مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع الشاعر والمترجم رشيد وحتي: الترجمة عملية تلقي مزدوج

حوارمع الشاعر والمترجم رشيد وحتي: الترجمة عملية تلقي مزدوج
 
أجرى الحوار: فؤاد بلحسن ومحمد ضريف
خاص بالموقع
مساء، في ركن من مقهى هادئ، تحت إنارة خافتة تكاد تغمسنا في سحر الظلام، التقينا – فؤاد بلحسن ومحمد ضريف – السيد مُحَاوَرَنَا. طرحنا عليه مشروع حوار، في إطار رغبة منا في تقديم الوجوه الأدبية عبرها هي لا عبر ما تُقَدِّمُهُ للمكتبات وللثقافة. رحب، على استحياء، بالفكرة، خاصة وأنه يعمل في صمت ولا يتحدث عما قام أو ينوي القيام به. هو شاعر ومترجم. نشر قصائده وترجماته في منابر عربية عديدة وأُنطولوجِيتين شعريتين خاصتين بالشعر المغربي والعراقي الحديثين.
نص الحوار:
● بماذا تعرف نفسك لقراء هذا الحوار؟
— أَكْتُبُ.
● أنتم شاعر ومترجم. لنترك صفة الشاعر إلى حين، ونسأل ماذا تمثل الترجمة بالنسبة لكم؟
— الترجمة تمرينٌ لِلُغَتِي، مُحَكُّ لُغَةٍ عَلَى أُخْرَى، العُبُورُ بِشكلٍ ومعنى من ثقافة إلى أخرى، تَقَاسُمُ الْحُمَّى واللَّذَّة مع قارئ مُفْتَرَضٍ.
● ثمة نظريات عديدة بخصوص الترجمة. مثلا الفيلسوف طه عبد الرحمن يصنفها إلى ثلاثة أصناف: 1. الترجمة التحصيلية، التي تتوخى الحرفية اللفظية بحيث لا لفظ من ألفاظ النص إلا نقلته، وقد تزيد ألفاظها عن النص الأصلي؛ 2. الترجمة التوصيلية، التي تتوخى الحرفية المضمونية، بحيث لا معنى من معاني النص إلا نقلته؛ 3. الترجمة التأصيلية، التي تتوخى التصرف في النص، ألفاظا ومعاني، بالقدر الذي يمكن للمتلقي للنص الفلسفي مثلا من اكتساب القدرة على التفلسف في هذا النص. سؤالنا: أي نظرية تعتمدون أنتم؟
— أُحَاولُ الهجرة بالنص من ثقافة إلى ثقافة أخرى عبر تمرين لغوي، وأتفادى، خصوصا، مَطَبَّيْنِ: التَّجْمِيلَ و/أو تقويل النص ما لم يقله.
● لكم مجموعة من الترجمات لأعمال أدبية متنوعة، لنتوقف قليلا مع ترجمتك لمـَحكيات أنطونيو طابوكي، المنشورة في كتاب تحت عنوان “أحلامُ أحلامٍ” [منشورات الجمل، 140 صفحة). كيف جاءت فكرة ترجمة هذا النص؟ لماذا هو وليس غيره؟ هل يستهويك البعد الغرائبي في الأدب؟ فالنص، موضوع حديثنا، مطبوع ببعد غرائبي على طول الخط: انطلاقا من فكرته الأساسية [استدعاء الأدب لكتابة أحلام متخيَّلة لفنانين لا نعرف غير سِيَرهم] وصولا إلى ترجمته [التي أردتَ لها أن تكون مشكولة]، مرورا بعنوانه وقالب التعبير [المـَحكي].
— لا أترجم إلا النصوص التي تمنَّيْتُ لو كنتُ مُؤلِّفَهَا؛ بالتالي تصير ترجمتُها تأليفاً لها، ولو أَنه تأليفٌ من الدرجة الثانية [وأنا راضٍ بهذا الوضع، شرط أن لا يُبَخِّسَهُ القارئ، فكثيرا ما تَمَّ الْحَطّ من قيمة المترجِم باعتباره ناقِلًا للمعاني من لغة إلى لغة، مع ما في هذه الرؤية من الميكانيكية والاختزال البعيدين كلَّ البعد عن إبداعية الترجمة ومَشَقَّتِهَا/شَقَاوَتِهَا]. بالتالي، أحاول منحَ القارئ بعضا من لحظات البهاء التي شعرتُ بها وأنا أقرأ وأكتُبُ/أُتَرجِم: تصير الترجمة عمليةَ تلقي مزدوج. بالنسبة لنص طابوكي إذن، ترجمتُهُ، بكل بساطة، لأني “أَغَارُ” من مؤلِّفه فألَّفتُهُ بلسان عَرَبِيٍّ بالاشتراك مع مؤلِّفِه الأصلي! أما الغرائبي، فيستهويني، لطاقته الإبداعية والتَّحَرُّرِيَّة: علينا أن لا ننسى أن الغرائبي، إضافةً إلى الرمز والأمثولة، نشأ تاريخيا في مناهضة للسلطة [كليلة ودمنة، خرافات إيسُوبْ ولافونطين، ألف ليلة وليلة، المحكيات الغرائبية في فرنسا القرن 19، الواقعية السحرية في أميركا اللاتينية]؛ أما عن تحريكِ/شكلِ كلمات النص كاملةً، فهو عادة أتتني من التدقيق في صيغة النص لأكثر من مرة وصونا للغة، مع إضفاء جمالية بصرية على النص، وربما تَفَرَّدَتِ العربية في ذلك مع قليل من اللغات السامية.
● كيف تفسر اعتماد أنطونيو طابوكي على ثيمة “الحلم” في هذا النص؟
— يُشَكِّلُ الحُلْم إحدى أهم الأنشطة والطاقات الإنسانية التي يمكن تحويلها إلى مادة أبداعية [الرومانسيون الألمان، السرياليون] وهو أيضا “سلاح” سياسي فعال، وهنا أتذكر مقولة لينين التي تجعلُ منه ضرورة إنسانية وسياسية: “يَنْبَغِي لنا أن نَحْلُمَ”، رغمَ أنَّ بعض الكوابيس تَسَلَّلَتْ إلى أحْلَامِهِ وأفسدتها كمشروع سياسي نبيل انحرفَ نحو الدولة البوليسية والقاهرة للحريات! بالنسبة لي، كل النشطاء السياسيين الذين يسعون للتغيير نحو عالم أفضل حالِمون كبار بالضرورة، وكل الطغاة سجناء لكوابيسهم بالضرورة. وطابوكي ليس بتاتا من الداعين لفصل الجمالي عن السياسي، لقد قارعَ مافيا برلسكوني في الإعلام الإيطالي، ودقَّ ناقوس خطر التفافها على الثقافة وشرائها للمثقفين، وهنا لا ينبغي لنا أن ننسى أنه وريثُ محيط أُسَرِيِّ ومَدِينِيٍّ يجرُّ خلفه تقاليد عريقة في الفوضوية ومناهضة الدولة التسلطيةِ خطاباً وممارسةً، كما لا ينبغي لنا أن ننسى له مناهضته للعنجهية أوربا وخطابها المتمركز حول ذاتها.
● في نظرك، ما هو النص الأدبي الذي يستحق الترجمة؟ هل هو النص الأكثر إبداعا، الأكثر رواجا، أي المفترض أن يحصد زبناءَ بالمعنى التجاري، الأحدث إصدارا أم الأكثر استفزازا لآخر الآخر- الذي هو نحن، ففي نهاية المطاف تعد الترجمة نقطة التقاء ثقافي بين ذوات مختلفة؟
— النص الذي يستحق الترجمة هو النص الذي يستحق الهجرة من ثقافة لأخرى: يضحكني كثيرا وجود ترجمة عربية لِـ “كفاحي” للمقبور هتلر، وكأن البرامج الوثائقية والمقررات المدرسية ليست كفيلة لتعريفنا بِـ “فِكْرِه” بحيث صرنا بحاجة للتعمق أكثر في “مبادئ” النازية عبر ترجمة تفاهات زعيمها!!!!!! لربما صار هتلر نموذجا للبعض، وينبغي إحياؤه!!!!!
● في نظرك إلى أي حد تساهم الترجمة في خلق تلاقح ثقافي بين الشرق والغرب الحضاريين؟
— أكيد! لولا بيت الحكمة لما ازدهرت الثقافة في عهد بني العباس ولما أفرزت المعتزلة كأهم تيار عقلاني عرفه الفكر العربي الإسلامي، ولولا اقتباس نُظُم الإدارة من الدواوين الفارسية لما استطاعوا تسيير إمبراطورية واسعة على عهدهم؛ كما أن التأويلية [الهرمينوطيقا] الألمانية سليلة ترجمة لوثر للكتاب المقدس من لغاته القديمة إلى الألمانية؛ مع لوثر صارت الترجمة قراءةً وتأويلا قبل أن تكون نقلًا. لكني صرتُ الآن أخاف من موجة موظفين ومستشرقين جُدُد صاروا في خدمة مراكز الأبحاث الاستراتيجية لا لتعريف الغرب بالثقافة العربية الإسلامية وإنما للبحث في مثالبها وإيقاظ الفِتنِ من خلالِها، متشبِّهين بِفِرَقِ الاستطلاع و”المبشرين” الذين مهَّدوا للاستعمار القديم. صار الاستعمار الجديد في صورة جُنْدِي مدجج بالسلاح برفقة مُتَرجِم و”باحث” متخصص في الشؤون الأهلية [على شاكِلَةِ كنعان مكية وفريق من “اللبنانيين” لا يستحيون من ربط الصلات بالصهاينة].
● في زمن ما بات يعرف بالربيع العربي، ألا ترون أن الغرب، بعد تفاجئه بهدير الثورات والانتفاضات في المنطقة العربية أو في مراحلها الأولى على أقل تقدير، بات في حاجة أكثر إلى أن يقرأنا أدبيا أكثر عبر الترجمة، ولا يكتفي بجعلنا موضوعا للتحاليل السياسية.
— أَجَلْ! “الأدب أهم من التاريخ” [أرسطو]. لكن من يتحكم في سوق الترجمة يفرض معايير [الشهرة، الإثارة، الكتابة تحتَ إملاءات ما يريده القارئ والسوق الغربيان] لا علاقة لها بمقياس القيمة الأدبية! بل ثمةَ ترجمات تحت الطلب ومدفوعة الأجر سلفاً مِنْ قِبَل أردإِ المؤلِّفين! أفسدَ النفطُ كلَّ شيء يا صاحبي!
● كيف يمكن للأدب أن يساهم في نقد سلطوية الدولة والمجتمع؟
— باستقلاله عن السلطة. الأدب دومًا مُعَارِضٌ. لم يُخَلِّدِ التاريخ أبدًا أديبا مُمَالئا للسلطة! ستَحارُ في البحث إن طلبتُ منك أن تعطيني اسم شاعرٍ كبير واحد يكون ذا توجُّهٍ يميني!
● هل أنت أديب إلكتروني؟ يأتي هذا السؤال على خلفية أن الكثير من الأدباء شرعوا في نقل جسر تواصلهم الرئيسي مع القراء إلى العالم الافتراضي، في شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها. فنجدهم يُعرفون بأعمالهم هناك، يعرضون أنشطتهم ومشاريعهم الثقافية وغيرها.
— أنا قارئ إلكتروني أكثر من كوني أديبا إلكترونيا: أتاحَ لي الإنترنيت الحصول على كتُبٍ لم يكن لي أن أحصلَ عليها حتى لو بحثْتُ عنها العمرَ كلَّه!
● حدثنا عن مشاريعك الأدبية الرابضة في رفوف النسيان والانتظار!
— أضع اللمسات الأخيرة على ترجمة بعض نصوص بورخيس، كما أشتغل على منتخَبَاتٍ وافية للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس والألماني برتولت برشت ومختارات قصصية للتشيكي كافكا، تصدر في ثلاثة كُتُبٍ متفرقة.
● كلمة أخيرة للقراء؟
— قارئي مُفْتَرَضٌ، ويمكن أن يكون في أيِّ صَقْعٍ مِنْ أصقاع الأرض وإليه أتوجه: أحاول دائما أن أحترمَ ذكاءك وأن أكونَ أمينا معكَ، لا أترجمُ لكَ إلاَّ ما يشرفني أن يكون بقلمي، ولم أُتَرْجِمْ [ولن أترجِمَ] أبدًا تحتَ الطلب!
أجرى الحوار: فؤاد بلحسن ومحمد ضريف
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: