مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

تراث العفاريت

تراث العفاريت
 
هشام حتاتة
خاص بالموقع
من المعروف والغريب فى آن واحد ان كلا من الحضارتين الزراعيتين فى منطقة الشرق الاوسط ( وادى النيل – الرافدين ) لم تترك لنا فى وثائقها المكتوبة اى حديث عن الجن والعفاريت او اى كائنات غير مرئية اخرى ، نضف الى ذلك حضارة بلاد سوريا القديمة . وهنا يأتى التساؤل : لماذا جزيرة العرب بالذات يمتلئ تراثها قبل الاسلام بحديث الجن والعفاريت مما كان له اثره الواضح فى القرآن واصبح ضمن التراث الاسلامى ايضا ، حتى ان هناك سوره كاملة باسم ” سورة الجن ” ونعرف قصة الجن الذين اسلموا على يد الرسول بين مكه والطائف عندما اناخ ليستريح بعد ان تعرض فى الطائف الى الاساءات البالغه من اهلها عندما ذهب يدعوهم للايمان بنبوته فاطلقوا عليه صبيانهم يقذفونه ويسبونه وقال قولته المشهورة ( اللهم انى اشكو اليك شعفى وقلة حيلتى وهوانى على الناس ….. الخ ) ونعرف ايضا من سورة الجن انهم يتسلقون فوق اكتاف بعضهم ليصلوا الى السماء ويتصنتوا على ماتسطره الملائكه من اوامر الهية تتعلق باقدار الناس ثم يعودا لاخبار الكهان الذين بدورهم ينقلوه الى الناس ، ونعرف ان هناك حراسا للسماء من الملائكة مهمتهم محاربة الجن المتسلقين فيقذفونهم بسهام نارية وهى التى نراها حتى الآن فى السماء تشبه السهم المنطلق مشتعلا بالنار فنردد : ( سهم الله فى عدو الدين ) .
ولكننا نفوجئ بالعلم الحديث لايذكر لنا شئ عن ساكنى السماء المذكورين ، ونعرف ان سهم الله فى عدو الدين ماهو الا حجارة تنفصل عن بعض الكواكب السيارة والتى تخترق الغلاف الجوى للارض، ونظرا لسرعتها واحتكاكها بالاوكسجين الارضى تشتعل ، بعضها احترق تماما قبل ان يصل الى الارض والبعض الآخر وصل اليها فى احجام مختلفة حسب الكتله والسرعة ، يغلفها اللون الاسود الناتج عن الاحتراق وعندما رآها الانسان البدائى اعتقد انها حجارة ساقطة من عرش الرحمن فى الاعالى واعتقد ان عرش الرحمن يعلوها مباشرة دون حساب الكتله واتجاه الريح . وكان الحجر الاسود فى الكعبة ضمن هذه الاحجار يصاحبه اعتقاد بانه ساقط من عرش الرحمن الذى يعلوه مباشرة .
– لماذا جزيرة العرب بالذات مليئة بالاعتقاد فى الجن والعفاريت دونا عن حضارات سامقه وسابقة عنها فى الرقى الحضارى والمعرفى ؟
نعم .. عرف المصري القديم السحر ولكن دون جنى يتسلق على الاكتاف ليتصنت على اخبار السماء ، ولكنه عرف سحر الكلمة .. فقد ( عرفت الحضارة المصرية القديمة السحرحتى ان الدين ارتبط بالسحر والسحر ارتبط بالدين ، ولكن بمفهوم آخرمختلف عن وسائط الجن ، فالسحر فى الحضارة المصرية القديمة ارتبط بالكلمة ، بالكلمة يتحقق الفعل ، الكلمة تستمد قوة خفيه فتتحول الى ” اله ” يقرر وينفذ ، ورما هذا ماجعل للكلمة الها معترفا به لكل المصريين هو الاله ” يحتوت ” أو الاله ” توت ” : رب الكلمة والكتابه والمعرفة ، ففى السحر تتحول الاشياء كلها الى رموز ، فيصبح الشئ هو الرمز نفسه ، والرمز هو الكلمة مثل : ان تحرق انسانا عندما تحرق تمثاله او صورته – و نلاحظ ان هذا الفعل مازال تعبيرا رمزيا فى المظاهرات السياسية الآن كتعبير رمزى عن رغبات المتظاهرين ) راجع :السحر فى مصر القديمة لـ ” واليس بدج” ترجمة وتقديم د. عبدالهادى عبدالرحمن .
عندما كانت قبائل الجزيرة تتقاتل وتتصارع وتتآكل حول آبار المياه ومراعى الكلأ والعشب ضمن قانون البقاء ، كان المصرى القديم مستقرا حول مجرى النهر ، يقدم للكهنة بعض من انتاج الارض ، ليتفرغوا للتأمل والاستقراء والملاحظة داخل المعابد ، وتوصلوا الى فكرة العدل المرتبطه بالثواب والعقاب والحساب فى عالم آخر بعد الموت امام الاله ( الطيب ..!! ) اوزيريس ، والتى كانت البداية الاولى لانبثاق الضمير، ومع خطوات تطورية اخرى ظهرت فى الفكر المصرى ثلاثية :
الـ ” باه ” : وهى الروح التى تنتج انفاس الحياة .
والـ ” كا : وهو القرين الملازم للانسان ويبقى بعد موته .
والنفس : وهو الانسان الذى يجمع بين ” البا” و ” الكا” .
وان كان الانسان الحديث اعترف بثنائيتين الروح والنفس ( نقول الانسان الحديث والعلم الحديث، حيث ان العلم التجريدى لايعترف بالروح ، وان الموت ليس خروجا للروح من الجسد ولكنه انتهاء وظائف الجسم الحيوية ) ، الا ان الكا ( القرين ) دخل الفكر الدينى وبقى حتى الآن فى الميراث الثقافى الاسلامى .
ونقرأ عن الخرافة فى حديث نبوى (عن عائشة قالت : حدث رسول الله (ص) نساءه ذات ليلة حديثا ، فقالت امرأة ، يارسول الله كأن الحديث حديث خرافة، فقال : اتدرون ماخرافة ؟ ان خرافة كان رجلا من عذرة اسرته الجن فى الجاهلية فمكث فيهم دهرا طويلا ثم ردوه الـــــــى الانس فكان يحدث الناس بمارأى من الاعاجيب فقال النـــــــــاس :حديث خرافة ) مسند بن حنبل ، المطبعه الميمنية ، مصر ج/2 ص / 281
اذن .. فكما جعل التجريد البدوى للخرافة رجلا ارتحل الى الجن ، وجعل لله عرشا وكرسيا متمثلا عروش عظماء ذلك الزمان ( كسرى – وهرقل) وبالتالى فان بدوى الجزيرة العربية قبل الاسلام اسقط واقعه على عالم الجن فتخيلهم فى قبائل على شاكلته تعيش فى وادى خاص فى البادية اطلقوا عليه اسم ” وادى عبقر” حتى اصبح يقال فى المثل ” كأنهم جن عبقر ” ، ومن هنا ايضا اطلق على كل انسان يتميز بصفات متفردة او متفوقة كلمة ” عبقرى” نسبة الى جن وادى عبقر ، او الى وادى عبقر الذى تسكنه الجن .
ومن هنا كان الجن وليد ثقافة شبه الجزيرة العربية فقد ( كان ارتبــــــاط ظاهرتى ” الشعر والكهانة ” بالجن فى العقل العربى ، وماارتبط بهما من ارتباط العربى بامكانية الاتصال بين البشر والجن هو الاساس الثقافى لظاهرة الوحى الدينى ذاتها ، ولوتصورنا خلو الثقافة العربية قبل الاسلام من هذه التصورات لكان استيعاب ظاهرة الوحى امرا مستحيلا من الثقاتفية ، فكيف كان يمكن للعربى ان يتقبل فكرة نزول ملك من السماء على بشر مثله مالم يكن لهذا التصور جذور فى تكوينه العقلى والفكرى ، وهذا كله يؤكد ان ظاهرة الوحى – القرآن – لم تكن ظاهرة مفارقة للواقع او تمثل وثبا عليه وتجاوزا لقوانينه ، بل كانت جزءا من مفاهيم الثقافة ونابعة من مواصفاتها وتصوراتها . ان العربى الذى يدرك ان الجنى يخاطب الشاعر ويلهمه شعره ، ويدرك ان العراف والكاهن يستمدان نبوءتهما من الجن لايستحيل عليه ان يصدق بملــــــك ينزل بكلام على البشر . لذلك لانجد من العرب المعاصرين لنزول القرآن اعتراضا على ظاهرة الوحى ذاتها ، وانما انصب الاعتراض اماعلى مضمون كلام الوحى او على شخص الموحى اليه ) مفهوم النص . د. نصر حامد ابوزيد طبعة الهيئة المصرية للكتاب ص 38 .
ــ الظرف الموضوعى لظاهرة الجن فى جزيرة العرب :
كعادتنا فى تفسير اى ظاهرة نبدأ دائما من الجذور، فالجذور دائما مرتبطه بالزمان والمكان وظروف البيئة فى توليد الفكر والثقافة ، ومادمنا فى مناقشة الظاهرة الدينية فى منطقة الشرق الاوسط ، سنجد انفسنا مضطرين الى الوقوف امام الحضارات الثلاثة فى هذه المنطقة حيث انتج كل منها قفافته الخالصة بداية من الاساطير وانتهاءا بالاديان ( حضارة زراعية خالصة فى مصر الفرعونية انتجت ” البا ” و” الكا” والنفس ، وحضارة هجين فى منطلقة الرافدين انتجت اسطورة الخلق الاولى من الفخار ، وحضارة بدوية غارقة فى التخلف والجهل والتجريد انتجت ثقافة الجن )
فالجن لم يكن ايضا بعيدا عن الظرف والواقع الارضى الذى انتجه حيث ذكرنا فى دراستنا عن ( رحلة المراة من التقديس الى التبخيس ) ان الارض تعرضت الى صدام مباشر بين مذنب الزهرة القادم من خارج المجموعة الشمسية وكوكب الارض قبل ان يستقر كأحد كواكب مجموعتنا ( راجع البحث الموسوعى الضخم من جزأين بعنوان : عوالم فى تصادم – عصور فى فوضى للباحث ايمانويل فلايكوفسكى والذى امتلأ بالعديد من الشواهد التاريخية من الحضارات القديمة حول العالم واساطير هذه الشعوب وبعض من الوثائق المصرية القديمة فى قراءة جديدة ليحاول فى النهاية ان يعلمن ظاهرة دوام الشمس فى السماء ووقوف القمر اثناء حرب يوشع بن نون ، وان الوصايا العشر لم تكن سوى اصوات لهذه الانفجارات بين مذب الزهرة وكوكب الارض ويفسر ايضا سبب ملوحة مياه البحار ووجود النفط فى باطن الارض ) مما يفسر لنا سقوط العديد من الاحجار المشتعلة وكميةالنيران المنبعثه من النيازك والشهب ثم الحرائق الناتجه عن هذا الصدام مع جيشان الارض وتصاعد الابخره والدخان ، ويبدو ان جزيرة العرب كانت مركز هذا الصدام والتى تحولت بعده من منطقة غابات كثيفه – كما يقول علماء الجيولوجيا – الى صحراء جرداء .
وكما كانت صناعة الفخار من الطين الصلصال( المنتن او المتخمر ) اساسا فى التخيل الانسانى فى بلاد الرافدين لصناعة الله للانسان الاول ( آدم ) فأن ارتطام مذنب بحجم كوكب الزهرة بالارض كان كفيلا باثارة الفرع والرعب فى بدوى جزيرة العرب الذى لم يعرف من علوم الفلك شيئا ولم يعرف حقيقة هذا الصدام الذى يبدو ان دول الحضارات المحيطة والتى تاثرت به ايضا كانت علومها الفلكية قادرة على معرفة هذا الصدام ، ولذا نسبه الى كائنات غير مرئية تتواجد بين السماء والارض ( ولانسى ان سورة الجن ايضا تحمل لنا نفس المفهوم ) وتلك الكائنات مخلوقة من النار وتتشكل حسبما تريد وتحرق الارض والانسان اذا اقتربت منه وتثير الفزع والرعب ، اطلق عليها اسم ( الجان- مشتقا من الجنون ، ولانها ايضا اذ تلبست انسانا تسبب له الجنون ) وان كنا لاندرى كيف للجان المخلوق من النار ان يتلبس الانسان دون ان يحرقه ؟ ولكن هذا المنطق الاستدلالى كان غائبا عن الفكر البدوى فاعتقد ان الامراض النفسية والصرع والجنون هو تلبسا للجان داخل جسم الانسان …!!
** يفيدنا القرآن انه ( خلق الإنسان من صلصال كالفخار) و( من حمأ مسنون ) وحسب التفسير فالصلصال يعنى المنتن ، أي الصلصال من حمأ وهو الطين، والمسنون الأملس . والمعنى العام يعنى مزج التراب بالماء حتى يتخمر ويصبح عجينه قابلة للتشكل فصنع منه آدم على هيئة دمية فخارية وتلاها نفخة الروح الالهية ليصبح انسانا ، واذا عرفنا ان صناعة الفخار هى اقدم الصناعات التى عرفها الانسان فى الرافدين ليصنع منه الاوانى الفخارية للطعام والشراب ويصنع منه التماثيل والدمى بعضها للعبادة والآخر لطرد الارواح الشريرة ، عرفنا كيف تخيل الانسان فى حضارة بلاد الرافدين عملية الخلق الاولى وصاغها ضمن اساطيرة عن بداية الخلق ، والتى بدات بتمثال من الصلصال يقوم بعدهاالاله بنفخة الروح ( نفخنا فيه من روحنا )
فماذا يقول القرآن عن الجان وماذا يقول المفسرون ؟ ومدى ارتباط ذلك بماذكرناه من نواتج هذا التصادم ؟
ــ ( والجان خلقنا من قبل من نار السموم ) 27 الحجر
تفسير بن كثير : وقوله: ( والجان خلقناه من قبل) أي من قبل الإنسان، ( من نار السموم) قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل، وعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار، وقد ورد في الصحيح: (خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) “”رواه مسلم وأحمد عن عائشة””، والمقصود من الآية التنبيه على شرف آدم عليه السلام، وطيب عنصره وطهارة محتده.
تفسير الجلالين( والجان ) أبا الجان وهو إبليس ( خلقناه من قبل ) أي قبل خلق آدم ( من نار السموم ) هي نار لا دخان لها تنفذ من المسام .
تفسير البغوى
( من نار السموم ) والسموم ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله . ويقال : السموم بالنهار والحرور بالليل . وعن الكلبي ، عن أبي صالح : السموم نار لا دخان لها ، والصواعق تكون منها ، وهي نار بين السماء وبين الحجاب ، فإذا أحدث الله أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت ، فالهدة التي تسمعون في خرق ذلك الحجاب .
وقيل : نار السموم لهب النار . وقيل : من نار السموم أي : من نار جهنم .
وعن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، فأما الملائكة فإنهم خلقوا من النور .
ــ ( وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان ) الرحمن
تفسير الطبرى : كذلك الجن الأول خلق من نار ، ومن بعده من ذريته خلق من مارج ، والمارج المختلط ثم فيه وجهان : أحدهما : أن المارج هو النار المشوبة بدخان . والثاني : النار الصافية . والثاني أصح من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ : فلأنه تعالى قال : ( من مارج من نار ) أي نار مارجة .
اذن … ماذكره القرآن عن خلق الجان من النار وتشكله كا الدخان ومايسببه من فزع وتلبسات للبشر ليس بعيدا عن نواتج صدام مروع بين احد المذنبات والارض ، والمعروف ان الارض تعرضت لعدة صدامات من الفضاء الخارجى منذ العصور السحيقة والتى ادى بعضها الى فناء اليناصورات وصولا الى صدام مذنب الزهرة والذى افنى الحياة فى شبه جزيرة العرب وبعض المناطق الاخرى فى الشرق الاوسط والعالم والذى- كما يفسر لنا فلايكوفسكى ظهور النفط بكثافة فى كل الاراضى الصحراوية فى منطقة الشرق الاوسط – فنزول النفط من كوكب الزهرة الى باطن الارض كان متوافقا مع ابادة الحياة النباتية فى هذه المناطق .ولاننسى ان بعض علماء الانثربولوجى يدللون ان جزيرة العرب كانت الخزان البشرى الذى انتقل منه الجهرات الى باقى منطقة الشرق الاوسط ، والهجره لن تكون الا بعد كارثة انهت الحياه النباتية والغابات فى تلك المناطق .
وفى المقال القادم سنوضح المزيد من الاسباب التى رسخت ثقافة الجن فى نفوس بدو جزيرة العرب واصبح الايمان بوجود الجن من المسلمات الدينية ومن ينكرها كافر ومرتد ويستحق الاستتابة .
فى جزيرة العرب كان التجريد الصحراوى بديلا للخيال الزراعى ، كان امتداد الصحراء يولد صباحا ظاهرة ” السراب ” ، ويولد مساءا اصواتا تأتى من بعيد ، وهى التى يعرفها علم النفس الحديث بالهلاوس البصرية والسمعية التى تأتى من خلال معايشة السكون والوحشة والاغتراب .. علاوة على ذلك لاحظ البدوى فى الصحراء عواصف رملية فجائية تثار بين الحين والآخر لايعرف لها سببا ، احيانا تكون على شكل دوائر حلزونية تثور من الارض فجأة مرتفعة نحو السماء . ومن هذه الظواهر الصحراوية تكون فى وجدانه ان هناك مخلوقات اخرى غير مرئية وراء مايراه ويسمعه وربط بينها وبين حالات الجنون التى تنتاب البعض فى هذا الزمن البعيد افطلق على هذه المخلوقات الغير مرئية اسم ” الجن ” ( واذكر انه فى طفولتنا كنا نطلق على تلك الدوائر الحلزونية المرتفعة من الارض الى السماء كلمة ” فسية العفريت ” اى ان فساء العفاريت هو سبب هذه الزوابع ، والتى انتقلت الينا عبر ثقافة البدو مع الدين الاسلامى
ــ بالاضافة الى ذلك فان هذا البدوى عندما كان يرتحل الى بلاد الحضارات المحيطة فى رحلاته التجارية ، كان يجد المنشآت العظيمة الشاهقة الارتفاع التى كانت نتيجة لتكاتف البشرفى المجتمع الزراعى فى ظل حكومة مركزية قوية ، والتى لم يكن البدوى فى تشرذمه القبلى قادرا على انجازها ، فتيقن أكثر بأن القوى الغير مرئية فى صحرائه هى التى شيدت هذه الانشاءات الضخمة .ولانها شاهقة الارتفاع فقد اعتقد ان اجدادنا كانوا طوال القامة ، وقرأنا ذلك ضمن التراث البدوى فى ان المصريين القدماء كانوا عمالقة ، وان قبيلة عمليق التى سكنت مكه قديما كانت من اصل مصرى . وعندما رأى الكتابات الهيروغليفية ( التصويرية ) على المعابد والمسلات اعتقد انها طلاسم سحرية استخدمها المصريين القدماء لتسخير الجن فى هذه الانشاءات .
ومن هنا نقول انه كما انتج المجتمع الزراعى اللغة والتدوين والروح كناتج طبيعى لجدل الانسان ، فأن المجتمع الصحرواى انتج تراث الجن والعفاريت ، والذى اخذ ينتقل من جيل الى آخر بالرواية الشفاهية والتى تعتمد اساسا على التهويل لابهار السامعين والتى نعرفها الى الان فى اللغة العربية تحت مسمى المحسنات البديعية وتعنى اسر الباب السامعين بالاطناب والتورية والطباق و …… الخرافة .. !! والتى لاصقت البدوى عبر تاريخة الطويل فانتج لنا المئات والالوف من المعلومات الخرافية التى تمتلئ بها كتب التراث .
ـ ان الخطاب القرآنى لم ينفصل عن الثقافة العامة ، ثبت وبدل وغير ، ارتفع بمكانة المرأة ولكنه فى نفس الوقت لم يسلب الرجل قوامته وثقافته الذكورية .. ولم يحرم الرق ولكنه حض على العتق .. وضمن هذه المنظومة الثقافية كان الوجود الطاغى للجن والعفاريت فنجد :
** فى الحديث عن جن مملكة سليمان ( قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لاينبغى لاحد من بعدى انك انت الوهاب ، فسخرنا له الريح تجرى تجرى بأمره رخاء حيث اصاب ، والشياطين كل بناء وغواص ، وآخرين مقرنين فى الاصفاد ) 35- 38 سورة ص
** وعن ملكة سبأ ( قال عفريت من الجن انا اتيك به قبل ان تقوم من مكانك وانى عليه لقوى امين ، قال الذى عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك … ) 39- 40 سورة النمل
** وعن استرقاق السمع ( وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وانا ظننا ان لن تقول الانس والجن على الله كذبا ، وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ، وانهم ظنوا كماظننتم ان لن يبعث الله احدا ، وان لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا )
هذه هى الآيات المحورية التى جاء فيها ذكر الجن وافاعيلهم ونستخلص منها :
1) كانوا غواصين وبنائين للنبى سليمان وبعضهم مقرنين فى الاصفاد ( اى القيود والاغلال ).
2) كانت لهم قدرة تفوق البشر فاقترحوا على الملك سليمان ان يأتوا بعرش ملكة سبأ قبل ان يقوم من مقامه ، ولكن الذى عنده علم من الكتاب احضر له العرش قبل ان يرتد اليه طرفه ( ونلاحظ ان الذى عنده علم من الكتاب كان اكثر قدرة وسرعة من الجن . وان الذى عنده علم من الكتاب فى هذا الزمان كانوا الانبياء .. )
3) ان الجن كانوا يسترقون السمع على السماء لاخبار رجالهم من الانس ” الكهان ” بمايكتبه الملائكة من اقدار البشر .. ولكن السماء بعد البعثه المحمدية ملئت حرسا تترصدهم فتحرقهم . وهو مانقوله حتى الآن عندما نجد شهبا فى السماء ” سهم الله فى عدو الدين ..!)
ولكن .. ومع كل هذه القدرة التى يتميز بها الجن نعلم من المفسر القديم ان الجن لم يعرفوا بموت الملك سليمان وهو جالس على كرسيه مستندا على منساته ( عصاه ) الا عندما نخرالسوس فى العصا ( لاندرى كم عدد الشهور او السنين ..!! ) وسقط الملك على ارض فعرفوا بموته ، وان كان هذا تساؤل مطروح ، الا اننا ازاء تساءل اكثر الحاحا :
ـ الملك الذى يسوس مملكة عظيمة ، ولها وزراء وعدد لايحصى من الزوجات يموت على كرسيه ( ولاندرى ايضا المدة التى استغرقها السوس فى نخر عصاته .. ) دون ان تسأل عنه نسائه الذى نعرف انه كان يدور عليهم كل ليله .. ؟؟ ولم يعرض عليه وزرائه واركان مملكته اى من امور المملكة خلال هذه الفترة .. ؟؟
ومن الملاحظ ان توراة اليهود لم تذكر شيئا عن جن سليمان ولا عن مملكته العظيمة التى سخرهم لبنائها ، فقصة الملك سليمان النبي في القرآن تختلف اختلافاً بيناً وجوهرياً عما وردت في توراة بني إسرائيل وإن اتفقا معاً في نسبه فقط أن سليمان كان من “آل داود” كما أنه ورث الحكم عن أبيه. (وورث سليمان داود) و ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب) .
 
ويذكر لنا الأستاذ أحمد عثمان ( فى دراسه من عدة اجزاء بعنوان – تاريخ اليهود – أن القصة القرآنية تختلف اختلافاً جوهرياً عن قصة العهد القديم في:
1- لم يذكر القرآن أي شيء عن مملكة سليمان الممتدة ما بين النيل والفرات
2- ولم يذكر القرآن أنه قام ببناء معبد القدس(هيكل سليمان)
3- لم يرد في القرآن أي ذكر للقدس أو بيت المقدس أو فيما يخص الروايات المتعلقة بسليمان أو بأبيه داود .. وهناك إختلافات أخرى غير التى ذكرها هى
4 – يعتبر إله الكتاب المقدس أن الجن والشياطين أرواح شريرة لا ينبغى التعامل معها بينما القرآن يذكر أن سليمان تعامل معهما بل كان يأمرهما
5 – ذكر القرآن أنه كان يكلم الطيور والحيوانات ويأمرها وهذا لم يذكره التوراة 6 – ذكر القرآن أنه سخر الرياح ..
7 – وبالقرآن نقرا قصة الملك سليمان مع ملكة سبأ والتي لا وجود في الكتاب المقدس اليهودي ولا لأي من تفاصيلها الموجودة في القران والغارقة في الخيالات من عالم جن وطيور وحشرات ناطقة. .. ويوجد إختلافات أخرى كثيرة
ويعتقد الباحث احمد عثمان أن قصة الملك سليمان القرآنية هى الأسطورة التى سمعها اليهود من كتابهم التلمود (الهاجادا ) الذى يحتوى على الأساطير الشعبية الخيالية اليهودية وكتبها أجدادهم فيه وأشار القرآن عن هذا الإتهام اليهودى فى سورة المطففين 5( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) هذه الأسطورة التلمودية عن الملك سليمان سجلها القرآن بصورة نثرية تناسب عقل العربى البدوى فأصبحت جزءا من تراثه الدينى .
ومن الملاحظ ايضا ان قصة سليمان في التلمود كما في القران هي عبارة عن حوادث متفرقة مفككة فرقها القرآن فى العديد من السور مثل سورة صَ، وسورة البقرة، وسورة النمل وسورة سبأ ، وسورة ألأنبياء وسجلها بصورة غير واقعيه وليست منطقية أو مسلسله أو محبوكة الأطراف فلم تماثل أو تشابه مثيلتها فى سفر ملوك الأول بالكتاب المقدس اليهودي.
والقارئ فى العصر الحديث لقصة الملك سليمان بالقرآن والأحاديت يتضح له أنها قصة أسطورية خيالية قريبه الشبه بقصص ألف ليلة وقصة علاء الدين ومصباحه السحرى وغيرها ..وفيما يلى ما يقرأه القارئ فى أمهات كتب المسلمين وقرآنهم .
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: