مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

موسم الهجرة إلى الشمال المفهوم عن الذات القسم الأول

موسم الهجرة إلى الشمال المفهوم عن الذات القسم الأول
 

د. أفنان القاسم
خاص بالموقع
مدخل
يقول الطيب صالح في ندوة عن روايته موسم الهجرة إلى الشمال: “كانت تدور في ذهني أيضًا فكرة العلاقة الوهمية بين عالمنا العربي الإسلامي وبين الحضارة الغربية الأوروبية على وجه التحديد. إن هذه العلاقة تبدو لي، من خلال مطالعاتي ودراساتي، علاقة قائمة على أوهام من جانبنا ومن جانبهم، والوهم يتعلق بمفهومنا عن أنفسنا أولاً، ثم ما نظن في علاقتنا بهم، ثم نظرتهم إلينا من ناحية وهمية.” (1)
بهذا القول يحدد الطيب صالح الفكرة الأساسية الكامنة من وراء مشروعه الروائي، ألا وهي: فكرة العلاقة بين العالم العربي الإسلامي وبين الحضارة الغربية الأوروبية، والتي هي علاقة وهمية –حسبما يقول- ذات ثلاثة أبعاد: 1) مفهومنا عن أنفسنا 2) مفهومنا عنهم (الغربيون) 3) مفهومهم عنا.
            ومنذ البداية، نلاحظ التعميم التقويمي في لغة وفكر الطيب صالح عندما اعتبر العالم العربي الإسلامي كلاً واحدًا لا يتجزأ، و “نا” كضمير متصل بصيغة الجمع مرادفًا بل وبديلاً لهذا العالم، مقابل الحضارة الغربية الأوروبية أو الغرب ككل واحد غير قابل للتجزيء، و “هم” كضمير متصل بصيغة الجمع مرادفًا بل وبديلاً لهذا العالم، بينما كل المؤشرات في الرواية ستعلن بشكل “فاضح” عن الفكر البورجوازي الصغير للكاتب ورؤيته الأحادية الجانب –وإن جرى التعبير عن هذه الرؤية بصيغة الجمع- وكذلك عجز أدواته الفنية عن استيعاب حقيقة العلاقة القائمة بين “الشرق والغرب”، علاقة سياسية واجتماعية وإنسانية وجمالية وكلامية وفكرية معقدة تتجاوز الشرق أو الغرب كموقع جغرافي أو ككتلة متراصة من البشر لا يربطها رابط إلا الدين: الإسلام في حالة الشرق والمسيحية في حالة الغرب. أو بكلمات أخرى، ما يحيل إليه الشرق من حضارة خاصة، وإن بدا بدائيًا ومتخلفًا، وما يحيل إليه الغرب من حضارة خاصة، وإن بدا متطورًا ومتحضرًا، كتركيبين تعبيريين كلاسيكيين، وكبنيتين متنافرتين غير متزامنتين. وبالطبع يرى الكاتب “العلاقة الوهمية” هذه ليس تحت أشكالها المعقدة كما هي في الواقع، وإنما تحت أشكالها المتوهمة، أشكالها التي في ذهنه، ويحاول إزالة الوهم على طريقته، فكيف فعل؟ وكيف كانت نقيضة العلاقة الوهمية، العلاقة الحقيقية بين الشرق والغرب في رأيه؟ سنجيب على ذلك من خلال الأبعاد الثلاثة للعلاقة الوهمية كما جاءت في النص، والتي يحددها الكاتب بنفسه: 1) المفهوم عن الذات 2) المفهوم عن الغرب 3) المفهوم عن الشرق.
المفهوم عن الذات
            يبدأ التشكل المورفولوجي منذ الصفحات الأولى بعودة الراوي إلى قريته في السودان، “تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل” (2) (ص 5)، “بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كان خلالها يتعلم في أوروبا” (ص 5)، في لندن. وهو يبدأ حديثه، ينطق ب “عدت إلى أهلي، يا سادتي…” (ص 5) ليتشكل المنطوق، من ناحية، اعتمادًا من الناطق على العلاقات السردية الشمولية الدائرة حول العلاقة الأساسية بالأهل، الذين هم هنا بمثابة “الذات”، يبثهم حنينه، ويحلم بهم على مدى غربة طويلة لم تبدل من قوة هذه العلاقة: “سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم” (ص 5)، وهذه إشارة أخلاقية أولى إلى “تأصل” (لا نقول تجذر لنجمع بين أصل وأصالة) العلاقة بين الأهل والأبناء، إشارة أخلاقية، وفي نفس الوقت تضمينية لاعتراف الأبناء بفضل الآباء “الدائم” عليهم. ومن ناحية ثانية، ليتشكل عنصرا المنطوق الأساسيان، “أهله” و “غير أهله” الذين هم من المفترض الإنجليز أو الغربيون، ويمكن أن يكون الغربيون من يتوجه بالكلام إليهم، “سادته”، من بين من يتوجه، القراء في لغة التأدب، ولكن لهذا دلالة أخرى (3). هناك تواز سردي بين عنصري المنطوق، وفي نفس الوقت توازن بنيوي، سواء أكان ذلك على المستوى اللغوي بين مُروى عنهم ومُروى إليهم، أو على المستوى الإناسي بين “غربيين وشرقيين”.
            إذن التغرب، أو ما نفضل تسميته الاغتراب، لم يفعل فعله السلبي على الراوي رغم طول السنين، بل زاده “شوقًا عظيمًا” (ص 5) إلى أهله، وزادهم شوقًا عظيمًا إليه: “فرحوا به وضجوا حوله” (ص 5)، وهذه إنارة للإشارة الأخلاقية التي سبق لنا ذكرها من طرف الأهل الباقين على حب أبنائهم، وإن هجروهم، فالتأكيد على متانة العلاقة بين الأهل والأبناء يأخذ شكلاً ثابتًا خالدًا في بنية معارضة للمتحول للمتغير، خاصة عندما يصبح الاغتراب في الذات، وليس اغتراب الذات، تحت صورة “الثلج يذوب في الدخيلة” (ص 5) واغتراب العالم الجديد (لندن)، وليس الاغتراب عن العالم الجديد “بلاد تموت من البرد حيتانها” (ص 5)، وعندما يقول الراوي واصفًا لحظة اللقاء بالأهل، بالعشيرة كمصطلح دلالي مدغدغ لكل البداوة الألفية الكامنة في الذات: “ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زمانًا في بلاد تموت من البرد حيتانها” (ص 5)، ويرسم صورة موازية لعالمه النفسي، عالمه الداخلي، “فكأنه مقرور طلعت عليه الشمس” (ص 5). وبين البرد والشمس، لندن والقرية، الفرد والعشيرة، سيقيم تركيبًا دلاليًا سبق لنا دعوته “التوازن البنيوي” للرواية.
            ليست غاية الراوي نقض الصورتين (البرد والشمس، لندن والقرية، الفرد والعشيرة)، ولكن الإتيان بتوازيات لغوية وفكرية ونفسية ينفي أحدها الآخر، ومن وراء كل هذا هم واحد يطارده: متانة العلاقة بالأهل، أو بين الأهل، متانة العلاقة ب”العشيرة”، فهو ينظر إلى العشيرة من موقعها داخله بعد أن استعاد موقعه داخلها (دفء الحياة الذي فقده)، وتضمينًا حتى ولو ذهب إلى آخر الدنيا (لندن هنا): “تعودت أذناي أصواتهم، وألفت عيناي أشكالهم من كثرة ما فكرت فيهم في الغيبة، قام بيني وبينهم شيء مثل الضباب، أول وهلة رأيتهم، لكن الضباب راح، واستيقظت ثاني يوم وصولي في فراشي الذي أعرفه، في الغرفة التي تشهد جدرانها على ترهات حياتي في طفولتها ومطلع شبابها، وأرخيت أذني للريح” (ص 5). يدعم الكلام هنا مورفيم (كُليمة في علم اللسانيات) الأنا في تشكلها بعد انقشاع الضباب في العالم الحميمي عالم الذات: “أذناي، عيناي، فكرت، رأيت، استيقظت، وصولي، فراشي، حياتي، أذني… إلخ”، ويقلب واقع العلاقة بالأهل من علاقة “طبيعية” إلى علاقة غير طبيعية خلال أو داخل الأنا، فتصبح الأنا صفة للأنانية، صفة لا إنسانية، بل صفة ميتافيزيقية عندما تصغي الأنا إلى الطبيعة: “وأرخيت أذني للريح”، وتجد الطبيعة دومًا من خلالها: “ذاك لعمري صوت أعرفه، له في بلدنا وشوشة مرحة: صوت الريح، وهي تمر بالنخل، وهي تمر بحقول القمح” (ص 5-6). الصورة جميلة، ولكنها خاضعة لمتطلبات الأنا، أنا الراوي، الذي يقرر عندما يقول “أسمع” (ص 6) -أي دومًا من خلاله- هديل أحد الطيور، و “أرى” (ص 6) –أي دومًا من خلاله- النخلة القائمة في فناء دار”نا” (ص 6): “أن الحياة لم تزل بخير” (ص 6). ثم يمر الراوي على علاقته بالعائلة عندما “تجيئه أمه، وهي تحمل الشاي، ويفرغ أبوه من صلاته وأوراده، فيجيء، وتجيء أخته، ويجيء أخواه… إلخ” (ص 6)، ليؤكد بكثير من القدرية والطوباوبة والمثالية: “نعم، الحياة طيبة، والدنيا كحالها لم تتغير” (ص 6). البنية الثابتة الخالدة دومًا المعارضة للتغير للتحول، والعلاقات المتماثلة لهذه البنية، وكأنها علاقة واحدة وحيدة، تحت صور متماثلة.
            إذن يسعى الراوي، من خلال صور متماثلة للعلاقة ما بينه والعائلة، ما بينه والأهل، ما بينه والعشيرة، ما بينه والقرية، ما بينه والأرض، ما بينه والعالم، لتأكيد بنية لعلاقة مثالية لولاها لما كانت الحياة “طيبة” والدنيا أكثر طيبًا (!) حتى أنه يقيم نظامًا تكون حال الدنيا فيه ثابتة خالدة عندما يقول “لم تتغير”، ودومًا من خلال “الطيبة” أو مترادفاتها “المرح” “الهديل” “الخير”، تحت معانيها الإيجابية الأخلاقية الأحادية الجانب، ويجعل حدود الدنيا حدود تلك القرية السودانية النائية الصغيرة عند منحنى النيل، عن قصد أو عن غير قصد، بشكل مباشر أو غير مباشر، فليس في النص ما يشير إلى دنيا أخرى، وليس في قصد الراوي ما يشير إلى نقض الحال في لندن، في آخر المطاف الدنيا هناك كالدنيا هنا، الدنيا كمورفيم عام: “الدنيا بخير”، أما إذا صارت دنيا أخرى، كانت لأهلها إيجابية، وهي لهذا السبب تبرر وجودها “الوهمي” في النص وفي الواقع.
            ولكن ما يخلخل الأبعاد الساكنة لعلاقة الأهل بالذات –كنا على وشك قول علاقة الذات بالذات، ففي الحالة القائمة هناك تطابقات “عاطفية” من داخل الأنا لا غير- ما يخلخل السكونية السائدة “فجأة” (ص 6)، كما يقول الراوي، حضور رجل “غريب” (ص 6) عن مجتمع القرية المتجانس:
            “فجأة، تذكرت وجهًا رأيته بين المستقبلين لم أعرفه، سألتهم عنه، ووصفته لهم، رجل ربعة القامة، في نحو الخمسين أو يزيد، شعر رأسه كثيف مبيض، ليست له لحية، وشاربه أصغر قليلاً من شوارب الرجال في البلد، رجل وسيم” (ص6).
            التشكل المورفولوجي لعنصر المنطوق الأساسي “الأهل” ستتفرع عنه عناصر أخرى ثانوية كالأب والأم والأخ والأخت والمستقبلين ورجال البلد… إلخ، ولكنها ستفقد أهميتها كدوال دون عنصر دخيل على البنية السردية يؤكد أهميتها كمدلولات، فالرجل الذي لم يعرفه الراوي، ربعة القامة لا طويلها كباقي السودانيين، في نحو الخمسين أو يزيد من العمر، ورغم ذلك شعر رأسه كثيف ومبيض، كل هذه صفات جوهرية مفارقة لعنصر دخيل على عالم القرية، يثير التساؤل، وفي نفس الوقت يدفع إلى الالتفاف من حول “العشيرة” لأجل الوقوف على جواب شاف هو في الواقع الالتفاف من حول العشيرة بحد ذاته، لأن فعلاً كهذا لا يكون إلا بفواعله القادرين على ذلك، ومن القدرة تأتي الأهمية. العنصر الدخيل إذن عنصر متنافر ذو فعلين في آن واحد، يفرّق، ويجمّع، ولكن الراوي لن يلبث أن يحصل على كل المسوغات التي تحفظ لعالم القرية المتجانس وحدته البنيوية واندماجه الوظيفي: “وقال أبي إن مصطفى ليس من أهل البلد” (ص 6)، وفي الحال يتابع الحديث قائلاً: “لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام، اشترى مزرعة، وبنى بيتًا، وتزوج بنت محمود… ” (ص 6) أي لا مكان في هذا الفضاء “الخاص” إلا لمن له صفات الأهل، وطالما هم “لا يعلمون الكثير” (ص 6) عنه، يفرضون عليه البقاء “في حاله” (ص 6).
            سنعود إلى شخصية مصطفى سعيد، الشخصية الرئيسية في الرواية، لنلقي الضوء على بنيتها الفنية مفصلين كل مستوياتها، ولكننا أردنا أن نستخلص ما أراد الراوي استخلاصه تحت فصل “المفهوم عن الذات”، ألا وهو أن هذه الذات ذات طيبة طوباوية مثالية تقوم “العشيرة” في صلبها بعد أن تصبح “العشيرة” مرآتها، كالنخلة “الضاربة في الأرض” (ص 6) “مثل تلك النخلة مخلوق له أصل، له جذور، له هدف” (ص 6)، ووجود مصطفى سعيد، الغريب، في القرية، هذا الوجود، ستصبح له الدلالات نفسها التي للذات، للعشيرة، للنخلة: الأصل، الجذور، الهدف، بعد أن يشتري صاحب الوجود مزرعة، ويبني بيتًا، ويتزوج من بنات القرية من يتزوج، ومع مر الأيام سيغدو هذا الوجود، وهو الأهم، مألوفًا، بعد أن يتم استيعابه كغريب كمختلف كمنعزل كمورفيم (يعرّف باسمه الصغير “مصطفى”)، وسنعود إلى التجانس في مجتمع القرية النائي والبدائي في بنيته وعلاقات         
* يتبع المفهوم عن الغرب
* من كتاب موسم الهجرة إلى الشمال أو وهم العلاقة “شرق-غرب” الدار البيضاء 1984
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: