، زينب صادق ، ليلى العثمان ، أنيسة عبود ، منى الشافعي ، سلوى بكر، هاديا سعيد ..إلخ إننا بكل تأكيد بصدد قصة نسائية تتغيى الرؤية المتحللة من أغلال التكريس إلى الرؤية التواقة إلى التأسيس .. الرؤية من باب القصة الأرحب وليس الرؤية من ثقب المزلاج من أجل التلصص على جسد الآخروقراءة ـ تعرية ـ طفولته الذكورية ببراءتها وشيطنتها في الزوايا الجسدية السفلى الملتهبة والمحظورة وأيضا من أجل إرتياد الضفة الأخرى من لغة محاصرة بطوق المسكوت عنه وبذلك فقصة (ذكورة) قد شكلت إبداعا متفردا في أنطولوجيا القصة العربية بشكل العام بكتابتها التي تنتصرإلى تقنية سردية جديدة مايمكن أن نصطلح عليه ب(الكتابة الخنثى)
ومهما حاولنا التطواف في مدارات هذا النص المتميزأفقيا وعموديا على مستوى مختلف بنياته وأنساقه السردية فإننا من دون شك سوف لن نتمكن من ملامسة حدوده الثاوية خلف مغامرته الحكائية التي لن يقدرأي كاتب (ذكر) على تحقيق قدرته الإبداعية ومنجزه الموضوعاتي مهما إستعمل من أحابيل الذاكرة ومهما حفرفي طبقات قاموسه الذكوري للقبض على شغبه الجنسي الطفولي البريئ .
وأخيرا فهل بعد هذا النص المفصلي أما زال سؤال الكتابة النسائية يفرض مشروعية في الحقل الإبداعي القصصي وهل هذه الكتابة (الخنثى ) ماتزال الحدود معها تنتصب عاليا بين مجتمع الذكورة ومجتمع الأنوثة ؟؟
عبده حقي
إشارة :
1 ـــ نص القراءة النقدية التي أسهمت بها في الدورة الثالثة للمعرض الجهوي بمكناس بالفضاء الثقافي ميشيل جوبيرإحتفاءا بالمجموعة القصصية الأخيرة (كلام ناقص) للكاتبة المغربية ربيعة ريحان مساء يوم 14 نونبر2012
2 ـــ بعض إحالات هذه القراءة قد أقتبستها من قرائتي النقدية الأولى لقصة (ذكورة) التي أنجزتها منذ سنة ماي 2007 وأسهمت بها في اليوم الدراسي الذي نظمته وحدة المرأة والكتابة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة مولاي اسماعيل تحت شعار: « الأدب النسائي بين البُعد المرجعي والبُعد الأدبي »، وذلك بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس يوم السبت 10 مايو 2008م،
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: