مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

المتخيل الروائي واستدعاء الشخصيات الأدبية

المتخيل الروائي واستدعاء الشخصيات الأدبية
قراءة في “جيرترود” حسن نجمي *
 

د. محمد المسعودي
خاص بالموقع
يعد استدعاء الشخصيات الأدبية وتمثل جوانب من حياتها الواقعية أو المتخيلة قصد تشكيل متخيل النص الروائي وبناء عوالمه السردية من الظواهر الجديدة التي عرفتها الرواية العربية في العقود الأخيرة، وفي هذا الصدد تحضرني روايات من مثل: “عزيزي السيد كواباتا” للروائي اللبناني رشيد الضعيف التي تعد خطابا طويلا موجها إلى الروائي الياباني دون أن تركز على تفاصيل ترتبط بحياته أو أدبه، لكنها انطلقت من استحضار شخصية الروائي الياباني وبنت خطابها السردي في شكل رسالة طويلة تتوجه بالحديث إلى كواباتا الحاضر/ الغائب لتحكي عن أحداث الحرب الأهلية اللبنانية ومعاناة السارد من ظروفها الغامضة المضطربة والمتوترة، وتحضرني رواية “مصابيح أورشليم”  للروائي العراقي علي بدر التي استثمرت سيرة “إدوارد سعيد” وكانت منطلقا لبناء رؤيتها إلى الحياة والوجود واختلالات العالم المعاصر، وركزت على حال بغداد بعد حرب الخليج الأولى وما عاناه الإنسان العراقي من ويلات تلك الحرب، كما تجسد انقسام الآراء حول المفكر والسياسي الفلسطيني “إدوارد سعيد”، وتأتي رواية حسن نجمي عن “جيرترود ستاين” لتضيف إلى هذا النوع من التخييل الروائي نصا جديدا يراكم سمات وملامح فنية تتصل بهذا النمط من الكتابة الروائية، من جهة، ومن جهة ثانية يشكل علاماته الفارقة في سيرورة هذا المتخيل الذي يستثمر سير الأدباء لبناء الرواية.
تنطلق “جيرترود” حسن نجمي من سيرة الكاتبة الأمريكية كما ضمتها كتب سابقة وكتابات عديدة عنها لتكون شرارة بناء نص تخييلي عن جيرترود الأمريكية ومحمد المغربي/ الطنجاوي. ولعل اشتغال حسن نجمي بالسيرة الفعلية لهذه الكاتبة مع الحرص على بناء نص سردي/ روائي يضع مسافة بينه وبين السيرة الفعلية للكاتبة يذكرنا بما قام به “سومرست موم” في روايته عن “توماس هاردي” التي عنونها ب Cakes and Aleالتي ترجمت إلى اللغة العربية بعنوان “ذات الشعر الذهبي”، وهي الرواية التي صدرت بداية ثلاثينيات القرن العشرين، واتخذت من الحياة القلقة للشاعر والروائي الإنجليزي محورا لها، خاصة أن صاحبها عايش الكاتب وكانت تلك المعايشة منطلقا لكتابة روايته الإشكالية. كما تذكرنا بما قام به الكاتب والصحفي الكندي “كينيث لويس ماك جوجان” في روايته “شبح كرواك” من استدعاء تخييلي لشخصية “جاك كرواك” أحد أشهر كتاب جيل البتنيك في أمريكا استدعاء تخييليا وخاصة في استلهامه رواية “كرواك” الشهيرة: “على الطريق”. فكيف شكل الروائي حسن نجمي متخيل روايته استنادا إلى استدعاء شخصية “جيرترود ستاين”؟ وما حدود السيرة والرواية في تشكيل متخيل رواية “جيرترود”؟
تتشكل حكاية “جيرترود” في الرواية من منظور سارد يقتفي أثر شخصية مغربية هي شخصية محمد ابن مدينة طنجة الذي كانت الصدفة وحدها وراء لقائه بالكاتبة الأمريكية، وكان لذلك اللقاء أثر هام في تغير مصير هذه الشخصية وتحولها. والرواية في انشغالها بهذه الشخصية المحورية تجعلها في موازاة مع شخصية “جيرترود” الروائية والكاتبة الأمريكية. ولذلك فإن اهتمام السارد بهما كان جوهر النص الروائي، لكن هناك شخصية أخرى تشاركهما هذا الاهتمام: إنها شخصية السارد ذاته الذي يقبل لعبة كتابة سيرة مزدوجة لشخصيتين: أولاهما شهيرة ومعروفة وعاشت في الحقيقة وتركت أثرا في الوجود، وهي “جيرترود”، وثانيتهما شخصية مجهولة لم تعش في أرض الواقع الفعلي، وإنما هي شخصية متخيلة(*)، إنها شخصية “محمد” الذي ترك وطنه ورحل إلى باريس ليقيم في بيت الكاتبة الأمريكية وليحيا حياة لم تخل من متع ولذات حسية وروحية كثيرة، لكنه في نفس الآن قاسى مرارة التجاهل والحرمان واللامبالاة، واكتوى بنار تقلب مزاج الكاتبة الأمريكية وغيرة صديقتها: “أليس طوكلاس”. وعبر تداخل حكاية محمد بحكاية “جيرترود” المتخيلة، كما يبنيها الكاتب من خلال رؤية سارده، تتشكل قسمات المتخيل السردي في رواية “جيرترود”. وهذه القسمات تبدو في اتخاذ سيرة الكاتبة منطلقا لتناول قضايا راهنة تتعلق بالهجرة والكتابة والحب والاختلاف الثقافي/ الحضاري… وغيرها من القضايا التي تشغل شخصية السارد حسن الذي يبحث عن حقيقة علاقة صديقه بالكاتبة الأمريكية، فكان هذا البحث وسيلة لتناول قضايا تشغله هو ذاته قبل أن تشغل بطله محمد، أو شخصيته المستدعاة من أرشيف الأدب وتقاليع الكتابة الحديثة. ومن هنا تتداخل حكاية السارد/ الصحافي حسن بحكاية صديقه وبسيرة الكاتبة الأمريكية، وعبر امتزاج الحكايات الثلاث تتشكل عوالم الرواية التي لا تقف عند استرجاع حياة الكاتبة استرجاعا سرديا تقليديا يرصد حقائق حياة الكاتبة، وإنما تتشكل أحداث ووقائع درامية تبين طبيعة شخصية “جيرترود” من جهة في قوتها ومزاجها الحاد وفي علاقاتها المتنوعة بأدباء عصرها وفنانيه، كما تكشف، من جهة ثانية، عن طبيعة “محمد” وما عاشه من حالات نفسية، وخاصة في أثناء تأرجح علاقته ب”جيرترود” التي أذاقته مرارة الهجران والنكران. وفي تجاور مع هذه المحكيات نقرأ حكاية السارد، وهو يعمل على استرجاع حياة صديقه “محمد” الذي توفي في أحد مستشفيات طنجة، وترك له مهمة كتابة قصة علاقته الملتبسة بالكاتبة الأمريكية، وما كان لها من أثر تراجيدي في حياته.
يقول السارد مصورا جانبا من جوانب معاناة “محمد”:
“… في لحظات الالتباس العاطفي تلك، يمسك محمد تماما عن الكلام كما لو أنه ينزاح عائدا إلى دواخله. تتبدى له بختة، ابنةُ عمه، وهي تجري في اتجاهه بثوب أبيض، عروسةً مبتهجة تفتح ذراعيها في حقل من السنابل، وقد أفرد لها هو أيضا ذراعيه ويجري في اتجاهها! ولكن لا شيء من ذلك كان يحدث، فسرعان ما  يعود إلى يديه وهما تحركان الورق على الطاولة، في شقة جيرترود، في باريس. “لا خيال يمكنه أن يتحقق لفرط الرغبة أو الشوق!”، يخاطب نفسه. وكان واضحا أن حذقه في الورق قد تضاءل. خانته يداه هذه الليلة الرجيمة الباردة. هزمه روشي المرة تلو الأخرى، وكان يشكل مع أليس الطرف الخصم في اللعبة. أما جيرترود فبدت لاهية، تلقائية، وغير متحفزة. قال لها محمد:”أنا وأنت هشان هذه الليلة..”. ونهض فورا مغادرا الصالة. وفيما كان يصعد السلم الحجري بخطوات منكسرة، نحو غرفته العلوية، كان يشتم روشي وأليس وجيرترود..والآخرين..” (الرواية، ص.197)
بهذا السرد الهادئ الذي يعتمد الوصف والتصوير المشهدي يتمكن حسن نجمي من كشف معاناة شخصية محمد وضبط ملامح توتر علاقتها بالشخصيات الأخرى، وخاصة جيرترود التي صارت تعامله ببرود ولامبالاة وبقسوة وصلت حد طرده في مشهد درامي تراجيدي مما أدى بمحمد إلى الشعور بالانكسار والإحساس بالهزيمة المطلقة، ومن ثم الاستسلام إلى المرض والموت.
وإذا كان هذا المقتطف من الرواية يقف عند بطليها محمد وجيرترود، ويجلي جوانب من سيرة الصراع والتوتر والاختلاف بين عوائدهما وطبيعة نظرة كل منهما إلى الآخر، فإن الرواية عنيت بمحكي السارد حسن وأولته، بدوره، أهمية لا تقل عن الشخصيتين المحوريتين في الرواية. إن الاهتمام بشخصية السارد/ الصحافي وهو يسعى إلى صياغة نصه عن صديقه “محمد” وعلاقته ب”جيرترود”، يحظى بنصيب هام في النص الروائي، ومن خلال هذا الاهتمام تتشكل حكايته الخاصة وتتبدى طبيعة العلاقة التي ربطته بالشخصيات الأخرى، وعلى رأسها محمد وصديقته الأمريكية “ليديا” التي أعانته على اكتشاف حقيقة جيرترود من خلال ما كُتب عنها. وإذا كانت حكايات الشخصيات الثلاث في الرواية توهم باستقلال عالمها الداخلي واستقلال سيرورة الوقائع المرتبطة بكل واحد منها، فإن المتخيل السردي في الرواية يجعل هذه الحيوات متشابكة متصلة لا يمكن الفصل بينها، وخاصة حينما يجعل السارد حسن محور علاقته بصديقته الأمريكية هو الحديث عن علاقة جيرترود بمحمد، لنر هذا المشهد السردي على سبيل المثال:
“..كان وجهي قريبا من الشمعة المشتعلة على طاولة الأكل داخل مطعم “أونتر كوت”، entrecôtes ، حين سمعت ليديا تعلق. ” يا لها من امرأة استثنائية! كأنها سافو جديدة، تخلط الحب بالنبيذ، تلتهمها الإشاعات، وتنتصر.”. أقول لها. ” هي لم تنتصر، بل خسرته!”. وأشير إليها بيدي. ” انتظري، دعيني أحكِ لك أولا بقية التفاصيل…”. كان قد اعترف لي بأن إحساسه بالإهانة لم يكن فقط بسبب التخلي عنه وانصرافه من شقة جيرترود، وإنما تخطاه إلى ما هو أكثر. فقد توصل لاحقا بطرد بريد من باريس، وحين فتحه عثر على صوره التي كانت له مع جيرترود وقد اجتزأت الآنسة وجهها من كل الصور. كان ذلك إعلانا رسميا عن بداية النهاية. “أخرجتني الخنزيرة لا فقط من شقتها، بل من حياتها!”، كان يكرر القول إلى آخر أيامه. صور تحولت إلى أنصاف صور وأجزاء صور. مر عليها مقص الإبادة!”.(الرواية، ص. 294)
نكتشف من خلال المقطع المستشهد به طبيعة علاقة حسن بصديقته ليديا وكيف كان يسعى أن يفسر لها حقيقة شعور محمد الرجل المطرود المنهزم، الرجل الذي اقتسم روحه وجسده مع امرأة، ثم صرفته فجأة بجملة صغيرة:” إذا خرجت، لا تنس أن تغلق الباب خلفك!”. وهي كلمات تبدو سهلة للمرأة، لكنها تظل جرحا يرافق الرجل طوال حياته. وبهذه الشاكلة نرى الرواية لا تكتفي بسرد حياة جيرترود ومحمد، بل إنها تسرد حياة حسن وليديا وشخصيات أخرى. والأهم في هذا السياق هو التأويل الذي يشكله السارد انطلاقا من الوقائع، وفي ضوئه يفسر حياة صديقه والتباس علاقته بجيرترود، من جهة، وبأصدقائها من جهة ثانية.  
وهذا التركيب الروائي، والانفتاح على الحوار والجدل والتأويل، يجعل من الرواية وحدة متكاملة في سرعة إيقاعها السردي وحيوية أحداثها، كما تمكن السارد من الكشف عن الأبعاد السيكولوجية العميقة لشخصياته الروائية جميعها، وعن التباس علاقتها، وعن مكر الحياة بها.
وهكذا، يتبين لنا أن اتخاذ الآخر قناعا للحديث عن ذات ساردة عليا سمة جوهرية من سمات كتابة متخيل استدعاء الشخصيات الأدبية في الرواية. وهذه اللمحة الجمالية تشترك فيها رواية “جيرترود” مع الروايات التي ذكرناها في بداية هذه القراءة مما يؤكد تصورا نقديا رائجا مفاده أن جل أجناس التخييل، وخاصة الرواية، لا يكتب فيها السارد إلا عن نفسه في صورة آخر. ولعل هذا ما قام به الصحافي “حسن” الذي رأينا سيرة معاناته في لم وتجميع ما تفرق من أحداث وحكايا تتعلق بصديقه المغربي والروائية الأمريكية، وفي خوض لعبة الكتابة ذاتها. وفي نفس اللحظة التي كان يسرد حكاية صديقه محمد كان يسرد حكايته، وهو نفس المسار الذي اتخذته رواية سومرست موم التي حكى فيها سيرة سارده أثناء تركيزه على تصوير حياة الروائي الإنجليزي الكبير توماس هاردي، ومعاناته بسبب سلوك زوجته الثانية، وما قاساه من سلوكاتها الطائشة…
وبهذه الشاكلة يتخذ استدعاء مثل هذه الشخصيات الفنية أو الأدبية استراتيجية أساس، وهي اتخاذها منطلقا لبناء متخيل تتقاطع فيه إشكالات ذاتية معاصرة للكاتب، مع قضايا كتابة السيرة الغيرية، أو الرواية السيرية التي تذهب بعيدا نحو آفاق الخيال مع حفاظها، ولو على “شعرة معاوية”، لتتماس مع الواقع وتوهم به. وعبر هذه الاستراتيجية الفنية تحقق مثل هذه الروايات نكهة سردية خاصة بها، وتخلق أساليبها التشويقية، وحبكاتها الروائية المركبة أو المعقدة مما يجعل القارئ في حاجة إلى عدة معرفية ونقدية مختلفة عن عدة تعامله مع روايات الأحداث العادية لتقبلها والتفاعل معها. وقد استطاع حسن نجمي، في هذه الرواية، الإبانة عن مهارة روائية متميزة تجعلنا نتشوف إلى نصوص أخرى في مستقبل الأيام.
 

 

 

 

 

 

هامش:

 

 
*_ حسن نجمي، جيرترود، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 2011.
**_أشار الكاتب إلى أن شخصية محمد شخصية حقيقية أشارت إليها أليس طوكلاس في كتابها إشارة عابرة لا تتعدى سطرين، لكن هذين السطرين  كانا منطلقا لكتابة نصه الروائي، ومن جهتنا نعتبرها شخصية متخيلة لأن كل ما ورد عنها في الرواية هو من نتاج خيال الكاتب.
***_ قدمت هذه القراءة في اللقاء الذي عقدته جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي لتوقيع الرواية، أصيلة بتاريخ 17 مارس 2012.
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: