مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

ما يصنعه الوهم ما تصنعه المعرفة

ما يصنعه الوهم ما تصنعه المعرفة

احمد بزون 
الوهم يهب السعادة لا المعرفة، هذا القول للفيلسوف والمؤرخ النمساوي ستيفان ستفايج الذي انتحر مع زوجته، من شدة حزنهما على عالم مقفر وقاحل. اما المعرفة فتهب الحزن.

في أرض الوهم وفضاءاته تنمو غالباً افكار مبهجة وواعدة توحي بالطمأنينة والأمل، وتريح العقل من الاشتغال، تنشط الحماسة حين تتحول إلى خطاب يعد الناس بالسعادة المفتقدة وباستعادة الكرامة التي أهينت، وباسترداد ما ضاع من حق لعدم الدراية، وهكذا يصبح الوهم استغراقا طويلا في الطمأنينة، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الإيديولوجيات. ومن تلك الأمثلة أستعير من المفكر الدكتور علي أومليل هذا القول: “إن إسرائيل كانت دائماً عامل تخلف في المنطقة، بحيث أن فكرة الثأر للهزائم التي ألحقتها بالعرب، أسست لأنظمة استبدادية جاءت عبر مسلسل من الانقلابات العسكرية، رفعت شعارات مفرحة كالتحرير والوحدة والعدالة والحرية”. بالطبع لم تحقق من تلك الوعود إلا القليل الذي لم يكن كافياً لمنحها شيئاً من المصداقية والشرعية، ثم وبعد وقت قصير تحولت إلى ديكتاتوريات تحت شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وكان الخاسر الأكبر في تلك المعركة هو العقل، أي المعرفة، والمنتصر هو الوهم، بحيث كل الهزائم التي منيت بها تلك الأنظمة حولوها إلى انتصارات أطلقوا عليها صفات كبرى “كالتاريخية والمصيرية”، ورفعوا صور القادة وخطوا الشعارات على جدران المدن ونحتوا التماثيل, وضمّنوا خطبهم للكتب والمناهج, وتهافت بعض المثقفين للتنظير لأفكارهم وتبارى بعض الشعراء في مديحهم.
لقد صادروا الفضاءات كلها في الإعلام والساحات والمطارات، وتربعوا لنصف قرن على الكرامة نفسها التي جاءوا ليخوضوا معركتها ومعركة فلسطين, وتبين أن المعركة الوحيدة التي خاضتها تلك الأنظمة وبشراسة، هي ضد شعوبها منذ قيامها وحتى هذا التاريخ، حيث نشهد زمن سقوطها، ودائماً في صعودها كما في انهيارها لا تتقن اي معرفة أكثر من القتل.
منذ تموّز النكبة، 1948 وحتى تموز 2012، كانت إسرائيل هي المنتصر الوحيد، وبالطبع ليس على شعبها بل في المعارك التي خاضها العرب معها. أظن أن الكل يعلم ان إسرائيل زمن النكبة كان وجودها لا يتعدى الخمسة عشر في المئة على اراضي فلسطين، وفي حربين متتاليتين، 67 و73، احتلت إسرائيل كل فلسطين وبعض مصر وبعض سوريا وبعض لبنان، ثم اجتاحت هذا الأخير عام 1982 واحتلت عاصمته، وفي صيف ذاك العام تشكلت جبهة المقاومة وكتب بيانها الأول زعيم الحزب الشيوعي جورج حاوي الذي اغتيل مؤخراً (لعل الوقت يكشف القاتل)، واستطاعت جبهة المقاومة آنذاك أن تخرج جيش الاحتلال من بيروت، وتابعت عملياتها في الجنوب، ليستكمل حزب الله عملية التحرير منفرداً بعد أن أقصيت جبهة المقاومة، وجاء التحرير عام 2000 وعمت السعادة، لكنها للأسف لم تدم لأنها مبنية على شيء من الوهم، لا سعادة في ظل قيام دولة مسببة للتخلف، حتى لو احرزت المقاومة في تموز 2006 انتصاراً سمّي انتصاراً إلهياً، لا اظن ان عملية دفع هذا الانتصار نحو الألوهية يمنعنا من التفكير بأن بعضه، وليس الكل، مبني على الوهم، لجلب السعادة لمن نكبوا ببيوتهم وأهلهم وأطفالهم ولبثّ الحماسة في العزائم التي اوهنها التدمير الوحشي لمدن وقرى الجنوب، وللضاحية وللجسور الممتدة من عكار وحتى الناقورة. اقول ذلك لأن الأنتصار الكليّ هو بمنع هذا العدو من القتل والتدمير وهذا يتطلب تدبيراً غير الذي اتبع لستين عاماً ونتائجه دائماً كارثية. لعل تلك الثورات العربية عندما تحقق مبتغاها في قيام الدولة الديموقراطية تضع العدو امام مرآته الحقيقية. فتلك الدولة، التي كما سلف الذكر، مسببة للتخلف في محيطها لأنها نجحت لوقت طويل في جعل معظم هذه القوى اشبه بحرس للحدود، وهي أنظمة إلهية لا احد سواها يمتلك حق التحرير، لعل أنظمة الاستبداد، والنظام السوري تحديداً، يعلم تماماً الدرس الإسرائيلي، لذلك صار يخوض معاركه بأنواعها، بالواسطة، وكان لبنان جبهته المشتهاة، فمنذ ذلك الحين حوّل بعض جيشه إلى ما يشبه حرس الحدود وراح يخوض معاركه في تدجين الناس وتحويلهم إلى قطيع في حظيرة النظام، وبدل الدرس الذي وعد بتلقينه لإسرئيل يوم جاء، لقنه لشعبه، وبالطبع كان اللبنانيون قد نالوا حصتهم الوافرة من هذا الدرس، وقد فعلت المقاومة شيئاً شبيهاً من هذا في أيار وسمته يوم ذاك عملية جراحية، وما يقوم به اليوم النظام السوري ضد شعبه، سماه رئيس البلاد بعملية جراحية، هذه المصطلحات يتقنها من يعلم كيف يجعل الناس في الوهم الذي يجلب السعادة للتابعين.
على كل حال، يبدو من الصعب الفصل في الذاكرة بين ما فعلته إسرائيل من جرائم مرعبة على مدى ستين عاماً، وبين جرائم تلك الأنظمة التي قام بعضها بإبادات جماعية، ولم يزل يرفع شعار تحرير فلسطين. من الصعب ان نرى اطفالا يذبحون في الحولة سوريا ونراها أخف وطاة من مذبحة قانا وحولة فلسطين، عندما تختلف هوية القاتل يبقى القتيل هو نفسه، لذلك المعرفة تهب الحزن والوهم يهب السعادة.
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: