مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

تعلمات للبيع…. كيف تكون التربية والتعليم منتوجا ربحيا؟

تعلمات للبيع…. كيف تكون التربية والتعليم منتوجا ربحيا؟

د.عبد الفتاح شهيد -أستاذ باحث
خاص بالموقع
أن تكون التربية والتعليم منتوجا ربحيا، أو خدمة للبيع بمقابل “مادي” يتفاوت حسب نوع وكم هذا المنتوج/الخدمة. يقتضي من المنتج الوعي بخصوصيات مجال استثماره وبإكراهاته، وبالخطوط البرتقالية قبل الحمراء التي لا يمكن تجاوزها مهما بلغت قيمة الربح، ومهما وصلت نسبة الخسارة. كما يقتضي من المستهلك/الزبون الذي يقبل على هذا المنتوج/الخدمة أن يراعي كذلك طبيعته وحساسيته. وبالتالي يستوعب مجالات تدخله وكلامه، ويدرك مواطن عجزه وسكوته. وبين هؤلاء وأولئك يجب أن تقف الوزارة الوصية على مسافة واحدة، توجِّه، تحكًّم، وتراقب أدق التفاصيل. ذلك أن هذا المنتوج/الخدمة لا يقبل فيه الخطأ والمغامرة، ولا مجال خلاله للتجريب والمناورة. لأن مجاله هو “بناء الإنسان” بكل ما تحمل الكلمة من دلالات وما تحتمل من أبعاد
.
إن تحقيق التوازن بين هذه الخصوصيات المرتبطة ببناء الإنسان، لأن مؤسسات التعليم الخصوصي هي مؤسسات لتربية وتعليم أبناء المغاربة. وبين الرغبة في تحقيق الربح المادي، لأن هذه المؤسسات هي مقاولات تسعى إلى الربح، وهو ما يضمن لها التواجد والاستمرار . هو ما يروم هذا المقال فتح النقاش حوله، وتقديم مقترحات لبلوغه، أو على الأقل الوصول إلى شيء منه. ذلك أن المدرسة الخصوصية جزء من المدرسة المغربية، ونجاحها من نجاح هذه الأخيرة، كما أن فشلها من فشلها
1-      رهان التسيير والتدبير:
يعتبر التسيير والتدبير حجر الزاوية في أي مشروع، ولا يمكن أن يكون التسيير المتفرد المتمركز على شخصية واحدة نقطة قوة أي مقاولة.  فبالأحرى المقاولة التي تشتغل بحقل التربية، وتشارك الدولة في مهمة التكوين، وتتخذ من القرارات ما يمتد أثره إلى فئة عريضة من المواطنين.
فمن أهم التحديات المطروحة أمام مؤسسات التعليم الخصوصي هي طرائق تسيير مرافقها، وآليات تدبير رأسمالها البشري. فالمدرسة ليست هي “الضيعة” أو “المصنع”. وخدمة “التربية والتعليم” ليست أي خدمة “استهلاكية” أخرى. وتدبير أوضاع شغيلة تؤثر حالة أفرادها النفسية والمعنوية في مستوى عطائها ومبلغ إبداعها لن يكون بالعمل الهين. والتسيير الجماعي والتدبير التشاركي سيكون الحل العملي الأمثل للمشكلات المختلفة المتواترة التي تتبادر في هذا المجال. حيث يتشكل الفريق بناء على الكفاءة والخبرة، وتقدير المسؤولية والفعالية في التواصل، وليس بناء على أي ولاءات. والتسيير الجماعي والتدبير التشاركي، يقتضي تفعيل آليات التواصل والإنصات لكل الأطراف، وخصوصا هيئة الإدارة التربوية وهيئة التدريس، والتلاميذ والأولياء. لأن هؤلاء جميعا شركاء في تحسين جودة المنتوج التربوي والنهوض بالخدمات المقدمة. ثم بعد ذلك خلق آليات واضحة لبلورة القرارات، وتصريفها في الميدان، دون أي ردود أفعال، أو ممارسات فردية معزولة بعيدة عن الممارسة التربوية الرشيدة.
إن قرارا يبدو بسيطا، حين يتخذ في حق المتعلم، قد يغير مصير كائن إنساني. وملاحظة تبدو عابرة حين تطرح في حقل التربية والتكوين، قد تعدّل مسارات دراسية كاملة. وما ينتظر من كل ذلك من دفع للمفاسد وجلب للمصالح، يحصد المجتمع كله ثماره..
2-رهان “الخبرة والتخصص“:
إن الإنصات لأصوات الخبراء، والاعتماد على أداء المتخصصين في علوم التربية والديداكتيك، من الرهانات الأساسية للمدرسة الخصوصية اليوم. في أثناء التطورات التي يعرفها القطاع، والتغيرات التي يشهدها المحيط، في عالم يتحدث لغة الخبرة والتخصص. إذ يرتبط بالرهان الأول عمل مؤسسات التعليم الخصوصي على إعداد فريق تربوي متخصص، يكون بمثابة هيئة استشارية تلزم قراراتها فريق التسيير والتدبير.
ويكون من مهام هذا الفريق صياغة “رسالة” المؤسسة ومهمتها في المجتمع، بما يضمن إيجاد قوة معنوية دافعة للاجتهاد، وأرضية فكرية مشتركة للإبداع، ومجالا لتحقيق الإجماع بين جميع المتدخلين. ثم وضع خطة مستقبلية لمسار المؤسسة واختياراتها البيداغوجية على الأمد القريب والمتوسط والبعيد. بما يضمن تطور العرض التربوي واتساع الرؤية واستشراف المستقبل. ويسم عمل هذه المؤسسات بالمهنية والاحترافية.
ومن أولى أولويات مؤسسات التعليم الخصوصي التي يجب أن تسهر عليها فرقها التربوية المتخصصة، تتبع مختلف الوثائق التربوية التي تصدرها الوزارة الوصية على القطاع. ودراسة المذكرات والقرارات، والتعبير فيها عن آراء واضحة وملاحظات دقيقة، ومقترحات علمية. ثم بعد ذلك البحث في طرق تنزيلها إلى الميدان وتصريفها في الممارسة الصفية.
وفي الإطار نفسه يعمل هذا الفريق على إعداد دراسات وافية حول البرامج والمقررات، وبيان مواضع قوتها وقصورها، وحتى إعداد مقررات بجودة عالية تقترح على المديرية المختصة في الوزارة. وإنتاج كتب موازية تغني المكتبة التربوية، والمشاركة بفعالية في الحراك الثقافي الوطني بتنظيم ندوات وملتقيات وأيام ثقافية. أما المقررات التي درجت المؤسسات الخاصة على استيرادها من خارج المغرب، فتحدد الإضافة النوعية التي تقدمها، ومدى موافقتها للثوابت الدينية والوطنية للمغاربة. حتى لا يكون التعامل مع هذا النوع من المقررات لمجرد “الظهور”، ولا تؤول في نهاية المطاف إلى وسيلة لتحقيق الربح المادي فقط.
كما يعمل هذا الفريق التربوي المتخصص على اتخاذ القرارات التربوية ذات الأهمية البالغة، في تحقيق ظروف التحصيل والرفع من جودة التعلمات. كتحديد نوع التوقيت، وتدبير إيقاعات الزمن المدرسي، وتجميع المعطيات والإحصاءات التربوية في المؤسسة. ثم إعداد استراتيجية واضحة للتكوين تراعي مجالات الخصاص وتستشرف العوائق والمشكلات . مع الإشراف الفعلي على كل عمليات التأطير والتكوين التي تستفيد منها أطر المؤسسة .
إن اعتماد مؤسسات التعليم الخصوصي اليوم على فرق تربوية متخصصة في علوم التربية وديداكتيك المواد، يجعلها قوة اقتراحية يحسب لها ألف حساب في أي حديث عن “التربية والتكوين”، ويجعلها رقما يصعب تجاوزه في أي إصلاح يستهدف منظومة التعليم. مما يقوي من أولوياتها التربوية ويعلي من حمولاتها الرمزية. ويرسخ الرسالة التربوية التي تحملها إلى جانب الغاية الربحية التي تسعى إليها.
3-أطر القطاع، الحلقة الأضعف:
 يبقى أطر الإدارة والتدريس في مؤسسات التعليم الخاص هي الحلقة الأضعف في أي حديث عن واقع القطاع. ربما لأن هذه الفئة لم تستطع تجميع قواها في إطار وطني قوي وموحد ينطق باسمها ويدافع عن وضعيتها. وربما لأن عددا كبيرا من هذه الأطر يعتبرون الاشتغال بالتعليم الخاص هو فترة انتقالية فقط في انتظار وظيفة قارة في القطاع العام. ولذلك يرون أن من الحكمة السكوت ومن النباهة الصبر على الموجود في انتظار الإقلاع، مع أول فرصة، نحو الأفضل. وكل ذلك يضعف القطاع، ويرهق مؤسساته معنويا وماديا، فتحصد نتائجه السلبية على المدى المتوسط والبعيد.
ولنكن صرحاء في ملاحظة قد لا يعلمها الكثيرون ، وهو أن أداء وفعالية أستاذ التعليم الخصوصي القار، الذي يحمل تكوينا متينا وتجربة مهنية معتبرة. يكون أفضل بكثير من أستاذ التعليم العمومي، الذي يأتي فقط إلى المؤسسة الخاصة لسد “الخصاص”، دون أن تكون له دراية بخصوصيات القطاع وضرورات الممارسة فيه وإكراهاتها، سواء في العلاقة بالمتعلمين، أو بالإدارة، أو بالآباء، وهو ما يدركه المشتغلون بالميدان جيدا.
إن تحسين الوضعية المعنوية والمادية لهذه الفئة ترسيخ للمقاولة المواطنة التي تكرم أبناءها، وتوظيف لطاقات تربوية مستعدة للعطاء ومتحفزة للإبداع، وقبل ذلك وبعده ضمان لمنتوج تربوي بجودة عالية.
ويكون النهوض المعنوي ببعض الإجراءات البسيطة، العميقة  الأثر في نفوس هذه الفئة ومردوديتها. منها إزالة توصيف “المستخدم” أو “العامل” الذي تستخدم عادة لتوصيف هذه الفئة، لأن العامل في بناء الإنسان هو مرب يستحق كل التوقير والتبجيل. والعمل عبر أعلى القنوات الرسمية على إلحاق أساتذة التعليم المدرسي الخصوصي بمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية. باعتبارهم أساتذة كاملي الأستاذية، أو إنشاء جمعية وطنية للأعمال الاجتماعية مدعمة من طرف المؤسسات الخاصة والدولة. وإيجاد مؤسسة تنصب نفسها طرفا في أي مشكلات قانونية تعترض هذه الفئة. ناهيك عن البحث عن آليات تغطية صحية “تكميلية” مناسبة، تضاف إلى التغطية الإجبارية. لأنه حين يتم الاستغناء عن “العامل” يجد نفسه في الشارع بتعويضات هزيلة. وحين تعترضه بعض المشاكل أثناء أدائه لواجبه يجد نفسه على أبواب المحامين وفي ردهات المحاكم عاري الظهر والصدر تتوالى عليه الضربات. مما يحيلنا على المشكلة الحقيقية لهيئة الإدارة والتدريس في التعليم الخصوصي وهي انعدام الاستقرار. وهو ما يستدعي تدخلا من طرف المهنيين الذين يرغبون في هيئة تربوية قارة ودائمة، ومصالح الدولة التي تهدف إلى تخفيف الضغط على القطاع العام وازدياد الثقة في القطاع الخاص،وذلك من أجل تقديم الضمانات الكافية في أفق إيجاد نظام أساسي لأطر القطاع يشارك في صياغته كل المتدخلون.
أما من حيث الوضعية المادية فيتحدث أطر التعليم الخصوصي عن وضع كارثي لا يشرف القطاع، تتناسل فيه الحكايات عن ضعف في الأجر مقابل تراكم في المهام. وفي أفضل الأحوال لا تصل الأجور إلى نظيرتها في التعليم العمومي، رغم أن المطلوب منهم يكون أكثر بكثير مما يطلب من هؤلاء. وحتى لا نطيل في شرح الوضعية المادية التي يعلمها الجميع. فلا محيد عن تصنيف المشتغلين في القطاع في سلالم تراعي الشواهد المحصل عليها، والخبرات، والمردودية، والعطاء. وخلق نظام تحفيزي واضح المعالم يشجع على الإبداع والتفوق، مع تحديد المهام بدقة وتوزيعها بين هيئة الإدارة والتدريس والأعوان.
إن الاستقرار المعنوي والمادي لهذه الفئة يؤدي إلى خلق هيئة تربوية قارة وثابتة في القطاع، الذي يستنفذ إمكاناته في تكوين الأفواج التي تغادر بمجرد أن تجد فرصة أفضل، وعلى الأساتذة المستقدمين من التعليم العمومي. عوض الحديث عن “قرصنة” وزارة التربية الوطنية لأساتذة القطاع الخاص. أو الاختباء وراء تدابير ترقيعية لا تزيد القطاع إلا إنهاكا.
4- المتعلم-الزبون والمعادلة الصعبة:
ومن المشكلات المطروحة في عمل مؤسسات التعليم الخصوصي صعوبة توضيح العلاقة الملتبسة مع المتعلم باعتباره تلميذا له حقوق وعليه واجبات كما تقتضي أبجديات التربية والتعليم. وباعتباره زبونا “دائما على صواب”، كما هو مرعي في العادات التجارية. وهي المعادلة التي يصعب تحقيقها في ظل تنافسية لا تلبث تتزايد. فعدم إرضاء المتعلم قد يعني الاحتجاج على خدمات المؤسسة، كما قد يؤدي إلى استبدالها في أسوأ الأحوال. والتربية تقتضي الترغيب كما تقتضي الصرامة. ولا يمكن أن يكون المتعلم بحال في حالة رضا تام ودائم. وهو ما يستلزم التصريح بالالتزامات المتبادلة بين المتعلم والمؤسسة في القوانين الداخلية للمؤسسات يطلع عليها التلميذ ووليه، ويوافقان على مضامينها صراحة، في خطوة لإدماج المتعلم في تحمل المسؤولية. غير أن الأهم من القوانين هو ترسيخ ممارسة تربوية متوازنة في فضاءات المؤسسة المختلفة. تراعي حقوق وواجبات المتعلم كما هي متعارف عليها كونيا. وتضمن فعلا بيداغوجيا سليما يراعي خصوصيات التربية والتعليم في أثناء السعي إلى الربح والتسويق. بحيث تكون العبرة بالنتائج المحصلة أكثر من حالة الرضا الدائم المستحيلة.
وقد أبانت التجارب أن المؤسسات الخاصة التي تتعامل مع المتعلمين باحترافية ، تنال الاحترام والإقبال على خدماتها التربوية أكثر من المؤسسات التي يتغلب عليها منطق الربح التجاري السريع.
غير أن للقضية وجها خفيا آخر، فالحق في التعلم والتسجيل في المؤسسة الخاصة المرخص لها من طرف الحكومة المغربية يجب أن يكون حقا لكل متعلم مهما كانت إمكاناته. بشرط توفره على الشروط القانونية، واحترام قوانين المؤسسة، وأداء المستحقات المالية. حتى لا يكون القبول مقتصرا على النبهاء والنوابغ الذين يصنعون “100في 100″، وأكبر عدد من الميزات. كما أن الفصل من المؤسسة يجب أن يخضع لقوانين صارمة، ولا يتم إلا بموافقة المصالح النيابية التابعة لوزارة التربية الوطنية.
إن المدرسة المغربية الخاصة هي فضاء رحب للتربية والتعليم والتكوين بجودة عالية، ولحياة مدرسية بشروط يفترض أن تكون متميزة. غير أن التدبير التشاركي وحفظ كرامة المتعلم، والأستاذ، ورجل الإدارة، هي من الرهانات الأساسية التي تستدعي من القائمين عليها مجهودات جبارة. حتى يتحقق مفهوم “الشراكة الاستراتيجية”، ويجد طريقه إلى واقع الممارسة التربوية
chahidabdelfattah@yahoo.fr
 
   
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: