مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

أشهـر ثلاثـة شعـراء مغـاربـة رحلـوا باكــراتخطّفَهم الموت وهم في عز الوعد بالعطاء

أشهـر ثلاثـة شعـراء مغـاربـة رحلـوا باكــراتخطّفَهم الموت وهم في عز الوعد بالعطاء
 
حكيم عنكر
رحلوا باكرا، تخطفهم غراب الموت، وهم في ريعان الشباب، شعرهم وحياتهم كانا يهجسان بذلك، ونقاء سريرتهم كان الملمح الأبرز في عبورهم السريع.
هذا حال ثلاثة شعراء من شعراء التجربة الشعرية الجديدة في المغرب، الجامع بينهم أنهم انتبذوا الهامش مستقرا لهم، حتى وإن كانوا قد عاشوا في مدن كبيرة أو شديدة التلون. وتكمن فاجعة فقدهم في الوعود الكبيرة التي كانوا يحملونها للشعر المغربي الحديث. وهؤلاء هم الشعراء أحمد بركات وكريم حوماري ومنير بولعيش. الأول داهمه المرض وهو في استواء تجربته الشعرية، عندما أصدر ديوانا «أبدا لن أساعد الزلزال»، قبل أن يجمع له الأصدقاء بعد رحيله دوينا من متفرقات نصوصه، أطلقوا عليه اسم «دفاتر الخسران»، عاش في مدينة الدار البيضاء، الضاجة والصاخبة. والثاني هو  كريم حوماري، ابن مدينة أصيلة الهادئة، اختار بشكل مخيف وإراديّ، الانتحار ولم يصدر عمله «العري» إلا بعد موته، عندما أقدم لفيف من أصدقاء مدينته في جمعية الإمام الأصيلي على طبع ديوانه «تقاسيم على آلة الجنون». والثالث هو الشاعر الشاب، الضاج بالحياة، منير بولعيش، ابن مدينة طنجة الدولية، توفي هو الآخر وهو بصدد الإعلان عن نفسه كاسم جديد في الساحة الشعرية المغربية، أصدر قبل موته ديوانه الذي حمل عنوانا غير مألوف لدى جيله «لن أصدقك أيتها المدينة».
فمن يكون هؤلاء الثلاثة من «الواعدين الكبار»؟ وما هي مناخاتهم الشعرية؟ وكيف كان الموت يختلّ في تلابيب كلمات نصوصهم؟
أحمد بركات لا يساعد الزلزال
استطاع الشاعر أحمد بركات، منذ نصوصه الأولى، أن يحجز له مكانا متقدما عن أقرانه في الساحة الأدبية في المغرب، وساعده على هذا الحضور الجو الذي كانت توفره مدينة الدار البيضاء في ذلك الوقت، والتي كانت حاضنة لعدد كبير من الكتاب والشعراء والمفكرين المغاربة، فهنا كان يقيم الشاعر الراحل عبد الله راجع، الذي تميّز بانفتاحه على الشباب المغربي وعلى التجارب الجديدة، وهنا يقيم أيضا الشاعر إدريس الملياني، الذي كان يشرف على الملحق الثقافي لصحيفة «البيان»، وفي هذه الجريدة كان الشاعر أحمد بركات يشتغل، إضافة إلى عدد  آخر من الشعراء والفنانين والمجموعات الغنائية الملتزمة، التي كانت تشكل جوا عاما يميز مغرب الثمانينيات، الموار بالكثير من التحولات.
ميزة أحمد بركات أنه ابن الدار البيضاء وليس وافدا عليها، كما هو شأن غيره من الشعراء، ومن ثمة يمكن القول إنه يجسّد، إلى حد ما، شعر المدينة، وشعر المدينة الكبيرة على وجه التحديد، وفي شعره سنجد ملامح من هذا الحضور المديني، كما سنجد تحللا من الخطاب الشعري، ذي النبرة الإيديولوجية العالية، شعره أقرب إلى التزام من نوع آخر، التزام مع الذات وحدها، الذات التي تحيى في هذا العالم وتتنفس كل أسياخه رغما عنها.
ولد أحمد بركات بمدينة الدار البيضاء سنة 1960، وفي سنة 1994 توفي في إحدى مصحاتها.
اشتغل صحافيا في جريدة «البيان»، وحصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب سنة 1990. صدرت له مجموعتان شعريتان هما: «أبدا لن أساعد الزلزال»، عن منشورات اتحاد كتاب المغرب -1991، و»دفاتر الخسران»، عن منشورات اتحاد كتاب المغرب 1994.
أهمّ ما يميز شعر بركات هو لغته الحادة، وعين الصقر التي يتحلى بها لقد كتب بلغة جديدة أدهشت مجايليه من الشعراء، وربما في الحياة التي كان يحياها، أتيح له أن يقبض مبكرا على إكسير الشعر وأن يجرب خلطاته السحرية مبكرا.
جملته وقادة، نارية، وغير مثقلة بالحشو اللغوي ولا يحتاج إلى كثير من اللفّ والدوران للذهاب إلى فكرته. لقد جاءت قصائده وكأنها بيانات حربية صغيرة لشاعر يريد أن يغير، لكنْ ما هذا التغيير الذي يريده؟ إنه التغيير الصعب والأفدح: البحث عن لغة جديدة للشاعر الجديد.
يقول في مفتتح قصيدته «أبدا لن أساعد الزلزال» ما يلي: «قلب شاعر في حاجة قصوى إلى لغة».
عدا هذا العبء الثقيل، الذي أراد أن يحمله لوحده، فإن نصوصه كانت بمثابة حروب صغيرة، أو لنقل بالوصف الدقيق، خسائر جنديّ يحارب في جبهة لا يعرفها ويتحمل، بشجاعة دونكيشوطية، نتائج الحروب التي يزجّ بنفسه فيها.
هذا، إجمالا، هو العالم الشعري لهذا الشاعر، الذي عاش حياة قصيرة، كان فيها واعدا منذ البدء وخاض، بشجاعة أدبية كبيرة، معركة الانتماء إلى نفسه وقصيدته، فكان الثمنُ حياته، التي فتك بها المرض سريعا، في تجاهل تام من الوسط الأدبّي المتنفج.
كريم حوماري.. الخيار المأساوي
عن سن الـ25، اختار الشاعر كريم حوماري أن يضع حدا لحياته، انتحر شنقا في إحدى الواجهات البحرية لمدينة أصيلة، على سارية هناك في 4 مارس 1997.
لماذا اختار هذا  الشاعر الشاب، المولود سنة 1972، هذا الخيار المأساويّ، هو الذي كان مملوءا بالحياة وجادا في مشاغله اليومية حتى التخمة وملتزما ثقافيا وفكريا؟..
في شهادة عنه يرسم الشاعر إدريس علوش بورتريهاً للراحل، وهو أحد أصدقائه الذين يعرفونه جيدا، يقول علوش في هذه الشهادة، المعنونة بـ«الشاعر الذي حفر الليل قبره ونام»: «في آخر أيام حياته القصيرة، والقصيرة جدا، والتي لم تتجاوز الخامسة والعشرين سنة، لكنها كانت مفعمة بدلالات الإبداع وعمق رؤيته للوجود وأسئلته الحارقة، كنتُ قد كتبت مقاربة نقدية عن قصيدة للشاعر الراحل كريم حوماري، كان قد نشرها، أي القصيدة موضوع المقاربة، في جريدة «العلم» قبل رحيله بأيام معدودة جدا، حملت عنوان «يحفر الليل قبري وينام».
أعجبتني القصيدة كثيرا واعتبرتها نقلة نوعية في مساره الإبداعيّ، لهذا الاعتبار بالتحديد كتبت عنها ما كتبت، ولأنه كان ملازما لي، يسكن في بيتي ويظل بالأيام نقتسم الخبز والقهوة والجرائد والكتب والدخان… لن أقول كظلي لكنه كان -إلى حد كبير- توأمي، لا يفارقني إلا لماما، طلبت منه أن يحضر صورة شخصية له لأنشرها مرفقة مع نص المادة، ذهب مسرعا إلى منزله وأحضر الصورة، طلب مني أن يقرأ ما كتبته عنه، وكانت عادتي أن أطلعه على نصوصي قبل نشرها، وهو ما كان يفعله هو الآخر عندما يتعلق الأمر بنصوصه المُعَدّة للنشر، لكني امتنعت عن أن أطلعه على ما كتبته عنه وأخبرته أن نترك الأمر للمفاجأة، أي أن يقرأ المادة  بعد النشر..
وقبل أن تجد تلك المادة النقدية طريقها إلى النشر كان الشاعر كريم حوماري قد خلق المفاجأة الكبرى، وغادر الوجود وانصرف عن أمور الدنيا وأفق القصيدة.
بعدها، حزنت لأني لم أتركه يقرأ ما كتبته عنه.
أذكر أنه كان معنا في منتصف ظهيرة ذاك اليوم -الثلاثاء 4 مارس -1997 في مقهى الميناء، كنت أنا ويحيى بن الوليد وبعض الأصدقاء نتحدث معه، ونمازحه، كما هي عادتنا، لا زلت أذكر هذا اليوم، ساعات قليلة قبل أن يضع حدا لحياته منتحرا مشنوقا بحبل فوق عامود من الحديد على رأس «المون»،  قريبا من فوهة باب الموت في ميناء أصيلة، الذي أسر لنا فيه كريم أنه إما أن  يكون شاعرا كبيرا أو أنه سيغادر الوجود.. قلت له، ساعتها، أنت فعلا شاعر كبير يا كريم. أطلق ضحكة كبيرة وواسعة، ومضى نحو مصيره المباغت، وكأنه ينشد، كما كتب في إحدى قصائده المعنونة بـ»نبوءة»:
ما أنا إلا ورقة خريف
بين خيط الريح
أو نبي آخر ساعة
تحت شمس باردة
في بحر معشوشب
أستريح صحبة باقي الأنبياء..
 
منير بولعيش.. ابن طنجة الدولية
قدّم الشاعر الشاب الراحل منير بولعيش نفسه إلى الساحة الشعرية المغربية باعتباره شاعرا خارج التصنيف. لم يكن ينتمي إلا إلى نفسه، وطريقته الخاصة في الهندام والشعر المرسل مع لحية خفيفة كانا المقدمة التي لا بد من قراءتها بالنسبة إلى شاعر قادم من مدينة دولية هي طنجة، حيث لا تغيب صورة الروائي محمد شكري عن التمثل، وهي صورة مقيمة ومؤثرة في المكان وفي ذاكرة الكتاب والمبدعين المغاربة. إنه الشاعر المغربي الأحدث سنا، الذي يرحل وهو يدخل الساحة الأدبية بكثير من الدهشة ومن الإدهاش، فما بين الولادة، في سنة 1978، وانطفاء شمعة العمر، في 2010، لم يكن الوقت يسمح لهذا الشاعر الشاب، المنطلق في الحياة، بأن يكتب كل وعوده المقبلة، وفي ما يشبه النظرة القارئة للمستقبل سيصدر بولعيش عمله الشعري المثير للسؤال «لن أصدقك أيتها المدينة»، الذي لا يتجاوز 66 صفحة، وكأنه يريد أن يقطع نهائيا مع مدنية زائفة، يقول الزبير بن بوشتى: «يحمل موت الشعراء معنى مختلفا عن المألوف. يصير الغياب حضورا بعد أن كان غيابا في المطلق. يدثر الموتُ الشاعرَ بحياة تمتد في اللازمن. أما وإن كان الشاعر الغائب في زهرة العمر فإن غيابه يحمل معنى مغايرا تتوحد فيه ذوات الأصدقاء والأحباء بذاته لتنصهر فيه ومن خلاله. ولعل الغياب المبكر للشاعر منير بولعيش يحمل ضعف المعنى. فهو بقدْر ما كان في حياته متواريا عن الأضواء ومتخفيا في ذاته بقدْر ما أمسى من خلال موته نجما ساطعا يتسابق الجميع للاستئثار بقبس من ضيه. هو الراغب في التدثر بالكلام المباح في غفلة عن المعنى الملموس للكلمة التي تخفي قشرتُها جوهرَ العالم. هو اللائذ بصمته، المحتمي بابتسامته الخجلى من هيبة المكنون. لم يكن ليعرف للجحود وجودا… يحتفي بأسرار القصيدة في عالم جوّانيّ مشرعة أبوابه على الشعر.  مقهاه باريس وجلساؤه رواد من نوع عام. صديق الوجوديين وعدو العدميين. إنه منير بولعيش كما استنشقته في عبوره الحميم من ضفة الأمل إلى ضفة الألم. يقطع شوارع المدينة من حي درادب إلى البوليبار بخفة الفراش، بخلسة النساك، تدثره نسمة هواء عليل قتلته علته. آمَن بالقصيدة في محراب طنجة على مرأى من أصدقاء الدراسة ورفقاء الفراسة. هو هو، لم يتغير منذ عرفته، وديع في خجله، صموت في وده، نقيّ السريرة ونظيف العشيرة، قارئ لا يجهد وكاتب لا يتعب…
من أين يا ترى جاء بهذا العمق في النظرات والزهد في الظهور والبذخ في الحياة كمتصوف ارتقى به معراج المحبة إلى منتهى الوهج، حيث جمرة القصيدة تتشظى كبريتَ شعر. ينقر الحروف بين شفتيه  خجلا أو متعجلا للعودة إلى صمته بعد برهة كلام. ينظر إليك بعينين يغشاهما النور وكأنه في عجلة من أوبته إلى جوانياته. لا يأبه لصراع ولا يستأثر بحديث. ظلـّـُه ظلَّ يحمي جيله من تيهان الثقافة المأجورة. لم يكن ليرضخ لسلطان غير الشعر. تجده في المحافل متخفيا بشَعره الغزير الساقطة خصلاته على نظاراتيه الطبيتين. لم يأبه العديد لحضوره إلى أن أعلن موتَه سلطةَ نصه. ذاك هو الشاعر كما عرفته قريبا وبعيدا في آن. وكم استرقنا من الوقت الهارب لحظاتٍ صنعنا منها صداقة رسّختها الأفكار ووهَّجها الحرف واللون. ومن هذا اللون الباذخ في تواضعه وانسيابيته بين أزقة وحانات ومقاهي طنجة صنع منير بولعيش صورة قصيدته، التي ظلت تشبهه إلى أن صارت پورتريهاً شخصيا له يقتسمه ومدينته، التي أهداها شعره وحياته في ديوانه «لن أصدقك أيتها المدينة»، الصادر عن السليكي إخوان عام 2009».
من شعر  أحمد بركات :
الأرض
الأرض ليست لأحد
الأرض لمن لا يملك مكانا آخر
الأرض عباءة الموتى
الأرض عراء
الأرض درب
مقيمون وجوالون
الأرض شارع بأعمدة وعابرين
الأرض قفص العصافير ومداحين
الأرض حانوت الهم
عويل العربات
الأرض غبار
الأرض مقهى مفتوح ليل نهار
الأرض مسجد صغير
به حرم صغير
فيه قبر صغير
عليه شمعة صغيرة أيضا
الأرض في كف صبي يقف عند باب المسجد
الأرض في كفه قرش واحد
الأرض ليست لأحد
الأرض لمن لا يملك مكانا آخر
هذا هو الكرسي
عليه يستوي الصانع الملول
كما تستوي باقة الورد
المهجورة
وعليه تستريح الفصول
عليه يستوي المعطف
مثلما يستوي الملوك
وعليه تستريح الأرض إذا أكملت دورتها
 
من قصائد منير بولعيش :
أتدخر
ما يكفي من الصفاقة؟
كي تجلس وجها لوجه
أمام كأس الشاي وقطعة المدلين
و شرع -كمثل الروائي-
في افتعال النكوص
معبأ بالتداعي النوستالجيّ
وقناع ميثولوجيّ
أتقن مثلك لعبة القفز
فوق السياج…
تتقمصه/ يتقمصك
كيما لا تعرف أيكما أنت
القناع أم أنت؟
وأيكما
يمنح للآخر ذاكرة؟
كي يعيش في الزمن الضائع
بسلطة الذكريات
أعرف: التنفس في الأسطورة
أقدر على الخلود
فلتتأسطر…
ولتتذرع بنشيدك الطفولي: قافلة تمـرّ
لست قافلة
أنا آدم كائنا من كان…
آدم ليس إلا…
 
من نصوص كريم حوماري :
رأيت الشعب مشغولا بدفع العربة إلى الأمام
رأيت العربة مشغولة بدفع الشعب إلى الوراء
رأيت شعبا من العشاق ينتحر
رأيت راهبا يحمل مقصلة
حاكما يحمل مشنقة
رأيت الجميع يحارب الجميع
وأنا لم أشارك في المهزلة
* *********
متى يأتي الماء من جهة القلب
يسقط الكلام من شرفات صمتي
ترحل طيور أحلامي من سماء غضبي
تسقط زهرات العمر في ضياع الوقت،
من يدري أنني غازل خيوط ألمي؟
أغني و أبكي، لست أدري
فلتنهض حروفي من نوم حبرها،
وليسقط حبري دمعة في رحاب الوجد
ضيعت نفسي و هلكت آخر أنفاسي،
هذي يدي الممدودة صوتا في العراء
وهذا جرحي الثابت في جدار الهواء،
متى تأتون؟
لكم أجنحتي من صلابة الوجد
ولكم رقتي
تترك خطوتي آثار فرسان
وأشكو عابر سبيل ضللني،
حتى يأتي الماء من جهة القلب؟
ثم أين أضع هذا القلب و نبضه؟
فقدت صوابي وأخطائي،
فلتأت حروب كي أدفن شهادة نفسي
 عن المساء المغربية

 
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: