مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

رجل لم يكن يحلم

رجل لم يكن يحلم

 عبد المجيد الهواس:
عن مجموعته الليالي البيضاء (قصص)

أطل الليل من النافذة، وراح الظلام يقتحم الغرفة رويدا رويدا حتى لم يعد يرى شيئا على صفحات الكتاب المبسوط فوق ركبتيه. لم يفكر في
إشعال الضوء. ولم يشأ أن يترك الكتاب جانبا، نظر جهة النافذة، وتراءت له أضواء المدينة باهتة يكسوها ضباب كثيف. تخيل أنها ستطفأ لحظة ويعم ظلام طويل، ولحظتها سيخرج ليسير في طرقات المدينة متفحصا عماها. لم يكن مجنونا. هذا الفراغ القاتل يبيح كل شيء، وهو يعلم أنه لا يستطيع أن يجيد شيئا سوى أن يتخيل أشباحا تلتهم العالم فيسقط في عتمة أبدية. تساءل في صمت «أأكون مجنونا حقا؟ أليس العالم أكثر حلكة من ليل لا تشتعل فيه أضواء ولا تبرق فيه نجوم!» قام نحو النافذة وسحب فوقها الستارة كي لا يتسرب إليه ضوء الخارج، ثم جلس يتلمس صفحات الكتاب. لم يستطع أن يتحسس شكل الحروف تحت أصابعه، ولم يكن ذلك مهما، فقد حفظ كلماته عن ظهر قلب، وصار بإمكانه أن يغمض عينيه ويردد عباراته كما لو كانت تنبع من ذاته بعد أن تسربت إليه كما يتسرب الرمل عبر ثقب في الكرة الأرضية، ثم ارتخى على السرير وأطلق ذهنه للشرود. 2 عيناك صامتتان وثرثارتان.. أنت أيتها المجنونة.. عيناك تتقنان كل لغات العالم. من كثر ما نظرت فيهما لم أعد أفقه غير كلامهما. نجلس معا.. نثرثر، ندخن ونشرب القهوة السوداء. القهوة السوداء! هل تذكرين كم قرأنا لبورخيس؟ حين أصابه العمى وراح يشتهي اللون الأسود؟ هل تذكرين تلك المفارقة الشاسعة بين اللون الأسود والظلام؟ وهل تذكرين تلك «الخرائب الدائرية» و«الآخر»؟ مرة جلسنا على الشاطئ. ولم يكن الجو رومانسيا أبدا، كانت جثة ضخمة ما على الشاطئ. جثة «أجمل رجل غريق في العالم». تحلقت حوله نسوة القرية وألفينه أجمل وأضخم من كل رجالهن.. ساعتها قمت لتشتركي معهن في تنظيف جثته من الطحالب وتشييع جنازته بالورد والطيب. عزاء لي أن أتذكر الآن كل ذلك.. وجهك الأسمر والعينين الحاملتين. كان البحر يرتد إلى الخلف، وكنا نرتد إلى أعماقنا لنرى تلك الصورة الجميلة لأول لقاء.. في زحمة الشارع وسط زخم السيارات والمارة اصطدمنا وجها لوجه، ولم تكن أمامي سوى عينيك. ثم التقينا صدفة في معرض للوحات تشكيلية… لا أنكر أنك كنت التشكيل الرائع للأنوثة والجنون. تتربعين على الأرض وترسمين خطوطا ودوائر حلزونية على التراب، سألتك ذات مرة عن تلك العلامة الصغيرة التي تتكرر دائما في خطوطك، فقلت لي أنها طائر. لم تكن تشبه طائرا في شيء، لكنها كانت طائرك.. كان لا يغرد، لكن صوته كان أبديا.. كما صمتك! تكررت طرقات على الباب، فأفاق من غفوته.. لم يدركم مر من الوقت. ولم يخمن من الطارق… فتح الباب دون أن يشغل الضوء، لم يجد أحدا. أطل على الخارج، ولا أحد كان. حتى باب الحديقة كان مغلقا. تحسس جيوب سترته وأخرج لفافة تبغ أشعلها وجلس على العتبة يدخن في هدوء. كان ضوء المدينة شاحبا أكثر. صرخات سكارى وقهقهات تأتي من بعيد. أحس ببعض البرد، فانكمش على أعضائه مشغولا بتك الطرقات التي كانت تصدر عن لا أحد. تيقن أنه لازال يسمع نفس الطرقات في ذهنه. إنها تتكرر كما لو كانت صوت إزميل ينحت صخرة. وضع يده على رأسه محاولا إسكات الطرق الموجع، لكن عبثا، فهو لا زال يذكر التفاصيل تماما، كما في البداية… حين وقف أمام ذلك المكعب الصخري وفي يده مطرقة وإزميل.. كانت في ذهنه تتضخم صورتها ثم تضمحل. كانا قد افترقا لشهور قليلة، وأحس أنهما لن يلتقيا بعد ذلك، أبدا. لذلك قرر أن ينحت تمثالها كي يظل أبدا حاضرا معه.. ثم صار ينحت، فتفسد ضربات الإزميل على الصخر. مرت سنة وهو يحاول أن يشكل ذلك الجسد البديع على الصخر، لكن عبثا.. فهو لم يولد نحاتا، ومشوه ذلك الجسد الذي كان يخرج من الصخر! مرة ظل ينحت طول النهار، وحين سقط الظلام كان لازال ينحت.. لم يعد يرى شيئا، لكنه لم يستطع أن يفارق تلك العملية المرهقة من الضرب والحفر.. في الصباح كان يرى عينين تبرقان في الصخر.. كانتا جميلتين وحالمتين.. كانتا عينيها حقا.. نبعتا من الظلام، لكن الطرقات ظلت تضرب في الصخر عبثا دون أن ينبع منه ذلك الجسد الجميل.. وكان إحباطه آنذاك أكبر حجما من فراقها. أتذكرين ذلك اليوم الممطر الدافئ؟ وقفنا أمام محطة الباص، وكانت مكتظة كعادتها. تنحينا جانبا أمام باب المسرح نحتمي من المطر.. فخرج طفل من وسط الازدحام يصرخ ويبكي متفقدا كل الوجوه التي حوله. هرعت إليه امرأة تسأله، فتخلص منها بقوة، ثم تجمع حوله أناس كثيرون يتساءلون. لحظة رمقك بعينيه. كنا بعيدين بعشرين خطوة، وظل ينظر إليك.. كف عن الصراخ..وأنت وقفت مذهولة، فتفتحت عيناك من الدهشة فممدت له ذراعيك. بينما ركض إليك وارتمى في حضنك بفرح. اذكر جيدا كيف كان ينظر إلينا ذلك الشيخ العجوز الذي خرج من وسط الازدحام غاضبا وصرخ فينا : «لماذا تتركون أبناءكم هكذا… أي جيل هذا الذي يلد ويترك أبناءه يضيعون في الزحمة..!» لكن امرأة أومأت إليك: «امسكي ابنك جيدا يا ابنتي، فأبناء اليوم شياطين صغيرة.! ابتسمت لها، وعجزنا معا أن نشرح الأمر… إننا لا نعرفه، لكنه كان طفلا، وكان مدهشا أن يحدث بينكما ذلك السحر الغريب.. عدلنا ذلك اليوم عن ركوب الباص والذهاب إلى حفل افتتاح معرض للنحت، وفضلنا مشاهدة مسرحية «بيت الجنون». كان الطفل معنا، كان يضحك ويبكي ويركش بين الصفوف، ثم يتقلص في المقعد بيننا حالما ومنقبضا، ثم نام. خرجنا وأوصلنا مركز الأمن، فقد يأتي أحد يسأل عنه. كان اسمه … اسمه.. لا أذكر تماما.. أذكر أنه كان طفلا وكفى. 5 رمى عقب السيجارة، وعاد إلى غرفته، لم تشغله طرقات الباب طويلا، لكنه راح يتحسس أين وضع الكتاب.. تيقن أنه تركه على الفراش قبل أن يقوم إلى الباب. لكن شيطانا ما كان يحثه على ألا يشعل الضوء. «أي عبث يتلهى بأولئك العميان؟» غير أن بوخيس كان مطمئنا ومرتاحا. يتذكر بشغف لون فستان أخته الأصفر في «بوينس ايرس» دون أن يرها. لم يجد الكتاب، كان يعرف مواضع الأثاث جيدا. كان يتحرك في غرفته بجنون دون أن يصطدم بشيء، بدأ يردد بعض العبارات بصوت مرتفع. تلك العبارات الأخيرة التي رددتها على مسمعه حين أهدته الكتاب: «وحيث لا أكون تراني، لا تشعل أضواء فاسدة، إن الشعاع يفسد الحلم. يقلص امتدادي. مد يدك، وترنح في الجهات. ليس ثمة من ظلام ليس ثمة غير أضواء فاسدة تكشف قهرنا لمن سيرموننا في سراديب الأفول…». توقف فجأة، وأحس بأنفاس قوية تحوم حوله. أحس بالخوف، هب نحو النافذة كي يزيح عنها الستار، لكنه تبين أن الأنفاس تأتي من جهتها. ارتد إلى الخلف باحثا عن زر الضوء فلم يعثر على موضعه. اصطدم بالطاولة فسقط. أحس بدائرة ما تبتلعه، أراد أن يستمر في ترديد العبارات المتبقية كي يستعيد ثباته وهدوءه. لكن الأنفاس كانت تحاصره أكثر. أنفاس محمومة وغريبة، ثم حشرجة مخنوقة. أحس أن الظلام مصيدة تبتلعه، صرخ في ذعر، وارتج صوته بين الأثاث تاركا غير صداه. تكوم على نفسه ساقطا وسط الغرفة فانجلى كل شيء. صار كل شيء هادئا وطبيعيا، «وفي ثنايا الظلام يرقد ذلك الوهم ثقيلا وقاتلا» تمكن أن يجد زر الضوء. ضغط عليه فتفجر شعاع الضوء في كل الزوايا. كان الكتاب على الفراش كما تركه. وكان تحت الغطاء جسد ما يرقد هادئا كصبي! 6 ها قد بدأت تتعبني هذه المسافات الجارحة بيننا. انتظر عودتك عبثا. أترقب القطارات وصندوق الرسائل، لكن ساعات الانتظار تتحول إلى ليل طويل لم يعقبه نهار. أحيانا أتساءل لماذا صنع لنا القدر ذلك اللقاء في زحمة الشارع! لماذا اصطدمنا نحن الاثنين؟ أكان حظا أن نسير معا في رحلة عشق تنهينا إلى هذا الانفصام. كل الأشيائ بيننا كانت اصطداما. اللقاء والطفل والسفر. رسالتك الوحيدة لي كانت عقب رحيلك بيومين. كنت أنتظر أن أقرأ فيها صفحات طويلة، لكنك رسمت تلك العلامة التي سميتها طائرا وكتبت تحتها عبارة يتمية: «أنا هناك تلمسني، ومن بين ثنايا الكتاب ينبع صوتي إليك وما دونه صمتي!» مللت الصوت الذي يقهر بالاختفاء. أما في حاجة إلى عينيك وصمتك. صمتك كان ثرثرة.. عيناك كانتا كل اللغات. مرة كان صوتك رقيقا وعذبا. جلسنا أمام الشموع. وفضلت أن تقرئي لي قصة «الخرائب الدائرية» قبل إطفاء الشموع. وجلسنا حالمين، صوتك كان نارا ونورا وهواء.. ثم أنهيت القراءة ونظرت إلي مليا. كان في عينيك فرح كبير وخوف.. لم أستطع ساعتها أن أميز أيهما كان صادقا: الفرح أم الخوف؟ لأول مرة اندهشت من نظراتك وسألتك. – ماذا؟!! – حدث شيء ما. – حدث شيء ما – أي شيء؟! – صخب – صخب!!!؟ ثم أمام دهشتي وضعت يدك أسفل بطنك وهمست: «هنا». لم أدرك كيف قفزت عليك ألثم خديك وشفتيك وكل موضع في جسدك الجميل. كنت في خجل تبتسمين، وكنت أجن وأنا أداعب ذلك الانتفاخ الجميل. في الصباح كنت تبدين كئيبة وحزينة. كان لازال ذلك الفرح العظيم يغمرني، لكنك ما لبثت أن أوقفته كمدية في دمي. نظرت إلي شاخصة وأخرجت من بين شفتيك كلمات ميتة: «سأرحل. لا أريد من أحد أن يلحظ حملي.. سألده بعيدا وأعود إليك…» لم أدر كيف صدقت تلك الكذبة وتركتك في جنب ترحلين. مرت كل الشهور الكافية لوضع عشرة أطفال. أنت لم تعودي ولا طفل ودلت لي.. ألم يكن هينا أن نحتفظ بذلك الطفل الذي خرج من زحمة الباص..؟ ألم يكن أهون ذلك الشيء الذي اسمه القتل…!؟ 7 زفر في خوف وهو ينظر إلى الجسد الراقد تحت الغطاء، أزاح الغطاء برعب عن الجسد، فكشفت له لعنة الضوء عن ذلك التمثال الصخري المشوه الذي نحتته يداه صرخ بعنف كما لو كان يود أن يفتت تلك الصخرة. ثم تنبه إلى أن الشيء الجميل في التمثال قد انطفأ، تلك العينان كانتا كاذبتين، حفرتين غائرتين ومخيفتين. أقحم أصبعيه فيهما بعنف. فتفجر من أصبعيه ينبوعا دم ساخن. ثم راح يحفر بأظافره على طول الجسد ويترك خطوط الدم تسرح فوقه.. وكان الحفر والصراخ عنيفين. ثم تلمس البطن، فتح فمه برعب حين تبين أن البطن كان ضامرا ومتقلصا. انقشعت في ذهنه عبارات مجنونة من أول الكتاب: «في منتهى الأفق ارتفعت تلك الصخور الجميلة كالعلامات ترشف ضوء الشمس. يسقط الليل عليها فتبدو في المدى عقيمة تلك النتوءات التي تلك الشهوة..» كان يصرخ بالعبارة وهو يضرب بقبضتيه ورأسه على الصخر محاولا أن يتهشم بأسرع ما يمكن، وظل يقاوم الشلل حتى يختلط لحمه ودمه بذلك التمثال المشوه العقيم

 

عن المجموعة القصصية (الليالي البيضاء)

 

.

 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: